الخطبة : 1106 - فضل قراءة سورة الكهف - قراءة القرآن تشفي الصدر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 1106 - فضل قراءة سورة الكهف - قراءة القرآن تشفي الصدر .


2009-03-27

لخــطــبـة الأولــى :

     الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وآل بيته الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

قراءة سورة الكهف يوم الجمعة لاحتوائها على أربع قصص فيها عبرة للإنسان هم :

1 ـ قصة أصحاب الكهف الذين آثروا الآخرة على الدنيا:

     أيها الأخوة الكرام، في حديث صحيح يوجه النبي عليه الصلاة والسلام المؤمنين إلى قراءة سورة الكهف يوم الجمعة، فقد ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام:

(( من قرأ سورة الكهف كما نزلت كانت له نوراً يوم القيامة ))

[ إرواء الغليل عن أبي سعيد الخدري ]

     وهناك أحاديث أخرى، المطلوب أن تقرأ يوم الجمعة بالذات لماذا ؟
     أيها الأخوة الكرام، في هذه السورة أربع قصص، القصة الأولى قصة أصحاب الكهف، شباب مؤمنون كانوا يعيشون في بلدة كافرة، وكان أهلهم من الأثرياء، أي كانوا يسكنون القصور، وفيها ما لذّ وطاب، ورغباتهم محققة، وطموحاتهم ميسرة، لكن أهل هذه البلدة كانوا فيها بعيدين عن الله عز وجل، فآثروا أن يسكنوا في الكهف، وفرق كبير كبير كبير بين سكنى القصر وسكنى الكهف لأنهم آثروا طاعة الله عز وجل:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ (16) ﴾

(سورة الكهف)

     رحمة الله أثمن عطاء تناله من الله، لا حدود لها، سكينة ؟ سكينة، راحة نفسية ؟ راحة نفسية، شعور بالرضا ؟ شعور بالرضا، توفيق إلى كل شيء ؟ آثروا رحمة الله، قال تعالى:

﴿ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) ﴾

( سورة آل عمران)

     آثروا السكنى في الكهف على حياة ناعمة لكنها منقطعة بالموت، آثروا حياة خشنة فيها مرضاة الله عز وجل، وبعدها تأتي الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

 

ارتقاء الإنسان عند الله عز وجل بما يقدم للمسلمين من نفع :

     كم واحد منا يحتاج إلى هذا الدرس ؟ ينبغي أن تقرأ كل جمعة، فلان تأتيه وظيفة دخلها كبير لكنها لا ترضي الله ليس فيها نفع للمسلمين بل فيها إيقاع الأذى بالمسلمين، هناك ألف طريق وطريق لكسب المال، ينتج عن هذا الكسب مضرة للمسلمين، أحياناً يغش البائع بطريقة ذكية جداً لا تكشف فيحصّل أموالاً طائلة، وأحياناً يقنع بربح قليل مع نفع المسلمين فيرقى عند رب العالمين، هذه القصة يحتاجها كل مسلم اليوم، أصحاب المصانع، أصحاب المصانع الغذائية، قد يشتري مادة انتهى مفعولها فيها حسم يقدر بثلاثين بالمئة، رأسماله يقل عن الآخرين 30%، أرباحه تزيد ثلاثين بالمئة، لكن هذا الطفل الصغير الذي اشترى بعشر ليرات قطعة حلوى في المدرسة ما نفعته، أيها الصانع أطعمته مادة انتهى مفعولها، أما حينما تقنع بربح قليل وتنفع أطفال المسلمين ترقى عند الله، يقاس على هذه القصة مليون حالة نحتاجها اليوم، تركوا القصور وما فيها من متع ومباهج وطعام نفيس وسكنوا في الكهف:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) ﴾

(سورة الكهف)

2 ـ قصة صاحب الجنتين الذي تعلق بالدنيا و نسي الآخرة:

     هناك قصة ثانية ؛ صاحب الجنتين الذي رأى أنه حقق كل الخير، وعطاء الله لا يمكن أن ينقطع بالموت، لا يليق بكرم الله أن تنتهي الدنيا وينتقل إلى دار سوف يحاسب فيها، لذلك لا يليق بعطاء الله إلا أن يكون أبدياً، فالدنيا ليست عطاء، سيدنا علي رضي الله عنه يقول: فلينظر ناظر بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ؟ فإن قال أهانه فقد كذب، وإن قال أكرمه فلقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا من دون أن يرعى الله فيها.
     هذا الذي أوتي جنتان وطمع أنه إذا انقلب إلى ربه فإلى جنتين أخريين، فدمر الله جنتيه، فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها، وكل شخص آثر الدنيا وهو على فراش الموت هذا البيت الذي جهد في تزيينه سيغادره، هذه الزوجة الذي جهد في اختيارها في أعلى مستوى جمالي سوف يغادرها، هذا المكتب، هذه المكانة، هذه الأسرة:

﴿ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا (42) ﴾

(سورة الكهف)

     أيها الأخوة الكرام، قصة صاحب الجنتين هذا الذي تعلق في الدنيا وآثرها على عكس أصحاب الكهف الذين آثروا الآخرة فقنعوا بحياة خشنة، أنا أقول لكم: إذا كان طريق الغنى سالكاً وفق منهج الله، الغني أمام خيارات لا تعد ولا تحصى للعمل الصالح، أما إذا كان طريق الغنى على حساب دينه، على حساب استقامته، على حساب مبادئه فالفقر وسام شرف لك.

3 ـ قصة سيدنا موسى مع الخضر عليهما السلام:

     أيها الأخوة، القصة الثالثة قصة الافتقار إلى الله، سيدنا موسى قال أنا أعلم أهل الأرض، فالتقى بالخضر وأعلمه أشياء لم يكن يعرفها، فالإنسان كلما افتقر إلى الله رفعه الله، في القصة الشهيرة التي وردت في سورة الكهف تؤكد لكم أن حكم الأشياء أحياناً لا تكون واضحة جلية، لكن يجب أن تقيس على سورة الكهف وعلى قصة الخضر حينما قتل غلاماً، وحينما خرق سفينة، وحينما بنى جداراً بلا طائل، أن هذه الأعمال التي فيما يبدو لا حكمة منها هي في الحقيقة فيها حكمة مطلقة، قصة سيدنا موسى والخضر تعني أن كل شيء وقع أراده الله، وأن كل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
     قصة سيدنا موسى والخضر تعني:

 

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 216 )

     للتقريب تركب سيارة غالية جداً فجاء إنسان بمطرقة كسر لك البلور، و البلور ثمنه مرتفع، بعد حين في حاجز أية سيارة جيدة تصادر كلياً، فلما رأوا البلور مكسور تركوها، فكسر هذا البلور خير أم شر ؟ سلمت لك السيارة بهذا الكسر، لا تظنن بالله ظن السوء، الشيء الذي آلمك، الشيء الذي يصعب تفسيره هناك حكمة بالغة بالغة بالغة، لو اطلعتم على الغيب لاخترتم الواقع.
     يقول سيدنا علي: والله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً.

 

كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع  :

     نحن في أشد الحاجة إلى قصة أصحاب الكهف كي نؤثر رضوان الله على متاع الدنيا التي أتت بالحرام، ونحن في أمس الحاجة إلى قصة أصحاب الجنتين، هؤلاء الذين آثروا الدنيا فخسروها وخسروا الآخرة، لذلك طالب العلم يؤثر الآخرة على الدنيا فيربحهما معاً، بينما الجاهل يؤثر الدنيا على الآخرة فيخسرهما معاً.
     خسروا الجنتين وخسروا الجنة، سيدنا موسى والخضر تعلمك هذه القصة أن كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة وأن الحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، إذاً الشر المطلق لا وجود له في الكون بل إن الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، هناك خير نسبي، وهناك شر نسبي، لكن الملخص أن لكل واقع حكمة، ولو كان الموقع مجرماً، وأن حرب غزة هذه التي وحدت المسلمين ووصلت مشاعرهم إلى العمق وعرفوا من هم، هم مؤمنون، والله قادر على أن ينصرهم ولو كانوا قلة، أعطانا الله بهذه الحرب جرعة منعشة:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة الآية: 216 )

4 ـ قصة ذي القرنين:

     أما قصة ذي القرنين هذا الملك الصالح، هناك توهم أن كل إنسان له منصب رفيع لعله غير جيد، لا أبداً، هذا الملك الصالح آتاه الله القوة فسخرها في طاعة الله:

 

﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾

( سورة الكهف )

     يعني هذه القصة لأي شخص رشح إلى منصب رفيع، بإمكانك بهذا المنصب أن تصل إلى أعلى درجات الآخرة بخدمة الناس، بالعدل بينهم، بتحقيق مصالحهم، بالتيسير عليهم، بتأمين حاجاتهم، بالعدل بينهم، القوي بجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً، يعني مثلاً الإعلان عن التدخين في سورية يساوي خمسين ألف ليرة جزاء، أما في أي مكان آخر الإعلانات عن التدخين لا نهاية لها، وهذا أكبر معلن عن التدخين يرتدي الكاوبوي مات بسرطان الرئة، قال على فراش الموت: كنت أكذب عليكم الدخان قتلني.
     القوي بجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً، يقوي معروفاً ويزيل منكراً، القوة قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، ذي القرنين هذا الذي رشح إلى منصب رفيع هذا المنصب قد يكون طريقاً إلى الجنة، كل توقيع توقعه فيه نفع للمسلمين، حلّ لمشكلاتهم، تيسير لقضاياهم، ترقى عند الله إلى أعلى عليين، ألسنا جميعاً بحاجة إلى قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي الجنتين، وقصة موسى والخضر، وقصة ذي القرنين ؟

 

من آثر الآخرة على الدنيا ربحهما معاً :

     أيها الأخوة، إذاً هناك فتنة في الدين، حينما يحال بينك وبين عبادة الله وتؤثر حياةً خشنة على حياة ناعمة من أجل أن يرضى الله، حينما تؤثر عملاً ذا دخل محدود على عمل ذي دخل غير محدود ولكنه لا يرضي الله، فأنت قد انتفعت من قصة أصحاب الكهف، وأما أصحاب الجنتين فتنة المال:

﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ (14) ﴾

( سورة التغابن )

     فتنة الولد والمال فتنة كبيرة وأما موسى والخضر فتتعلم كما قال الشافعي: كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي.
     قصة موسى والخضر تؤكد لك أن الوصول إلى القمة شيء صعب جداً، طريق صاعدة فيها حفر، فيها أكمات، فيها عرق، فيها حر، فيها غبار، فيها مشقة، بعد جهد جهيد وعمل أكيد وصلت إلى القمة، اعلم علم اليقين أن النزول من القمة يكون في ثانية واحدة حينما يغتر الإنسان، لذلك البطولة لا أن تصل إلى القمة بل أن تبقى فيها، البطولة الحقيقية أن تبقى في القمة لأن الأقوياء يصابون بالغرور فيرتكبون الأخطاء الكثيرة، والضعفاء يحرصون على أن تكون أعمالهم صحيحة فيرقون، هذا معنى قول بعض القائلين: أنت ضعيف هذا سرّ قوتك، وأنت قوي هذا سرّ ضعفك، والأقوياء في الأرض انهارت أنظمتهم المالية، ضعفت إمكانية عدوانهم على العالم، نرى خطهم البياني في طريقه إلى الهبوط نراه رأي العين، لأنهم أقوياء وقوتهم سرّ ضعفهم، ولأن العالم الضعيف ربما كان قوياً في المستقبل.

 

كلّ إنسان بحاجة إلى الإخلاص و التواضع في هذه الدنيا :

     أيها الأخوة، وفتنة السلطة يمكن أن تكون في منصب رفيع، وأن تكون عفيفاً نزيهاً، كل يوم ترقى عند الله آلاف الدرجات لأنك سخرت قوتك لنفع الناس.
     أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى الصحبة الصالحة، ومعرفة حقيقة الدنيا، وإلى التواضع، وإلى الإخلاص.
     أيها الأخوة، الدجال اسم على مسمى يدجل، يتكلم كلاماً غير صحيح، يتكلم بعكس واقعه، يقول: أنا جئت إليكم من أجل الحرية والديمقراطية، وقتل مليون إنسان، ومليون معاق، وخمسة ملايين شريد، ودمر البلاد والعباد، لا يوجد شيء ما نهب في البلاد التي جاء الأقوياء من أجل الحرية والديمقراطية، إذاً الدجال كما ورد أنه يفتن الناس:

(( بادروا إلى الأعمال الصالحة ما ينتظر أحدكم من الدنيا إلا غِنَىً مُطْغِياً، أو فَقْراً مُنْسِياً، أو مَرَضاً مُفْسِداً، أو هَرَماً مُقَيِّداً، أو مَوْتاً مُجْهِزاً ؛ أو الدجال، فالدجال شرُّ غائِبٍ يُنْتَظَر ؛ أو السَّاعَةُ، والساعة أدهى وأَمَرّ ))

[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

الفتن التي يتعرض لها الإنسان في آخر الزمان :

1 ـ فتنة الدين:

     أيها الأخوة الكرام، فتنة الدين، أن تؤثر طاعة الله على الدنيا.

2 ـ فتنة المال:

     فتنة المال أن تنفقه في طاعة الله، لذلك هذا الدجال شر غائب ينتظر، يعني تفوقه العلمي جعل له خروقات أو إنجازات كبيرة جداً، النبي قرب هذا المعنى إلينا يأمر السماء أن تمطر فتمطر، يعني هناك تقدم علمي مذهل، تفوق في البنيان كما قال الله عز وجل:

 

﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

( سورة الشعراء )

﴿ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ ﴾

( سورة العنكبوت )

﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ﴾

( سورة الفجر )

     لا في بلدهم بل في كل البلاد:

 

﴿ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾

( سورة الفجر ).

3 ـ فتنة العلم:

     فتنة العلم، ينسى الناس عظمة هذا الكون ويتحدثون عن عظمة الإنجازات الإلكترونية، والكومبيوترات، والفضائيات، ونقل الصورة، شيء يلفت النظر، لكن هذا الشيء ينبغي ألا يحجبكم عن عظمة الله عز وجل.

4 ـ فتنة القوة:

     فتنة القوة، أحياناً هذه القوة مسيطرة على معظم بلاد العالم، هذه الفتن في آخر الزمان، فتنة الدين، وفتنة المال، وفتنة العلم، وفتنة السلطة والقوة.

 

قوارب النجاة من الفتن :

     الآن ما قوارب النجاة ؟ قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾

( سورة الكهف )

1ـ قارب النجاة من فتنة الدين لزوم دروس العلم والأخوة المؤمنون:

     قارب النجاة لفتنة الدين:

 

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

( سورة الكهف ).

     الزم دروس العلم، الزم أخوانك المؤمنين، كن معهم:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

( سورة التوبة )

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾

( سورة الكهف )

     يعني في مجلس هناك الجلوس على الأرض، ولا يوجد ضيافة، والطريق يستغرق ساعة في القدوم و ساعة في العودة، وساعة بالدرس، وهناك جلسة في البيت فيها ما لذّ وطاب من الطعام والشراب والاختلاط والمناظر والأفلام:

 

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

( سورة الكهف )

     فتنة الدين أن تؤثر أهل الحق و أخوانك المؤمنين، أو أن ترضى بحياة خشنة على حياة ناعمة مفعمة بالمعاصي والآثام هذا قارب النجاة الأول.

2 ـ القناعة بالحلال و أن حساب الله آت لا محالة قارب النجاة من فتنة المال:

     أما فتنة المال:

 

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) ﴾

( سورة الكهف )

     أي ألا يوجد من أقربائك إنسان غني جداً، توفاه الله، ذهبت إلى بيته، ونظرت إلى هذا البيت الواسع الذي له إطلالة رائعة، من الذي اشترى هذا البيت ؟ المرحوم، من اختار هذا البلاط ؟ المرحوم، من اشترى هذه الثريات ؟ المرحوم، من اشترى هذا المنظر الرائع ؟ المرحوم، أين المرحوم ؟ بالقبر، أليس كذلك ؟

 

﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45) ﴾

( سورة الكهف )

العبرة بالخواتيم :

     الدنيا تغر وتضر وتمر، كان سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كلما دخل دار الخلافة (الآن يسمونها شعار) كان يقول :

﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207) ﴾

( سورة الشعراء )

     والله نحن في أمس الحاجة إلى أن نتلو هذه الآية كل يوم، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30) ﴾

( سورة إبراهيم )

     أيها الأخوة، العبرة أن تكسب الآخرة، أن تكسب الأبد، أن تستحق جنة عرضها السماوات والأرض:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

( سورة القمر )

3 ـ التواضع قارب النجاة من فتنة العلم:

     قارب النجاة الثالث لفتنة العلم قال تعالى:

 

﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) ﴾

( سورة الكهف )

     سيدنا موسى من أولي العزم يقول هذا الكلام لسيدنا الخضر: ﴿ قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) ﴾

 

العاقل من عزا الأشياء إلى الله عز وجل لا إلى نفسه :

     يا أيها الأخوة الكرام، يا أيها الأخوة الأحباب، كن متواضعاً، المتواضع قريب من الله، لا تعزو إنجازاتك إلى ذاتك لا تقل:

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

( سورة القصص الآية: 78 )

     قالها قارون فأهلكه الله، لا تقل:

 

﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾

( سورة الزخرف الآية: 51 )

     قالها فرعون فأهلكه الله:

﴿ نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ ﴾

( سورة النمل الآية: 33 )

     قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله:

 

﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ﴾

( سورة الأعراف الآية: 12 )

     قالها إبليس فأهلكه الله، قل الله.

 

بدر و حنين درسان بليغان بالتاريخ الإسلامي :

     أيها الأخوة الكرام، بالتاريخ الإسلامي درسان بليغان، درس بدر ودرس حنين، في بدر افتقر الصحابة إلى الله والتجؤوا إليه، أي قالوا الله فتولاهم الله:

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

( سورة آل عمران الآية: 123 )

     في حنين الصحابة الكرام وهم نخبة البشر ومعهم سيد البشر لعلهم قالوا في أنفسهم لن نغلب من قلة، فلم ينتصروا:

﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

( سورة التوبة )

     إذاً التواضع قارب نجاة لفتنة العلم، قبل أن تقول كلمة، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تجري عملية جراحية قل يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، افتقر إلى الله.

4 ـ الإخلاص لله عز وجل قارب النجاة من فتنة المنصب:

     أما فتنة المنصب ينبغي أن تكون مخلصاً لله عز وجل، وألا توقع توقيعاً إلا في مرضاة الله، وأن تكون قوتك لنفع الناس، وخدمتهم، والتيسير عليهم، وحل مشكلاتهم، والعدل بينهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ))

[أبو داود من دعاء ابن مسعود ]

     أيها الأخوة الكرام، هذه سورة الكهف ينبغي أن تقرأ كل يوم جمعة لأن فيها أربع فتن كل واحد منا معرض أن يقع في أحدها، وكل فتنة لها قارب نجاة.
     أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين أستغفر الله.

 

* * *

الخطبة الثانية :

     الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

قراءة القرآن و تدبره تشفي الصدر و تريح النفس :

     أيها الأخوة، قراءة القرآن تشفي الصدر، الله عز وجل يريك الآيات، يريك المواعظ، يريك الحكم، يريك القوانين، يريك الأمم السابقة، يريك التوجيهات، هذا القرآن كتاب الله، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، هذا القرآن إذا تلوته أناء الليل وأطراف النهار أعطاك صورة صحيحة عما ينبغي أن تكون عليه، لذلك الذي أتمناه عليكم أن تتلوه تلاوة صحيحة، قال تعالى:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾

( سورة البقرة الآية: 121 )

     وحق تلاوته أن تتلوه وفق قواعد اللغة، أو أن تتلوه وفق قواعد التجويد، و ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾: أن تفهمه، و ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ ﴾: أن تتدبره، أن تعرض نفسك على كل آية، أين أنت منها ؟ هل أنت من هؤلاء ؟ هل أنت مع هؤلاء ؟ أية آية تقرأها ينبغي أن تتدبرها، هذه واحدة، الشيء الثاني وينبغي أن تطبقه، إذاً تقرأه وفق قواعد اللغة وعلم التجويد، وأن تفهمه، وأن تتدبره، وأن تطبقه.
     أيها الأخوة الكرام، التدبر يريح النفس، تعرف أين أنت من القرآن مطبق أم مقصر ؟ التقصير يستدعي الجهد الكبير، والإيجابيات تريحك أمام الله عز وجل، فلذلك عاهد نفسك أن تتلو القرآن كل يوم، فلعل الله سبحانه وتعالى يسعدك به، ويشفيك من كل ضيق وإحباط ووسوسة وتشاؤم وجهل كما يصاب به الناس جميعاً.

 

الدعاء :

     اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق، ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في كل مكان، وفي شتى بقاع الأرض يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك بأعدائك يا أكرم الأكرمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018