رياض الصالحين - الدرس : 014 - باب المبادرة ﺇلى الخيرات - بادروا بالأعمال سبعاً....., سيرة عمر بن الخطاب - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 014 - باب المبادرة ﺇلى الخيرات - بادروا بالأعمال سبعاً....., سيرة عمر بن الخطاب


1988-09-25

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ماذا يعني النبي بقوله: بادروا بالأعمال ؟

 

 أيها الأخوة المؤمنون, مع الحديث النبوي الشريف، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا: هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا, أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا, أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا, أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا, أَوْ الدَّجَّالَ؛ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ, أَوْ السَّاعَةَ؛ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ؟))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 هذا الحديث ورد في باب المبادرة إلى الخيرات، وفيه حثٌ على الإقبال على الله بالجد من غير تردد.
ومعنى كلمة: (بادروا), أي سابقوا، وربنا عزَّ وجل أشار إلى هذا المعنى في القرآن الكريم فقال:

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾

[سورة آل عمران الآية: 133]

 فإذا كنتَ في أزمة سكن حادة، وأنت بحاجة ماسة إلى بيت، وبلغك أن ثمة بيتًا في منطقة ممتازة، وسعره أقل من سعر أمثاله، والبيت فارغ، وجاهز للسكن، وثمن هذا البيت تملكه، ماذا تفعل؟ أغلب الظن أنك تذهب إلى المعني بالبيع في وقتٍ متأخرٍ من الليل، يقال لك: غداً، تقول: لا، لعل أحداً يسبقني إليه.
 لو أنكم لاحظتم: كيف يتصرف الإنسان في أموره الدنيوية؟ وكيف يتسابق الناس إلى الخير، أو إلى ما يظنه خيراً؟ كيف يسابق الناس؟ كيف يسارع؟ كيف يحب أن يفوز؟ كيف يحب أن يتفوَّق في الدنيا؟ الشيء الذي فيه مغنم الناس يقبلون عليه.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((بادروا بالأعمال...))

 ، كأن جوهر الحياة الدنيا العمل الصالح، والدليل: هؤلاء الذين يموتون على ماذا يندمون؟ قال تعالى:

 

﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً﴾

 

[سورة المؤمنون الآية: 99-100]

 فهذا الذي ندم عندما جاءه الموت، على ماذا يندم؟ على أنه فرَّط بالعمل الصالح، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

[سورة الأنعام الآية: 132]

 والعمل الصالح يرفعك, قال تعالى:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 

[سورة الكهف الآية: 110]

 أنت وجدت في هذه الدنيا من أجل أن تعمل صالحاً، لمَ العمل الصالح؟ من أجل أن يكون هذا العمل الصالح صالحاً لقبولك عند الله عزَّ وجل، من أجل أن يكون هذا العمل الصالح سبباً في دخول الجنة، لذلك جاء في تفسير بعض الآيات:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾

[سورة الليل الآية: 5-7]

 (اليسرى): هو العمل الصالح الذي هو ثمن الجنة، فالإنسان لو أنه في الحياة الدنيا كسب مالاً وفيراً، وحقق نجاحاً كبيراً، واعتلى أعلى الدرجات، وفاز بكل الملذات، وجاب مختلف الأقطار، وأكل أطيب الطعام، وسكن في أجمل البيوت، ولم يكن له عملٌ صالح فهو خاسر، فهو أشد الناس خسارةً, قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾

[سورة الكهف الآية: 103-104]

 نبيٌ كريم حريصٌ علينا يقول:

((بادروا بالأعمال....))

 أحدنا يسأل نفسه هذا السؤال: أنا ما عملي؟ ما عملي الصالح؟ ربِحْنا اليوم أرباحاً طائلة، هذه لك، وتناولنا طعاماً طيباً، هذا لك، لبست هذا الثوب الجيد، هذا لك، نريد ماذا فعلت ؟ ماذا قدَّمت؟ ما الذي قدَّمته للناس حتى يرضى الله عنك؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب العبد إلا إذا كان ذا نفعٍ عميم,

((الخلق عيال الله, وأحبهم إلى الله, أنفعهم لعياله))

 فهذا أمرٌ نبوي، ولا تنسوا أن سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول:

((ثلاثةٌ أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك, فأنا واحدٌ من الناس: ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى))

 قال تعالى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

 

[سورة النجم الآية: 3]

 هذا النبي العظيم الذي وصفه الله سبحانه وتعالى, قال تعالى:

 

﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

 

[سورة التوبة الآية: 128]

 يقول لك هذا النبي, الحريص عليك، الرؤوف الرحيم:

((بادروا بالأعمال...))

 لذلك المؤمن الصادق شُغْله الشاغل العمل الصالح، فلعل الله يرضى عنه، فلو أن أحداً عرض عليك أن تعمل صالحاً، فكانت إجابتك: ليس لدي وقت، فمثلك كمثل طبيبٍ, بقي يدرس ثلاثين عاماً, إلى أن حاز على أعلى درجة علمية, وجاء إلى بلده، وفتح عيادة، وكتب على العيادة الدوام من الساعة الخامسة حتى الثامنة، وجلس ينتظر الزبائن, ليسد الديون التي أرهقته، وليؤمن طعاماً لأولاده، فجاءه مريضٌ, وقال له: ليس لديّ وقت لأعالجك, إذًا: لماذا أنت هنا يا أيها الطبيب؟ لماذا أنت هنا في العيادة؟ لماذا كل هذه الدراسة؟ لماذا هذه الشهادات؟ لماذا أسست هذه العيادة؟ لتقول للمرضى: أنا مشغول؟ مشغول بماذا ؟.
 هذا الذي يقول لك: أنا مشغول، وقد دعي لعملٍ صالح, هذا لا يعرف لماذا هو على وجه الأرض؟ ضائع، تائه، في ضلال، ما عرف مهمته، أنت جئت إلى هذه الدنيا, من أجل أن تعمل صالحاً, يصلح للعرض على الله عزَّ وجل، يكون هذا العمل نوراً لك في قبرك، من أجل أن ترقى به في الجنان إلى أبد الآبدين، لذلك السيدة عائشة رضي الله عنها, حينما وزع النبي شاةً, وزع أضلاعها، أطرافها، صدرها، وما بقي شيء، فقالت له:

((يا رسول الله, لم يبقَ إلا كتفها، فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: بل بقيت كلها إلا كتفها))

[أخرجه الترمذي عن السيدة عائشة في سننه]

 هذا الذي وزعناه هو الذي يبقى.
سيدنا عمر أمسك تفاحةً وقال:

((أكلتها ذهبت، أطعمتها بقيت))

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي, فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ الْعَطَشُ, فَنَزَلَ بِئْرًا, فَشَرِبَ مِنْهَا, ثُمَّ خَرَجَ, فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ, يَأْكُلُ الثَّرَى مِنْ الْعَطَشِ, فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي, فَمَلَأَ خُفَّهُ, ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ, ثُمَّ رَقِيَ, فَسَقَى الْكَلْبَ, فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ, فَغَفَرَ لَهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا!؟ قَالَ: فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ))

[متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]

 فيا أيها الأخوة الأكارم, إذا امتنع الإنسان عن العمل الصالح، فو الله الذي لا إله إلا هو, ما عرف لماذا هو على وجه الأرض أبداً؟ إنك هنا في مهمة، لذلك في مئتي آية, يقول الله عزَّ وجل:

﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[سورة البروج الآية: 11]

 اسأل نفسك هذا السؤال مساءً: ماذا فعلت من خير في هذا اليوم؟ تفتح محلاً تجاريًا، تزينه، تعرض بضاعة جيدة، تعمل إعلانًا، تعمل لافتة، تنتظر في الأيام الأولى, فلا يأتي ولا زبون، في الأيام التالية بيع قليل، وبعدها تكتب برسم التسليم إذا لم تربح، كذلك تسأل نفسك كل يوم: ماذا فعلت من خير في هذا اليوم؟.
يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا بورك لي في يومٍ, لم أزدد فيه من الله قربًا -بالعمل الصالح- ولا بورك لي في يومٍ, لم أزدد فيه من الله علماً))

 فقبل أن تنام اسأل نفسك: ماذا فعلت اليوم فعلاً يرضي الله عزَّ وجل؟ هل عدت مريضاً؟ هل أنفقت مالاً؟ هل عاونت فقيراً؟ هل عاونت أخاً لي؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((واللهِ لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن, أحب إلي من صيام شهرٍ, واعتكافه في مسجدي هذا))

 يا ترى: هل خدمت أخًا؟ ساهمت في عمل خيري؟ دعوت إلى الله؟ نصحت إنسانًا؟ دللته على الله؟ ساعدت أرملة من أقربائكم؟ قدمت لها مساعدة؟ رعيت يتيما؟ لك قريب بعيد فقير؟ زرته جبراً لخاطره؟ لك بنت أخ, وأخوك توفى, يا ترى رعيتها؟ اعتبرتها ابنتك؟ بحثت لها عن زوج؟ وجَّهتها؟ نصحتها؟ أم قلت: لا علاقة لي؟.

 

ما الأمور السبعة التي حذر منها النبي أن تدرك اﻹنسان ﺇذا لم يبادر ﺇلى العمل الصالح ؟

 

1- الفقر المنسي:
 النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((بادروا بالأعمال سبعاً...))

 ، فإذا أراد أحدنا الدنيا وزينتها، فلا بدَّ أن يأتيه أحد هذه السبعة، أي إذا أعرضنا عن طلب الآخرة، إذا أعرضنا عن العمل الصالح، إذا تعلقنا بالدنيا، انكببنا عليها، جعلناها كل همنا، ومبلغ علمنا، حرصنا عليها، ماذا ننتظر؟ فالحديث دقيق، اعمل عملاً صالحاً قبل أن يأتيك أحد هذه السبعة، إن أحد هذه السبعة لابد آتٍ، هذا معنى.
 المعنى الثاني: اعمل عملاً صالحاً لئلا يأتيك أحد هذه السبعة، فسارع إلى عملٍ صالح, من أجل أن تكسب وقتك, قبل أن تأتيك أحد هذه السبعة، أو اعمل عملاً صالحاً لئلا يأتيك أحد هذه السبعة.
ما هذه السبعة؟ قال:

((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً...))

 سيدنا علي كرم الله وجهه يقول:

((كاد الفقر أن يكون كفراً))

 ، حالات يصبح الفقر كالكفر، حالات إذا جاء الفقر مع الجهل, ربما كفر هذا الفقير، الفقر أحياناً ينسيك أن تصلي، ينسيك أن تؤدي واجباتك نحو عيالك وأولادك، فالفقر المنسي نعوذ بالله منه، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول:

((اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً))

 الكفاية هذه أرادها النبي لنا، أرادها لمن يحبه، لمن يحبه النبي، هناك فقرٌ ينسي، ربما لا يملك الإنسان ثمن أجرة ركوب سيارة عامة، يمشي ساعة ونصف، يحس بشعور عجيب، هذا الفقر منسٍ، وربما لا يملك ثمن الدواء لأولاده، أو لا يملك ثمن الطعام، فهذا الفقر نعوذ بالله منه، وقد يكون هذا الفقر للمؤمن رفع درجات، لأن المؤمن ثابت, لا يتغير لا في الغنى ولا في الفقر، لا في إقبال الدنيا ولا في إدبارها، المؤمن إذا افتقر, ففي هذا الافتقار رفعٌ لدرجاته، وكشفٌ لبنيته الطيبة، تعريفٌ للناس به، رفعٌ لمقامه، امتحانٌ له, قال تعالى:

 

﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾

 

[سورة البقرة الآية: 214]

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت الآية: 2]

 فإذا آمن الإنسان بالله, فعليه أن يوطِّن نفسه على كل شيء، أنت عرفت الله, وأسلمت له في السرَّاء والضراء, صدق القائل:

 

هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا  فليس لي عنهم معدلٌ وإن عدلوا
واللهِ وإن فتَّتوا في حبهم كبدي  باقٍ على حبهم راضٍ لـما فعلوا

 حالة المؤمن مع الفقر استسلام لله عزَّ وجل، هو يسعى، ويبذل قصارى جهده في رفع مستوى دخله، لكن إذا ضاقت به الحيل, ماذا يفعل؟ يستسلم، يرضى، هكذا أراد الله, وهكذا شاء، لكن إذا جاء الفقر لإنسان لا يعرف الله عزَّ وجل, ربما سبَّ الإله، هذا يفعله بعض الناس، ربما نسي فروض طاعته لله عزَّ وجل، نسي أن يصلي، نسي أن يطيع الله عزَّ وجل.
فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

((هل تنتظرون إلا فقراً منسياً...))

نعوذ بالله من الفقر المنسي.
 سمعت مرة أحد الأخوان يقول: اللهم أنزِلْ بي مرضًا، فقلت له: هذا خلاف الشرع، النبي عليه الصلاة والسلام سيد الأنبياء قال:

((إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي))

 مَن أنت؟ أتجترئ على الله عزَّ وجل؟ أتظن أنك أعظم من النبي؟ النبي عليه الصلاة والسلام هكذا دعا، فالإنسان يطلب من الله السلامة، يطلب البحبوحة، يطلب الرزق، لا يقل: يا رب امتحني، أنا أصبر، لا، اطلب من الله السلامة إذا ضاقت, فهو امتحان للمؤمن رقي، ولغير المؤمن امتحان.

 

((يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ, وَآخِرَكُمْ, وَإِنْسَكُمْ, وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي, إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ))

 

[أخرجه مسلم عن أبي ذر في سننه]

كن فيكون، تقنين ربنا ليس تقنين عجز، بل تقنين تأديب، الإنسان يقنن تقنين عجز لضعفه.
 قال لي أحدهم اليوم: إنَّ المزارعين في المنطقة الشمالية الشرقية, قبضوا مبالغ فوق حد الخيال، قال لي: قبضوا واحدًا وسبعين مليونًا من الدولة، ثمن القمح على السعر الرسمي، ذلك بأن الكيس أعطى سبعين كيسًا من القمح، إنّ الله إذا أعطى أدهش, قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الأعراف الآية: 96]

﴿وَأَلَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[سورة الجن الآية: 16-17]

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[سورة المائدة الآية: 66]

 فربنا غني إذا أعطى أدهش, قال تعالى:

 

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾

 

[سورة الحجر الآية: 21]

 لكن إذا قنن ربنا عزَّ وجل يكون التقنين في محله, إن الله ليحمي أحدكم من الدنيا كما يحمي أحدكم مريضه من الطعام, كما يحمي الراعي الشفيق غنمه من مراتع الهلكة.
فأنت استسلم، إذا أعطاك اشكره على عطائه، وإذا منع عنك منعه عطاء, قال ابن عطاء الله السكندري:

((ربما أعطاك فمنعك))

 -رجل أعمال من الدرجة الأولى، وقتك كله مليء اجتماعات، وقرارات، وصفقات، ورحلات، وسفرات للعمل، وسفرات نزهات، وما عندك وقت إطلاقاً, ربما أعطاك فمنعك-.
ثم قال:

((وربما منعك فأعطاك))

ضيقها عليك فالتفت إليه، قرأت كتابه فتعرفت عليه، فكرت بالكون، تصدقت، صليت، عملت أعمالاً صالحة، فلا يعترضنَّ أحدٌ على الله عزَّ وجل، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وقد يكون المنع عين العطاء.
 ولكن أنا أُؤكِّد لك: لما ربنا عزَّ وجل يكشف الغطاء، ويريك الذي ساقه لك, وما الحكمة منه، سوف تذوب خجلاً من الله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ ساقه إليك، هذا جعله لا ينجب أولادًا ذكورًا، هذا جعله عقيمًا، هذا جعله فقيرًا، هذا جعله غنيًا، هذا جعله عليلاً، هذا جعله صحيحًا، هذا جعل عمله شاقًّا، هذا عمله سهل، هذا من أب غني، هذا من أب فقير، هذا أتى في آخر الزمان، هذا من أول الزمان، هذا معه عاهة طفولية، هذا معه قصور كبد مزمن.. إلخ، حينما ينكشف لك الغطاء لا تملك إلا أن تقول كلمةً واحدة, قال تعالى:

﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة يونس الآية: 10]

 لذلك سيدنا علي رضي الله عنه يقول:

((والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً))

 والقاعدة الأساسية: أن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، هذه البطولة، وعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((عَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي, لِيَجْعَلَ لِي بَطْحَاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا, قُلْتُ: لَا يَا رَبِّ, وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا, وَقَالَ: ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَ هَذَا, فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ, وَإِذَا شَبِعْتُ شَكَرْتُكَ وَحَمِدْتُكَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]

 استسلم، هو محبٌ لك أكثر من حبك لنفسك.

((عبدي المؤمن أحب إلي من بعض ملائكتي، لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إليهم، وانتظاري لترك معاصيهم، لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي بالمعرضين, فكيف إرادتي بالمقبلين؟!))

2- الغنى المطغي:
 (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً...): دخله محدود وهو مستقيم، من مسجد إلى مسجد، على الدخل الكبير من ملهى إلى ملهى، يريد أن يرى النوادي، وشوارع معينة في باريس يريد أن يزورها، صار غنيًّا، يعمل عرسًا مختلطًا في الفندق الكبير، يريد الاختلاط.
(أو غنىً مطغياً...): يريد الشهوات، عنده مكتب, يريد سكرتيرة، لا يريد موظفا،

((أو غنىً مطغياً...))

، نعوذ بالله، والله هو البلاء كله، الغنى من دون علم لجهنم.
 (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً...): أكبر محل حلويات, كان في لبنان، يصدر للدول النفطية طائرة بضاعة محملة بإنتاجه يومياً، دخل مرة على المعمل, فلم تعجبه عجينة المعمول، أمسك العجينة ووضعها على الأرض، ودهسها بنعله، قال له العامل: سيدي, فرد عليه قائلاً: الناس من تحت حذائي يأكلون، بعد شهر انقطعت ركبتاه بالـ (غرغرين), داء الموات، الآن هو في لندن يعاني، الغنى مطغٍ، صار معه مئات الملايين, ولم يعد يرى أحدًا أحسن منه.
البطولة أن تكون في قمة نجاحك متواضعاً لله عزَّ وجل، النجاح فيه خطورة كبيرة، النجاح مزلق، النجاح في كسب المال، النجاح في المراتب العليا، النجاح في القوة، النجاح في كل شيء مزلق خطير.
3- المرض المفسد:
 (هل تنتظرون إلا فقراً منسياً، أو غنىً مطغياً، أو مرضاً مفسداً... ): معه مئات الملايين, لكن فيه علة خطيرة، توقفت كليتاه عن العمل، قال أحدهم: نأخذه إلى بلد أجنبي, قال له: لا أمل،

((... أو مرضاً مفسداً))

 ، يفسد عليك حياتك, لهذا النبي الكريم قال:

((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ, عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا))

[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن محصن في سننه]

4- الهرم المفند:
 (أو هرماً مفنداً...): كبر كثيرًا, ونشأ في معصية الله، فلما كبر خرف، يقول: ما أطعموني، الآن أطعموك، يتدخل فيما لا يعنيه، يعيد القصة مائة مرة، يمل منه الناس، يهربون منه, ويتركونه وحيداً، هذا نعوذ بالله من الهرم المفند، صار موضع سخرية، موضع ازدراء، موضع تأفف, يتمنى أقرب الناس له موته بقولهم: الله يخفف عنه.
 أما المؤمن: من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت, المؤمن كريم على الله عز وجل, لا يرد إلى أرذل العمر، لا، بل يزداد عزاً، وجاهاً، ومحبة، وعقلاً، وذكاء.
5- الموت المجهز:
 (أو موتاً مجهزاً...): اشترى أحدهم بيتًا, فلم يعجبه البلاط فكسره، لأنه عتم قليلاً، عمل أقواسًا، رتب، أتى بطاولة من رخام, غالية الثمن، رتب البيت، ويوم أراد أن يسكنه مات,

((أو موتاً مجهزاً...))

لا اعتراض،

((أو موتاً مجهزاً...))

 ، البطولة أن تعمل لهذه الساعة، للآخرة.
6- الدجال:
 (أو الدجال...): الكلام كالعسل والفعل كالصبر، أي إنسان يعطيك من طرف اللسان حلاوةً، ويروغ منك كما يروغ الثعلب، هذا نموذج، تجد كلامه طيبًا, فإذا عاملته فما أصعب فعله، وباطنه ليس كظاهره، وظاهره ليس كباطنه.
7- الساعة:
 (أو الدجال فشر غائبٍ ينتظر، أو الساعة والساعة أدهى وأمر): الساعة يعني يوم القيامة, قال تعالى:

 

﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾

 

[سورة الزمر الآية: 68]

هذه النقاط السبع تنتظر كل واحد منا، فسارع إلى عمل صالح لئلا تصاب بالغنى المطغي، أو الفقر المنسي، أو المرض المفسد، أو الهرم المفند، أو الموت لا بد منه.
 لكن بينما أن يكون الإنسان في توفيق من الله عزَّ وجل, وفي حفظ, أو في طرد من رحمة الله عز وجل، عمره سبع وتسعون سنة، بصره حاد، أسنانه في فمه، قامته منتصبة، سمعه مرهف، أسنانه سليمة، زوجته، قال له: يا سيدي, ما هذه الصحة؟ قال: يا بني, حفظناها في الصغر, فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
 فإما أن نسارع إلى الأعمال الصالحة لئلا نصاب بأحد هؤلاء، وإما أن نسارع بالعمل الصالح قبل أن يهلكنا أحد هؤلاء، فاحفظوا هذا الحديث ورددوه دائماً، فإنه كالمكابح للإنسان، والله سبحانه وتعالى أكرم، وأعظم، وأوفى من أن يضيِّع مؤمناً، ما دمت قد عرفته في شبابك، عرفته في فورة الشباب، فالله سبحانه وتعالى يحفظك في مقتبل عمرك، وهذا العمل الرذيل, قال تعالى:

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾

[سورة الحج الآية: 5]

 ليس من شيمة المؤمنين, لأن الله سبحانه وتعالى يحفظهم.

 

من عظمة عمر بن الخطاب:

 

والآن إلى سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه.
أيها الأخوة, بذكر الصالحين تتعطر المجالس، وبالحديث عن أصحاب رسول الله, تتنزل الرحمات.
 سيدنا عمر أعظم ما فيه: أنه مع تفوقه الشديد في مجالات عديدة, ما تمكن الغرور أن يصل إليه, وكما قلت قبل قليل: هؤلاء الناجحون معرَّضون لخطرٍ عظيم، ألا وهو الغرور، يقول عليه الصلاة والسلام:

((لو لم تذنبوا, لخفت عليكم ما هو أكبر -ما هو الشيء الذي هو أكبر من الذنب؟- قال: العجب العجب))

 العجب أكبر من الذنب، أن تقول: أنا, قالها إبليس فأهلكه الله، قال:

 

﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾

 

[سورة الأعراف الآية: 12]

 ثلاث كلمات مهلكات: أنا، ولي، وعندي قالها قارون, قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾

 

[سورة القصص الآية: 78]

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[سورة القصص الآية: 81]

 لي, قالها فرعون, قال تعالى:

 

﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾

 

[سورة الزخرف الآية: 51]

 فكل عظمة هذا الخليفة, تفوقه، مثلاً: دخل الإسلام في حفاوةٍ بالغة من النبي عليه الصلاة والسلام، صار الإسلام بعد إسلامه ديناً جهوري الصوت، المسلمون قبل إسلامه كانوا يستخفون، بعد إسلامه أصبحوا يعبدون الله جهراً، سمَّاه النبي بالفاروق, لأنه فرق الله بإسلامه الحق والباطل، أصبح خليفة، وله آراء نزل بها وحي اسمها: موافقات عمر,

((لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر))

 هذا قمة النجاح، ومع ذلك ما استطاع الغرور أن يصل إلى قلبه.
قال مرة عن نفسه:

((لقد كنا ولسنا شيئاً مذكوراً, حتى أعزنا الله بالإسلام، فإذا ذهبنا نلتمس العز في غيره, أذلنا الله))

 كل هذه العظمة، كل هذا التفوق، رآه فضلاً من الله عزَّ وجل يستوجب الشكر، فإذا ذهبنا نلتمس العز بغير دين الله, أذلنا الله سبحانه وتعالى، هذا درس بليغ لنا معشر الأمة العربية, أعزنا الله بالإسلام، فإذا أردنا أن نلتمس العز في غيره, أذلنا الله عزَّ وجل.

ما رأيكم أن نصغي السمع لراوي هذه القصة عن عمر بن الخطاب ؟

 الأحنف بن قيس, يروي هذه القصة، قال: ((كنت مع عمر بن الخطاب, فلقيه رجل, فقال له: يا أمير المؤمنين, انطلق معي, فأعدني على فلان, فقد ظلمني، سيدنا عمر رفع درته, وخفق بها رأس الرجل, وقال له: تدعون أمير المؤمنين, وهو معرضٌ لكم، مقبلٌ عليكم، حتى إذا شغل بأمرٍٍ من أمور المسلمين, أتيتموه أعدني أعدني, فانصرف الرجل, فندم عمر بعدما عنَّفه، فقال: عليَّ بالرجل, فلما عاد ناوله مخفقته, وقال له: اقتص لنفسك مني، تعالَ اضربني, فقال الرجل: لا والله، ولكني أدعها لله، وانصرف.
عاد عمر إلى بيته، فصلى ركعتين, ثم جلس يحاسب نفسه, ويقول: يا بن الخطاب, كنت وضيعاً فرفعك الله، وكنت ضالاً فهداك الله، وكنت ذليلاً فأعزك الله، فما حملك على رقاب الناس؟ فجاءك رجل يستعديك فضربته, فماذا تقول لربك غداً؟.
-هذا هو كل الدين، كل الدين في هذه الكلمة: ماذا تقول لربك غداً؟ لماذا طلقتها؟ لماذا أكلت مال فلان؟ لماذا احتلت على فلان؟ لماذا كذبت على فلان؟ لماذا غررت بفلان؟ لماذا خنت العهد؟ لمَ فعلت هذا؟ ماذا تقول لربك غداً؟.
يا أيها الأخوة الأكارم, إذا كنت بطلاً, فهيِّئ جوابًا لله عزَّ وجل, عن كل عمل عملته في الدنيا؛ اشتريت، بعت، غضبت، خاصمت، عاديت، أعطيت، منعت، وصلت، قطعت، عليك أن تأتي بجوابٍ مقنعٍ لله عزَّ وجل, ماذا تقول لربك غداً؟ النبي الكريم قال:

((لعن الله الذواقين والذواقات))

 تجده لسبب تافه يطلق امرأته، ويوبخها، ويعنِّفها، علِّمها، وضح لها الأمور، هكذا الله عزَّ وجل أخذ عليك العهد-.
ثم قال: ماذا تقول لربك غداً؟ هو ذا يؤم الناس في الصلاة، فيسمع بكاءه ونشيجه أصحاب الصف الأخير))

 

من مواقف عمر بن الخطاب:

 

 مرة ثانية: كان يعدو ويهرول وراء بعيرٍ, أفلتت من معصمها، ويلقاه علي بن أبي طالب فيسأله:

((إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال له: بعيرٌ ندَّ من إبل الصدقة أطلبه, فيقول له علي كرم الله وجهه: لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك، وأهلكتهم، أنت خليفة, تلحق إبلاً, هربت من مكانها، لقد أتعبت الذين سيجيئون بعدك, فيجيبه عمر بكلماتٍ متهدِّجة: والذي بعث محمداً بالحق, لو أن عنزةً, ذهبت بشاطئ الفرات, لأخذ بها عمر يوم القيامة، ولو أن بغلةً تعثرت, لحاسبني الله عنها, لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟))

 هذا الكلام لنا، أنت صاحب محل سيارتك على الباب، لماذا هكذا عملت؟ فماذا تقول لربك غداً يا عمر؟.

 

ﺇليكم العبرة من هذا الحديث الذي دار بين عمر وبين أبي موسى الأشعري:

 

 مرة سيدنا عمر قال لجليسه أبي موسى الأشعري:

((يا أبا موسى, هل يسرك أن إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهجرتنا معه، وشهادتنا، وعملنا كله يرد علينا لقاء أن ننجوَ كفافاً لا لنا ولا علينا؟ -يتمنى هذا الخليفة العظيم أن ينجو بجلده، لا له ولا عليه, وهذا الإسلام، وهذه المجاهدة، وهذه الحروب- فيجيبه أبو موسى: لا والله يا عمر؛ لقد جاهدنا، وصلينا، وصمنا، وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا خلقٌ كثير, إنا لنرجو ثواب ذلك, فيجيبه عمر, ودموعه تنحدر من على وجنتيه كحبات اللؤلؤ: أما أنا فو الذي نفس عمرٍ بيده, لوددت أن ذلك يرد علي، ثم أنجو كفافاً رأساً برأس))

 لمَ لا يكون كذلك؛ وهو يرى النبي عليه الصلاة والسلام, يقضي ليله كله متهجداً متعبداً، ونهاره كله صائماً مجاهداً، فإذا قيل له:

((يا رسول الله, لمَ تتعب نفسك, وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيجيبه عليه الصلاة والسلام: أفلا أكون عبداً شكورا؟))

اقرأ ما كتبه عمر ﺇلى عامله في البصرة:

 كتب مرة سيدنا عمر إلى عامله على البصرة عتبة بن غزوان، قال له:

((قد صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فعززت به بعد الذلة، وقويت به بعد الضعف، حتى صرت أميراً مسلَّطاً، وملكاً مطاعاً، تقول فيسمع منك، وتأمر فيطاع أمرك، فيالها نعمة إن لم ترفعك فوق قدرك، وتبصرك على مَن دونك، تحوط من النعمة, تحوطك من المعصية، هذه نعمة لكنها مزلق خطير، فلهي أخوفُ عندي عليك أن تستدرجك وتخدعك، فتسقط سقطةً تطير بها إلى جهنم، أعيذك بالله, وأعيذ نفسي من ذلك))

 إنّ أخطر شيء في النجاح الغرور، أن ترى أنك شيءٌ عظيم، أخطر شيء يقع الإنسان فيه أن يغتر بنفسه، والمؤمن دائماً يعزو نجاحه إلى الله عزَّ وجل، لولا فضل الله عليك ما كنت كذلك, قال تعالى:

 

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

 

[سورة النساء الآية: 113]

 إذا أراد ربك إظهار فضله عليك, خلق الفضل ونسبه إليك, فأنت كمؤمن موحِّد: يا رب لك الفضل، هذا فضل الله عزَّ وجل.

 

من روائع عمر بن الخطاب:

 

 ومرة زاره حفص بن أبي العاص، وكان عمر جالساً إلى طعامه، فدعا إليه حفصًا، تطلع حفص, فلم يعجبه الأكل، فرأى قديداً يابساً, يأكل منه عمر، فلم يشأ أن يكبد نفسه عناء ازدراده، ولا أن يجشم معدته مشقة هضمه، فاعتذر شاكراً، وأدرك أمير المؤمنين سر عزوفه عن هذا الطعام، فرفع بصره نحوه, وسأله: ((ما يمنعك عن طعامنا؟ فقال: إنه طعامٌ خشن، وإني راجعٌ إلى بيتي, وأصيب طعاماً ليناً, قد صنع لي، قال له عمر: أتراني عاجزاً أن آمر بصغار المعزة، فيلقى عنها شعرها، وآمر برقاق البر، فيخبز خبزاً رقيقاً، وآمر بصاعٍ من زبيبٍ, فيلقى في سُعنٍ, حتى إذا صار مثل عين الحجل, صب عليه الماء، فيصبح كأنه دم غزالٍ, فآكل هذا, وأشرب هذا, فقال له حفص وهو يضحك: واللهِ إنك بطيب الطعام لخبير, واستأنف عمر حديثه, فقال: والذي نفسي بيدي, لولا أن تنقص حسناتي, لشاركتكم في لين عيشكم، ولو شئت, لكنت أطيبكم طعاماً، وأرفهكم عيشاً، ولنحن أعلم بطيب الطعام من كثيرٍ من آكليه، ولكننا ندعه ليومٍ, تذهل فيها كل مرضعةٍ عما أرضعت، وتضع كل ذات حملٍ حملها، وإني لأستبقي طيباتي, لأني سمعت الله تعالى يقول عن أقوامٍ:

﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾

[سورة الأحقاف الآية: 20]

 وسوف نتابع الحديث عن هذا الخليفة العظيم في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018