الخطبة : 0422 - حقيقة الإنسان4 - وخلق الإنسان ضعيفاً - الغدة النخامية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0422 - حقيقة الإنسان4 - وخلق الإنسان ضعيفاً - الغدة النخامية .


1993-01-08

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .

الحكمة من خلق الإنسان ضعيفاً :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عودةً إلى الموضوع المُتَسَلْسِل وهو : طبيعة الإنسان من خلال القرآن .
 تحدَّثنا في خطبٍ سابقة عن أن الإنسان حادث ، وعن أنه مُبْتَلى ، وعن أنه كادِح ، وعن أنه ناطِق ، وعن أنه متعلِّم ، وتحدثنا عن أنه أكثر شيءٍ جدلاً ، واليوم نتحدَّث عن صفةٍ أصيلةٍ فيه ألا وهي : الضَعْف ، قال تعالى :

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 27-28]

 الضعف في أصل بنية الإنسان
هكذا خُلِق ، الضعف في أصل بُنْيَتِهِ ، والسؤال الآن : لماذا خلقه الله ضعيفاً ولم يخلُقه قوياً غنياً ؟

﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

  هذا ضعفٌ خَلْقِيّ ، هذا ضعفٌ أراده الله له، هذا ضعفٌ من خَلْقِ الله عزَّ وجل .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله جل جلاله خَلَقَ الإنسان ضعيفاً لأن سعادة الإنسان لا تكون إلا بالله عزَّ وجل ، وما خلَقه ضعيفاً إلا ليكون ضعفُه دافعاً له إلى باب الله ، ليتَّصل به ، ليلوذَ بحماه ، ليقْبِل عليه ، ليلجأ إليه ، ليحتمي به ، الضعف في الإنسان وسيلةٌ وليس هدفاً ، وسيلةٌ لدفعه إلى باب الله ، وسيلةٌ لإقباله على الله ، لو أن الإنسان خُلِقَ قوياً لاستغنى بقوته عن الله ، فشقي باستغنائه عن الله ، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه ، وليُقْبِل على الله عزَّ وجل ، فيسعد بافتقاره إليه . هذا محور الموضوع . .

 

توافق أصل التكليف مع طاقة الإنسان الضعيفة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال الله تعالى في آيةٍ ثانية ، الآية الأولى :

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة النساء : 27]

 فأيُّ إنسانٍ يدَّعي أن الله خلق الإنسان للشقاء ، فهو كذبٌ وافتراءٌ على الله . .

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ ﴾

[ سورة النساء : 27]

 إرادته ، ومشيئته . .

﴿أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

[ سورة النساء : 27]

 الفُجَّار ، والفُسَّاق ، والكُفَّار ، والمنحرفون يريدون أن تشيع الفاحشة ، يريدون أن يلبي الإنسان شهواته الدنيئة ، يريدون أن يخضع الإنسان كل شيء لشهوته ، كما يدَّعي بعض من يُدْعَوْن بأنهم عُلماء ، بعض علماء الغرب توهَّم أن شهوة الجنس هي كل شيءٍ في الإنسان، بعضهم توهَّم أن النواحي المادية هي كل شيءٍ في الإنسان .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لأن الإنسان خُلق ضعيفاً كلَّفه ضمن طاقته ، قال الله تعالى :

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 أصل التكليف متوافقٌ مع طاقة الإنسان الضعيفة ، قوله تعالى :

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[ سورة البقرة : 286 ]

 هذا ردٌ على أيِّ ادعاءٍ يدَّعيه الإنسان أن أوامر الله عزَّ وجل صعبة التطبيق ، فوق طاقَته ، كأن الأمر والنَهْيَ ليس لهذا الزمان ، فالله جل جلاله لأنه خالقنا ، لأنه ربنا ، هو أدرى بما نتحمَّل وبما لا نتحمَّل ، لذلك ما كلَّفنا إلا ما في إمكاننا أن نطبقه .
 أولاً : لأن الإنسان خُلق ضعيفاً كلَّفه وفق هذا الضعف ، وخفف عنه في حالات ضعفٍ استثنائية ، وفوق هذا وذاك فإذا زلَّت قدمه ، وغلبته شهوته ، وضعفت مقاومته فتح له أبواب المغفرة والتوبة ، والرحمة والتوفيق . إذاً أصل التكليف راعى ضعفه ، في الضعف الاستثنائي هناك أحكامٌ استثنائية ، إذا غلبته نفسه ، وضعفت مقاومته ، فتح له أبواب المغفرة والتوبة ، أصل التكليف ، واستثناء التكليف ، والدعوة إلى التوبة هذه كلها تُراعي أن الإنسان خُلِقَ ضعيفاً .

 

اتساع الشرع لكل الناس قويهم و ضعيفهم :

 آيةٌ ثانية يا أيها الأخوة الأكارم ، قال الله تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾

[ سورة الأنفال : 65 ]

 واحد لعشرة . .

﴿وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ * الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾

[ سورة الأنفال : 65 -66]

 أيْ أنَّ كبار الصحابة الذين امتلأت قلوبهم إيماناً ، هؤلاء لثقتهم بالله عزَّ وجل ، واعتمادِهم عليه ، وإدراكهم إدراكاً يقينياً أن الأمر كله بيده ، هؤلاء الصحابة الكِبار الواحد منهم بإمكانه أن يواجه عشرة ، لكن حينما دخل الناس في دين الله أفواجاً ، اتَّسعت دائرة المؤمنين ، فدخل في هذه الدائرة قوي الإيمان وضعيف الإيمان . .

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[ سورة الأنفال : 66]

 إذاً الشرع أيضاً راعى شيئاً آخر ، لم يراعِ فقط ضعف الإنسان ، ولم يراعِ فقط أنه قد تغلبه نفسه ففتح له باب التوبة ، لم يراعِ فقط أنه قد يمرض فأجاز له أن يفطر ، أنه قد يسافر فأعفاه من الصيام ، أيضاً راعى ضعفه في الإيمان ، فجعل الشرع يتَّسع لكل الناس ؛ قويِّهِم وضَعيفهم . .

﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾

[ سورة الأنفال : 66]

قوة الإنسان بعد ضعفه لامتحانه و اختباره :

 شيءٌ آخر ؛ آيةٌ ثالثة تتحدث عن ضعف الإنسان :

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾

[ سورة الروم : 54 ]

 المراحل التي يمر بها الإنسان تبدأ بالضعف وتنتهي به
الطفل الصغير أيُّ شيءٍ يؤذيه ، أيُّ لفحة بردٍ تُرْدِيه ، أي جرثومةٍ تشقيه ، بُنْيَةٌ ضعيفة ، رقيقة ، حسَّاسة ، سريعة التأثُّر ، لا يقوى على شيء ؛ لا يقوى على تأمين طعامه ، لا يقوى على تأمين شرابه ، لا يقوى على قضاء حاجاته ، هو عالةٌ على أمِّه وأبيه ، هو ضعيف ، لولا أمٌ رؤوم وأبٌ رحيم لهلك الناس جميعاً ، خلقه ضعيفاً وأودع في قلب الأب والأم ما يُغنيه عن ضعفه ، رأفةً ، وحناناً ، وشفقةً ، وعنايةً ، وبذلاً . .

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾

[ سورة الروم : 54 ]

 سِنُّ الشباب ؛ عضلاتٌ مفتولة ، قوةٌ عضلية ، مضاءٌ ليس له حد ، عزيمةٌ قاهِرة، هذه القوة التي يتمتَّع بها الشاب جاءت بعد الضعف الشديد حينما كان طفلاً يحبو ، وبعد هذه القوة يأتي ضعف الشيخوخة ؛ ينحني ظهره ، ويشيب شعره ، ويضعُف بصره ، وتوهن قِواه عندئذٍ يعود إلى ضعفه الأصيل ، بدأ من ضعفٍ ، وانتهى إلى ضعفٍ ، وكانت قوته في الشباب لامتحانه ، ولاختباره ، ولابتلائه ، شبابك فيم أفنيته ؟

((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع : عن عمره فيمَ أفناه ؟ وعن شبابه فيم أبلاه ؟ وعن علمه ماذا عمل به ؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟))

[ الترمذي عن ابن مسعود ]

من أقبل على الله أصبح أقوى الأقوياء :

 آياتٌ ثلاث في القرآن الكريم تتحدث عن ضعف الإنسان ، الإنسان أيها الأخوة إذا عرف أنه ضعيف أقبل على الله فأصبح أقوى الأقوياء . .

وما لي سِوى فقري إليكَ وسيـلة  فبالافتقار إليـكَ فـقـري أدفعُ
وما لي سوى قرعي لبابكَ حـيلةٌ  فلئن رددت فأيَّ بابٍ أقـرعُ ؟
* * *

 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله . .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19- 22]

 خُلِقت ضعيفاً أيها الإنسان لتكون قوياً بالله ، خُلقت فقيراً لتكون غنياً بالله ، خُلقت ضائعاً لتكون معروفاً بالله عزَّ وجل .

ضَعْف الإنسان سبب سعادته وإقباله على الله وتوبته :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا الضعف الذي تحدَّث عنه القرآن الكريم يتناول نواحي شتَّى ؛ أولاً : هو ضعيفٌ في جسده ، جرثومةٌ صغيرةٌ تشقيه ، تجعله طَريحَ الفراش ، الجرثومة لا تُرى بالعين ، الجرثومة تفتك بالملايين أحياناً ، الأمراض الوبيلة ؛ الطاعون ، الكوليرا ، هذه الأمراض أمراضٌ جرثومية ، مخلوقٌ ضعيفٌ ضعيف لا يُرى بالعَين ، يذهب بمئات الألوف ، جرثومةٌ تُرْدِيه ، والفيروس أقل من الجرثومة يشقيه ، وهذا المرض الذي أعيا الأطباء في العالم ، العالم كله مجندٌ للبحث عن علَّته ، وعن أدويته ، وهو في حَيْرَة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا انسُدَّ مسلكٌ من مسالك الإنسان ، إذا سُدَّ له مسلك البول تصبح حياته جحيماً لا يُطاق ، اسأل الذين سُدَّت مسالكهم ، كم من ليلةٍ سهروا متألِّمين ! كم من مرةٍ صاحوا مُزمجرين ! إذا انسُدَّ مسلكٌ من مسالكه ، إذا انعقد مصرانه ، إذا انسدَّ حالبه، إذا تخثَّرت نقطة دم في دماغه ، تصيبه تارةً بشلل ، وتارةً بالوهَن ، وتارةً بالعمى ، وتارةً بالعُته ، وتارةً . . أمرضٌ خطيرة تتأتى من نقطة دمٍ تخثرت في أحد شرايين الدماغ .
 الإنسان في قبضة الله مهما كان قويا
علامَ يتكبر الإنسان ؟ علامَ يتجبر؟ علامَ يُعاند خالق الكون ؟ علامَ يعصي وهو خُلق من ضعفٍ وسينتهي إلى ضعفٍ ؟ إذا انفجر شريانٌ صغير في الدماغ يصاب بسكتةٍ دماغيَّة ، لأن شرياناً بسيطاً انفجر ، إذا ارتفع ضغطه قليلاً فهناك اختلاطاتٌ خطيرة ، تارةً يُصاب بالعَمى ، تارةً يصاب بالشلل ، إذا ارتفع ضغطه قليلاً ، إذا ارتفعت نسبة السُكَّر قليلاً هناك اختلاطاتٌ خطيرة ، إذا ارتفعت بعض الحموض قليلاً أصيب بآلامٍ لا تُحْتَمَل في مفاصله .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لو عصبٌ لا يُرى بالعين ، وإذا رأيته فبصعوبة ، عصبٌ رفيعٌ رفيع في أصل السِن ، حينما يستأصله الطبيب ويريك إيَّاه ، تقول : يا الله ! كل هذا الألم من هذا الخيط الدقيق ؟! عصبٌ لا يُنِيِمُهُ الليل ، قطرة دمٍ إذا تخثَّرت في إحدى شرايينه تصيبه بأمراض وبيلة ، الإنسان- كما يقول العامة وهي كلمةٌ دقيقةٌ دقيقة - تحت ألطاف الله عزَّ وجل لو أن العصب المحرِّك أصيب بالشلل لانشلَّ نصف الإنسان ، أصبح طَريح الفراش ، يُصْبِح ثقيلاً في حركته ، يتأفَّفَ منه أقرب الناس إليه ، يتمنون نهاية حياته .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ تضعف ذاكرته فينسى أنَّ هذا ابنه ، يسأله : من أنت ؟

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 تضعف ذاكرته ، أو يفقد ذاكرته فلا يعرف أين بيته ، بقي رجلٌ يجول في شوارع دمشق ساعتين يبحث عن بيته ، أين بيتي ؟

﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ﴾

[ سورة يس : 67]

 تضعف ذاكرته فينسى ، يفقدها فيختل توازنه ، أحياناً تنمو الخلايا في جسمه نماءً غير مُنْضَبِط ، فإذا هو مرضٌ خبيث ينهي حياته مهما كان غنياً ، مهما كان قوياً ، ماذا يفعل لو أن الدنيا كلها بيده ونمت هذه الخلايا ؟ من يضبطها ؟ يد من تضبطها ؟ يد من تنظِّم نموَّها ؟ إنها يد الله عزَّ وجل ، فإذا انطلقت هذه الخلايا لتنمو نمواً عشوائياً تارةً في الأمعاء ، وتارةً في الكبد ، وتارةً في العضلات ، وتارةً في الدم ، فإذا هو مرضٌ خبيث أعيا الأطباء مهما ارتقت مراتبهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد يتشمَّع الكبد ، لا يعيش من دونه أكثر من ثلاث ساعات، قد تضعف الكليتان فلا يستطيع أن يقوم على رجليه إلا بوهنٍ شديد ، علامَ التكَبُّر؟ علامً العُنْجُهِيَّة ؟ علامَ الغَطْرَسَة ؟ علامَ العِناد ؟ علامَ ركوب الرأس ؟ علامَ المُجاهرة بالمعاصي؟ نقطة دمٍ ، أو جرثومةٍ ، أو فيروسٍ ، أو عصبٌ لا يُرى بالعين ، أو ضعفٌ في وظائف الكليتين ، أو تشمعٌ في الكبد ، هذا معنى أن الإنسان خُلِق ضعيفاً .
 الله جلَّ جلاله يا أخوة الإيمان كان من الممكن أن يخلُق الإنسان قوياً ؛ لا يمرض أبداً إلى أن ينتهي أجله ، فالإنسان أحياناً يصنع جهازاً متيناً إلى درجة أنه لا يُصاب بالعَطَب ، لماذا شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يجعل الإنسان ضعيفاً ؟ أن يجعله عُرضةً لآلاف آلاف الأمراض ؟ لماذا جعله بهذه الطريقة سريع التأثُّر ، سريع الخلل ، سريع الوقوع ؟ ليبقى مع الله ، ليبقى على أبواب الله ، ليبقى مطيعاً لله ، إن هذا الضعف من أصل خَلْقِهِ ، إن هذا الضعف وسيلةٌ وليس هدفاً ، إن هذا الضعف سبب توبته ، إن هذا الضعف سبب إقباله ، إن هذا الخوف سبب اتصاله بالله عزَّ وجل ، لأن سعادة الإنسان في اتصاله بربه ، وما هذا الضعف الذي يعانيه إلا دافعٌ حثيثُ ووازعٌ ومحرِّضٌ إلى اللجوء لباب الله عزَّ وجل ، وإذا رأيت مئةً من المؤمنين فتيقَّن أن مُعظمهم أصبح مؤمناً لعلَّةً ألمَّت به بسبب ضعفه ، فجعلته يقبل على الله ، ويتوب إليه ، ويصطَلِح معه . قال : " يا بنيتي ما بكِ ؟ قالت : حمَّى لعنها الله . قال : " يا بنيتي لا تلعنيها ، فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب " . يجب أن نؤمن أن هذا الضَعْف الذي نحن فيه هو سبب سعادتنا ، سبب إقبالنا على الله عزَّ وجل ، سبب توبتنا .

 

التواضع والإقبال والالتجاء والاعتصام سبب معرفة الإنسان أنه ضعيف :

 مرَّةً ثانية : محور الخطبة لو أن الإنسان خُلقَ قوياً لاستغنى بقوته عن الله . .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾

[ سورة العلق : 6-7]

 لو أنه خُلِق قوياً لاستغنى بقوته عن الله فشقي باستغنائه ، خلقه ضعيفاً ، ليفتقر في ضعفه ، فيسعد بافتقاره .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ درجة واحد بالألف لو أن نسبة الملح ارتفعت في دمه لانفجرت كرياته الحمراء ، لو أنها انخفضت لانكمشت ، ارتفاع هذه النِسَب ، وهذه الخصائص في الدم يصيب الإنسان بالخلل ، لذلك الإنسان حينما يُصبح آمناً في سربه ، معافى في جسمه، عنده قوت يومه فكأنما مَلَكَ الدنيا بحذافيرها . كما قال عليه الصلاة والسلام :

((الناس يتفاضلون بالعافية ، ويدركون ما عند الله بالطاعة))

[ورد في الأثر ]

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما تتناول الطعام ، حينما يخرج هذا الطعام ، حينما يخرج هذا الماء الذي شربته ، يجب أن تشكر الله عزَّ وجل ؛ أن جعل المسالك سالكة ، أن جعل المنافذ نافذة ، أن جعل هذه الأجهزة تعمل بانتظام ، أن جعل هذه الأعضاء تسير بإحكام، أن جعل هذا الجسم مرتاحاً ، وما راحته إلا محصِّلة عشرات ، بل مئات ، بل آلاف الأسباب كلها تعمل معاً في تنسيقٍ شديد كي تشعر بالراحة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ وضعفه في نفسه ، ربما أخذته نظرة ، وربما أزلَّته شهوة، وربما اضطربت نفسه ، عندئذٍ لا يفرِّق بين السين والصاد ، ولا بين الحاسر والمُسْبِل ، ولا بين المُدْبر والمُقْبل ، ولا بين القائم والقاعد ، ولا بين الصاحي والنائم ، عندئذٍ يختل توازنه ، وتضطرب رؤيته لعَرَضٍ أصابه . .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 إذا أقبلت الدنيا عليه ينسى نعمة الله عليه ، فإذا انحسرت عنه النعمة فذو دعاءٍ عريض . .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قمَّة العِلْمِ أن تعرف أنك ضعيف ، ومعرفة ضعفك سبب إيمانك ، معرفة ضعفك سبب توكُّلك على الله ، معرفة ضعفك سبب عبوديتك لله عزَّ وجل ، معرفة ضعفك سبب تواضعك لله عزَّ وجل ، التواضع ، والإقبال ، والالتجاء ، والاعتصام هذه كلها سبب معرفة أنك ضعيف ، ثلاث آياتٍ في كتاب الله تؤكِّد أنك ضعيف ، وهذا ضعفٌ ليس ذنباً لك ، إنه في أصل بُنْيَتِك ، إنه في أصل خلقك .

 

الغرور علامة الجهل و البُعْد عن الله و الضعف في الإيمان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قد ينسى الإنسان بعد العلم ، هناك ضعفٌ في عقله ، هناك ضعفٌ يصيب جسده ، وهناك ضعفٌ يصيب نفسه ، إن للنفوس إقبالاً وإدباراً ، أحياناً النفس تُدْبِر ، وتضعف ، وتقعد عن النوافل ، وعن الطاعات ، وأحياناً تنشَط ، فالنفس تضعف ، والله سبحانه وتعالى عالجها في أيام قوَّتها وفي أيام ضعفها .
 المغرور بعيد عن الله
وقد يصيب الضعف العقل فينسى بعد العِلم ، قد يصاب الإنسان بالخَلَل بعد العقل الشديد ، ما قيمة الإنسان من دون عقله ؟ ما قيمة الإنسان من دون هذا التوازن ؟ هذا الإدراك ؟ هذا الإحساس ؟ يكفي أن يختلَّ عقل الإنسان حتى يتمنى أقرب الناس إليه أن يُودع في مستشفى المجانين ، قيمة الإنسان في بيته من وجود هذا العقل الذي أودعه الله فيه ، هذا الإدراك الصحيح ، هذه النظرة الصائبة ، هذا الحكم الصحيح .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لكن ما الذي يحصل ؟ الإنسان فعلاً خُلِقَ ضعيفاً ؛ ضعفٌ في جسمه ، وضعفٌ في نفسه ، وضعفٌ في عقله ، هذا الضعف سبب إيمانه ، سبب إقباله ، سبب اعتصامه ، سبب افتقاره إلى الله ، سبب سعادته بالله ، سبب عبوديته ، ولكنَّ الإنسان حينما يغْفَل عن ضعفه ، ويرى حيلته في عقله . الإنسان ضعيف في جسمه لكن بعقله كشف خصائص الأشياء ، سيطر عليها كما يقولون ، حرَّكها لمصلحته ، فإذا هو المخلوق الأوّل ، والمخلوق المكرَّم ، سخَّر أشياء كثيرة لخدمته ، صعد إلى الفضاء ، غاص في أعماق البحار ، بنى أجمل المساكن ، ركب أجمل المركبات ، طار في الأماكن ، هذا العقل الذي أودعه الله فيه ، وجعله أداةً لمعرفته استخدمه استخداماً آخر ، فسيطر به على ما سَخَّرَ الله له من ألوان الخَلْق ، عندئذٍ أصيب بالغرور ، الإنسان حينما يسخِّر قِوى الطبيعة لصالحه وينسى ربه ، وينسى ضعفه ، يصاب بالغرور :

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾

[ سورة الانفطار : 6-7]

 الغرور أيها الأخوة علامة الجهل ، الغرور علامة العَمَى ، الغرور علامة البُعْد عن الله عزَّ وجل ، الغرور علامة الضعف في إيمانه ، فالمُغْتَرّ إنسانٌ ضعيف الإيمان ، ضعيف الإدراك ، ضعيف التبصُّر ، يعيش أوهاماً بعضها فوق بعض . لكن ربنا جلَّ جلاله كلَّما اغترَّ الإنسان عالجه ، ولا ينجو من هذه المُعالجة أيُّ مخلوق مهما علا شأنه ، أصحاب النبي عليهم رضوان الله الذين قدَّموا النَفْس والنَفيس ، والغالي والرخيص ، أصحاب النبي عليهم رضوان الله الذي باعوا أنفسهم ، يوم حنينٍ أعجبتهم كثرتهم ، وقالوا : لن نُغْلَب من قلَّة . .

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾

[ سورة التوبة : 25]

التّولي و التّخلي :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ دعونا نقف قليلاً عند المَغْزَى من هذه الخطبة ، إن أدركت ضعفك وتوكلت على ربك تولاك الله ؛ بالتوفيق ، بالتأييد ، بالنصر ، أعطاك معنويّاتٍ عالية ، أعطاك قوةً فتصبر بهذه القوة ، أعطاك توازناً ، أعطاك جَلَداً ، أعطاك صبراً . .

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[ سورة النحل : 127 ]

 أعطاك رؤية صحيحة ، فإذا اغتررت بقوتك ، إذا اغتررت بما عندك من مالٍ ، أو قوةٍ ، أو عِلْمٍ ، إذا قلت : أنا . تخلَّى الله عنك . .

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾

[ سورة آل عمران : 123 ]

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 هاتان الواقعتان يعانيهما كل إنسان في اليوم الواحد عشرات المرَّات ، فأنت إن قلت : أنا ، اغتررت ، ونسيت ضعفك ، فتخلى الله عنك وأدَّبك ، وإن قلت : الله ، وأنا لا شيء، أنا ضعيف ، يا رب إني ضعيف - هكذا دعا النبي - فقوِّ في رضاك ضعفي . . " اللهمَّ إني ضعيفٌ فقوِّ في رضاك ضعفي " في الطائف بلغ ضعف النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال :

((اللهم إليك أشكو ضعف قوتي ، وقلة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا أرحم الراحمين إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم تكن ساخطاً علي فلا أبالي ، غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض ، وأشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تحل عليّ غضبك ، أو تنزل عليّ سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بالله))

[ الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر ]

 لكن النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة التي أخرجته ، وائتمرت على قتله ، ونكَّلت بأصحابه ، وناصبته العداء عشرين عاماً ، وكان عشرة آلاف سيفٍ متوهجٍ تحت إمرته ، ينتظرون كلمةً من بين شفتيه حتى يقضي عليهم جميعاً ، قال :

((ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : خيراً أخ كريم وابن أخ كريم ، فقال : أقول كما قال أخي يوسف لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء))

[ من شرح الجامع الصغير ]

 دخلها مطأطئ الرأس تواضعاً لله عزَّ وجل ، حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عُنق بعيره ، ما نسي النبي وهو في أعلى درجات القوة ضعفه وافتقاره لله عزَّ وجل .
 أيها الأخوة . . . كلامٌ واضحٌ كالشمس ؛ في عملك ، في تجارتك ، في زراعتك، في صناعتك ، في وظيفتك ، في عيادتك ، في مكتبك ، في أيّ مكان ، في بيتك مع أولادك ، في الطريق ، في قيادة سيارتك ، في أيّ مجال إذا قلت : أنا ، تخلَى الله عنك ، هذه حنين ، وإن قلت : الله ، تولاَّك الله ، فأنت بين أن يتولاَّك الله فيمدُّك بالتأييد والنصر والتوفيق والسداد والحفظ ، وبين أن يدعك الله إلى نفسك حينما تقول : أنا . وما هذا بغضٌ بك ولكن تأديباً للإنسان .

 

من شعر بضعفه و افتقاره تولاه الله و أيده بالتوفيق و النصر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ مؤدَّى هذه الخطبة أنه يجب أن تشعر دائماً بضعفك ، وافتقارك ، وعبوديَّتك ، حتى يتولَّى الله أمرك ، ويؤيِّدك بالنصر والحفظ والتوفيق ، ويأخذ بيدك إلى سُبُل السعادة . أما إذا قلت : أنا ، فهذا جهلٌ ، وهذا شرك ، وهذا ضعف إيمانٍ ، وهذا حمقٌ بالإنسان أن يغترَّ بنفسه .
 الإنسان ضعيف وفي لحظة واحدة ينهي الله قوته
أحياناً أيها الأخوة هواءٌ شديد يحطِّم كلها شيء ، إنها الأعاصير ، أمطارٌ شديدة تغرق كل شيء ، إنها الفيضانات ، بردٌ شديد يصيب كل شيءٍ بالموت ، محاصيل بمئات الملايين تَسْوَدُّ في دقائق إذا هَبَطَت الحرارة عن درجةٍ معينة ، فالصقيع مدمِّر ، والحر الشديد مدمر ، والرياح العاتية مدمِّرة ، والأمطار الغزيرة مدمرة ، فالإنسان ضعيفٌ حتى أمام هذه الأعراض البيئية ، أو الجويَّة ، أعظم ناقلة نفطٍ قذفتها الأمواج إلى الصخور فتحطَمت ، أعظم قاعدةٍ نفطيةٍ في بحر الشمال رياحٌ عاتية أثارت أمواجاً عالية فحطَّمتها ، الإنسان ضعيف مهما بدا قوياً . مركبةٌ فضائية سموها " المتحدي " ، انطلقت ، بعد سبعين ثانيةً أصبحت كتلةً من اللهب ، اسمها " المتحدي " تتحدون مَن؟
 الإنسان ضعيف أيها الأخوة ، يكاد هذا الموضوع ينتظم حياتنا كلها ، قلت لكم مرةً ثانية : في أي مجال من مجالات الحياة ، إذا قلت : أنا ، اعتززت بقوتك ، بعلمك ، بمالك، بذكائك ، بخبرتك تخلى الله عنك ، فإذا أنت كالطِفل الصغير ، يرتكب الإنسان المُعْرِض عن الله كل حماقةٍ أكبر من أختها ، يتورَّط كل ورطةٍ أكبر من أختها ، يتحامَق كل حماقةٍ لا تُعْقَل ، وهذا من بعده عن الله ، واعتزازه برأيه ، فإذا التجأ إلى الله ، وأقبل عليه ، واستعان به ، واسترشده ، واستهداه كان الله معه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ مرةً أخيرة هذا الإنسان تقتُله الحشرة ، وتقعده الجرثومة ، وتبكيه الحاجة ، وتذلّه المصيبة ، ويخضعه الألم ، ويوهِنه الخوف ، ويستخِفّه الطَمَع ، ويهوي به الهوى ، ويقضُّ مُضْجَعَهُ التعلُّق ، إذاً :

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 اعرف أنك ضعيف كي تقوى بالله ، اعرف أنك فقير كي تغتني بالله ، هذا محور الخطبة أيها الأخوة .
 لذلك نجد أحياناً أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

((اللهمَّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور عن السيدة عائشة ]

 الإنسان أضعف من أن يعدل في الحُب ، لأنه أضعف من ذلك إذاً عافاه الله من العدل في الحُب . .

((اللهمَّ هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور عن السيدة عائشة ]

 الخطأ . .

((إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))

[ من الدر المنثور في تفسير المأثور عن ابن عباس ]

 طبيعة الشرع القصر في الصلاة ، الإفطار في السفر والمرض ، هذا كله مداراةٌ للإنسان على ضعفه . .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 فإذا بلَغ ضعفه أنه وقع في معصية فتح الله له باب التوبة ، فتح الله له باب المغفرة . .

﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

[ سورة الزمر : 53 ]

 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الغدة النخامية :

 أيها الأخوة ؛ في دماغ الإنسان غدةٌ وزنها نِصْف غرام ، من أجل أن تعرف وزنها اسأل عند باعة الموازين الحسَّاسة عن الغرام ، احمله ، زِنْه ، هذه الغدَّة النخامية التي في الدماغ وزنها نِصف غرام ، تقوم بوظائف خطيرة جداً ، مربوطة بالجسم تحت البصري بمئة وخمسين ألف عصب ، هذه الغدة تفرز هرمون النمو ، هذا الهرمون مؤلَّف من مئة وثمانية وثمانين حمضًا أمينيًا ، يجب أن يكون في كل لتر دم عشرة ميكروغرام من هذا الهرمون ، فإذا قلَّت هذه النسبة أصبح الإنسان قَزَماً ، وإذا زادت هذه النسبة أصبح الإنسان عِمْلاقاً ، من يضبط هذه النسبة ؟ عشرة ميكرو غرام في كل لتر من الدم من هذا الهرمون المتألِّف من مئة وثمانية وثمانين حمضاً أمينياً ، تفرزه الغدة النخامية التي وزنها نصف غرام ، والمرتبطة بالجسم عن طريق مئة وخمسين ألف عصب . هرمون إفراز الحليب تفرزه الغدة النخامية ، بعد الحَمْل بقليل يبدأ هذا الهرمون يجول في الدم ، حتى يبلغ أوجَه بعد الوَضْع ، فإذا بثديي المرأة يفرزان الحليب من هذه الغدة النخامية التي لا تزيد عن نصف غرام . هرمونٌ يحث الغدة الدرقية على إفراز هرمونٍ يؤمن الاستقلاب في الجسم ، والاستقلاب من أعقد العمليات ، تحوّل الغذاء إلى طاقة ، فالاستقلاب الغدة الدرقية مسؤولةٌ عنه ، والغدة النخامية مسؤولةٌ عن توجيه الغدة الدرقية لإفراز هذا الهرمون ، والغدة النخامية لا يزيد وزنها عن نصف غرام .


هرمونٌ يحثُّ الغدة الكظرية حينما يواجه الإنسان خطراً ، الغدة النخامية تأمر الكَظَر أن يفرز هرموناً يحثُّ القلب على مضاعفة ضرباته ، ويحث الرئتين على زيادة وجيبهما، ويحثُّ الأوعية على تضييق لمعتها كي يتوفّر الدم للعضلات ، ويحث الكبد على إفراز السكر ، أربعة أوامر تفرزها الكَظَر بأمرٍ من الغدة النخامية التي لا يزيد وزنها عن نصف غرام . هرمون النمو الجنسي مسؤولةٌ عنه الغدة النخامية في الدماغ ، صفات كل من الذكر والأنثى هذا بفعل هرمون تفرزه الغدة النخامية . هرمون يحثُّ الخلايا التي تحت الجلد على إفراز المادة الملوَّنة ، لون الإنسان من أبيض ، إلى أسمر ، إلى حِنْطِيّ ، إلى ملوَّن هذا من مسؤوليات الغدة النخامية التي لا يزيد وزنها عن نصف غرام . هرمون يحقق توازن السوائل ، لو اختل هذا الهرمون لكانت حياة الإنسان شقيةً جداً ، يجب أن يبقى إلى جانب الصنبور والمِرحاض ، ليُمضي كل وقته في الشُرب وإفراز الماء ، هذا الهرمون الذي يحقق توازن السوائل في الجسم .
 هرمون لقبض الأوعية وتوسيعها ، وتنشيط الذاكرة . هرمون المخاض . وهناك هرموناتٍ كثيرة تفرزها هذه الغدة النخامية التي لا يزيد وزنها عن نصف غرام . .

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء : 28]

 لو اختلت هذه الغُدَّة لأصبحت حياة الناس في شقاءٍ شديد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يزال موضوع الهرمونات موضوع معقَّد ، ولا يزال موضوعاً بالغ الأهمية ، والإنسان حينما يستيقظ ، ويتحرَّك ، ويمارس نشاطه لا يعرف مدى التَعْقيد ، ومدى الدِقَّة في تصميمه وخلقه ، وحركة أعضائه وأجهزته .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018