المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 4 - بين العقل والنقل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 4 - بين العقل والنقل


2005-06-10

مَن ردَّ خبرَ اللهِ في القرآنِ أو في السُّنَّةِ، أو كذّبَ بشيءٍ من الغيبِ الذي قصَّه عليه لأنه لم يَرُقْ لِعقلِه، ولم يفهمْه فهذا هو الكفرُ، وكذلك مَن ردَّ أمْرَ اللهِ سبحانه وتعالى، وأبَى أنْ يطيعَه استكباراً وعناداً فقد كفر .
هل يُقبل من مُمَرِّضٍ ناشئٍ أنْ يعترضَ على أكبرِ جرّاحٍ، أو أن يقدِّمَ حلولاً له ؟، هل يُقبَلُ من جنديٍّ غرٍّ أنْ يقترحَ على رئيسِ الأركانِ ؟ هذا في دنيا الناسِ لا يُقبلُ أبداً .
مَن صدّقَ نظريةَ داروين فقد كفرَ، من صدّق شيئاً خلافَ الوحيِ فقد كفرَ، مَن لم يطِع استكباراً فقد كفرَ، والمعصيةُ الأولى التي عصى إبليسُ بها ربَّه كانت مِن النوعِ الثاني، يعني أنها ردُّ الأمرِ، فإنّ اللهَ قد أَمَرَه بالسجودِ لآدم فقال:

﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾

[ الإسراء: الآية 61 ]

رد الغيب من الكفر
ولم يكن إبليسُ ـ لعنه اللهُ ـ مكذِّباً بشيءٍ من أخبارِ اللهِ، وإنما انحصرتْ معصيتُه في ردِّ الأمرِ الإلهيِّ كِبراً وعلوًّا عندما ظنّ أنّ هذا الأمرَ يخالفُ الحكمةَ، إذْ زعمَ أنّ الفاضلَ لا يسجدُ للمفضولِ، وإذْ رأى نفسَه ـ وقد خُلقَ من النارِ ـ أفضلَ من آدمَ الذي خُلقَ من طينٍ، وقياسُ إبليسَ قياسٌ فاسدٌ .
كم مِن مسلمٍ يقولُ لك: هذا غيرُ معقولٍ، تأتيه بآية قرآنية:

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾

[ النور: من الآية 30]

فيقولُ لك: هذه الآيةُ ليست لهذا العصرِ، أين أذهب بعيني ؟ هذا الذي يردُّ أمْرَ اللهِ استكباراً أو علوًّا فقد كفرَ، ولمّا أصرَّ إبليسُ على معصيةِ اللهِ كان جزاؤُه أنْ لعَنَه اللهُ أبداً، وطردَه من رحمتِه سرمداً .
وأمّا المعصيةُ الثانيةُ التي عُصِيَ بها اللهُ فقد وقعت من آدمَ عليه السلامُ، ولمّا لمْ تكن عناداً، وإنما كانت ضعفاً ونسياناً فقد عفَا اللهُ عنها:

﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾

[ طه: الآية 115 ]

ثم إنّ آدمَ لمْ يصرّ عليها، بل سارعَ إلى الفرارِ منها والاعتذارِ عنها،قال تعالى:

﴿ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ * قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ ﴾

 

[ الأعراف: الآية 22- 23 ]

وشتّان بين المعصيتين، معصيةِ الكِبْرِ والعنادِ والاستعلاءِ، ومعصيةِ الغلبةِ والضعفِ، فلمّا اعترفَ آدمُ وزوجُه بالخطيئةِ، فسارعَا إلى التوبةِ والإنابةِ فإنّ اللهَ سبحانه قَبِلَ عذْرَه، وأقالَ عَثْرَته، وهذان درسانِ بليغانِ لبني آدمَ، فَأَلْفُ معصيةٍ من نوعِ الضعفِ أهونُ ألفَ مَرّةٍ من معصيةٍ واحدةٍ من نوعِ الكبرِ والردِّ، والعبوديةُ لله إنّما هي في طاعةِ أمْرِه أيًّا كان هذا الأمرُ صغيرًا أو كبيرًا فيما يوافقُ معقولَ ــ
المأمورِ أو يخالفُه .
إنّ اللهَ سبحانه وتعالى هو أعلمُ بمَا يأمرُ به، وينهى عنه، والعبدُ لا يكونُ عبداً على الحقيقةِ إلاّ إذا أطاعَ معبودَه من دونِ تردّدٍ أو توقُّفٍ، أو نظرٍ أو سؤالٍ: لمَ أَمَرَ بكذا، ولمَ نَهَى عن كذا ؟ ولو كان العبدُ لا يطيعُ إلاّ فيما عَقَلَ، وفهِمَ لكانت طاعتُه لمعقولِه ومفهومِه، وليست لخالقِه وإلهِه ومولاه، ولم يكن عبداً للهِ، بل هو عبدٌ لِذَاتِه، هذا الذي لا يقبلُ أمراً إلا بعدَ أنْ يفهمَه، ويرى حكمتَه، وأنه لصالحِه، هذا ليس عبداً للهِ، إنّما هو عبدٌ لِذَاتِه، وعبدٌ لسلامتِه، وعبدٌ لمصالِحه .
الإنسانُ يطيعُ قلبَه وعقلَه في أشقِّ الأمورِ، قد يقولُ له طبيبٌ: لابد مِن عملٍ جراحيٍّ فوراً، لابد مِن شقِّ الصدرِ، وإجراءِ عمليةٍ في صمامِ القلبِ، فلا يتأخّرُ ثانيةً، ويتحمّلُ أشدَّ الأخطارِ، ويدفعُ باهظَ التكاليفِ، لأن عقلَه اقتنعَ أنّ هذه العمليةَ لمصلحتِه، هل هو يعبدُ اللهَ في هذا ؟
الإنسانُ يطيعُ قلبَه وعقلَه في أشقِّ الأمورِ على نفسِه وبدنِه، بل قد يركبُ الصعبَ والذلولَ في تنفيذِ ما يأمرُه به عقلُهُ أو قلبُه أو هواهُ، ألا يستحقُّ اللهَ أنْ تعبدَه من دونِ تردّدٍ، من دونِ أنْ تسألَ عن الحكمةِ، من دونِ أنْ تتفلسفَ عليه، من دونِ أن تطالِبَ بالدليلِ والحكمةِ ؟ ولو كانت طاعةُ اللهِ تابعةً لسلطانِ العقلِ والقلبِ والهوى لكان القلبُ والعقلُ والهوى معبودَك الحقَّ، وليس الله سبحانه وتعالى .
الدين قائم على مخالفة ما تهواه النفس
إنّ الدينَ قائمٌ على مخالفةِ ما تهواه النفوسُ، وما يخالفُ رأيَ الإنسانِ ومعقولَه أحياناً، وهذا هو معنى التعبدِ للهِ ؛ أن تطيعَ اللهَ ولو لم تفقَهْ هذا الأمرَ، لو لم تدركْ حكمةَ هذا الأمرِ، أمرُ اللهِ مميَّزٌ، علّةُ أيِّ أمرٍ عندَ المؤمنِ الصادقِ أنّه أمْرٌ .
جرى نقاشٌ بين عالِمين، عالِمٍ عرفَ اللهَ، وأسلمَ حديثاً، وكلُّ خليةٍ في جسمِه تعبدُ اللهَ، وعالِمٍ آخرَ يحاولُ أنْ يقنعَه أنّ لحمَ الخنزيرِ حرامٌ، وأتاه بمئة دليلٍ ودليلٍ، وقال له الأولُ: كان يكفيك أنْ تقولَ لي: إنّ اللهَ حرَّمه .
ألا يستحقُّ اللهُ العظيمُ خالقُ السماواتِ والأرضِ أنْ تنصاعَ لأمرِه من دونِ تردّدٍ، ومِن دونِ سؤالٍ عن الحكمةِ ؟!
هذا الكلامُ نظريٌّ، وإليكم التطبيقَّ العمليَّ، إبراهيمُ عليه السلامُ هو المثالُ والقدوةُ والأسوةُ في المسارعةِ إلى تنفيذِ أمرِ اللهِ سبحانه وتعالى، جعلَه اللهُ إماماً للناسِ جميعاً، وجعلَ النبوّةَ في ذريّتِه دونَ سائرِ البشرِ، ولم يصلْ إبراهيمُ عليه الصلاة والسلامُ إلى ما وصلَ إليه مِن إمامةِ الدينِ إلا أنه أُمِرَ بأوامرَ إلهيةٍ تخالفُ المعقولَ فنفّذها.

﴿ وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾

[ البقرة: من الآية 124 ]

وكان ممّا أُمِرَ به ممّا يخالفُ معقولَ البشرِ أنْ يلقيَ زوجتَه هاجرَ وابنَها إسماعيلَ في أرضٍ مقفرةٍ موحشةٍ لا أنْسَ فيها ولا شيءَ، وهي أرضُ مكّةَ، وليس معهم أحدٌ على الإطلاقِ، وليس لهم زادٌ إلا جِرابُ تمرٍ وقربةُ ماءٍ، ثم كرَّ راجعاً إلى بلادِ الشامِ، هذا أمرٌ إلهيّ لإبراهيمَ يخالفُ معقولَ البشرِ، فإن أحداً لو فعلَ هذا من عندِ نفسِه لكان فعْلُه جريمةً يحاسَب عليها، وكذلك أمَرَه اللهُ سبحانه وتعالى ثانيةً أنْ يقتلَ ابنَه البكرَ إسماعيلَ عليه السلام بعد أن شبَّ وبلغَ مبلغَ الرجالِ،
قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾

[ الصافات: الآية 103]

فسارعَ إلى تنفيذِ الأمرِ من دونِ تلكُّؤٍ أو نظرٍ أو تسويفٍ، ولو أنّ إنساناً عمدَ إلى أنْ يقتلَ ابنَه من دونِ أمرٍ من اللهِ لكان هذا جريمةً يحاسَب عليها .
هل من المعقولِ أنْ تَدَعَ زوجتَك وابنَك في أرضٍ مقفرةٍ لا ماءَ فيها ولا نباتَ ؟ قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ﴾

[ إبراهيم الآية: 37 ]

عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:

(( أَوَّلَ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لَتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْدَ الْبَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا... ))

مَن عنده هذا التوكّلُ ؟ موتٌ محقَّقٌ، أرضٌ في منطقةٍ حارّةٍ، لا ماءَ فيها ولا نباتَ، ترك زوجتَه أقربَ الناسِ إليه، وابنِه الحبيبَ، ورجع وحْده .

((... فَقَالَتْ لَهُ: أَاللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ بِهَذَا ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيث لا يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: رَبِّ إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ... حَتَّى بَلَغَ يَشْكُرُونَ .... ))(

[(3) البخاري ( 3184 )، أحمد (3250 ) ]

بعد أنْ نفدَ الماءُ، وبكى الصبيُّ، وسَعَتْ الأمُّ بين الصفا والمروةِ جاءها مَلَكٌ كريمٍ، وفجَّرَ ينبوعَ زمزمَ .
إذا كانت الشريعةُ المنزّلةُ على سيدنا محمد  في عمومِها مما يوافقُ معقولَ أهلِ العقلِ والحجّةِ والحكمةِ، إلاّ أنّ الجانبَ التعبديّ فيها كبير جداً، فالأمرُ التعبديّ كلما وضحتْ حكمتُه ضعفَ فيه ثوابُ التعبدِ، وكلما غابتْ حكمتُه عنا ارتفعَ فيه ثوابُ التعبدِ، إنك إن طبّقتَ أمرَ اللهِ من دونِ أن تفهمَ الحكمةَ فلك عند اللهِ مرتبةٌ عاليةٌ .
إن مواقيتَ الصلاةِ تعبديّةٌ، وعددَ الركعاتِ تعبديٌّ، وهيئاتِ الصلاةِ تعبديّةٌ، وكونَ الزكاةِ في بعضِ الأموالِ تعبديٌّ، وتقديرَ النصابِ تعبديٌّ، وصفةَ الصومِ، وأعمالَ الحجِّ من طوافٍ وسعيٍ وتقبيلٍ للحجرِ، والوقوفِ بعرفةَ، والمبيتَ بمزدلفةَ، ورميَ الجمارِ، كلُّ هذه أمورٌ تعبديّةٌ .
بشكلٍ حياتيّ، أبٌ عظيمٌ مَنحَ ابنهَ كلَّ شيءٍ، علَّمه، وهذّبه، وربّاه، وزوّجه، وأمدّه بمالٍ كثيرٍ، ألا يحقُّ لهذا الأبِ أنْ يقولَ لابنِه: لا تفعلْ هذا الشيءَ، من دونِ تعليلٍ ؟ أبٌ قدّم لابنه كلَّ شيءٍ، أكرَمه بكلِّ شيءٍ، منحَه كلَّ شيءٍ، والطعامُ طيّبٌ، وأقبلَ الابنُ عليه ليأكلَ، قال له الأب: لا تأكلْ، هذا الأبُ المحسنُ الكريمُ، وهو من بني البشرِ ألاَ يستحقُّ أنْ يقولَ له ابنه: يا أبتِ أنا مطيعٌ لك فيما تريدُ، ولا أخالفُ أمْرَك، هذا شأنُ مخلوقٍ مع مخلوقٍ معنى العبودية لله ليست واضحةً عند المسلمين، وإنّ أكبر عبادةٍ لا تعدل نعمةً
واحدةً أنعمَ اللهُ بها عليك، وهي نعمةُ الإيجادِ، قال تعالى:

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾

[(1) الإنسان: الآية 1 ]

أمدّك بكلِّ شيءٍ، أمدّك بسمعٍ وبصرٍ ولسانٍ ونطقٍ، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ﴾

[ البلد: الآية 8 –11 ]

كلّفك ما تطيقُ، كلّفك شيئاً مريحاً، نافعاً مفيداً، وأنت بهذا الذي كلّفك به لا تفعلُه، وأنت مغمور بنعم الله .
ما أباحَه اللهُ، وما حرّمه أيضاً أمرٌ تعبديٌّ، أباحَ لك البيعَ، ولو ربحتَ ألفاً بالمئةِ، وحرّم عليك الربا، ولو أخذتَ درهماً واحداً من الربا، هذا حدُّ اللهِ عز وجل، أمرَ المرأةَ ألاَ تحدَّ على غيرِ زوجِها أكثرَ من ثلاثةِ أيامٍ، ولو كان الميتُ أعزَّ الناسِ إليها، كابنِها، وأبيها، وأخيها، وأمَرَها أنْ تحدّ على زوجِها أربعةَ أشهرٍ وعشراً، ولو كانت لا تحبّه، هذا أمرُ اللهِ عز وجل، وعلّتُه أنه أمرٌ يجبُ أنْ نقبلَ عليه من دونِ تردّدٍ، من دونِ تعليقٍ على حكمتِه ونفعِه، وواقعيتِه وفائدتِه .
لا تجعلْ عقلَك هو الحكمَ، مَن جعلَ عقلَه حَكماً على الشرعِ فقد ضلَّ ضلالاً مبيناً، اجعلِ الشرعَ حَكماً على عقلِك، العقلُ في الأصلِ يوافقُ النقلَ، لكنْ لو فرضنا مثلاً أنّ قضيةً في النقلِ لم توافقِ العقلَ، دَعْ الذي مال إليه عقلُك من أجلِ طاعةِ ربِّك .
إنّ الطبقةَ المثقَّفةَ الآن لا تقبلُ أمراً إلا بالتعليلِ، ما حكمته ؟ لماذا الربا حرامٌ ؟ ماذا يفعلُ هذا المصرفُ ؟ إنه يخدمُ الناسَ، يقدّمُ قروضاً، يؤسّس مشاريعَ، ما من شيءٍ تطرحُه على المسلمين المعاصرين إلا ويعرِضُه على عقلِه، نحن نحترمُ العقلَ احتراماً لا حدودَ له، وهو مناطُ التكليفِ، وأكثرُ مِن ألفِ آيةٍ تتحدّثُ عن العلمِ والعقلِ في القرآن، ولكنْ لا ينبغي أنْ نعبدَ العقلَ من دونِ الله .
نحن مع العقل لكن لا أن نحكمه في النقل، نحن مع الفهم لكن لا أن نعلق الطاعة على الفهم
العقلُ مهمّتُه قبلَ النقلِ التأكُّدُ من صحّة النقلِ، وبعد النقلِ مهمّتُه أنْ يفهمَ النقلَ،
لكن لا يمكنُ أنْ يكونَ العقلُ حَكَماً على النقلِ، العقلُ للتأكُّدِ من صحّةِ النقلِ، ثم لفهمِ النقلِ .
هذا موضوع دقيق وقع فيه كثير من المسلمين، وقع فيه المتفوِّقون أحياناً، لا يقبل أحدُهم قضيةً إلاّ إذا فهِمَها عقلُه المحدودُ .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018