الدرس : 12 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 33 - 39 الاصطفاء - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 12 - سورة آل عمران - تفسير الآيات 33 - 39 الاصطفاء


2001-02-02

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
 أيها الإخوة المؤمنون ، مع الدرس الثاني عشر من دروس سورة آل عمران ، ومع الآية الثالثة والثلاثين ، وهي قوله تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

(سورة آل عمران)

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

1 ـ الله يصطفي محبيه :

 أيها الإخوة ، هذا الذي يؤمن أن الله قدّر على كل مخلوق عمله ، ولا جريرة له به ، هذا إنسان خاطئ ! لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان مخيرًا ، فإن أحسن فله من الله جزاء حسن ، وإن أساء فعليه من الله وزر ، فالله عز وجل يصطفي ، من يصطفي ؟ يصطفي الذي يحبه ، يصطفي الذي يعبده ، يصطفي الذي يخافه ، يصطفي الذي يرجو رحمته ، لا بد أن يكون من العبد سبب للاصطفاء ، وهذه الفكرة ، وهذا المعنى يملأ القلب تفائلاً ، في أي مكان ، في أي زمان ، في أي عصر ، في أي مصر ، في أية مرتبة ، في أي درجة من السلّم الاجتماعي ، في أي وضع ما دمت محباً لله ، مستقيماً على أمره ، تتقرب إليه بخدمة خلقه فلا بد أن تصطفى بطريقة أو بأخرى ، قد يرفع الله شأنك ، قد يعلي قدرك ، قد يجري الخير على يديك ، يلهمك أن تنطق بالحق ، قد يجعل هدى كثيراً من خلقه على يديك ، وهذا نوع من الاصطفاء ، لأن الله عز وجل حينما خاطب النبي صلى الله عليه وسلم قال :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ(1)وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2)الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )

2 ـ لابد من سبب للاصطفاء :

 قال علماء التفسير : هذه تنطبق على النبي صلى الله عليه وسلم ، وعلى كل مؤمن بقدر إيمانه ، واستقامته ، وإخلاصه ، أنت مخلوق كريم ، أنت مخلوق مميّز ، أنت مخلوق سخر الله لك ما في السماوات ، وما في الأرض جميعاً منه ، فينبغي أن تعمل عملاً تستحق أن يصطفيك بطريقة أو بأخرى ، لأن باب النبوّة مقفل ، وباب الصدّيقية مقفل ، ما طلعت شمسٌ على رجل بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر ، ولكن باب البطولة مفتوح إلى يوم القيامة ، باب أن تكون مؤمناً كبيراً ، باب أن تكون محسناً عظيماً ، باب أن تكون عارفاً بالله ، باب أن تكون من أحباب الله ، هذا الباب مفتوح على مصراعيه لكل الخلق .
 لكن ربنا عز وجل في هذه الآية يبيّن حالة أولئك النخبة ، أولئك القمم ، قمم البشرية ، الأنبياء فالله اصطفاهم على علم ، وحينما تقول : النبوّة هبة هذا كلام صحيح ! ولكن دعني أوضح لك الحقيقة .
 حينما تضطر دولة - مثلاً للتقريب - أن تعين سفيراً في أقوى دولة في العالم ماذا ينبغي أن تكون مواصفات هذا السفير ؟ ينبغي أن يكون محصلاً لعلومٍ شتى ، علوم الحقوق ، والآداب ، والعلوم ، هكذا في بعض الدول ، لا بد من اختصاصات ثلاثة ، اختصاص علمي ، واختصاص أدبي ، واختصاص حقوقي ، لا بد أن يكون ملمّاً باللغة الأجنبية ، لابد أن يكون من أسرة راقية ، لابد أن يكون ذا هيئة مرضية ، لا بد من ذكاء فطري ، لا بد ، ولابد ... لأنه سيمثل أمة ، سينطق بلسان دولة ، سيعبر عن ثقافة ، فحينما يصطفى مثل هذا الإنسان ليكون سفيراً في دولة عظمة هناك مؤهلات حصّلها بجهده ، ودراساته ، واهتماماته ، وثقافته ، هذه كلها حصّلها بمفرده ، بجهده الشخصي ، بناءً على هذا التفوق ، وعلى هذه الاختصاصات عيّن ، بعد أن يعيّن معه صلاحيات واسعة ، معه حقيبة دبلوماسية ، معه شيكات مفتوحة ، معه ميزات كثيرة ، هذه تأتيه هبة ، هذا الذي اصطفي بسببه تفوقه في اختصاصاته الثلاثة .
 إذاً : حينما نتوهم أي إنسان هكذا أراده الله نبياً فكان نبيًّا .

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ﴾

3 ـ الاصطفاء هو الانتقاء والاختيار :

 يقول لك : اصطفى ، أي انتقى من بين خلقه ، انتقى من بين الملايين المميزة ، انتقى إنساناً محباً له ، يطيع يحسن إلى خلقه يتقرب إليه ، فهذا حال الأنبياء اصطفاهم على علم ، اختارهم من بين خلقه لأنهم قمم ، لأنهم ذروة الكمال البشري ، لأنهم على محبة لا توصف ، وعلى ورع لا يوصف ، وعلى خير لا يوصف ، وعلى إحسان لا يوصف ، وعلى حكمة لا توصف ، فلا بد من جانب اختياري ، ولا بد من جانب كسبي ، بُني عليه الاصطفاء ، ولقد اخترناهم على علم ، كلمة اصطفى وحدها تعني هذا الذي قلته ، وإن الله اصطفى من بني آدم سيدنا آدم ، يقول عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديثه :

(( آدم فمن دونه تحت لوائي يوم القيامة ))

[ كشف الخفاء للإمام العجلوني ]

 معنى ذلك أن سيدنا آدم في مرتبة عالية جداً جداً :

(( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ، ولا فخر ))

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ ﴾

4 ـ آدم أول مخلوق بشري على وجه الأرض :

 سيدنا آدم أول مخلوق بشري على وجه الأرض ، ليس له أب ، ولا أم ، فقد حرم تربية الأب والأم ، لذلك تولى الله تربيته بنفسه ، فأسكنه الجنة ، ونهاه عن هذه الشجرة ، وجاء إبليس اللعين فزيّن له الأكل من هذه الشجرة ، ولم يكن وقتها كذب ولا نفاق !

﴿ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ﴾

( سورة طه )

 فصدقه سيدنا آدم .

 

﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ ﴾

 وفي آية أخرى :

 

﴿ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ﴾

( سورة طه )

 على المعصية ، واستغفر ربه ، وتاب عليه وأخرجه من الجنة لا عقاباً ، ولكن تعليماً لكل الخلق الذين سيأتون من بعده ، لأن الله عز وجل في الأصل قال :

﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾

 إذاً خروج سيدنا آدم من الجنة لحكمة تربوية أرادها الله عز وجل ، كأن الله ربّى بني آدم بآدم ، وإن هذا الشيطان عدو لكم ، فكيف أبويكم من الجنة ؟.
 فيا أيها الإخوة :

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا ﴾

 بعد آدم عُبِد غير الله في الأرض ! فكان سيدنا نوح أول نبي جاء إلى البشر بعد أن وقعوا في الشرك ، وآل إبراهيم ، وإبراهيم أبو الأنبياء ، ونبينا صلى الله عليه وسلم من ذريته ، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قُلْتُ :

(( يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ ؟ قَالَ : دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبُشْرَى عِيسَى ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ الشَّامِ ))

[ أحمد ]

 وفي وراية الحاكم في المستدرك :

(( أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبِشارَةُ عِيسَى ...))

[ المستدرك ]

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ﴾

(سورة البقرة)

(( أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ ، وَبِشارَةُ عِيسَى ...))

[ المستدرك ]

 فإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء .

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ ﴾

 وقصة اليوم هي قصة آل عمران على العالمين .
 أريد أن أكرر أن الاصطفاء يعني أن جانباً من سبب الاصطفاء يعود إلى المخلوق ، هذا الجانب الكسبي ، لا ينكر أن النبوّة وهبية ، ولكنها بنيت على اصطفاء ، والاصطفاء أساسه الكسب ! كما بينت في مثل السفير

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

 لو أردت أن أوسع معنى الاصطفاء ، التوسيع يعني أنّ أي واحد من الإخوة المؤمنين إذا تفوق في معرفة الله ، وحرص على طاعته حرصاً كبيراً ، وبذل مما أعطاه الله من علم أو من مال ، أو من جاهٍ ، أو من حكمة ، أو من خبرة ، أو ما شاكل ذلك ، وبذل هذا في سبيل الله فلابد أن يرى من الله قبولاً ، ونوعاً من الكرامة ! مستحيل وألف ألف مستحيل أن تخطب ودّه ، ثم لا يكافئك ، أن تخطب ودّه ثم لا يكرمك ، أن تخطب ودّه ثم لا تجد من الله معاملة استثنائية تشعر أنه يحبك ! سمِّ هذا إن شئت اصطفاءً ، كما قال بعض العلماء :

﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

 هذه للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولكل مؤمنٍ مطيعٍ مخلصٍ محبٍ منيب له من هذه الآية نصيب !

 

علوّ الهمة من الإيمان :

 فإن أردت أن تكون متميزاً ، إن أردت أن يخصّك الله بعلم ، أن يعلمك ما لم تكن تعلم ، ليكون فضل الله عليك عظيماً ، إن أردت أن يخصّك الله بلسان طليق في تعريف الناس بالله ، إن أردت أن يخصّك الله بمال تنفقه في سبيل الله ، إن أردت أن يخصّك الله بجاهٍ تحمي به الضعفاء المؤمنين ، إن أردت أن يخصّك الله بعمل طيب يمسح دموع البائسين ، إن أردت أن يخصّك الله بعمل عظيم ينجي به على يديك من عباده المؤمنين فالباب مفتوح على مصراعيه ، هناك أبواب أغلقت بنص القرآن الكريم ، وهناك أبواب مفتحة‍ ، ‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍وقد ورد في الأثر بأن علوّ الهمة من الإيمان .
 نحن في التعليم لو أن طالباً أراد أن ينجح فقط ، يقول : أنا أريد المعدّلات فقط ، النهايات الصغرى ، في الأعم الأغلب أنه لا ينجح ، أما حينما يطلب الطالب التفوق لعله ينجح ، ولعله يتفوق ، فأنت إن أردت أن تكون وراء الباب في الجنة ربما لا تدخلها ‍، أما إن أردت أن تكون طموحاً مع المتفوقين فلعل الله يرحمنا جميعاً ولعل الله يقبلنا جميعاً .
 أنا أريد أيها الإخوة أن تشعروا أن أبواب رحمة الله مفتوحة دائماً ، ولا علاقة لها لا ببلد ، ولا ببيئة ، ولا بمجتمع ، ولا بطبيعة ، أبواب رحمة الله مفتّحة لكل عباده المؤمنين ، وفي أي عصر ، إن صدقت رأيت شيئاً لا يصدًق ، إن صدقت الله رأيت شيئاً لا يصدق ، وما من مسلم مؤمن يخطبّ ودّ الله عز وجل إلا أكرمه الله إكراماً يراه هو ، ويراه من حوله ، وإذا شئت أن تفسر هذا الإكرام ، أو هذه الكرامة ، أو هذه المعاملة الخاصة ، أو هذا الخير الذي يجرى على يديك ، أو هذا المنطق السديد الذي تنطق به ، أو هذا العمل الطيب الذي قُدّر لك ، أو التفاف الناس حولك ، هذا كله بيديك ، بشرط أن تقدم لله ما يؤهلك أن تنال منه هذا العطاء .
 ما رأيت أدباً أعظم من أدب النبي عليه الصلاة والسلام ، حينما سأل الله موجبات رحمته ، وعزائم مغفرته ، الله يرحم كل خلقه ، لكن إن أردت رحمته فقدّم ثمنها ، ثمنها أن تتوب ، ثمنها أن تؤدي العبادات بإتقان ، ثمنها أن تطيع الواحد الديّان ، ثمنها أن تحسن إلى خلقه جميعاً ، هذه كلها ثمن رحمة الله ، ولعلي وضحت معنى الاصطفاء في جانب من العبد ، جانب من العبد كسبي أساسه الاصطفاء ، وهناك جانب وهبي ! اخترنا هذا الإنسان من بين الأوائل ، من بين المتفوقين ، من بين الذين يتقنون اللغة الإنكليزية فرضاً من بين الأوائل ، ثم منحناه صلاحيات كثيرة ، الصلاحيات وهبية ، أما الاختيار فقد بني على أساس كسبي ، فالاصطفاء هذا معناه ، الله اصطفى ، والاصطفاء الضيّق اصطفاء الأنبياء ، وبابه مغلق ، وأمره منتهٍ ! الاصطفاء الواسع أن تكون متميزاً ، ألا ترى إلى إنسان أمضى حياته في طاعة الله ، ألا ترى إلى شيخوخته !
 والله أيها الإخوة ، زرت أحد علماء مدينة في الشمال ، والله ما رأيت ملِكاً في ملكه أكبر شأناً هكذا ! الإنسان إذا أمضى حياته في طاعة الله ، إذا مضى حياته في الدعوة إلى الله ، إذا أمضى حياته في التقرّب إلى الله ، فهذا له معاملة خاصة ، وله شأن كبير ، ففي السابعة والتسعين كان أحد علماء دمشق العِظام رحمه الله ، قامة منتصبة ، وبصر حاد ، وسمع مرهف ، وأسنان كاملة في فمه ، سُئل : ما هذا الصحة ، يا سيدي التي حباك الله بها ؟ قال : يا بني ، حفظناها في الصغر ، فحفظها الله علينا في الكبر ، من عاش تقيّاً عاش قوياً ‍ .
 لك استثناءات للصحة ، لك استثناءات في السمعة ، لك استثناءات في الرزق ، لك الاستثناءات في الحياة الاجتماعية ، محبوب ، لأن الله قال :

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159)

 لنت لهم فالتف الناس حولك .

 

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

( سورة آل عمران : من الآية 159)

 تتصل بالله فيمتلئ قلبك رحمة ، فتكون ليّناً للناس ، فيلتفون حولك ، وينقطع المرء عن الله ، فيمتلئ قلبه قسوة ، فينعكس غلظاً ، فينفض الناس من حولك ، هذا قانون ! معادلة رياضية مائة بالمائة ، فأنا أريد كما يقال أحياناً التطبيق العملي ، أنا ما علاقتي بهذه الآية ؟

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾

5 ـ آدم أول مخلوق بشري على وجه الأرض :

 أنا ما علاقتي بهذه الآية ؟ لي علاقة متينة جداً ! أنا حينما أخالف المجموع العام .

﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

(سورة الأنعام)

 الناس أين يسهرون ؟ في لقاءاتهم ماذا يتكلمون ؟ في ولائمهم كيف يأكلون ؟ نساء ورجال ، واختلاط ، ومزاح لا يرضي الله ، ونظرات خبيثة ، وتعليقات لاذعة ، ومال يكسبونه بالحرام ، وعلاقات كلها آثام ، فإذا كنت مع المجموع فتحمل ما يتحمله المجموع ، أما إذا خفت ، واطمأن الناس ، إذا أطعت ، وعصى الناس ، إذا صليت بالليل ، والناس نيام ، إذا غضضت بصرك عن الحرام ، والناس يفتحون عيونهم هكذا ، إذا ضبطت لسانك ، والناس يتكلمون ، إذا ضبطت جوارحك ، والناس يسقطون ، مقابل ذلك لك معاملة متميزة ، لك كرامة عند الله ، لك استثناء لك تكريم ، لك عطاء ، لك اصطفاء ، إن شئت أن تسميه اصطفاء .
 مرة التقيت بأخ كريم يعمل في القصّاب ، وأنا أحترم كل المهن ، لأن كل حرفة تقدم خدمة هي حرفة مقبولة عند الله ، ولكن هذا القصّاب من جيل أحد علماء القرآن الكريم الكبار ، وكان هذا العالم فيما مضى قصّاباً ! فقال لي مداعباً : إن هذا فلان ، الأستاذ الجليل ، العالم الجليل كنت معه في الحرفة ، لكن قلت له : أين الثرى من الثريا ؟ فرق كبير بين أن تكون من كبار علماء القرآن ، وقد أمضيت كل حياتك في قراءة القرآن ، وتعليم القرآن ، وحفظ القرآن ، وبيان أحكام القرآن ، وبين أن تكون محترفاً حرفة تعيش منها ، وانتهى الأمر، لابد من التفوق ، ولابد من التميز ، لما يريد الناس أجمل بيت ، وأجمل زوجة ، وأعلى دخل ، وأجمل مكتب تجاري ؟ انظر إلى الناس يتنافسون في بيوتهم ، في مركباتهم ، في إنفاقهم ، في حفلاتهم ، في أفراحهم ، حتى في أتراحهم يتفوقون ، يقول لك : سار خلفه خمسمائة سيارة ! يفتخر بها ، كلفنا القبر مبلغًا ضخمًا ، حتى إذا مات ميّتهم يفتخرون ! لماذا لا نتنافس في الآخرة ؟ لماذا لا نحب التفوق في الآخرة ؟ وباب التفوق مفتوح إلى يوم القيامة ، هذا معنى :

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ ﴾

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْض

1 ـ معنى الآية :

 خصائص واحدة ! الجبلّة واحدة ، الفطرة واحدة ، الإمكانات واحدة ، ولو لم تكن واحدة لما كان هناك من معنى للتكليف ، لا تكليف إلا بالإمكانات كيف نكلّف مالا نطيق ؟ ماذا قال الله عز وجل؟

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

( سورة البقرة : من الآية 286)

 كل التكاليف التي أمرنا الله بها من وسعنا وفي إمكاننا تطبيقها ، هذا معنى ذرية بعضها من بعض .

 

2 ـ النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر :

 لولا أن النبي بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، لو لا أن النبي يجوع كما نجوع ، ويخاف كما نخاف ، ويشتهي كما نشتهي ، وانتصر على بشريته لما كان سيد البشر ! فعَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ ، وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، وَمَا لِي وَلِبِلالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلالٍ ))

[ سنن الترمذي ]

 واضطُهِد في الطائف ، فقال عليه الصلاة والسلام :

(( ... إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك من أن ينزل بي غضبك ، أو يحل علي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

 عَنْ سَعْدٍ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قُلْتُ :

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً ؟ قَالَ : الْأَنْبِيَاءُ ، ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ ))

[ البخاري ، والترمذي ، واللفظ له ]

 هناك مضائق في الحياة لا بد أن تمر بها ، تضيق جداً على الأنبياء ، الإسلام في بعض اللحظات انتهى ! قضية ساعة ، وينتهي الدين في الخندق ! حتى قال بعض من كان مع النبي : أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى ، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟ كأنه كفر بنبوة النبي ! هنالك ابتُلي المؤمنون ، وزلزلوا زلزالاً شديداً ، لابد من الابتلاء .

 

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ(2)وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

 " يا إمام ، أندعو الله بالابتلاء ، أم بالتمكين ؟ قال : لن تتمكن قبل أن تبتلى" ، فعلى المؤمن أن يوطّن نفسه على أن هناك ابتلاء ، وهناك مضائق لابد أن يعبرها ، وهناك شدة بعضها نفسي ، وبعضها مالي ، وبعضها صحي ، فيبتلى الإنسان بصحته ، ويبتلى بماله ، ويبتلى بأهله ، ويبتلى بمن حوله ! أتصبرون ؟ لا بد أن نصبر ، والصبر مرتبة عالية جداً ، والدليل بأن الصبر أجره غير محدود! .

 

﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

( سورة الزمر : من الآية 10)

 حينما تقرأ قوله تعالى ألا يقشعر جلدك ؟ حينما يتحدث ربنا عن نبي كريم ويقول :

 

﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ﴾

( سورة ص : من الآية 44)

 هل منا رجل لا مشكلة له ؟ عنده مشكلة ؟ فإن كان صابراً فهو عند الله في مكانة عليّة ، إن وجدناه صابراً ، حينما تقرأ قوله تعالى :

 

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾

(سورة النجم)

 إذا ذهبت إلى بيت الله الحرام ، وعاهدت ربك على الطاعة ، وعُدت من بيت الله الحرام ، وأنت عند عهدك ألا تشعر بسعادة لا توصف ؟ قد تخسر الدنيا ، وقد تخسر بعض ما في الدنيا ، ولكن تربح نفسك ، وتربح آخرتك ، وأنت من الفائزين .

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33)ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

قصة امرأة عمران :

 إليكم أيها الإخوة هذه القصة :

﴿ إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ ﴾

 عمران زوجها ، وهو أبو السيدة مريم ، وجدُّ سيدنا عيسى ، إذ قالت امرأة عمران :

 

﴿ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾

1 ـ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي :

لابد من تسخير الولد لخدمة الدين :

 ينبغي أن نقتدي جميعاً بهذه المرأة العظيمة ! أرادت أن تقدم ما في بطنها لله ، تصورته مولوداً ذكراً يكون في خدمة الخلق ، وفي الدعوة إلى الله ! كم من أبٍ مسلم همه الأول أن يكون ابنه عالماً من علماء المسلمين ، داعية من الدعاة الصادقين ، يهمه أن يكون طبيباً مهندساً ، معه بورد معه إف آر إس ، معه أكريجيه ، يهمه أن يكون وسيم الشكل ، دخله كبير ، يفتخر به ، يسير مع زوجته الكاسية العارية ! هذا ابني ، وهذه زوجته ! كم من المسلمين يتمنى أن يكون ابنه عالماً ، عالماً كبيراً ، داعية كبيراً ، مَن مِن المسلمين قال : يا رب : إني نذرت هذا الابن لك ؟
 والله سمعت عن بعض الصالحين قصة أثارت مشاعري ، رجل من صالحي هذه البلدة اختار أحد أولاده النجباء ، وقال له : حصّتك من تجارة أبيك كحصّة إخوتك جميعاً ، لكنك مفروز أنت لخدمة هذا الدين ، ولك مثل حصصهم كاملة ، ولا يزال حي يرزق في خدمة المسلمين ، والعلماء الصالحين !
 هل يوجد أب يقدم ابنه ؟ والله أنا أغبط كل أب عنده ولد ذكر أو أنثى ، وقد تكون الأنثى أفضل من الذكر ، هكذا في القرآن الكريم ! هذا الولد ممكن أن يكون عالمًا كبيرًا ، داعية كبيرًا ، مصلحًا اجتماعيًا كبيرًا ، إنسانًا كبيرَ القلب ، فاعتنِ به ، الجنة مفتحة أبوابها لك من خلال هذا الولد ! ليكن معك في المسجد ، اعتنِ بصحته ، اعتنِ بطعامه ، وشرابه ، اعتنِ بدينه ، اعتنِ بثقافته اعتنِ بتدريسه ، اعتنِ بمستقبله ، حينما تسعى ليكون ابنك في خدمة الحق وأهله فأنت من أعظم السعداء في الأرض !
 هذه المرأة هكذا قالت :

﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي ﴾

 أفلا يوجد عند إنسان ولد معه اختصاص ؟ يحمل ليسانس في اللغة الإنكليزية ؟ ألا تستطيع أن تترجم بعض الكتب الإسلامية إلى اللغة الأجنبية ؟ مئات الملايين ضالة وشاردة ، وهذه كلها تحتاج إلى داعية ، قد تجد في اللغة الإنكليزية فرضاً فقرًا شديدًا في الكتب الإسلامية ! المترجم مهمته أن يربح لا أن ينقل الحق للآخرين ، معك ليسانس لغة أجنبية فاجعلها في خدمة الحق ، معك مال ؟ اجعله في خدمة الخلق ! أنت في منصب رفيع ؟ اجعله لإنصاف الضعفاء والمساكين !
 لا يوجد أحد ليس له ميّزة في الحياة ، وكل هذه الميزات طرق إلى الله ، وأنا أكرر وأقول : الجنة كل من وصل إليها نعم بها ، ولا يُعتد بالوسيلة التي دخل إليها !

 

قدِّم شيئا لله :

 قد تجد إنسانًا همه الأول بناء المساجد ، كل اهتماماته بالرمل ، والإسمنت وما إلى ذلك ، هذا يدخل الجنة من أوسع بابها ، لولا من بنوا هذا المسجد ، وأنشأووا مرافقه كيف نجلس هنا ؟ إنسان التفت إلى بناء المساجد ، وإنسان التفت إلى إقامة الشعائر ، وآخر التفت إلى تأليف الكتب إنسان التفت إلى رعاية الفقراء والمساكين ، وغيره التفت إلى رعاية المرضى ، فأبواب الجنة مفتحة على كل مصاريعها ، بشرط أن يكون لك عمل شرعي بنيّة عالية ، فالجنة لك ! إياك أن تتوهم أن الجنة للدعاة فقط ، لا لطبيب يعالج المسلمين بإخلاص ، ولمهندس يبني بيوتاً للشباب المؤمنين ، ولمحامٍ يدافع عن الحق بإخلاص شديد ، ولتاجر يقدم سلعة بسعر معتدل جيدة لكل المسلمين ، ولمعلم يعلم أبنائنا ، ولمربٍ يربي بناتنا ، وإنسان بشرط أن يكون عملك مشروعاً ، وتسلك به الطرق المشروعة ، وأن تبتغي به كفاية نفسك ، ورعاية أهلك ، وأولادك ، وخدمة المسلمين ، وألاّ تشغلك عن واجب ، وعن فريضة ، فانقلب عملك إلى عبادة ، والدين واقعي ، وهذا الدين دين الحياة .

﴿ إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

 قدِّم شيئًا لله عز وجل ، قدم خبرتك ، قدم حرفتك ، قدم اختصاصك ، أنت محام قدم شيئًا من خبراتك للفقراء المظلومين ، طبيب عالج مرضى فقراء ، غني قدم من مالك ، عالم قدم من علمك، خبير قدم خبرتك ، قدم شيئاً ، والله امرأة فيما أعلم أصيبت بمرض عضال في دماغها ، ورم خبيث ، فنذرت إن شفاها الله لتكونن في خدمة المسلمين ، فشفاها الله ! لا تملك من حطام الدنيا شيئاً فماذا تفعل ؟ بدأت تصنع طعاماً طيباً ، ومتقناً للأغنياء ، وتأخذ ثمنه فتوزعه على الفقراء ، لا تملك إلا فن الطهي فطهت ، هذا الفن صار لها باباً إلى الجنة !
 مرة كنت في المطار فرأيت كل مسافر يتجه إلى بوابة ، يسمونها ( كيت ) ، استلهمت من هذا أن كل إنسان له بوابة خروج في هذه الدنيا ! هل يمكن أن تستيقظ كل يوم كما كنت البارحة ، إلى ما شاء الله ؟ مستحيل ، إذاً كيف يموت الناس ؟ استيقظ على تطور لم يكن من قبل في جسمه ، زار طبيبًا ، وطبيبين ، وثلاثة ، كنّ الطبيب ، وصفن القضية ، أجري تحليل ، وأجري تصوير ، طبقي ، إيكو ... الأمر بدا متفاقمًا ، بعد حين جاءت النعي ! إذاً هذه بوابة ، فكل إنسان له بوابة ، فإذا كنا أبطالاً فلنجعل من بوابة الخروج بوابة إلى الجنة ، لابد من ذلك ، كل مخلوق يموت ، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت ، والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر ، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر ، هذه امرأة عمران قالت :

 

﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا ﴾

النبي يباهي بأمته الصالحة:

 كم من ولد يوجد في الطريق ؟ تجد أولاد الأزقة يسبّون الدين ، يتكلمون في العورات ، ينهالون ضرباً على أصدقائهم ، يتكلمون بعبارات لا تسمع ، هذه تربية المسلمين ! ؟ والله ما أصدق في حياتي للحظة واحدة أن النبي حينما قال :

(( تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) .

[ أحمد عن أنس ]

 والله ما أصدق لحظة في حياتي أن النبي يباهي بمثل هذه الأمة ! يباهي بالمؤمنين ، يباهي بالشباب المؤمن ، يباهي بأطفال مؤمنين ، أطفال الصحابة كانوا على شيء لا يوصف من الأدب ، ومحبة الله ورسوله ، والذكاء المتّقن .

 

نريد مثل هؤلاء الشباب :

 مرّ سيدنا عمر بالمدينة فوجد أطفالاً ، فلما رأوه بهيبته تفرقوا إلا غلامًا ظل واقفاً بأدب ، ولم يهرب ! فقال له : << يا غلام ، لمَ لمْ تهرب مع من هرب ؟ فقال له : أيها الأمير ، لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك ! >> ، هكذا كانوا أطفال الصحابة .
 دخل وفد على سيدنا عمر بن عبد العزيز للتهنئة بالخلافة ، يتقدمهم غلام صغير ، فغضب ، وقال له : اجلس ، وليقم من هو أكبر منك سنّاً ، فقال له : أصلح الله الأمير ! " المرء بأصغريه ؛ قلبه ولسانه " ، فإذا وهب الله عبداً لسانا لافظاً ، وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام ، ولو أن الأمر كما تقول أيها الأمير بالحجم لكان في هذه الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس ، هذا كلام طفل في العاشرة من عمره !
 ودخل على عبد الملك بن مروان وفد آخر من البادية ، فغضب من حاجبه ، وقال : ما شاء أحد أن يدخل عليّ حتى دخل ! حتى الصبية ! وبّخ حاجبه ، فقال هذا الطفل الصغير : " أيها الأمير ، إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ، ولكنه شرفني ! أصابتنا سنة أذابت الشحم ، وسنة أكلت اللحم ، بقوا جلدا وعظما ، وسنة دقت العظم ، ومعكم فضول أموال ، فإن كانت لله فنحن عباده ، فتصدقوا بها علينا ، وإن كانت لنا فعلامَ تحبسوها عنا ؟ وإن كانت لكم فتصدقوا بها علينا ؟ فقال هذا الخليفة : والله ما ترك هذا الغلام لواحدة لنا عذراً " ، اسمع أطفالنا ، اسمع كلامهم بعد الانصراف ، انظر كيف يفعلون ، شيء مؤلم جداً .
 هل يوجد بيت ليس فيه أولاد ؟ هذا الأب المسلم لمَ لا يقول كامرأة عمران : رب إني نذرت لك هذا الغلام لمرضاتك ، لمَ لا تعتنِي به ؟ لمَ لا تأتي به إلى المسجد ؟ لمَ لا تصلي به إماماً في البيت ؟ لمَ لا تعلمه القرآن ؟ لمَ لا تعلمه محبة النبي العدنان ؟ لمَ لا تنشئه على طاعة الله ؟ لمَ تبعده عنك ؟ لمَ تجعله في الطريق يتعلم كلاماً بذيئاً فاحشاً ؟ هذه قدوة ، أنا أريد أن يكون هذا القرآن مطبقاً في حياتنا ، فما قيمة هذه القصة لو أبعدناها عن حياتنا ؟

﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

2 ـ مُحَرَّرًا

 أي محرر من كل شائبة ! لا تبتغي إلا وجه الله ، لكن معظم الآباء يقولون لك : هذا لكبري ! هذا يعينني عندما أكبر ، والولد ضروري جداً في الحياة ، ويبتغي به الدنيا ، ولا يبتغي به الآخرة ! لو ابتغى به الآخرة لجاءته الدنيا ، وهي راغمة ! أما لأنه ابتغى به الدنيا ، وأخذ شهادة عليا ، فسافر ولم يعد ، تزوج هناك ، وبقي ، وضنّ على أهله بالهاتف مرة في السنة ! دخلت مع أب ابنه بمنصب رفيع جداً ، تكلم مع أبيه كلامًا غير معقول أبداً ، قال لوالده : اجلس هنا ! والده محترم جداً ، يوجد أبناء عاقّون .

3 ـ فَتَقَبَّلْ مِنِّي

 فيا أيها الإخوة :

﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي ﴾

 قدمت ما في بطنها لله عز وجل قالت :

 

﴿ فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾

 تصور هذه السيدة ، امرأة عمران أنها ستنجب ولداً ذكراً يكون في خدمة الخلق في المعبد ، يعبد الله ، ويدعو إليه ، فلما وضعتها قالت :

 

﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾

رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى

1 ـ المرأة لها عمل جبار :

 اختلف الأمر ، طبعاً الرجل بإمكانه أن يخالط الناس دون أن يقال عنه كلمة ، لكن المرأة غير ذلك ، فهي مكرمة عند الله ، ومشرفة ، لكن لها اختصاص آخر .

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

( سورة الأحزاب : من الآية 33)

 اعلمي أيتها المرأة ، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ! والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام ! والمرأة لها دور خصها الله به شرفها ، وكرمها ، وكلفها ، لكن أعطاها اختصاصاً ؛ أن ترعى زوجها وأولادها ، والرجل له دور آخر ، الرجل يعبد الله ، ويجاهد ، ويلتقي مع الناس ، لكن المرأة لها عبادة من نوع آخر ، فكلما سترت مفاتنها عن الشباب ارتقى دينها ، ماذا تفعل المرأة المسلمة ؟ تسهم في إعفاف الشباب عن طريق ثيابها الفضفاضة الساترة ، المرأة الفاسقة ماذا تعمل ؟ تسهم في إثارة الغرائز ، كم من شاب نظر إليها فوقع في العادة السرية مثلاً ؟ كم من شاب نظر إليها فزنى بغيرها ؟ مثلاً ، فالمرأة المسلمة لها عبادة تتميز بها عن غيرها ، وهي أن كل سنتيمتر من ثيابها متعلق بدينها ، فكلما كان ثوبها صفيقاً ، ثخيناً وفضفاضاً ، وحجبت مفاتنها عن الخلق كلما ارتقت عند الله عز وجل ، لها عبادة أخرى ‍! لكن السيدة امرأة عمران وجدت أن الغلام هو الذي يحقق أمنيتها في الحياة ، فجاءت أنثى ! فقالت :

 

﴿ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى ﴾

2 ـ معنى الآية :

 قال بعض العلماء : إنّ الله عز وجل يعلم ماذا وضعت ، فكيف تقول : إني وضعتها أنثى ؟ والله أعلم بما وضعت ؟ هو الذي يخلقها في بطنها ، هذا معنى .
 المعنى الأرقى : هو أن الله يطمئنها أنها وإن كانت أنثى ، لكنها سيكون من نسلها أنبياء كبار ، كالسيد المسيح عليه السلام ، فأنت قد تأتيك أنثى ، وأنت لا تعلم أنه قد تنجب ولداً ذكراً يملأ الأرض علماً .
 اقترن رجل بعد عهد النبوة بقليل بزوجة ، فلما دخل بها خيّبت ظنه ، لم تعجبه إطلاقاً ، قصة هكذا قرأتها ! في اليوم التالي خرج هائماً على وجه في أطراف الدنيا ، ولم يرجع إلى المدينة إلا بعد عشرين عاماً ! لكن امرأته حينما رأته قد تألَم منها قالت له : لعل الخير كامن في الشر ، إذا رأيتني شراً لعل الخير كامن فيّ .
 فيروى أنه عاد إلى المدينة بعد عشرين عاماً فدخل ليصلي في المسجد فرأى أعداداً غفيرة تحلّقت حول عالم شاب ، فلما سأل عنه كان ابنه ! فقال : يا بني قل لأمك : إن بالباب رجلاً يقول لك : قد يكون الخير كامنا بالشر ، ذكرها بكلمتها ! قالت : يا بني هو أبوك ! فأنت لا تدري إذا أنجبت بنتاً طاهرة عفيفة نقية أن تنجب ولداً يملأ الأرض علماً ، أو يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، وحينما أسأَل عن فتوى الإجهاض قبل أربعين يومًا أقول له : لعل هذا الذي تحاول إسقاطه يكون خيراً لك من كل أولادك ! هو هدية من الله عز وجل .

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى

 أنت عليك أن تنوي نية طيبة ، وانتهى الأمر ، وعلى الله الباقي .

﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ ﴾

 ثم قالت :

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

 اختلف العلماء أيضاً في هذا ، فقال بعضهم : يا رب ، أنا أتمناه ذكراً كي يكون في المعبد ، فيعلم الناس دينهم ، وكي يكون في خدمة أهل الحق ، وها هو أنثى ، وهناك تفسير آخر : وقد تكون الأنثى خيراً من الذكر .

 

﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى ﴾

 كل كائن له خصائصه .

 

﴿ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ ﴾

 يعني العابدة .

﴿ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾

وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم

السُّنة ليلة الزفاف :

 لذلك كل إنسان ليلة عرسه لو دعا بهذا الدعاء الثابت عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( أَمَا إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ ، وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَرُزِقَا وَلَدًا لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ ))

[ متفق عليه ]

 هذا دعاء إذا تقبله الله سيأتيك ولد يسرك إن نظرت إليه ، وتطمئن على أحواله ، ويكون ذكراً طيباً لك ، وقرة عين ، فلا تنسَ أن تدعو الله يوم العرس ، لأنه قد يأتي ولد فيه نزغة من الشيطان ، كل يوم هو معك في مشكلة ، كل يوم في مخفر ، كل يوم تأتيك الشكاوى عليه ، وهناك غلام كله ذكر طيب حسن .

 

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا

1 ـ لا شيء في الأرض أغلى من فتاة مؤمنة طاهرة :

 لا يوجد شيء في الأرض أغلى من فتاة مؤمنة .

﴿ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا ﴾

 طاهرة عفيفة ، صاحبة حياء ، صاحبة وفاء ، تنتظر زوجاً مؤمناً ، تقصر طرفها عليه .

 

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ ﴾

 يمكن أن تبتغي بشيء وجه الله ، والله لا يقبله منك ، الذي يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أحد ! عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ ))

[ الترمذي ]

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾

2 ـ أعظم شيء أن يكون لك بيت طاهر :

 إن أعظم شيء أن يكون لك بيت طاهر ، بنات طاهرات ، شباب أطهار ، أسرة متماسكة ، أسرة محبة لله ، فلا تسمع كلمة خطأ عن هذه الأسرة ، ولا سمعة سيئة أبداً ، وهذا من نعم الله عز وجل ، يقول لك : أنا عشت ثمانين سنة لا أحد تكلم كلمة عن ابني ، ربّاه تربية عالية .

﴿ فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ﴾

 نبي كريم تكفلها .

 

﴿ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾

 وفي درس قادم إن شاء الله نتابع شرح هذه الآيات .

 

خاتمة فيها عبرة من الآية  :

 الذي أريده منكم أن تفهم كل آية بطريقة عملية ، أن تسأل نفسك دائماً : ما علاقتي بهذه الآية ؟ ما الفائدة من تلاوتها ؟ إن لم يكن لك علاقة بها فعلاقتك أن تهب لله شيئاً من أولادك ، ومن بناتك ، ومن اختصاصك ، ومن حرفتك ، ومن علمك ، ومن خبرتك ، أن تقدم شيئاً خالصاً لله عز وجل ! .
 حدثني أخ طبيب أسنان فقال : جاءتني موظفة في التعليم فقيرة جداً تريد إصلاح أسنانها ، التكلفة باهظة اعتذرت ، وخرجت ، قال لي : أصررت على أن أقوّم أسنانها ، قال لي : والله ما سعدت بخدمة إنسان كخدمة هذه المرأة الفقيرة ، ولم آخذ منها شيئًا ، والمبلغ كبير جداً ! قال : في كل حياتي المهنية لم أسعد بإنسان دخل إلى عيادتي ، لأنه قدم لها هذا الشيء لله عز وجل ، أسنانها تثير الضحك أمام أقربائها ، فلما أصلح لها أسنانها ، وابتغى بها وجه الله ، ملأ الله عز وجل قلبه سعادة ، هل يوجد أحد ليس له حرفة ؟ ألا يمكن أن تخصص جزءاً من حرفتك لوجه الله ، لخدمة عباد الله الصالحين ، طبيب ، مهندس ، محام ، تاجر ، مزارع ، لا يوجد إنسان لا يملك اختصاصًا ، ويمكن أن يهب منه جزءاً لله عز وجل اقتداءً بالسيدة امرأة عمران .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018