المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثالث - الفقرة : 1 - الفطرة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثالث - الفقرة : 1 - الفطرة


2005-06-12

لقد أودعَ اللهُ في مداركِ الأفكارِ، وفي مشاعرِ الوجدانِ ما تُدرَكُ به فضائلُ الأخلاقِ ورذائلُها، وهذا ما يجعلُ الناسَ يشعرون بقبحِ العملِ القبيحِ، وينفرون منه، ويشعرون بحسنِ العملِ الحسَنِ، ويرتاحون إليه، وبذلك يمدحون فاعلَ الخيرِ، ويذمّون فاعلَ الشرِّ.
لقد أرشدتِ النصوصُ الإسلاميّةُ إلى وجودِ الحسِّ الأخلاقيِّ في الضمائرِ الإنسانيّةِ، وأحالتِ المسلمَ المؤمنَ إلى استفتاءِ قلبِه في الحكمِ على أيّ سلوكٍ قد تميلُ النفسُ إليه، قال تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ الشمس: الآية 7- 10 ]

الفطرة الإنسانية أدركت طريق فجور النفس وطريق تقواها
فالنفسُ الإنسانيّةُ منذ تكوينها وتسوِيَتِها أُلهِمَتْ في فطرتِها إدراكَ طريقِ فجورِها وطريقِ تقواها، وهذا هو الحسُّ الفطريُّ الذي تدرِكُ النفسُ به الخيرَ من الشرِّ.
فالإنسانُ لديه بصيرةٌ يستطيعُ أنْ يحاسبَ بها نفسَه محاسبةً أخلاقيةً على أعمالِه ومقاصدِه، ولو حاول في الجدلِ اللسانيِّ الدفاعَ عن نفسِه، وإلقاءَ معاذيره على غيرِه، قال تعالى:

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ القيامة: 14- 15 ]

روى الإمامُ مسلمٌ في صحيحه عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ:

(( سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ: الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ ))

[ مسلم ( 2553 )، الترمذي ( 2389 )، الدارمي ( 2789 ) ]

هذا الحديثُ يدلّ على أنّ في النفسِ الإنسانيّةِ حسًّا خُلقيًّا بالإثمِ، لذلك يكرهُ فاعلُ الإثمِ أنْ يطّلعَ عليه الناسُ، لأنه يعلمُ أنهم يشعرون بمثلِ ما يشعرُ، وذلك بحسٍّ أخلاقيٍّ موجودٍٍ في أعماقِ النفسِ، هذا الحسُّ هو ما سمّاه الباحثون الأخلاقيُّون الضميرَ.
عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الْأَسَدِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِوَابِصَةَ:

(( جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَجَمَعَ أَصَابِعَهُ فَضَرَبَ بِهَا صَدْرَهُ، وَقَالَ: اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ يَا وَابِصَةُ، ثَلَاثًا، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ،وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ،وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ ))

[الدارمي ( 2533 ) ]

الاثم دائما يرافقه تردد واضطراب
في هذا الحديثِ الشريفِ تبيانٌ واضحُ للحسِّ الأخلاقيِّ، أو الضميرِ الأخلاقيّ، هذا الضميرُ إذا كان نقيًّا صافياً سليماً من العِللِ والأمراضِ فإنه يستطيعُ أنْ يحسَّ بفضائلِ الأخلاقِ، ومحاسنِ السلوكِ، وأنْ يحسَّ برذائلِ الأخلاقِ، ومساوئ السلوكِ، وأن يميّزَ بين الصِّنْفَيْنِ.
إنّ البرَّ المفسَّرَ في كلامِ رسولِ اللهِ  بأنه حُسْنُ الخُلُقِ يفعلُه الإنسانُ السويُّ، وهو مطمئنُّ القلبِ والنفسِ، أمّا الإثمُ فإنّ الإنسانَ السويَّ لا يقدِمُ عليه إلا وفي نفسِه قَلَقٌ منه، وفي صدرِه تردُّدٌ واضطرابٌ، فالطمأنينةُ علامةُ البرِّ، والتردّدُ والاضطرابُ وخوفُ اطّلاعِ الناسِ علامةُ الإثمِ، ولكن قد يختلطُ الأمرُ في بعضِ الأعمالِ على العقلِ والضميرِ، ويلتبِسُ عليهما وجهُ الحقِّ، فيكونان حينئذٍ في حاجةٍ إلى هدايةٍ وتبصيرٍ، وقد تطغى الأهواءُ والشهواتُ، أو العاداتُ والتقاليدُ، أو يؤثِّرُ فيهما الموجِّهون المضلِّلون، أو الشياطينُ المُوَسْوِسُون من الجنِّ والإنسِ، وطريقةُ المسلمِ في هذه الحالةِ هي اتِّقاءُ الشبهاتِ، فإذا كان اتّقاءُ الشبهاتِ في جانبِ التركِ، لأنّ الأمرَ مشتبهٌ بين الحلالِ والحرامِ كان الأفضلُ للمسلمِ أن يتركَ العملَ المشتبهَ فيه خشيةَ الوقوعِ في الحرامِ، وإذا كان اتّقاءُ الشبهاتِ في جانبِ الفعلِ، لأنّ الأمرَ مشتبهٌ بين الحلالِ والواجبِ كان الأفضلُ للمسلمِ أن يأتيَ بالعملِ المشتبهِ فيه خشيةَ الوقوعِ في تركِ الواجبِ، والدليلُ على هذه الطريقةِ التي ينبغي للمسلمِ أنْ يتّبعَها ما رواه البخاري ومسلم من عدّة طرقٍ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  يَقُولُ:

(( الْحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

[ البخاري ( 52 )، ومسلم ( 1599 ) ]

الحرام واضح للنفس الإنسانية
هذا الحديثُ الشريفُ الصحيحُ من أحاديثِ الأصولِ الجوامعِ، وفيه كليّاتٌ عظيمةٌ تتّصلُ بأمّهاتِ السلوكِ، وفيه تقسيمٌ ثلاثيٌّ للأحكامِ الشرعيّةِ.
فالقسمُ الأولُ: هو الحلالُ الصرفُ البيِّنُ الواضحُ الذي لم تخالطْه شبهةٌ، ولا يختلف فيه الناسُ، ولا تتأثّمُ منه النفوسُ، ولا تتحرّج.
والقسمُ الثاني: الحرامُ الصرفُ البيّنُ الواضحُ الذي لا يختلفُ فيه عقلاءُ الناسِ وأصحابُ البصيرةِ، ولا يفعله فاعلٌ إلا وفي نفسِه حرجٌ وشعورٌ بالإثمِ، وخوفٌ من سوءِ المصيرِ.
والقسم الثالث: المشتبهاتُ، وسمِّيتْ بذلك لأنّ لها شَبَهاً بالحلال يزيد وينقص، وشَبَهاً بالحرام يزيدُ وينقصُ، وهي تلتبسُ وتختلطُ على كثيرٍ من الناس، ولكن لا على كلّ الناسِ، فالعلماء المحقِّقون للشبهاتِ كاشفون، وقد جاءت كلمةُ الشبهاتِ جمعاً لأنها متفاوتةٌ في قُربِها من الحلالِ، وقربِها من الحرام، والأسلمُ للمسلمِ الصادقِ في استسلامِه إلى ربّه أنْ يدعَ هذه الشبهاتِ استبراءً لدينِه عند اللهِ، وعرضِه عند الناسِ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ، فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))

[ رواه الترمذي ( 25 18 )، والنسائي ( 5220 )، وأحمد ( 12572 ) عن الحسن بن علي].

وعَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

(( لَا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لَا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ ))

[ الترمذي ( 2451 )، وقال حديث حسن، ابن ماجه ( 4215 ) ]

لما كان الإنسانُ مزوَّداً في أصلِ كيانه بعقلٍ إذَا أعملَه متفكراً في خَلقِ السماواتِ والأرضِ أوصله إلى الإيمانِ باللهِ خالقاً، ومربّياً، ومسيّراً، موجوداً وواحداً، وكاملاً.
ولما كان الإنسانُ مزوّداً في أصلِ فطرته بحسٍّ أخلاقيٍّ كافٍ لإدراك الخيرِ والشرّ، والحقِّ والباطلِ من دونِ معلِّمٍ، ولا موجِّهٍ، ولا كتابٍ منيرٍ فإنه مزوّدٌ بعقلٍ يدلّه على اللهِ، ومزوّدٌ بفطرةٍ تدلّه على خطئِه، لذلك بما أنه مزوّدٌ في أصلِ كيانِه
بعقلٍ، وفي أصلِ فطرته بضميرٍ كَافِيَيْنِ لمعرفةِ عظمةِ اللهِ، ولمعرفةِ حالِ نفسِه، يُقال له يومَ القيامةِ عندما يُسَلَّمُ كتابَ عملِه في الحياة الدنيا:

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾

[ الإسراء: الآية 14]

أي: إنك ستحاسبُ نفسَك لأنك تملكُ مِيزَانَيْنِ، ميزانِ العقلِ، وميزانِ الفطرةِ.
وفضلاً عن الحسِّ الأخلاقيّ الذي أودعه اللهُ في الإنسانِ إدراكاً وشعوراً، فهنالك قواعدُ هاديةٌ للبصيرةِ الأخلاقيةِ، نبّه إليها النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، من هذه القواعد: " عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك ".
وقد جاء هذا المعنى في حديثٍ طويلٍ رواه الإمامُ مسلمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :

(( مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنْ النَّارِ، وَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَيَأْتِي إِلَى النَّاسِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ ))

[ مسلم ( 1844 )، أحمد ( 6793 ) و( 6807 ) ]

على المؤمن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه
فكلما اشتبهَ على الإنسانِ أمرُ السلوكِ فعليه أنْ يضعَ نفسَه مكانَ الطرفِ الآخرِ، ويفترض أنّ الأمرَ كان معكوساً، فالأمرُ الذي يستحسنه لنفسِه من الآخرين ممّا لا معصيةَ فيه هو الأمرُ الذي ينبغي أن يفعلَه معهم، لذلك على المؤمنِ أنْ يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، وأن يكرهَ له ما يكرهُ لنفسه، روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ البخاري ( 13 )، مسلم ( 45 ) ]

ومن هنا يندفعُ المسلمُ إلى أن يكونَ صادقاً مع أخيه، لأنه يحبّ أن يصدّقَه الناسُ إذا حدّثوه، ويكرهَ أن يكذّبوه، ويندفعُ المؤمن إلى أن يكونَ أميناً على مالِ أخيه وعرضِه وشرفِه، لأنه يحبّ أن يعاملَه الناسُ بأمانةٍ على مالِه وعرضِه وشرفِه، ويكرهَ أن يخونوه في شيءٍ من ذلك، ويندفعُ المؤمنُ إلى مساعدةِ أخيه ومعاونتِه، في مالٍ أو علمٍ أو جاهٍ أو خدمةٍ أو نصيحةٍ أو دعوةٍ صالحةٍ أو شفاعةٍ حسنةٍ، لأنه يحبّ لنفسِه مثلَ ذلك من إخوانه، ويندفعُ المؤمنُ إلى دعوةِ أخيه إلى الإيمانِ الصادقِ والعمل الصالح، لأنه أحَبّ هذا لنفسِه، وهكذا تجدُ المسلمَ مدفوعاً إلى الصبرِ والعفوِ والصفحِ والمسامحةِ يحاولُ بأقصى جهدِه سترَ العيوبِ، وعدمَ نشرِها بين الناسِ، بل يبادرُ إلى نصحِهم سرًّا ما وجد إلى ذلك سبيلاً، إنه يفعل ذلك لأنه يحبّ أن يُعَامَلَ هكذا.
فما الهدفُ من التزامِ مكارمِ الأخلاقِ التي ترتاحُ إليها الفطرةُ، والتي أمرَ بها الإسلامُ، أو رغّب بفعلِها ؟
وما الهدفُ من اجتنابِ نقائصِ الأخلاقِ، والتي تنكرُها الفطرةُ، والتي نهى عنها الإسلامُ، أو رغب في تركِها ؟
الهدفُ من هذا وذاك هو الفوزُ بسلامةِ القلبِ، وسعادته، ونيل الجزاءِ المعجَّلِ في الدنيا، والنجاةِ من العقابِ المعجّلِ فيها، ثم الفوزُ العظيمُ بالسعادةِ المطلقةِ الأبديةِ في الآخرةِ.
إنّ لذّاتِ الجسدِ وآلامَه أهونُ اللّذاتِ والآلامِ قيمةً في حياةِ الإنسانِ، ولكنها تدخلُ ضمنَ الوحداتِ الجزئيةِ التي تمنحُ الإنسانَ قسطاً من السعادةِ، لكنها كرذاذٍ سريعِ الجفافِ لا يملأُ ساحةَ النفسِ والقلبِ والفكرِ، وتأتي فوقَ لذّاتِ الجسدِ لذّاتُ النفسِ الدنيويةُ وآلامُه، وهي أعمقُ وأشملُ وأطولُ، ثم تأتي فوق لذّاتِ النفسِ الدنيويةِ سعادةُ النفسِ الأخرويةُ، وهي تتغلغلُ إلى أعمقِ أعماقِ الإنسانِ، وتتّسعُ حتى تشملَ كلَّ حياته، وكلّ نشاطاته، وكلّ حركاتِه وسكناتِه، وهي أبديّةٌ لا تزولُ أبداً، لها بدايةٌ مع بدايةِ الإيمانِ، وليس لها نهايةٌ، وهي متناميةٌ دائماً.
قد تطغى لذّةُ النفسِ على ألمِ الجسدِ، فلا يشعرُ الإنسانُ بألمِ الجسدِ، وقد تطغى سعادةُ النفسِ الأخرويةُ على ألمِ النفسِ الدنيويّ، فلا يشعرُ الإنسانُ بهذا الألمِ، وقد تطغى آلامُ النفسِ على لذّاتِ الجسدِ، فلا تكونُ لهذه اللّذَاتِ أيُّ قيمةٍ.
إذا لزم الإنسان مكارم الأخلاق حقق الهدف من وجوده
مجملُ القولِ: إنّ الإنسانَ إذا لزمَ مكارمَ الأخلاقِ التي ترتاحُ إليها الفطرةُ، والتي يطمئنّ إليها القلبُ يحقّقُ الغايةَ من وجودِه، ومن سلامةِ وجوده، ومن كمالِ وجوده، ومن استمرارِ وجوده، ذلك لأن في القلبِ شعثاً لا يلُمُّه إلا الإقبالُ على اللهِ، وفي القلبِ وحشةٌ لا يُزِيلُها إلا الأنسُ بالله، وفيه حزنٌ لا يُذهِبه إلا السرورُ بمعرفةِ الله، وفيه قلقٌ لا يسكِنُه إلا الاجتماعُ عليه، والفرارُ إليه، وفي القلبِ نيرانُ حسراتٍ لا يطفئُها إلا الرضى بأمرِه ونهيِه، وقضائِه وقدرِه، والصبرُ على ذلك إلى يومِ لقائه، وفي القلبِ فاقةٌ لا يسدُّها إلا محبّتُه، والإنابةُ إليه، ودوامُ ذِكْرِه، والإخلاصُ له.
ومجملُ مجملِ القولِ: إنّ الإيمانَ أساسُ الفضائلِ، ولجامُ الرذائلِ، وقوامُ الضمائرِ، وقد بين النبيُّ  أنّ أحسنَ الناسِ إسلاماً أحسنُهم خُلقاً، وأنّ أكملَهم إيماناً أحسنُهم خُلقاً، وأنّ مِن أحبِّ عبادِ اللهِ إلى اللهِ أحسَنَهم خُلقاً، وأنّ خيرَ ما أعطي الإنسانُ خلقاً حسنًا، وأنه ما من شيءٍ أثقلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلقٍ حسنٍ، وأنّ المؤمنَ يدركُ بحسنِ خُلقه درجةَ الصائمِ القائمِ، بل إنّ العبدَ ليبلغُ بحسنُ خُلقه عظيمَ درجاتِ الجنةِ، والخُلقُ الحسنُ يذيبُ الخطايا كما يذيبُ الحرُّ الجليدَ، والخلقُ السوءُ يفسدُ العملَ كما يفسدُ الخلّ العسلَ.
إليكم قصةَ صحابيّ جليلٍ، هو كعبُ بن مالك، تخلّفَ عن غزوةِ تبوكَ من دونِ عذرٍ، كيف كانت محنتُه مع نفسِه ؟ وكيف كان موقفُه من رسولِ اللهِ ، ثمّ كيف انتهت محنتُه إلى منحةٍ إلهيّةٍ ؟ وكيف انتهتْ شِدّتُه إلى شَدّةٍ إلى اللهِ ورسولِه ؟ هذه القصةُ متوافقةٌ مع موضوعِ الفطرةِ توافقاً دقيقاً.
أخرج البخاريّ حديثَ الثلاثةِ الذين تخلّفوا عن غزوةِ تبوكَ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَكَانَ قَائِدَ كَعْبٍ مِنْ بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ قِصَّةِ تَبُوكَ قَالَ كَعْبٌ:

(( لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، كَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا، حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا ـ صحارى ـ وَعَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ، يُرِيدُ الدِّيوَانَ، قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيُ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتْ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجِعُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أَنَا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا لِأَتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ، وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ  فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنْ الضُّعَفَاءِ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْقَوْمِ بِتَبُوكَ: مَا فَعَلَ كَعْبٌ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَبَسَهُ بُرْدَاهُ، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفِهِ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّهُ تَوَجَّهَ قَافِلًا حَضَرَنِي هَمِّي، وَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَاذَا أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ  عَلَانِيَتَهُمْ، وَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: تَعَالَ، فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: مَا خَلَّفَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ؟ فَقُلْتُ: بَلَى، إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ لَا، وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ، فَقُمْتُ، وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، فَاتَّبَعُونِي فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ مَا عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا اعْتَذَرَ إِلَيْهِ الْمُتَخَلِّفُونَ، قَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، لَكَ فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ، فَأُكَذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ، فَقُلْتُ: مَنْ هُمَا ؟ قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَمْرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ، فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي، وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَّرُوا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ الَّتِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ الْقَوْمِ، وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا ؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ النَّاسِ مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَسَكَتَ، فَعُدْتُ لَهُ فَنَشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إِذَا نَبَطِيٌّ مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّأْمِ مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانَ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ ؛ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ، وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ، فَقُلْتُ لَمَّا قَرَأْتُهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ، فَتَيَمَّمْتُ بِهَا التَّنُّورَ، فَسَجَرْتُهُ بِهَا، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْتِينِي، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ، فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ ؟ قَالَ: لَا، بَلْ اعْتَزِلْهَا، وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ فَتَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، قَالَ كَعْبٌ: فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ، لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ، قَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إِلَى شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا، فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي امْرَأَتِكَ كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ ؟ فَلَبِثْتُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتَّى كَمَلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأَنَا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا، فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبُ بْنَ مَالِكٍ، أَبْشِرْ، قَالَ: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ، وَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ  بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الْفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، وَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي، نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ  فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنُّونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، قَالَ كَعْبٌ: حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ حَوْلَهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي، وَهَنَّانِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السُّرُورِ: أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ  إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي، مَا تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيتُ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم ))

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ﴾

إِلَى قَوْلِهِ

﴿ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الَّذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

﴿ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنْ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾

قَالَ كَعْبٌ: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ:

﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا ﴾

((وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ، إِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ، وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبِلَ مِنْهُ ))

[ البخاري ( 35 37 )]

الفصلُ الأخيرُ من هذه القصةِ ذَكَره القرآنُ في سورةِ التوبةِ، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنْ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ التوبة: الآية 117 – 118 ]

كعبُ بنُ مالكٍ هو أحدُ هؤلاءِ الثلاثةِ الذين وردَ ذِكرُهم في القرآنِ الكريمِ.
قال تعالى:

﴿ بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ القيامة: 14 – 15]

أذكِّركم بقولِ النبي صلى الله عليه وسلم ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

(( إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا ))

[ رواه البخاري ( 5743 )، مسلم ( 2607 )، أبو داود ( 4989 ) ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018