المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 5 - محدودية العقل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 5 - محدودية العقل


2005-06-11

إنّ العقلَ وحْده لا يعدّ مرجعاً لأمورِ الدِّينِ، فكما أنّ العينَ لا يمكنُ أنْ ترى إلاّ بضوءٍ، فالضوءُ يسمحُ للعينِ أنْ ترى الأشياءَ، فكذلك العقلُ يحتاجُ إلى وحيِ السماءِ ليهتديَ إلى الحقيقةِ المطلقةِ .
ذلك لأنه مرتبطٌ ببيئةٍ محدّدةٍ، فقصورُه عن الإحاطةِ والشمولِ بكلّ القضايا من جميعِ جوانبها، وفي كل زمانٍ ومكانٍ لا يؤهِّله أنْ يكونَ وحْده مرجعاً، قال تعالى:

﴿ إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ ﴾

[ المدثر: الآية 18 – 25.]

ويشيرُ اللهُ عز وجل إلى أنّ العقلَ محدودٌ في مهمّتِه بقوله تعالى:

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾

[ الإسراء: من الآية 85 ]

وقال:

﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنْ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾

[ الروم: الآية 7 ]

العقل لا يكفي للإحاطة بكل القضايا ولابد له من وحي السماء
لو عَرَضْنا على إنسانٍ عاشَ قبلَ مئةِ عامٍ قُرصاً فيه ألفٌ ومئةُ كتابٍ، تقرأُ كلَّ هذه الكتبِ حَرفاً حرفاً في سبعِ ثوانٍ، هل يَقبَل هذا ؟!
ذلك لأنّ الذي ماتَ قبل مئةِ عامٍ لم يكن في بيئتِه هذا الشيءُ، لكنه الآن وقع، معنى ذلك أن العقلّ مربوطٌ بالبيئةِ، فما كلُّ شيء يرفضه عقلُك باطلٌ، هذا أمرُ اللهِ، وهذا نهيُه، فلو علمتَ من الآمرُ لبادرتَ إلى طاعتِه، وفضلُ كلامِ اللهِ على كلامِ خَلْقِه كفضلِ اللهِ على خَلْقه .
بل إنّ العقلَ أحياناً يخضعُ لضغوطِ المصالحِ الشخصيةِ، وهذا هو العقلُ التبريريُّ، فحينما ينطلقُ الإنسانُ ليحقّقَ شهوتَه فإنه يستخدمُ عقلَه لصالحِ شهوتِه،
فما من إنسانٍ يتّبعُ شهوتَه المحرمةَ إلاّ ويغطّيها بفلسفةٍ بنحوٍ أو بآخرَ، وقد قال اللهُ عز وجل:

﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾

[ الجاثية: من الآية 23]

شيءٌ آخرُ، هذا العقلُ مصدرُه الوحيدُ الحواسُّ، فإذا كان هناك شيءٌ لا يُحَسّ فالعقلُ لا يصدّقه، أو لا يصلُ إليه، لكنّ الوحيَ يخبرنا أحياناً عن أشياءَ واقعةٍ خارجَ حواسّنا، إذاً فالعقلُ مختصٌّ بالواقعِ بالمحسوسِ، بل إنه يأخذُ من المحسوسِ، ويستنبطُ حقيقةً غيبيّةً عن المحسوسِ، أمّا إذا كان شيئاً غيرَ محسوسٍ كالماضي السحيق، والمستقبلِ البعيدِ، وما بعدَ الموتِ، والكائناتِ التي أخبرنا اللهُ عنها، فلا يستطيعُ العقلُ أنْ يصلَ إلى ذلك، ولابدّ عندها من وحيِ السماءِ .
وأخيراً فالعقلُ لا يستطيعُ أنْ يلزِمَ صاحبَه بالصوابِ، فكم من إنسانٍ يتمتّعُ بأعلى ثقافةٍ، وهو يدخّن، فالمعلومةُ وحْدها لا تكفي، ولا بد من إرادةٍ تدعّم هذه المعلومةَ .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018