الدرس : 30 - سورة التوبة - تفسير الآية 36 ، فوائد الأشهر الحرم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 30 - سورة التوبة - تفسير الآية 36 ، فوائد الأشهر الحرم.


2010-12-10

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

الإنسان قَبِل حمل الأمانة وهي نفسه التي بين جنبيه :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثلاثين من دروس سورة التوبة، ومع الآية السادسة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة التوبة]

 أيها الأخوة الكرام، بادئ ذي بدء، هذا الكون يشف عن وجود الله، وعن كماله، وعن وحدانيته، هذا الكون له خالق عظيم، ورب كريم، ومسير حكيم، هذا الإله العظيم خلق المخلوقات وعرض عليها الأمانة، فقال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[سورة الأحزاب الآية: 72]

 الإنسان قَبِل حمل الأمانة، ما الأمانة؟ نفسه التي بين جنبيه.

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[سورة الشمس]

الإنسان بعد أن حمل الأمانة كان المخلوق الأول عند الله عز وجل :

 الله عز وجل جاء بنا إلى الدنيا، أعطانا هذه النفس كأمانة بين أيدينا، فالنجاح كل النجاح، والفلاح كل الفلاح، والفوز كل الفوز، والتفوق كل التفوق، والعقل كل العقل، بأداء الأمانة وبطاعة الله، لذلك قال تعالى:

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب]

 أنت حينما تلتقي في أيام العيد بطفل صغير، يقول لك: معي مبلغ عظيم، والده مدرس، أو مهندس، أو طبيب، تقدر هذا المبلغ العظيم الذي تكلم عنه الطفل بألف ليرة، أما إذا قال مسؤول كبير في البنتاغون: أعددنا لحرب العراق مبلغاً عظيماً، يمكن أن تقدر المبلغ العظيم بالنصف الثاني بمئتي مليار دولار، فإذا قال خالق الأكوان ورب الوجود:

﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[سورة النساء]

 أي إذا شخص منكم حضر درس علم، وعرف شيئاً عن ربه، وشيئاً عن الحياة الدنيا، وشيئاً عن الآخرة، وتحرك باتجاه هذا الهدف،

﴿ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 يكون قد حقق الهدف من وجوده.
 فلذلك عندما الله عز وجل خلق السماء والأرض وعرض عليها الأمانة

﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

 كان الإنسان بعد أن حمل الأمانة المخلوق الأول عند الله، لذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[سورة البينة]

 إطلاقاً.

 

العبادة علة وجود الإنسان في الحياة الدنيا :

 أيها الأخ الكريم، اعتقد يقيناً أن الفرصة أمامك وأنت في الحياة الدنيا كي تكون أفضل الخلق جميعاً، إذا حملت الأمانة، وأطعت الله ورسوله، هذا ليس كلام البشر، هذا كلام خالق البشر،

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

 إذاً الله عز وجل جاء بك إلى الدنيا كي تعبده، والدليل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات]

 لو أرسلنا الآن طالباً إلى فرنسا لينال الدكتوراه، في باريس بالذات، مدينة كبيرة مترامية الأطراف، يسكنها عشرة ملايين إنسان، فيها مدارس، فيها جامعات، فيها معامل، فيها ملاه، فيها دور سينما، فيها مؤسسات، فيها دوائر حكومية، فيها متنزهات، فيها مسارح، فيها نوادي ليلية، ماذا نقول لهذا الطالب الذي أرسل لهذا البلد لينال الدكتوراه؟ علة وجوده الوحيدة أي علاقته بهذه المدينة علاقة واحدة نيل هذه الشهادة.
 أيها الأخوة الكرام، هل تصدقون أن وجودنا في الدنيا له هدف واحد هو أن نعبد الله

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

 وأنت حينما تعبد الله حققت المراد من وجودك، حينما تعبده وتشكره، أو حينما تعرفه وتشكره، لذلك يقول تعالى:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[سورة النساء الآية:147]

 لمجرد أن تعرفه، وأن تشكره، حققت الهدف من وجودك، وكنت مع المخلوقات الأولى،

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

 والله عز وجل ما كلفك فوق ما تطيق، قال:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾

[سورة البقرة الآية:286]

 وما من شهوة أودعها الله فيك إلا جعل لها قناة نظيفة تسير خلالها، اعتقد يقيناً أن ليس بالإسلام حرمان إطلاقاً، لا يوجد حرمان، لكن هناك تنظيماً.

 

الكون كله ينطق بوجود الله وبوحدانيته وبكماله :

 إذاً الله عز وجل خلق الإنسان، وجاء به إلى الدنيا من أجل أن يعبده، كيف يعبده؟ ينبغي أن يعرفه أولاً، كيف يعرفه؟ جعل الله الكون كله شافاً عن وجوده، وعن كماله، وعن وحدانيته، وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد، فالكون كله ينطق بوجود الله، وبوحدانيته، وبكماله.
 هناك طائر اسمه البطريق يعيش في القطب الشمالي والجنوبي، هذا الطائر يمشي على رجليه كالإنسان تماماً، حينما تضع أنثاه البيضة، يحملها على رجليه، ويغطيها بريشه، ويبقى أربعة أشهر لا يذوق شيئاً من أجلها، ومعه بحوصلته كمية غذاء دسمة، حينما يخرج هذا المخلوق من البيضة، يفتح منقاره يضع الأب الطعام في منقاره، أربعة أشهر لا يذوق شيئاً، من أجل أن تبقى البيضة على قدميه مغطاة بريشه، هي ومضة من ومضات الله عز وجل.

عظمة الله وحكمته من دوران الأرض على محور مائل على مستوي دورانها :

 والله أيها الأخوة، لو أمضينا كل أعمارنا في اكتشاف عظمة الله في خلقه، شيء لا ينتهي، فلذلك عندما خلق الله عز وجل الإنسان وعرض عليه الأمانة، وقَبِل حمل الأمانة، كان المخلوق الأول، فجعل الله له الكون مقوماً أولاً يعينه على طاعة الله، كل شيء في الكون ينطق بوجود الله، وبوحدانيته، وبكماله.
 فالأرض تدور حول الشمس دورة كل عام، من هذه الدورة تنشأ الفصول الأربع، صيف، شتاء، خريف، ربيع، تدور دورة حول نفسها من هذه الدورة ينشأ الليل والنهار، لكن تصور لو أن الشمس هنا والأرض هنا، لو أن الأرض تدور على محور موازي لمستوي دورانها هكذا تدور تنتهي الحياة، لأن أول قسم حرارته تقدر بثلاثمئة و خمسين فوق الصفر، وثاني قسم حرارته تقدر بمئتي و سبعين تحت الصفر، هي تدور لكن على محور يوازي مستوي الدوران، أما هذه الأرض تدور هكذا، لو أنها هكذا الصيف دائم، والشتاء دائم، والربيع دائم، والخريف دائم، تدور بمحور ميله يقدر بثلاث و ثلاثين درجة، من دوران الأرض على محور ليس موازياً على مستوي دورانها، وليس متعامداً مع مستوي دورانها، ينشأ الليل والنهار والفصول الأربع، فكلما قرأت في القرآن:

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ﴾

[سورة فصلت الآية:37]

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

[سورة فصلت الآية:37]

الليل والنهار أصل الزمن في حياتنا :

 الشمس تكبر الأرض بمليون وثلاثمئة ألف مرة، أي مليون وثلاثمئة ألف أرض تدخل في جوف الشمس، وبين الأرض والشمس مئة و ستة و خمسون مليون كيلومتر، وفي أبراج السماء وما أكثرها درب التبابنة مجرتنا، المجموعة الشمسية بأكملها تساوي نقطة على شكل مغزلي، مجرة درب التبابنة شكلها مغزلي، أي بيضوي، عليها نقطة واحدة هي المجموعة الشمسية بأكملها، والأرض أحد الكواكب الصغيرة في المجموعة الشمسية، هذا الإله العظيم يعصى؟ ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟ خلق الإنسان، وخلق له الكون، وهذا الكون ينطق بوجود الله، ووحدانيته، وكماله، ويؤكد أن له خالقاً عظيماً، ومربياً كريماً، ومسيراً حكيماً، شاءت حكمة الله أن يكون من دورة الأرض حول نفسها الليل والنهار،

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾

 وشاءت حكمة الله أن يكون من دورة الأرض حول الشمس الفصول الأربع، هذه من آيات الله، لذلك دورة الأرض حول نفسها وتشكل الليل والنهار أصل الزمن، لولا دورة الأرض حول نفسها لما كان الليل والنهار، ولولا دورة الأرض حول الشمس لما كانت الفصول الأربع، صار هناك شهر، ثلاثون يوماً، أنت إذا نظرت إلى الشمس لا تعرف في أي يوم من أيام الشهر أنت، لكن تعرف إذا نظرت إلى الشمس في أي وقت من أوقات اليوم، الجواب واضح؟ إن نظرت إلى الشمس، إن كانت في كبد السماء كان الوقت ظهراً، قبل أن تغيب قبيل المغرب، بعد الشروق ضحى، إذا نظرت إلى الشمس تعرف أين أنت من اليوم، لكن إذا نظرت إلى القمر تعلم أين أنت من الشهر، إذا كان هلالاً رفيعاً في أول الشهر، بدراً في منتصفه، هلالاً معكوساً في آخره،

﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ ﴾

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

[سورة التوبة]

 قالوا: دورة الأرض حول الشمس تشكل العام بأكمله، ودورة الأرض حول نفسها تشكل الليل والنهار، الليل والنهار أصل الزمن في حياتنا، وأتصور أنه لو لم يكن هناك ليل ونهار، في سنة ألفان و عشرة الرقم ليس له معنى، لو ألغي دوران الأرض حول نفسها لألغي الزمن كلياً، على كلٍّ الموضوع دقيق له تفصيلات رائعة جداً.

 

في القرآن الكريم آية تشير إلى أكبر نظرية في الفيزياء وهي النظرية النسبية :

 طبعاً أينشتاين اكتشف أن السرعة المطلقة هي سرعة الضوء، الضوء يقطع في الثانية الواحدة ثلاثمئة ألف كيلومتر، الحقيقة هناك آية في القرآن تشير إلى أكبر نظرية في الفيزياء، هي النظرية النسبية، هذه جاء بها أينشتاين، هذه النظرية قلبت مفاهيم الفيزياء في الأرض، هذه النظرية تقوم على أن السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء، أي أعلى من الضوء لا يوجد، هذه السرعة المطلقة التي هي سرعة الضوء تعني أن كل شيءٍ سار بسرعة الضوء أصبح ضوءاً، الضوء ليس له كتلة وحجمه لا نهائي، أي شيءٍ سار مع الضوء أصبح ضوءاً، لذلك الآية الكريمة:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

[سورة الحج]

 لو أخذنا مركز الأرض، الأرض كرة لها مركز، ولو أخذنا مركز القمر و وصلنا بينهما بخط، لكان هذا الخط نصف قطر الدائرة التي هي مسار القمر حول الأرض، هذا الخط نعرف طوله من نصف قطر الأرض مع نصف قطر القمر مع المسافة بينهما، هذا نصف القطر نضربه باثنين نحصل على القطر، نضربه بالبي أي 3.14 نحصل على المحيط هذا باليوم، بالشهر نضرب بثلاثين، بالسنة نضرب باثني عشر، بألف سنة نضرب بألف، ابنك الصغير وبدقائق معدودة يحسب لك كم يقطع القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، واضح؟ لو قسمت هذا الرقم على ثواني اليوم، اليوم كم ثانية؟ ثلاثة آلاف و ستمئة ثانية، المفاجأة المذهلة لو قسمنا ما يقطعه القمر في رحلته في ألف عام على ثواني اليوم النتيجة سرعة الضوء، تأتي الآية:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

 أي ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء قي يوم واحد، فإذا قسمت على ثواني اليوم النتيجة سرعة الضوء و التي هي السرعة المطلقة، هذا ملخص نظرية أينشتاين، وردت في أربع كلمات في القرآن الكريم:

﴿ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ﴾

إذاً:

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ ﴾

 الشهر ثلاثون يوماً، اليوم أربع و عشرون ساعة، ليل ونهار

﴿ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

البشر عند الله نموذجان لا ثالث لهما :

 الآن البشر كما تعلمون مؤمنون وكفار، هذا ملخص الملخص.

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

 ما الحسنى؟

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾

[ سورة يونس الآية: 26]

 الجنة، أنت إذا صدقت أنك مخلوق للجنة، شيء طبيعي جداً أن تتقي أن تعصي الله، وإذا اتقيت أن تعصي الله تبني حياتك على العطاء، فصفات ثلاثة جامعة مانعة للمؤمن، صدق أنه مخلوق للجنة، واتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء.
 الطرف الثاني، كذب أنه مخلوق للجنة، بل آمن أنه مخلوق للدنيا، لذلك استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ، ستة آلاف مليون إنسان على اختلاف مدنهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، مهما أردت أن تعدد، البشر عند الله نموذجان، صنفان، فريقان، صنف آمن أنه مخلوق للجنة، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، وصنف آمن أنه مخلوق للدنيا لا للجنة، فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ.

 

الحق يقوى بالتحدي وأهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية :

 أخواننا الكرام، إذاً الإنسان حمل الأمانة، والأمانة نفسه التي بين جنبيه، فريق آمن وفريق لم يؤمن، فريق صدق بالحسنى، فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء، وفريق كذب بالحسنى بل آمن بالدنيا، فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، الآن أليس من الممكن أن يكون هؤلاء الذين كفروا بالجنة وآمنوا بالدنيا في كوكب معين والمؤمنون في كوكب وانتهى الأمر؟ ليس هناك بدر، ولا أُحد، ولا الخندق، ولا الحروب المعاصرة، ولا حروب عالمية أولى، ولا ثانية، ولا ثالثة، لا يوجد شيء، المؤمنون في كوكب، والكفار في كوكب، لكن شاءت حكمة الله أن يكونوا معاً في كل مكان وفي كل زمان، بعضهم قال: لأن الحق يقوى بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية، إذاً القرار الإلهي أن يعيش في الأرض المؤمنون وغير المؤمنين في زمان واحد، وفي وقت واحد، أينما ذهبت أناس مع الحق، وأناس مع الباطل، أناس مع المبدأ، وأناس مع الشهوة، أناس مع القيم، وأناس مع المصلحة، أناس مع الدنيا، وأناس مع الآخرة، لذلك قدرنا أن هناك معركة بين الحق والباطل، هذه المعركة أزلية وأبدية، لأن الحق يقوى بالتحدي، ولأن أهل الحق لا يستحقون الجنة إلا بالبذل والتضحية.

الحكمة من الأشهر الحرم :

 هذا تمهيد لهذه الآية:

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

 هذه قضية كونية

﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾

 هذه الأشهر الأربع يُمنع فيها القتال، معنى ذلك لأن المؤمنين والكفار مع بعضهما، وكل واحد له هدف، وأحياناً تتعارض الاتجاهات، إذاً أن يتحارب الفريقان شيء طبيعي، وهذا قدرنا، لكن جعل الله هذا الأشهر الأربع الحرم، رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ممنوع القتال فيها، لماذا؟ الإنسان إذا حارب يثور دمه وتتنامى عزته وكبرياؤه، ولا يدع القتال حتى يفني خصمه، والخصم كذلك، فجاءت هذه الأشهر الأربع رجب، وذو العقدة، وذو الحجة، ومحرم ليقف القتال، ليس هناك غالب ولا مغلوب حفاظاً على عزة الإنسان وكرامته، أحياناً تكون هناك حرب، تدخل دول ثلاث توقفها، الطرفان يتمتعان بكرامتهم وبعزتهم، فهذا من علم الله في الغيب، جعل الله المؤمنين والكفار مع بعضهما بعضاً، لا شك أن هناك معركة أزلية وأبدية بين الحق والباطل، فإن نشبت الحروب ينبغي أن تقف ولو إلى حين ليذوق الناس طعم السلام، فينحازوا إليه، هذا بعض ما توجه إليه السادة المفسرون

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾

 أي تقف الحروب في هذه الشهور، لا غالب ولا مغلوب، يذوق الناس طعم السلم يحبونه، قد يكون هذا الوقف لإطلاق النار مستمراً وتنتهي الأمور بالحوار، والمصالحة، ورفع الضيم عن بقية الناس، هذه الحكمة البالغة من الأشهر الحرم، يقف القتال لا بالأعلام أن أحد الخصوم قد انتصر، ولا بإذلال الثاني أنه انهزم، يقف القتال بحكم إلهي فلا يوجد منتصر ولا مغلوب، والجميع كرامتهم محفوظة،

﴿ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾

شأن أهل الدنيا أن يبني الكافر مجده على أنقاض البشر وحياته على موتهم :

 لذلك قال تعالى:

﴿ وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ﴾

[سورة الحجرات الآية:9]

 هناك كثير من الحروب التي دمرت العالم الإسلامي، والخطأ أنه لم يتدخل أي فريق ليوقف الحرب بين هاتين الدولتين، كل طرف استعان بقوى أجنبية، والقوات دخلت وهم باعونا واشترونا و فازوا بمليارات ممليرة من هذه الحروب.
 مرة قيادة كبيرة في العالم الغربي جمعت ثلاثين عالم نفس في منتجع، وتركوهم شهراً بأكمله ليجيبوهم عن سؤال واحد، أي شيء أفضل للعالم الغربي الحرب أم السلم؟ فكان الجواب: الحرب، أنتم لاحظوا كل فترة هناك حرب، بالنهاية تذهب أموال طائلة من المتحاربين إلى العالم الغربي، لأن عندهم السلاح، حتى يبيعوا السلاح هم بحاجة إلى بؤر ملتهبة في العالم، بين الهند و الباكستان مشكلة كشمير، بيننا وبين العدو الصهيوني مشكلة فلسطين، بالسودان هناك مشكلة، كل مكان فيه مشكلة، هذه مشكلة بؤر التوتر من أجل أن يبيعوا الأسلحة، والأسلحة تباع لا بعقود تراض بل بعقود إذعان، سعر الشيء مئة ضعف، مضطر، هم يبتزون أموالنا عن طريق بؤر التوتر هذه في العالم، ثم يبيعون السلاح بعقود إذعان، كي يحققوا ثروات طائلة، هذا البحث طويل، والبحث له جوانب كثيرة، لكن هذا شأن أهل الدنيا، شأن أهل الدنيا أن يبني الكافر مجده على أنقاض البشر، ويبني حياته على موت البشر، ويبني أمنه على إخافة البشر، ويبني غناه على إفقار البشر.

﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾

 فإذا كان هناك مشكلة بين المؤمنين في هذه الأشهر تقف الحرب، لكن لو أن الكفار أعجبهم هذا الترتيب، المؤمنون في هذه الأشهر لا يحاربون، هم يبدؤونهم بالحرب.
 لذلك جاءت الآية:

﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾

 إذا مشرك أراد أن تكون هذه الآية لصالحه نقاتله ولو كنا بالأشهر الحرم، هذه حالة نادرة واستثنائية،

﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾

الإنسان مخلوق لجنة عرضها السماوات والأرض :

 أخواننا الكرام، الإنسان مخلوق للجنة، لجنة عرضها السماوات والأرض فيها:

((ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 وهذا منهج الله في الأرض.
 الحقيقة الدقيقة أن الحرب بين حقين لا تكون لأن الحق لا يتعدد، والحرب بين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، أما بين باطلين فلا تنتهي، تذهب مع العمر، بين حقين لا تكون، وبين حق وباطل لا تطول، وبين باطلين لا تنتهي.

﴿ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ﴾

 أي بعدم تطبيق هذه الآية، فيما لو كان هناك صراعٌ بين المؤمنين.

﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾

 طبعاً مستحيل وألف ألف مستحيل أن إنساناً يستهين بدمك، وبحريتك، وبثروتك، وبالاستقلال، ويهجم عليك وأنت تقف مكتوف اليدين، هذا مستحيل، هذه الحياة الدنيا دار ابتلاء.

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل عطاء الدنيا لبلاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))

[ كنز العمال عن ابن عمر ]

 والآية تقول دققوا:

﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ ﴾

[سورة البقرة الآية:190]

 يقاتلك ليأخذ مالك، ليأخذ ثروات بلدك، ليذل شعبك، تقف مذلول اليدين أمامه.

 

السلاح يعطي الإنسان قوة ردع و يجعل الدولة مرهوبة الجانب :

﴿ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ﴾

 لذلك هذا الشيء واضح جداً، سماه العلماء المعاملة بالمثل، ولاحظ أن هناك دولاً متقدمة جداً، ودولاً مسالمة لا تحارب أبداً، مثل سويسرا مثلاً، هل تصدق أن أقوى جيش عندها؟ هل تصدق أن كل مواطن هناك يعد جندياً؟ السلاح ردع، والدليل:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

[سورة الأنفال الآية:60]

 لذلك هناك دول تملك سلاحاً نووياً، أنا متأكد قد لا تحتاج أن تستخدمه ولا لمئة عام قادمة، لكن لأنها تملك هذا السلاح هي مرهوبة الجانب،

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾

 والله حدثني أخ يعيش في الباكستان، قال لي: كان هناك معاملة قاسية للمسلمين في الهند فلما تملكت الباكستان سلاحاً نووياً المعاملة انقلبت مئة و ثمانين درجة، أحياناً السلاح قد لا تستخدمه إطلاقاً، لكن يعطيك قوة ردع.

 

الله عز وجل مع المؤمنين بالنصر و التأييد و الحفظ :

 لذلك:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾

 والفضل لله عز وجل أن هذا الكيان الصهيوني في المنطقة هو عصا الغرب الغليظة، هذه العصا مهمتها أن أي بلد في الشرق الأوسط يقول: لا للغرب، تأتيه هذه العصا بضربة قاصمة، لكن هذه العصا كسرت، كم مرة؟ كسرت مرتين، وإن شاء الله تبقى مكسورة، ونحن بإيماننا بالله، واصطلاحنا معه، وإقبالنا عليه، أقول: أعداؤنا اليهود فقدوا الآن ما يسمى بالحسم، ما الحسم؟ كانوا يبدؤون الحرب وفي أي لحطة ينهونها، لكن الآن يبدؤونها لكن ليس بإمكانهم أن ينهوها، التطور نوعي، الشيء الثاني كان هناك رعب من قِبلنا، الآن هناك توازن رعب، يقصف ويقصفون، ندخل إلى الملاجئ ويدخلون، نخاف ويخافون، اسمه توازن رعب، أول إنجاز: فقد الحسم، يبدؤون ولكن ليس بإمكانهم إنهاء الحرب، حرب غزة التخطيط كان ليوم واحد، ضربوا ثمانمئة هدف، ولم يتمكنوا من إيقاف الحرب إلا بعد اثنين وعشرين يوماً، فقدوا الحسم، صار هناك توازن رعب، أما أخطر هدف فتحقق، أن اليهود كانوا يريدون الأمن فقط، بستين سنة ماضية، الآن هدفهم البقاء، الكلام دقيق.
 أنا ألقيت على المنبر تقريرs I a أن هذا الكيان عمره القادم يقدر بخمس و عشرين سنة فقط، أي هناك أخبار طيبة، أنا لا أحب الأخبار السيئة لكن هناك أخباراً طيبة ترتفع معنوياتك، أنت مسلم غالٍ على الله، الله لن يتخلى عنك إطلاقاً، هذه أشياء ثابتة، صحف العدو، فقدوا الحزم، وصار هناك توازن رعب، وكان هدفهم الأمن فأصبح البقاء:

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران]

 ثلاثون دولة ببلد إسلامي بشرق آسيا، معهم أحدث الأسلحة، والطرف الثاني عندهم بنادق فقط، أربعة و ثمانون بالمئة من مساحة الأرض بيد الطرف الثاني، شيء يحير، هناك أخبار طيبة جداً، أخبار مشجعة،

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

 معهم بالنصر، والحفظ، والتأييد.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018