المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الرابع - الفقرة : 3 - السنة النبوية المطهرة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الرابع - الفقرة : 3 - السنة النبوية المطهرة


2005-06-19

إنّ أناسًا كثيرين يزعمون بجهلٍ أو بمكرٍ أنّ القرآنَ يُغنِي عن السّنّةِ، وأنّ اللهَ جعله تبياناً لكلّ شيءٍ، وأنّ القرآنَ حُفِظَ من التبديلِ، والسنةَ لم يُضمنْ لها هذا الحفظُ، لقد أُلِّفَت كتبٌ كثيرةٌ، وطُرِحت آراءُ خطيرةٌ، مفادُها أنه ينبغي أن نستغنيَ بالقرآنِ عن السنةِ.
إنّ السنّةَ النبويةَ الشريفةَ هي ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقوالٍ، وما أُثِرَ عنه من أفعالٍ، وما سجِّل من إقرارٍ، فهي أقوالٌ وأفعالُ وإقرارُ، وكلّها من السنةِ النبويةِ، فإذا كان القرآنُ المصدرَ الأولَ للشريعةِ، فالسنةُ هي المصدرُ الثاني لها، والسنةُ هي البيانُ النظريُّ، والتطبيقُ العمليُّ للقرآنِ الكريمِ.
القرآن هو الدستور الذي فيه الأصول والقواعد الإلهية
والقرآنُ الكريمُ بمنزلةِ الدستورِ الذي فيه الأصولُ والقواعدُ الإلهيةُ الأساسيةُ، التي لابد منها لتوجيهِ الحياةِ الإسلاميةِ، وهدايةِ البشريةِ للتي هي أقومُ، أمّا السنةُ فهي المنهاجُ النبويُّ الذي يفصِّلُ ما أَجْمَلَ هذا الدستورُ، ويخصِّصُ ما عمّمه، ويقيِّدُ ما أطلَقَه، ويضعُ له الصورَ التطبيقيّةِ من حياةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ، وسيرتِه الجامعةِ.
والقرآنُ الكريمُ نفسُه يقرِّر أنّ مهمةَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنْ يبيّنَ ما أنزلَ اللهُ مِن الكتابِ، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ النحل: الآية 43 – 4 ]

وفي آيةٍ أخرى فيها حصرٌ وقصرٌ، يقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ النحل: الآية 64 ]

السنة المطهرة هي التي تولت تفصيل القرآن
ولولا السنةُ لما عرفْنا كثيراً من أحكامِ الإسلامِ، من عباداتٍ أو معاملاتٍ، ومَن قرأَ كتبَ الفقهِ الإسلاميِّ بمختلفِ مذاهبِه وجدَ بشكلٍ واضحٍ جداً أنّ معظمَ الأحكامِ مأخوذةٌ من سنةِ النبيّ عليه الصلاةُ والسلامُ، لقد أمرَ القرآنُ بالصلاةِ، ولكنْ لم يبيِّن عددَ الصلواتِ، ولا مواقيتَها، ولا كيفيتَها، ولا أنواعَها، من فرضٍ ــ
ونفلٍ، ولكنّ السنةَ المطهرةَ هي التي تولَّت تفصيلَ ذلك.
وأمرَ القرآنُ بالزَّكاةِ، ولكنْ لم يبيِّن كلَّ أنواعِ المالِ الذي تجب فيه الزكاةُ، ولا النِّصابَ اللازمَ لوجوبِ الزكاةِ، ولا المقدارَ الواجبَ، ولا زمنَ الوجوبِ، ولكنّ السنةَ النبويةَ المطهرةَ هي التي حدَّدتْ ذلك كلّه، وكذلك الصومُ والحجُّ والعمرةُ، وشؤونُ المعاملاتِ كلُّها بيّنتْها السنةُ النبويةُ المطهرةُ، فمن أرادَ أن يستغنيَ بالقرآنِ عن السنةِ فقد ألغى الفقهَ الإسلاميَّ وضيَّعَ معظمَ الدِّينِ.
إنّ هذا الزعمَ مِن أنه يمكنُ أن نستغنيَ بالقرآنِ عن السنةِ مخالفٌ للقرآنِ نفسِه، فقد أمرَ القرآنُ بطاعةِ الله، وطاعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم معاً، والآيةُ الكريمةُ:

﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾

[ النور: الآية 54 ]

والآيةُ الثانيةُ:

﴿ وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[ الحشر: من الآية 7 ]

فالذي يستغني بالقرآنِ عن السنةِ يستغني عن آياتِ القرآنِ الكريمِ نفسِه ؛ لأنّ القرآنَ الكريمَ يأمرُنا أن نأخذَ ما آتانا النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وأن ننتهيَ عما نهانا عنه، والقرآنُ الكريمُ يأمرنا أن نطيعَ اللهَ، وأن نطيعَ الرسول صلى الله عليه وسلم ، فاللهُ سبحانه وتعالى نطيعُه في كتابِه الكريمِ، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام نطيعُه في سنّتِه،

 

وحينما قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾

[ النساء: الآية 59.]

نردُّه إلى اللهِ أيْ: إلى كتابِه الكريمِ، ونردُّه إلى الرسولِ أي: إلى سنّتهِ المطهرةِ.
بل إنّ القرآنَ الكريمَ قد عدَّ طاعةَ الرسولِ صلى الله عليه وسلم من طاعةِ اللهِ، فقال تعالى:

﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾

[ النساء: الآية 80 ]

والقرآنُ الكريمُ حذّرَِ أشدَّ التحذيرِ من مخالفةِ أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى:

﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

[ النور: الآية 63 ]

بل إنّ القرآنَ الكريمَ نفَى الإيمانَ كلياً عمَّن لم يرضَ بحكمِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، فقال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾

[ النساء: الآية 64 – 65.(3) الترمذي ( 2664 )، وأبو داود ( 4604 )، وابن ماجة ( 12 ) ]

آياتٌ كثيرةٌ جداً قطعيةٌ الدَّلالةِ، واضحةُ وضوحَ الشمسِ تبيّنُ أنه لابد من طاعةِ الله، وطاعةِ رسوله ؛ لأن النبيَّ عليه الصلاة والسلام بيّن ما أجْمَلَه القرآنُ، وقيّد ما أطلَقه القرآنُ، وخصّصَ ما عمّمه القرآنُ، بل إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى بيَّن أيضاً في القرآنِ الكريمِ أن مهمّةَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أن يبيِّنَ ما أُنزِلَ إليه من أحكامِ القرآنِ الكريمِ.
أما السنّةُ نفسُها فقد حذّرتْ من هذا الاتّجاهِ، وكأنّ اللهَ جل جلاله أَعْلَمَ نبيَّه بما سيكونُ من هذه الفتنةِ، فتنةِ نبذِ السنةِ، والاكتفاءِ بالقرآنِ، بل لعلَّ هذا الحديثَ من دلائلِ نبوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فقد جاء في حديث الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:

(( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ))

هذا الزعمُ مخالفٌ لإجماعِ الأمّةِ في جميعِ مذاهبِها، وفي مختلفِ عصورِها، فقد كانت الأمّةُ كلُّها ترجعُ إلى السنةِ مع القرآنِ.
أما حجّتُهم الثانيةُ، مِن أنّ القرآنَ حُفظَ من التبديلِ دونَ السنةِ، فقد بيِّنَ الإمامُ الشاطبيُّ أنّ حفظَ القرآنِ يتضمّنُ حفظَ السنةِ.
إنك إنْ أصدرتَ قانوناً، ثم أَتْبَعْتَه بمرسومٍ تفصيليٍّ، إن لم تحفظ المرسومَ فما قيمةُ هذا القانونِ ؟
إذا كان اللهُ جل جلاله قد كلَّف النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يبيِّنَ أحكامَ القرآنِ، فإنْ حفِظَ اللهُ كتابَه، ولم يحفظْ سنة نبيِّه كأنّ كتابَه لم يُحفظْ، يقول الإمام الشاطبي: من مقتضياتِ حفظِ اللهِ لكتابه أن يحفظَ سنّةَ نبيِّه.
بل إنّ من لوازمِ حفظِ اللهِ للقرآنِ الكريمِ حفظَه لسنةِ النبيّ عليه الصلاة والسلام، والحفظُ لا يعني ألاّ تجريَ محاولةٌ للتغييرِ والتبديلِ، ولكنه يعني ألاّ تنجحَ هذه المحاولاتُ.
أما كيف يحفظُ اللهُ سنة نبيه، فقد بيّن هذا النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر هؤلاءِ الذين يحفظون السنة:

(( يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِينَ ))

[ سنن البيهقي الكبرى ( 10/ 209 ) بإسناد صحيح]

إن الله يقيض لهذا الدين من يقوم بأمره من أولي العزم
إنّ اللهَ جل جلاله أمدَّ هذه الأمّةَ رجالاً أشدّاء، أقوياءَ في الحقِّ، بذلوا أعمارَهم في سبيلِ حفظِ السنةِ، ينفون عنها تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:

(( مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ غَدًا مُسْلِمًا فَلْيُحَافِظْ عَلَى هَؤُلَاءِ الصَّلَوَاتِ حَيْثُ يُنَادَى بِهِنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِنَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم سُنَنَ الْهُدَى، وَإِنَّهُنَّ مِنْ سُنَنِ الْهُدَى، وَلَوْ أَنَّكُمْ صَلَّيْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَا يُصَلِّي هَذَا الْمُتَخَلِّفُ فِي بَيْتِهِ لَتَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ سُنَّةَ نَبِيِّكُمْ لَضَلَلْتُمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ يَتَطَهَّرُ فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ يَعْمِدُ إِلَى مَسْجِدٍ مِنْ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ إِلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ يَخْطُوهَا حَسَنَةً، وَيَرْفَعُهُ بِهَا دَرَجَةً، وَيَحُطُّ عَنْهُ بِهَا سَيِّئَةً، وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إِلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ، وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ ))

[ مسلم ( 654 )، وابن ماجة ( 777 ) ]

فمَن تركَ سنةَ النبيّ فقد ضلَّ ضلالاً بعيداً ؛ لأنّ اللهَ سبحانه وتعالى أمَرَنا أنْ نأخذَ منه، وأن ننتهيَ عما نهانا عنه.
ولسيدنا سعد بن أبي وقاص كلمةٌ رائعةٌ، يقول هذا الصحابيٌّ الجليلُ: " ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجلٌ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما صلّيتُ صلاةً فشغلتُ نفسي بغيرِها حتى أقضيَها، ولا سِرتُ في جنازةٍ فحدثتُ نفسي بغيرِ ما تقولُ حتى أنصرفَ منها، ولا سمعتُ حديثاً من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلا علمتُ أنه حقٌّ من اللهِ ".
واليومَ كلّما تقدّمَ العلمُ كشفَ عن جانبٍ من تحدّياتِ السنةِ النبويةِ، لأن هذا الذي قاله النبيُّ صلى الله عليه وسلم لم ينطقُ به عن الهوى، إنْ هو إلاّ وحيٌ يوحَى.
وبعد أن تحدثنا عن التشريع كمقوم من مقومات التكليف وعن ركنييه الأساسيين الكتاب والسنة , لا بد من منهج التلقي الذي يعيننا على أخذ الصحيح وترك الباطل وفق ضوابط مستمدة أصلا من الكتاب والسنة

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018