المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 3 - مبادئ العقل - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب مقومات التكليف – المقوم الثاني - الفقرة : 3 - مبادئ العقل


2005-06-09

العقلُ هو الجهازُ الذي يتعرّف إلى المحيطِ الخارجيِّ، وهذا الجهازُ لا يفهمُ الشيءَ إلا بسببٍ، ولا يفهمُ الشيءَ إلا بغايةٍ، ولا يفهمُ الشيءَ إذا كان متناقضاً، وهذه مبادئُ العقلِ الثلاثةُ، ( مبدأُ السببيّةِ – والغائيةُ - وعدمُ التناقضِ )، فاللهُ عز وجل خَلقَ الأسبابَ، وأودعَ فينا عقلاً لا يفهمُ الأشياءَ إلا بأسبابِها وغاياتِها، ولا يقبلُ التناقضَ .
الله أودع فينا عقلا لايفهم الأشياء إلا بأسبابها وغاياتها
لو أنّ متَّهماً أثبتَ أنه كان في وقتِ وقوعِ الجريمةِ في مكانٍ بعيد عنها، فإنه تثبتُ براءتُه، لأنّ القاضي عنده عقلٌ، والإنسانُ لا يكونُ في مكانينِ في آنٍ واحدٍ، فكلُّ واحدٍ منّا يستخدمُ عقلَه في اليومِ آلافَ المراتِ، فالصوتُ يدلُّ الإنسانَ على حركةٍ، والرائحةُ تدلُّه على الحريقِ مثلاً، فالعقلُ لا يكشفُ الحقيقةَ إلا بأسبابٍ ماديّةٍ ـــ
، هذه هي العمليةُ الوحيدةُ للعقلِ، وهي الاستدلالُ، فينتقلُ من محسوسٍ إلى مجرّدٍ،
أمّا أمورُ الآخرةِ، أمورُ الجنةِ والنارِ، والجنِّ والملائكةِ، الماضي السحيقِ، المستقبلِ البعيدِ، هذه لا دَخْلَ للعقلِ بها إطلاقاً، عندنا يقينٌ حسيٌّ، ويقينٌ استدلاليٌّ عقلِيٌّ، ويقينٌ إخباريٌّ، فالحيوانُ يتعاملُ مع المحيطِ بالحواسِّ فقط، والإنسانُ عامّةً فيتعاملُ مع المحيطِ بالحواسِّ والعقلِ، أمّا المؤمنُ فيتعاملُ بالحواسِّ والعقلِ والخبرِ الصادقِ، فعندنا حقيقةٌ حسيّةٌ، وحقيقةٌ عقليّةٌ، وحقيقةٌ إخباريّةٌ، وكلُّ حقيقةٍ لها طريقٌ، ولها دليلٌ، ولها برهانٌ، فبرهانُ القضايا الحسيّةِ اللمسُ، والشمُّ والصوتُ، والصورةُ، وما إلى ذلك، وبرهانُ القضايا العقليةِ الاستدلالُ، أمّا برهانُ القضايا الغيبيةِ فالخبرُ، فأنت تؤمنُ بالآخرةِ عن طريقِ الخبرِ الصحيح، وتؤمنُ بوجودِ الله عن طريقِ العقلِ، كما تؤمنُ بالشمسِ عن طريقِ العينِ، وسيأتي تفصيلُ ذلك في مبحثِ التشريعِ .

اللَّذاتُ الحسّيّةُ واللَّذاتُ العقليّةُ:

الإنسانُ له حواسُّ، وله عقلٌ، وهناك لذّاتٌ حسيّةٌ ولذّاتٌ عقليّةٌ، فلو أنّ الإنسانَ في رمضانَ تركَ الطعامَ والشرابَ يجوعُ ويعطشُ حسّيًّا، ويتمنّى أنْ يأكلَ ويشربَ، لكنه يشعرُ بلذّةٍ عقليّةٍ، لأنه مطيعٌ للهِ عز وجل .
إنفاقُ المالِ فيه خسارةٌ مادّيةٌ لكنْ معه لذّةٌ عقليّةٌ
إنفاقُ المالِ فيه خسارةٌ مادّيةٌ، لكنْ معه لذّةٌ عقليّةٌ، فكلما ارتقى الإنسانُ بَحَثَ عن لذّةٍ عقليةٍ، وكلما هبطَ مستواه بحثَ عن لذّةٍ حسيّةٍ، لك أنْ تملأَ عينيك مِن امرأةٍ حسناءَ، مثلاً، هذه لذّةٌ حسيّةٌ، ولك أنْ تغضَّ البصرَ عنها، هذه لذّةٌ عقليّةٌ .
انظرْ إلى المجاهدِ في سبيلِ اللهِ، روحُه على كفِّه، لكنّه يشعرُ بلذَّةٍ كبيرةٍ، لأنه باعَ نفسَه للهِ عزّ وجلّ .

الإنسانُ العاقلُ يتعاملُ مع البيانِ، وغيرُ العاقلِ يتعاملُ مع الواقعِ:

لو أنّك سافرتَ في الشتاءِ إلى مدينةٍ ما، وفوجِئْتَ في بدايةِ الطريقِ الموصِلِ إلى تلك المدينةِ بلوحةٍ كُتِبَ عليها: " الطريقُ مُغْلَقٌ بسببِ تراكمِ الثلوجِ "، لا شكَّ أنك تُلغِي سفرَك، وتعودُ فوراً، مع أنّ الطريقَ ما زال سالكاً، ولا يوجدُ أثرٌ للثلجِ، لكن لو أنّ دابةً تمشي في الطريق نفسِه فلا شكَّ أنها ستقفُ عند الثلجِ، انظرْ إلى تعاملِ الإنسانِ مع البيانِ، وإلى تعاملِ الدابّةِ مع الواقعِ .
متى يقلِعُ المدخِّنُ عن التدخينِ ؟ عند وقوعِ سرطانِ الرئةِ، أمّا إذا كان يملكُ عقلاً راجحاً فإنه يقلعُ عن التدخينِ وهو صحيحٌ معافًى، لأنه سمعَ عن مضارِّ التدخينِ فتعاملَ مع البيانِ

 

﴿ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾

[ القصص: من الآية 60 ]

﴿ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾

[ الجاثية: من الآية 23 ]

﴿ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

﴿ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾

[ آل عمران: 143 ]

جاء في الحديثِ الشريفِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ:

(( قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ، أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ ؟ قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ ))

[ الترمذي ( 2517 ) ]

ما معنى: عقلتُ ؟ يعني ربطتُ، ما معنى: هذا إنسانٌ عاقلٌ ؟ أي: عنده موانعُ ضدّ الأعمالِ السيئةِ، يمنعُه عقلُه أنْ يأكلَ مالاً حراماً، يمنعُه عقلُه أنْ يزنيَ، يمنعُه عقلُه أنْ يعتديَ على أموالِ الناسِ، يمنعُه عقلُه أنْ يتكلّمَ كلاماً بذيئاً، فالعقلُ لجامٌ، وفي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ قَالَ:

(( الْإِيمَانُ قَيَّدَ الْفَتْكَ، لَا يَفْتِكُ مُؤْمِنٌ ))

[ أبو داود ( 2769 )، أحمد ( 1426 ) ]

بشكلٍ عامٍّ، الإنسانُ له حركةٌ يوميّةٌ، يخرجُ من بيتِه، تعترضُ طريقَه فتاةٌ، بإمكانِه أنْ ينظرَ إليها، أو أنْ يغضَّ بصرَه عنها، يصلُ إلى عملِه، بإمكانِه أنْ يكذبَ، أو أن يكونَ صادقاً، فإذا استخدمَ عقلَه الصريحَ اختار غضَّ البصرِ، واختار الصدقَ، وآثرَ مرضاةَ اللهِ .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018