الخطبة : 0423 - حقيقة الإنسان5 - وخلق الإنسان عجولاً - الساعة البيولوجية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0423 - حقيقة الإنسان5 - وخلق الإنسان عجولاً - الساعة البيولوجية .


1993-01-15

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

خصائص الإنسان من خلال القرآن أنه خُلق عجولاً :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ في سلسلة الخُطب التي كان موضوعها خصائص الإنسان من خلال القرآن ، موضوع الخطبة اليوم أن الإنسان من خصائصه الخَلْقِيَّة أن الله خلقه عجولاً ، وقد لا ينتبه بعض المؤمنين إلى أبعاد هذه الآيات ، ربنا جلّ جلاله يقول :

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 11]

خلق الإنسان عجولاً
وفي آيةٍ ثانية - الآية الأولى في سورة الإسراء ، والآية الثانية في سورة الأنبياء - يقول الله جلّ جلاله :

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

[ سورة الأنبياء : 37]

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ العَجَلَةُ في تعريفها الدقيق طلب الشيء قبل أوانه .
والتقصير ، والتخلُّف ، والإهمال : طلب الشيء بعد أوانه . والاعتدال ، والالتزام : طلب الشيء في أوانه . فمن تعجَّل الشيء قبل أوانه يوصَف بأنه عجول ، ومن تركه إلى ما بعد فوات الأوان يوصف بالإهمال والتقصير ، ومن طلبه في وقته يوصف بالحكمة ، والحكمة ضالة المؤمن .

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة : 269 ]

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ليست كل سرعةٍ عَجَلَة ، فمن الأمور ما تقتضي أن تُنْجِزَها بسرعةٍ فائِقة ، وليس كل إبطاءٍ تَأَنٍ ، فمن الأمور ما لو أبطأت في إنجازها فقدَت قيمتها، إذاً ليست السُرعة ولا الإبطاءُ مقصودين لذاتهما ، ولكن السرعة والإبطاء أي السرعة عن الوقت المناسب ، والإبطاء عن الوقت المناسب .

 

الحكمة من خلق الإنسان عجولاً :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لماذا خُلق الإنسان عجولاً ؟ الإنسان أيها الأخوة الأكارم لا يرقى عند الله عز وجل إلا إذا دفع الثمن ، وقد يكون الثمن أحياناً أن تُخَالف طَبْعَك ، فللإنسان طبعٌ ، فإذا ما خالفه شعر أنه قدَّم شيئاً ثميناً ، أودع الله في الإنسان حُبَّ النساء ، إن غضَّ البصر مخالفةٌ للطبع ، وبمخالفة الطبع نرقى عند الله عز وجل ، أودع الله في الإنسان حُبَّ المال ، وكلَّفنا أن نُنْفِقَ المال ، ففي إنفاق المال مخالفةٌ للطبع ، وفي مخالفة الطَبْعِ نرقى عند الله عز وجل ، هناك خصائص كثيرة رُكِّبَت في طباع الإنسان ، فإذا ما خالفها ارتقى عند الله عز وجل ، من هنا قال الله عز وجل :

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾

[ سورة النازعات : 40-41]

أوامر التكليف تخالف الطباع ولكنها توافق الفطرة
نهى النفس عن الهوى . لذلك أيها الأخوة الأكارم ؛ أوامر التكليف تُخالف الطِباع ، لكنها توافِق الفِطْرَة ، وفرقٌ كبيرٌ بين الطبع والفطرة ، فطرة الإنسان بُنْيَةُ نفسه ، النفس لا تطمئن إلا بطاعة الله ، لا تستقر إلا أن يرضى الله عنها ، لا تشعر بالأمن إلا إذا لاذت بعظيم ، لا تشعر بالسعادة إذا اتصلت بخالقها ، الأمر والنهي ، أوامر التكليف تتوافق مع فطرة النفس ، لكنها تخالف طَبْعَ الإنسان ، وكأنَّ الطبع أقرب إلى الجَسَد ، وكأن الفطرة أقرب إلى النَفْس . من هذه المقدمة أيها الأخوة ركب الإنسان من طبيعةٍ عجْلَى ، فإذا أراد الآخرة ، إذا أراد الآجلة ، إذا أراد السعادة فيما بعد الحياة ، هذا مخالفٌ لطبعه ، طبع الإنسان يوَدُّ الشيء السريع ، يود الثمرة القريبة ، يود المكاسب الدُنيا ، لكن . .

﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾

[ سورة الإسراء : 19]

فأول شيءٍ في حِكْمَةِ أن الإنسان خلق عجولاً ، أن هذا الخلق بهذه الطريقة هو الذي يرقى به عند الله فيما لو أراد الآخرة ، فيما لو أراد الشيء الآجل ، لو أن الله سبحانه وتعالى خَلَقنا نُحِبُّ العاجلة ، وأردنا الآجلة ، لما ارتقينا عند الله عز وجل ، هذه بعض حكم أن الإنسان خلق من عَجَل ، يحب الشيء السريع ، يحب الشيء القريب .
خلق الإنسان عجولاً ليجاهد نفسه ويرتقي بها فيما لو أراد الآخرة
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر : هذه العَجَلَةَ تمثِّل في الإنسان محركاً يحركه نحو هدفٍ ما ، لو أن الأهداف أمامه مرسومة ، وليس عنده دافعٌ يدفعه نحو الأهداف ، يبقى في مكانه ساكناً ، لذلك رُكِّبَ في الإنسان ما وصفه القرآن بأن الإنسان عَجول ، خلق من عَجَل، هذه العَجَلَة بمعنى السرعة ، أي خلق في الإنسان دوافع قوية تدفعه إلى أهدافه ، يمكن أن نُشَبِّهَ هذه الطبيعة في الإنسان - طبيعة العجلة - بأنها محركٌ قوي ، هذا المحرِّك أيها الأخوة يحتاج إلى مِقْوَد ، وإلا أهلك صاحبه .
خلق في الإنسان دوافع قوية تدفعه إلى أهدافه
دائماً وأبداً الخصائص التي رُكِّبَت في الإنسان حيادية ، إما أن يرقى بها إلى أعلى عليين ، وإما أن يهوي بها إلى أسفل سافليين ، العقل أداة معرفة الله عز وجل ، مناطُ التكليف ، فإذا أراد الإنسان الدنيا ، يصبح الإنسان كما وصفه الله عز وجل أكثر شيءٍ جدلاً ، يستخدم هذا العقل الذي هو أعظم ما في الكون ، يستخدمه لتبرير أخطائه ، ولتغطية انحرافاته ، ولفلسفة دناءته وشَهْوانيَّته خصائص الإنسان حيادية إما أن يرتقي بها أو أن يهوي بها
وكذلك هذه القوة الدافعة التي تجعل الإنسان متحركاً ، يتحرك نحو أهدافه ، هذه القوة الدافعة وصفت في القرآن الكريم بأنها العَجَلَة .

﴿ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

[ سورة الأنبياء : 37]

وصفت :

﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾

﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

هذه القوة المحركة تحتاج إلى مِقْوَد ، تحتاج إلى منهج ، تحتاج إلى شرع من عند خالق الإنسان ، فما لَمْ يتكامل هذا المقود مع هذه الطاقة ، وهذه القوة الدافعة ، يكون الهلاك ، فإذا وصف الإنسان بأنه قد دمَّر نفسه لأنه كان عجولاً ، هذه العَجَلَة لمْ تقترن بمنهج الله عز وجل ، لمْ يستلهم الإنسان أمر الله عز وجل ، فعل ما نهى ، وترك ما أمر .

 

الخصائص النفسيّة التي رُكِّبَت في الإنسان لصالحه و صالح سعادته :

أيها الأخوة الأكارم ؛ بما أن الله سبحانه وتعالى ذاتٌ كاملة . . لو لم يخلق الإنسان عجولاً لفقد الدافع

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف : 180 ]

إذاً خَلْقُهُ كامل ، والخصائص النفسيّة التي رُكِّبَت في الإنسان لصالح الإنسان ، ولصالح إيمانه ، ولصالح سعادته في الدنيا والآخرة ، فإذا خَلَقَ الله الإنسان من عَجَل فهذه الخصيصة لصالح إيمانه ، ولصالح سعادته ، فإذا لم يكن كذلك ، افتقر الإنسان إلى القوّة المحركة ، افتقر إلى الدافع ، لذلك هذه الصفة العَجْلَى في الإنسان ، قوة الاندفاع هذه تحتاج إلى شرعٍ يسير عليه ، إلى منهجٍ يهتدي به ، إلى سننٍ لا يحيد عنها ، هذه تحتاج إلى أمرٍ من عند خالق الكون افعل ، ولا تفعل .

 

ثمار العَجَلَة غير المُتَبَصِّرَة :

1 ـ حبّ الدنيا :

أيها الأخوة الأكارم ؛ من ثمار هذه العَجَلَة غير المُتَبَصِّرَة ، كل إنسان عنده هذا الدافع نحو تحقيق أهدافه ، هذه القوة المحركة إن لم تهتد بهَدْي الله عز وجل ، إن لم تستلهِم خالق الكون ، إن لم تلتزم أمر الله ونهيه ، تصبحُ هذه القوة المحركة قوةً مدمِّرة .
العجلة في الإنسان يمكن أن تؤدي إلى هلاكه
أيها الأخوة الأكارم ؛ مثلٌ بسيط : هذا المحرك الذي صُنِعَ في أرقى معامل المركبات ، صنع ليحرك هذه السيارة ، ليحركها بقوةٍ كبيرة إلى أهدافها السليمة ، النبيلة ، فإذا قاد إنسان مركبةً وكان في حالة سكرٍ شديد ، ونزل بالمركبة إلى الوادي ، وأهلك نفسه وأسرته ، نقول : إن العلة في المحرك ؟ لا ، هذا كلامٌ غير صحيح ، العِلَّةُ في أنه أساء استخدام هذا المحرِّك ، أيْ إذا أفضت العجلة التي رُكِّبَت فينا إلى هلاكنا ، فالخطأ ليس في العجلة ، ولكن الخطأ في أن هذه العجلة تحرَّكت من دون مِقْوَد ، من دون شرعٍ يهتدي به الإنسان إلى سواء السبيل ، فلذلك الإنسان كما قال الله عز وجل :

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾

[ سورة آل عمران : 14 ]

هذه الشهوات التي أودعها الله فينا ، ما أودعها فينا إلا لنرقى بها إلى رب الأرض والسموات ، فإذا غَفلنا عن سر وجودنا ، وغَفلنا عن منهج ربنا ، قادتنا هذه الشهوات إلى هلاكنا ، لذلك : أول ثمرةٍ من ثِمار العَجَلَة العمياء غير المتبصرة أن نحب الدنيا .

((حب الدنيا رأس كل خطيئة . . .))

[الدر المنثور عن يحيى بن سعد ]

((حبك الشيء يعمي ويصم))

[الجامع الصغير عن عبد الله بن أنيس ]

((الدنيا تغر وتضر وتمر))

[ ورد في الأثر]

((الدنيا جيفة والناس كلابها))

[أبو الشيخ في تفسيره عن علي]

((الدنيا دار من لا دار له ، ولها يجمع من لا عقل له))

[ أحمد عن عائشة]

((فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشدة ، ألا وإن الله تعالى خلق الدنيا دار بلوى ، والآخرة دار عقبى))

[ من كنز العمال ]

من غفل عن سر التكليف واتبع شهواته سيهلك في الدنيا والآخرة
فحب الدنيا ثمرةٌ سلبيةٌ من ثمار العجلة التي رُكِّبَت فينا لتكون دافعاً إلى الله والدار الآخرة ، فغفلنا عن منهج الله ، فأصبحت هذه القوة المحرِّكة سبباً لهلاكنا ، ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾

[ سورة الإنسان : 27]

﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ﴾

[ سورة القيامة : 20-21]

((حفت الجنة بالمكاره ، وحفت النار بالشهوات))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

((ألا إن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ ، ألا وإن عمل النار سهلٍ بسهوة))

[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]

أول ثمرةٍ إذا غفل الإنسان عن اللهِ ، غفل عن سرّ وجوده ، غفل عن أمانته التي أودعها الله عنده ، غفل عن سرّ التكليف ، غفل عن حقيقته ، أقبل على الدنيا ، فيه دوافع تدفعه نحو شهواته ، فشيء طبيعي جداً أن ينطلق الإنسان إلى تحقيق شهواته إذا غفل عن ربه ، وحينما ينطلق هذه الانطلاقة يأخذ ما له وما ليس له ، يقع في البغي والعدوان ، فيستحق عقوبة الواحد الديَّان ، فيهلك في الدنيا والآخرة .

2 ـ طلب الشيء السريع :

شيء آخر : من ثمرات هذه الطبيعة العَجْلَى في الإنسان ، العمياء غير المتبصرة ؛ أنه يطلب الشيء السريع ، يطلب الثمرة غير اليانعة القريبة .

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾

[ سورة الإسراء : 11 ]

المال بدون ايمان ابتلاء من الله عز وجل وطريقك إلى الهلاك
يتمنّى أن يكون غنياً ، وليس في درجةٍ من العِلم تجعله يُنْفِق هذا المال في الوجه الذي أمر الله به ، يتمنّى الغِنَى مع أن الغنى من دون إيمانٍ ، ومن دون اهتداءٍ ربما كان طُغْياناً، وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام المصائب الوبيلة ، فذكر الغنى المُطغي أحدها ، قال :

(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا : هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا ؟ أَوْ غِنًى مُطْغِيًا ؟....))

[الترمذي عن أبي هريرة ]

المال من دون إيمان ، من دون وَرَع ، من دون استقامة ، من دون التزام ، مصيبةٌ كبيرة لأنها تُمَكِّنَ الغنيّ من أن يتفلَّت من أوامر الدين ، من أن ينطلق وراء شهواته ، من أن يحقق ما كان عاجزاً عن تحقيقه من المعاصي ، لذلك قال تعالى :

﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾

[ سورة الإسراء : 11 ]

كما لو كان خيراً .

﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً﴾

[ سورة الإسراء : 11 ]

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال عليه الصلاة والسلام :

(( نعم المال الصالح للمرء الصالح ))

[أحمد عن عمرو بن العاص]

لأن الإنسان لا تزول قدماه يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : من هذه الأربع :

((عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟))

[الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ]

العجلة التي لا ترافقها طاعةٌ لله وبال على صاحبها :

أيها الأخوة الأكارم ؛ آيةٌ ثالثة تتحدث عن طبيعة التَعَجُّل في الإنسان :

﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾

[ سورة البقرة: 216]

لذلك أيها الأخوة هذه القوة الدافعة التي عبَّر عنها القرآن بالعَجَلَة ، تحتاج إلى عقلٍ وإلى منهجٍ ، فإذا كان معها العقل والمنهج كانت قوةً نافعةً ، قوةً دافعة ، قوةً موصِلَةً إلى الله عز وجل ، أما لو كانت هذه القوة . . تصور مركبةً ذات محركٍ قوي بلا مقود ، إن قلت : إن الحادث حَتْمِيّ ، أنت لست مبالغاً ، لابد من أن تقع هذه المركبة بحادثٍ مهلك ، لأن قوةً تتحرك بلا مِقْوَد ، وهذا شأن الإنسان ، ليس الإنسان كائناً سكونيّاً ، كائناً متحركاً ، ما الذي يحركه ؟ شهواته ، هذه قوة الاندفاع هي ما عبَّر عنه القرآن بالتعجُّل .
إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه
أيها الأخوة الأكارم ؛ من تطبيقات هذه الطبيعة التي أودعت في الإنسان ، من تطبيقات هذه العَجَلَة العَمْياء غير المتبصِّرة أن الإنسان مثلاً يحب الربح السريع ، فيكذب ، ويغش ، ويحتال ، ويدلِّس ، من أجل أن يكون غنياً في أقصر وقتٍ ممكن ، حينما يكتشف الناس كذبه ، يكتشف الناس غِشَّه ، يكتشف الناس احتياله ، يَنْفَضِّون عنه ، إذاً هذه العجلة التي لم ترافقها طاعةٌ لله عز وجل كانت وبالاً على صاحبها .
وما من صاحبٍ حرفةٍ أيها الأخوة يستعجل الربح السريع إلا على حساب إخلاصه ، وإلا على حساب إتقانه ، وإلا على حساب نُصْحِهِ للناس ، فإن لم يكن ناصحاً لهم ، ولم يكن متقناً في عمله ، ولم يكن صادقاً ، ولم يكن نافعاً ، عادت هذه العَجَلَة ؛ أيْ طلب الربح السريع في الوقت القصير وبالاً عليه ، فأهلكته في الدنيا قبل الآخرة .
يا أيها الأخوة الكرام ، يا أصحاب الحرف ، دقق في إتقان صنعتك ، أتقن صنعتك ولا تدقق في الكسب الماديّ ، عندئذٍ ترتفع بين الناس ويأتيك المال ، أما إذا جعلت المال نُصْبَ عينيك ، وأردت أن تربح سريعاً على حساب إتقان عملك ، وعلى حساب إخلاصك في عملك ، وعلى حساب خِدْمَةِ الناس ، فعندئذٍ يقع الإنسان في شر عمله . أحياناً يهمل الإنسان بناء نفسه ، يريد مسكناً مريحاً ، دخلاً كبيراً ، عملاً رابحاً ، فيسلك طرائق ملتوية مخالفة للشرع من أجل أن يقطف ثمار الدنيا قبل أوانها ، قبل الوقت المُناسب ، عندئذٍ يهلك نفسه -دققوا - هؤلاء الذين أرادوا الربح السريع ، أو النجاح السريع ، أو العلو السريع ، أو الراحة المبكرة ، هؤلاء شَقوا طوال حياتهم ، الذي يبني نفسه بناءً صحيحاً ، الذي يطلب الشيء في أوانه ، الذي يدفع ثمن نجاحه في الحياة أمداً طويلاً ، هو الذي يقْطِف الثمار .
أحياناً يطلب الإنسان المُتْعَةَ قبل الوقت المناسب التي أباحها الله عن طريق الزواج ، يطلب هذه المُتْعَة قبل أوانها ، قبل الطريق المشروع ، فيقع في شَرِّ عمله ، يقع في حجابٍ بينه وبين الله ، يصبح مقطوعاً عن الله عز وجل ، ينطفئ نوره ، يصبح أعمى القلب ، وربما جاءته الأمراض من كل جانبٍ وهو لا يدري ، لماذا ؟ لأنه تَعَجَّلَ قضاء هذه الشهوة قبل الوقت المُناسب ، وقبل الظروف المناسبة .
أن تصل متأخراً خير من ألا تصل أبداً
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من تعجَّل قضاء شهواته في غير ما أمر الله ، من تعجَّل الربح الوفير في غير الطريق المشروع ، هذا يشقى في الدنيا ويشقى في الآخرة ، ولا أدَلَّ على ذلك من مثلٍ بسيطٍ بسيط موضوعٍ بين أيديكم ، هذا الذي يسرع في قيادة مركبته ، ليصل في وقتٍ مبكر قد لا يصل ، إن هذه السرعة حرمته من تحقيق هدفه ، وحرمته من وجوده ، لأن تصل متأخراً خيرٌ لك من ألا تصل . إذاً السرعة في قيادة المركبة مثلٌ حِسِّي ، أيْ أنَّ الإنسان إذا تعجَّل أهدافه الدُنيا قبل أوانها ، ومن طرقٍ غير مشروعة ، وبأساليب غير مشروعة ، ربما حرمها في الدنيا قبل الآخرة ، قال عليه الصلاة والسلام :

((ألا يا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا ، جائعة عارية يوم القيامة . ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدنيا ، طاعمة ناعمة يوم القيامة . ألا يا رب مكرم لنفسه وهو لها مهين . ألا يا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم))

[ السيوطي عن أبي البحير]

ما من عملٍ أفظع وأبعد عن الإنسانية من أن تقيس بمقياسَيْن :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه العَجَلَة هي التي يُمكن أن تكون أساس الشرور ، أساس المعاصي ، أساس الطُغْيان ، أساس الانحراف ، هل في الإنسان صفةٌ أبشع من أن يقيس بمقياسين ؟ من أن يعيِّر الأشياء بمعيارين ؟ يقيس لنفسه بمقياس وللآخرين بمقياس ؟ ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟ كان مع أصحابه في سفر واضطروا أن يعالجوا شاةً ليأكلوها..
فقال أحد أصحابه : عليّ ذبحها . وقال صحابيٌ آخر : وعليّ سلخها . وقال صحابيٌ ثالث : وعليّ طبخها . فقال عليه الصلاة والسلام : وعليّ جمع الحطب . قاس نفسه بمقياسٍ واحدٍ مع أصحابه . قيل يا رسول الله : نحن نكفيك ؟ قال : أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه .
حينما جاءه أسامة بن زيد " حبُّهُ " قال : يا رسول الله امرأةٌ مخزوميةٌ سرقت - جاء ليشفع لها - قال :

(( يا أسامة أتشفع في حدٍ من حدود الله ؟! والله لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعت يدها .. إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم إذا كانوا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد .. ))

[ البخاري عن عائشة]

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ مثلٌ من واقع حياتنا : أنت لك عملٌ ناجح ، وعندك موظَّف ، تريد أن يكون ابنك في أعلى مرتبة ، يحتل أعلى مكان في المجتمع ، يحمل أعلى شهادة ، تُنْفِقُ عليه مبالغ طائلة ، فإذا طلب منك هذا الموظَّف أن يغادر العمل قبل ساعة ليلتحق بمدرسةٍ مسائية ، ورفضت ذلك ، ألم تَقِس الأمور بمقياسين ؟ ألم ترد لابنك مكاناً علياً وعلماً نافعاً ولم ترد لهذا الموظف الضعيف أن ينال شيئاً من العلم ؟ الإنسان إذا قاس الأمور بمقياسين سقط من عين الله ، وسقط من عين المجتمع ، وصار بالتعبير المعاصر عُنْصِرِيّاً ، الذي انحاز انحيازاً أعمى ، ينحاز إلى الباطل ، أو إلى من يلوذُ به بلا تبصُّر ، بلا ميزان ، هذا إنسان ساقطٌ من عين الله عز وجل ، وساقطٌ من عين المجتمع .
الإنسان إن قاس الأمور بمقياسين سقط من عين الله
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من عملٍ أفظع ، وأبشع ، وأبعد عن الإنسانية من أن تقيس بمقياسَيْن ، من أن تقيس الأمور بمعيارَين ، وكلكم يرى ويسمع كم هؤلاء الذي يقيسون بمقياسين ساقطون من نظر الناس .
أيها الأخوة الأكارم ؛ يجب أن تُعامل هذا الذي في محلك التجاري ، هذا اليتيم كما تعامل ابنك ، يجب أن تعامل زوجة ابنك ، كما تعامل ابنتك ، يجب أن تعامل أمّ زوجتك كما تعامل أمك ، هذا القياس بمقياسٍ واحد وإلا وقعت في انحيازٍ أعمى ، وهذا بدافع العَجَلَة ، الإنسان إذا اسْتَعْجَلَ المكاسب ، واستعجل النجاح ، واستعجل قضاء شهوته في غير وقتها المُناسب ، وفي غير المكان المناسب ، وفي غير الظروف المناسبة وقع في شر عمله .
أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الساعة البيولوجية :

أيها الأخوة الأكارم ؛ بجوار الغدة النُخامية مجموعة خلايا ، لها خاصِّية عجيبة ، إنها تستشعر الضَوْء الذي يسقط على قاع الشبكية في أثناء النهار ، إذا استشعرت هذا الضوْء معنى ذلك أن الوقت وقت نهار ، فإذا غابت هذه الأشعة التي تسقُط على قاع الشبكية ، معنى ذلك عند هذه الخلايا أن الوقت هو وقت الليل . فماذا يكون في النهار من تبدلاتٍ في جسم الإنسان ؟ وماذا يكون في الليل ؟ في النهار أيها الأخوة يزداد استهلاك الجسم للطاقة ، فترتفع درجة حرارته نِصف درجة عن المُعَدَّل الوَسَطِيّ في النهار ، وتنخفض نصف درجة في الليل .
هنالك خلايا في جسم الإنسان تستشعر الوقت تدعى بالساعة البيولوجية
الدعاء
إذاً معدل استهلاك الطاقة يزداد في النهار ، من يشعر الخلايا وخلايا الاستقلاب أن الوقت وقت نهار ؟ هذه الخلايا التي إلى جوار الغدة النخامية ، تستشعر من خلال اقتباسها لقاع العين أن الوقت وقت نهار . وتزداد ضربات القلب في النهار من عشر ضربات إلى عشرين ضربة عنها في الليل ، ويزداد إدرار البول من ضعفين إلى أربعة أضعاف في النهار عنه في الليل ، ومن خلال تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ يزداد نشاط الدماغ في النهار ، ويضعُف في الليل ، وتزداد درجة لزوجة الدم في النهار عنها في الليل ، ويزداد عدد كريات الدم البيضاء - كسلاحٍ دفاعيٍ في الإنسان - عنها في الليل ، ما الذي يشعر الجسم أن الوقت وقت نهار ؟ أنت بعقلك تدرك ، ولكن هذه الخلايا التي تتبدَّل وظائفها بين النهار والليل ، أو ترتفع مُعدَّلات وظائفها بين النهار والليل من يشعرها ؟ هذا ما اصطلح عليه العلماء بتسميته " الساعة البيولوجية " ، الساعة البيولوجية مجموعة خلايا إلى جانب الغدة النخامية ، تستشعر ضَوْءَ الشمس الذي يسقُط على قاع الشبكية في النهار ، لذلك إذا عاش الإنسان في ظلامٍ مستمر تَخْتَلُّ وظائفه الحيوية ، لأن هذه الساعة البيولوجية تتعطَّل عن العمل لانعدام وصول الشمس إلى قاع العين .
أيها الأخوة الأكارم ؛ يزداد استهلاك الطاقة في النهار ، بدليل ارتفاع درجة حرارة الجِسم نصف درجة ، تزداد ضربات القلب في النهار من عشر إلى عشرين ضربة عما هي عنه في الليل ، يزداد إدرار البول في النهار من ضعفين إلى أربعة أضعاف ، يزداد نشاط الدماغ الكهربائي في النهار ، تزداد لزوجة الدم في النهار ، يزداد عدد كريات الدم البيضاء في النهار . أما في الليل فيزداد هرمون النمو ، إفراز هرمونات النمو يزداد في الليل ، هرمونات الإخصاب تزداد في الليل ، استهلاك السكر يقلّ في الليل ثلاثين في المئة عما هو في النهار ، فعالية الجهاز التنفُّسي تقل في الليل ثلاثين بالمئة عما هي في النهار ، هذا معنى قول الله عز وجل :

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾

[ سورة التين : 4]

هناك ساعة بيولوجية ، هذه الساعة تشعر الأجهزة ، والأعضاء ، والنُسُج ، والخلايا ، والغُدَد أن الوقت وقت نهار فافعلي كذا وكذا ، وامتنعي عن كذا وكذا ، ثم تُشعر هذه الخلايا التي هي الساعة البيولوجية الأعضاء ، والأجهزة ، والُنُسج ، والغدد ، والخلايا أن الوقت وقت ليل فافعليِ كذا وكذا .

﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾

[ سورة التين : 4 -5]

الدعاء

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018