الخطبة : 0421 - حقيقة الإنسان في القرآن3 - طبيعة الإنسان - علم النفس الإسلامي . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0421 - حقيقة الإنسان في القرآن3 - طبيعة الإنسان - علم النفس الإسلامي .


1992-12-25

الخطبة الأولى:
الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه يا رب العالمين ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

حقيقة الإنسان في القرآن :

أيها الأخوة المؤمنون ؛ نحن في سلسلةٍ من الخُطَب تتمحْوَر حول محورٍ واحد وهو : حقيقة الإنسان في القرآن .
على الإنسان معرفة نفسه
هل هناك موضوع أيها الأخوة أقرب إلينا من أن نعرف أنفسنا ؟ هل من موضوعٍ أيها الأخوة أقرب إلى الإنسان من أن يعرف ذاتَه ؟ هذا التعريف مِن قِبَلِ مَن ؟ مِن قِبَل الخالق ، من قبل الصانع ، افترض أن الإنسان آلةٌ معقدة ، التعامل مع هذه الآلة لا يكون صحيحاً ، ولا سليماً ، ولا نافعاً ، ولا مُجدياً إلا إذا تعاملت مع هذه الآلة وفق تعليمات الصانع .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ من الموضوعات المُهمة جداً أن تعرف من أنت ؟ ما جِبِلَّتُك ؟ ما طبيعتك ؟ ما حقيقتك ؟ ما خصائصك ؟ تحدثنا في خطبٍ سابقة عن أن الإنسان حادث . .

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[سورة الإنسان : 1]

ولكُلِّ حادثٍ مُحدث ، والمُحدث سيسأل ، وتحدثنا في خطبٍ سابقة عن أن الإنسان مُمْتَحَن . .

﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾

[سورة الإنسان : 2]

وتحدثنا في خطبٍ سابقة عن أن الإنسان كادِح ، أي أن طبيعة الحياة تقتضي بذل الجُهد في أيّ اتجاه . .

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾

[ سورة الإنشقاق : 6]

وتحدثت في خطبٍ سابقة عن أن الإنسان مبين . .

﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[ سورة الرحمن : 4]

وعن أن الإنسان أودع الله فيه قدرةً على التعلُّم والإدراك .

 

الإنسان حرٌ في اتخاذ قراره و اختياره و اتجاهِهِ :

واليوم موضوع الخطبة آيةٌ كريمة تتحدث عن طبيعة الإنسان قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

الإنسان كثير الجدل
خالُقنا ، ربُّنا ، إلهُنا يصف الإنسان الذي خلقه وهو أخبر به أنه كثير الجَدَل ، فماذا تعني هذه الآية ؟
يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾

أيّ بيَّنا ، فصَّلنا ، نوَّعنا ، التصريف التبيين ، التصريف التفصيل ، التصريف التنويع ، أيْ تارةً بالأمر ، وتارةً بالنهي ، وتارةً بالقصة، وتارةً بالمَثَل ، وتارةً بالتاريخ ، وتارةً بالتحذير ، وتارةً بالتبشير ، وتارةً بصور أهل الجنة وصور أهل النار ، فالموضوعات والأساليب التي اتبعها القرآن لهداية الإنسان كثيرةٌ جداً ، متنوعةٌ جداً ، تُغَطِّي كل الشرائح ، تغطي كل أنماط التفكير ، تغطي كل الاتجاهات .

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ﴾

كتاب ربنا ، كتاب الهداية ، تارةً ترى الوعد والوعيد ، وتارةً ترى الأمر والنَهي ، وتارةً ترى الحلال والحرام ، وتارةً ترى الماضي والمُستقبل ، تارةً ترى أهل الجنة في الجنة يتنعَّمون ، وتارةً ترى أهل النار في النار يتصايحون ، تنوّع الموضوعات ، وتنوع الأساليب هذا من خصائص القرآن ؛ لأنه كِتاب هدايةٍ ورشد ، لأنه كتاب الله إلى خلقه ، لأنه خِطاب السماء إلى الأرض ، لأنه الكتاب المُقَرَّر .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أما معنى قول الله تعالى :

﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾

فلحكمةٍ أرادَها الله عز وجل جعل نبياً عظيماً ، وجعل آباه كافراً ، إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام :

﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾

[ سورة مريم : 43]

القرآن كتاب هداية ورشد
فلئلا يحتجّ الإنسان بأنه نشأ هكذا ، وتربى هكذا ، وربّاه أبوه هكذا ، أوردَ القرآن قصةً مُفادها أنه : يمكن أن تكون إنساناً عظيماً والأب ليس كذلك . مثلٌ آخر : جعل من نسل سيدنا نوحٍ عليه الصلاة ولداً كافراً قال :

﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾

[ سورة هود : 42-43]

أيْ أنَّ الإنسان له اختياره ، له شخصيّته ، له قناعاته ، له إيمانهُ ، لا يمنعهُ من الإيمان أن يكون والده غير مؤمن ، ولا يمنعه من الإيمان أن يكون ابنُه غير مؤمن ، أما امرأة فرعون . .

﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة التحريم : 11]

امرأةٌ آمنت بالله عز وجل ، واستقامت على أمره ، وأحبت ، وأعطت ، واشتاقت إلى ربها ، وزوجها يدَّعي الألوهية . وامرأة لوط . .

﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة التحريم : 10-11]

زوجةٌ مؤمنة وزوجها كافر ، زوجٌ نبيّ وزوجةٌ كافرة ، أبٌ نبيّ وابنٌ كافر ، ابنٌ نبيّ وأبٌ كافر ، معنى هذا كله أن الإنسان حرٌ في اتخاذ قراره ، حرٌ في اتخاذ اختياره ، حرٌ في اتجاهِهِ ، هذا :

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾

[ سورة الكهف : 54]

القِصَص و العبر والحقائق في القرآن الكريم من أجل هدايتنا :

شيءٌ آخر : ربنا سبحانه وتعالى ضرب لنا في القرآن آلاف الأمثلة ، تلك قصص ، وهُناك الأمثال الإنسان حر الاختيار فهو حر بقراراته
كيف أن العَبد المملوك الذي لا يقدر على شيء له شركاء متشاكسون ، وبين عبدٍ سَلَم لعبد هل يستويان ؟ إنسان سَلَّمَ أمره إلى الله ، عرف الله وحده ، عبده ، أخلص له ، علاقته مع جهةٍ واحدة ، قال تعالى :

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[ سورة هود : 55-56]

حالة هذا الإنسان حالة الاستسلام والطُمأنينة ، حالة الشعور أن مصيره بيَدِ جهةً واحدة ، أن مصيره ، وحياته ، ومماته ، ورزقه ، وعلاقاته ، أن كل شيءٍ فيه متعلقٌ بجهةٍ واحدة، هذا التوحُّد في التوجُّه شيءٌ مريحٌ جداً ، بينما التبعثر ، والتشرذم ، والشرك :

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾

[ سورة الشعراء : 213]

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لو تتبعتم الآيات التي ضرب الله فيها الأمثال للناس ، بيَّن طريق الخير وطريق الشر ، قال :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾

[ سورة إبراهيم : 24-26]

ربنا عز وجل قصّ علينا القِصَص ، ضرب الأمثلة ، وبيَّن العبَر ، وبيَّن الحقائق، وبيَّن الطرائق ، وبيَّن الأساليب ، كل هذا من أجل هدايتنا .

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

الله جل جلاله وصف الإنسان بأنه كثير الجدل ، فالله أتى الإنسان قدرات فكرية، آتاه قدرات في التحليل ، في الفهم ، في الاستنباط ، في الإدراك ، في التخيّل ، في التصوّر ، في الاستنتاج ، في الاستنباط ، في الاستقراء ، هذا كله نشاطٌ فكري أودعه فيه ليصل به إلى الله .

 

الإنسان مخير ذو قدرات حيادية يستخدمها في الخير أو في الشر :

لكن من شأن الاختيار أيها الأخوة أن يعطيك الله قدراتٍ حيادية ، يمكن أن تستخدمها في الحق ، كما يمكن أن تستخدمها في الباطل ، يمكن أن تستخدمها في الخير ، كما يمكن أن تستخدمها في الشر ، يمكن أن ترقى بك ، ويمكن أن تهوي بها .
فلذلك جاءت طبيعة الجَدَل في الإنسان من أنه مزودٌ بقدراتٍ فكرية ، هذه القدرات زوّده الله بها ليصل بها إلى الله ، فإذا أعرض عن الله عز وجل يستطيع أن يستخدمها لترويج الباطل ، يستطيع أن يستخدمها لقَلْب الحق باطلاً ، وقَلْب الباطل حقاً ، هذا من خطورة الإنسان ؛ أنه مخير ، وأنه مزودٌ بقدراتٍ ، واستعدادتٍ ، وطاقاتٍ ، وقابلياتٍ ، فلو وجَّه هذه القدرات في طريق الحق تفوق ، وارتفع ، وأفلح ، وفاز ، ونجح ، وإذا وجهها في طريق الباطل شقي وأشقى ، وهلك وأهلك ، وسار في طريقٍ يؤدي به إلى جهنم ، وبئس المصير .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ يستخدم العلماء والأدباء والشعراء أساليب حينما يريدون أن يجسدوا معنىً دقيقاً عن طريق مثلٍ حِسِّيّ ، مثلاً قال الشاعر :

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ طويت أتاح لها لسان حسودِ
* * *

قد يكون الحاسد هو الوسيلة لنشر الفضيلة ، وهو لا يدري ، هذه فكرةٌ دقيقة ربما لا نقبلُها ، ربما لا نقنع بها ، أن يسخر الحاسد لنشر فضل المحسود ، قال :

لولا اشتعال النار فيما جاورت ما كان يعرف طيب عُـرف العود
* * *

قضيب البخور يجب أن تحرقه لتفوح رائحته ، إذاً ما هو المثل ؟ أن تأتي بمسلّمات تنطبق على مغيَّبات ، فإذا سلَّمت بالمثل سلَّمت بالأصل ، هذا معنى الآية :

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾

[ سورة الكهف : 54]

الأساليب المتنوِّعة والمضامين الغنيّة في القرآن لمعرفة الله و السعادة بقربه :

إذا قرأت القرآن واستنبطت أمثاله ، عرفت أن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجسِّد لك كل المعاني التي غابت عنك بأمثلةٍ حسيةٍ تقربها إليك ، هذه أساليب القرآن ، هذه أساليب النبي عليه الصلاة والسلام . .

((أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه ؟ قالوا : لا يبقى من درنه شيء ، قال : فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو اللّه بهن الخطايا))

[الترمذي عن جابر ]

الإنسان مزود بقدرات فكرية ليصل إلى الله تعالى
لو قرأتم القرآن ، وتتبعتم أقوال النبي العدنان من زاوية الأمثال لرأيتم العَجب العُجاب ، لرأيتم بلاغة ما بعدها بلاغة ، لرأيتم بياناً ما بعده بيان ، لرأيتم ما يسميه علماء البلاغة : " بالسهل الممتنع " ، شيءٌ قريب قريب . النبي عليه الصلاة حينما وصف قوماً ركبوا سفينةً ، واستهموا فيها ، فأصاب أحدهم أعلاها ، وبعضهم أسفلها ، فأراد الذي في أسفلها أن يخرق خرقاً ، وقال : هذا مكاني أفعل به ما أشاء ، إن أخذ على يديه نجا ونجوا ، وإن تركوه هلك وهلكوا . هل من مثلٍ أوضح للتضامن الاجتماعي من هذا المثل ؟
كل هذه الآثار حتى يأخذ الله بيدك إليه
يا أيها الأخوة الكرام ؛ قد نقرأ القرآن ، وقد نقرأ السنة ، ونحن في غَفْلةٍ عن بلاغة القرآن ، ربنا عز وجل يقول :

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

البعرة تدلُّ على البَعير ، والماء يدل على الغدير ، والأقدام تدل على المسير ، أفسماءٌ ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟! شيءٌ مألوف ، إن رأيت آثار أقدام تقول : لقد سار في هذا المكان أشخاصٌ ، شيءٌ مألوف إن رأيت جدولاً تقول : هناك نبعٌ ، البعرة تدل على البعير ، والأقدام تدل على المسير ، والماء يدل على الغدير ، أفسماءٌ ذات أبراج وأرض ذات فجاج ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟!
كل هذه الأساليب المتنوِّعة ، وكل هذه المضامين الغنيّة من أجل أن يأخذ الله بيدك إليه ، من أجل أن تعرّف إليه ، من أجل أن تؤمن به ، من أجل أن تسعد بقربه . .

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[ سورة هود : 119 ]

الله سبحانه وتعالى ضرب للإنسان في هذا القرآن من كل مثل :

لكن الآية موطنها في موضوعٍ آخر . .

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

قصص القرآن متنوعة أراد الله بها أن تكون عبرة لكم
القسم الأول : أن الله سبحانه وتعالى ضرب للإنسان في هذا القرآن من كل مثل؛ قِصَص منوعة ، سيدنا سليمان أتاه الله المُلْك ، لا يمنع هذا المُلك أن تكون مؤمناً ، نبي عظيم وهو مَلِك ، سيدنا نوح ، سيدنا إبراهيم ، الأنبياء كلهم ، كل نبيٍ له قصةٌ تعد نموذجاً بشرياً . ثم فضلاً عن ذلك ضرب الله الأمثلة ، وضَّح فيها كل شيء ، وضح حالة المشرك ، وضَّح حالة المؤمن ، وضَّح حالة الإنسان المهتدي . .

﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

[ سورة الملك : 22]

﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً﴾

[ سورة الجمعة : 5 ]

﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾

[ سورة المنافقون : 4 ]

﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾

[ سورة الفرقان : 44]

لو قرأت القرآن ؛ وقفت عند التشبيهات ، عند الاستعارات ، عند الكنايات ، عند الأمثلة ، عند الصور ، عند الأساليب المتنوعة ، عند الصور الوصفية ، لرأيت العَجب العُجاب.

 

الإنسان يتبع الحق الذي جاء من عند الله أو يستخدم عقله لتزيين الباطل :

قال :

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

ما معنى هذه الآية ؟ يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان حينما يؤْثِر شهوته ، ويؤثر مصلحته ، ويؤثر أن يأخذ ما ليس له ، أيْ أَنَّ الإنسان حينما يتجاوز دائرة الحقّ ، ودائرة العدل، ودائرة الخير ، ودائرة الفضيلة ، ليحقق شهواته عن طريق الباطل ، وعن طريق الظُلم ، وعن طريق الشرِّ ، وعن طريق الرذيلة ، اختار الشهوة ، اختار المُتعة ، اختار المال ولو كان حراماً ، اختار الاستمتاع بمباهج الحياة ولو كانت من طرقٍ غير مشروعة ، حينما يختار الإنسان شهوته دخل إلى مَنْطقة الباطل ، دخل إلى منطقة الظُلم ، دخل إلى منطقة الشَر ، دخل إلى منطقة الرَذيلةقدراتنا الفكرية وهبها الله لنا لنرى الحق لا لنبرر أعمالنا ونزين الباطل
ولأن الإنسان مزودٌ بقدراتٍ فكرية ، بقدراتٍ إدراكية ، عنده تفكير ، ومحاكمة ، وجدل ، وعنده إدراك، واستنباط ، واستقراء ، وتذكُّر ، وتخيل ، لأنه كذلك ، ولأنه يحب أن يظهر بمظهرٍ كامل ، ماذا يعمل ؟ يأتي يستخدم قدراته الفكرية ليُزَيِّن باطنه ، وليبرر تصرفه ، وليغطي انحرافه ، إذاً هذا الفكر الذي أودعه الله في الإنسان ليرقى به إلى الله ، استخدمه الإنسان استخداماً آخر ، فصار يبرِّر ، وصار يُفَلْسِف الباطل ، وصار يزَيِّن المعصية، فكل ما تقرؤونه ، وكل ما تسمعونه من باطلٍ مزيف إنما هو من وحي هذه الآية :

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

فالإنسان إما أن يتبع الحق الذي جاء من عند الله ، وإما أن يستخدم عقله لتزيين الباطل ، لأن هذا الإنسان زوِّد بهذه القدرات لترقى به ، لكنها قدراتٌ حيادية ، فلما اختار طريق الشر ، فلما اختار طريق الشهوة استخدمها استخداماً لا أخلاقياً ، استخدم هذا القُدرات ليُغَطِّي بها انحرافه ، ليعيد بها توازنه النَفْسِي ، فحينما تستمعون إلى نظرياتٍ وضعيةٍ تروِّج للمعصية ، تروج للانحراف ، حينما تستمعون إلى مبدأ من صنع الإنسان يقوم على إطلاق حريته ، وعدم انضباطه ، حينما يزيّن مبدأ لإنسان أن يعيش لحظته ، حينما يزين مبدأ لإنسانٍ أن ينكر خالقه، هذا الإنسان الذي اختار الانحراف استخدم فكره لتزيين انحرافه ، ولتغطية كفره ، ولتبرير سلوكه المُنحرف .

أنماط المُجادلة التي ساقها الله في القرآن الكريم :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ المُجادلة هذه بالباطل ، وقد وردت بنَصِّ القرآن الكريم ، قال تعالى :

﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾

[ سورة مريم : 66 ]

الإنسان إما أن يتبع الحق من عند الله او يستخدم عقله ليبرر أفعاله ويدله على الباطل
انظروا إلى أنماط المُجادلة التي ساقها الله في القرآن الكريم :

﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾

[ سورة مريم : 66 ]

لكي يستريح الإنسان ، وينطلق في شهواته كما يريد ، حتى يأخذ ما ليس له ، حتى يعتدي على أموال الناس ، وعلى أعراضِهم ، حتى يعيشَ ويموت الناس ، حتى يحيا وينهار الناس ، حتى يطمئنّ ، ويخاف الناس ، إذا أراد الإنسان أن يبني مجده على أنقاض الآخرين هو مضطرٌ إلى أن ينكر يوم الدين ، مضطر لكي يتوازن ، كيف يتوازن ؟ هذه الدنيا ولا شيء بعد الدنيا . .

﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾

[ سورة مريم : 66 ]

يجيبه الله عز وجل :

﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾

[ سورة مريم : 67]

الذي خلقه بعد أن لم يَكُ شيئاً أليس قادراً على أن يعيد خَلْقَه ؟ هذا نمطٌ من مجادلة الإنسان .

﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾

[ سورة القيامة : 5]

يريد الشهوة ، يريد أن يأخذ ما ليس له ، يريد أن ينغمس في الملذَّات إلى قمة رأسه .

﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾

[ سورة القيامة : 5]

يسأل استهزاءً :

﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ﴾

[ سورة القيامة : 6]

هذه مجادلته ، هذا الفكر الذي أودعه الله فيه حينما ينحرف يستخدمه لتبرير انحرافه ، يستخدمه لتزيين شهواته ، يستخدمه لتغطية سلوكه ، يستخدمه لترويج أفكاره الباطلة، والله سبحانه وتعالى يصف هؤلاء المُجادلين بأنهم :

﴿ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ ﴾

[ سورة الحج : 8]

الإنسان العاقل يهتدي بهداية الله التي جاءت بالكتب المنزلة
الإنسان أحياناً يهتدي بفطرته ، وأحياناً يملك علماً أصولياً ، علماً صحيحاً يقينياً، وأحياناً يهتدي بهداية الله التي جاءت من خلال الكُتب المُنَزَّلة ، فربنا عز وجل وصف هؤلاء المجادلين :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾

[ سورة الحج : 8]

لا عِلْمَ عنده ، لا يوجد عنده علم مطابق للواقع . .

﴿وَلَا هُدًى﴾

[ سورة الحج : 8]

ولا يحتكم إلى فطرته السليمة . .

﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

[ سورة الحج : 8]

ولا إلى نقلٍ صحيح ، لا نقل صحيح بين يديه ، ولا فطرة سليمة يحتكم إليها ، ولا علمٌ متينٌ يعتَمد عليه ، فكيف يجادل ؟

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾

[ سورة الحج : 8]

آية ثانية :

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾

[ سورة الحج : 3]

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾

[ سورة الماعون : 1-2]

لا تسع لتثبت الباطل وتروجه

 

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

 

[ سورة القصص : 50 ]

هناك تلازمٌ بين إنكار الحق واتباع الهوى ، بين تكذيب الحق والانغماس في الشهوة ، هذا التلازم ضروري ، وقد أكده القرآن الكريم :

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾

[ سورة الماعون : 1-2]

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾

[ سورة القصص : 50 ]

الإنسان كثير المجادلة :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ ربُّنا جل جلاله لم يصف الإنسان بأنه مجادل ، بل وصف الإنسان بأنه كثيرُ المُجادلة ، أيْ مؤلفاتٌ طويلة ، موسوعاتٌ كبيرة ، مراجع طويلة كلها من أجل تزيين الباطل . .

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

فُسِّرَت الكثرة تفسيراً كَمِّيَّاً ، مئات المؤلفات ، آلاف المؤلفات ، مئات ألوف المؤلفات ، كلها تروّج الباطل ، كلها تدعو إلى الانحراف ، كلها تدعو إلى المعاصي ، كلها تجعل الدنيا هي كل شيء ، كلها تكذب بالآخرة ، هذه كثرةٌ كمية .
وهناك كثرةٌ نوعية ، فأحياناً يعتمد على قولٍ مُزَخْرَف ، وعلى احصاءاتٍ مزيفة ، من أجل أن نُثْبِتَ الباطل ، من أجل أن نروِّجه ، من أجل أن نلغي الحق ، هؤلاء الذين جاؤوا بنظرياتٍ تهدم الأديان ما رأوا هذه الحقائق ، وذكروها ، وأخطؤوا في رؤيتهم ، ليتهم كذلك ! لا ، إنهم افتعلوها ، إنهم تكلموا كلاماً هم ليسوا قانعين فيه ، أضافوا إلى أخطائهم العلميَّة أخطاءهم الأخلاقية ، هم روَّجوا الباطل ليهدموا الأديان ، وهم يعلمون قبل غيرهم أنهم مفترون .

 

ترويج المشركين الباطل من أجل مصالحهم :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه المجادلة في الدنيا ، فهل في الآخرة مُجادلة ؟ قال تعالى :

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ﴾

[ سورة الأنعام : 22 ]

لا تتبعوا الباطل وتزينوا أعمالكم فتندموا يوم القيامة
أين هؤلاء الذين عبدتموهم من دون الله ؟ أين هؤلاء الذين ظننتم أنهم بيدهم كل شيء ؟ أين هؤلاء الذين اعتمدتم عليهم ؟ أين هؤلاء الذين جعلتموهم الأداة المُحَرِّكة لما يجري في العالم ؟

﴿حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

[سورة يونس: 24]

أَتَاهَا أَمْرُنَا ، لا أمرهم .

﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ * ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

[ سورة الأنعام : 22-23]

كنا نفتعل هذا افتعالاً يا رب ، كنا نقول كلاماً لسنا مقتنعين به ، أردنا ترويج الباطل من أجل مصالحنا ، قلنا ما لم نقتنع ، وأرينا أعيننا ما لم تر ، وأسمعنا آذاننا ما لم تسمع. .

﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

[ سورة الأنعام : 23]

يقول الله عز وجل :

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأنعام : 24]

أحياناً أيها الأخوة أترنَّم بكلمة أقول : فلان صادقٌ مع نفسه ، الإنسان إذا كذب على نفسه سقط من عين الله ، هل الجُرْأة أن تقول ما في نفسك ؟ أن تقول ما أنت قانعٌ به ؟ لا تروِّج باطلاً ؟ أولئك الذين يجهلون ويتكلمون ويروجون للباطل سيفضح كذبهم ويكشف يوم القيامة
هذا الذي تقوله قانعٌ به ؟ لو خَلَوْتَ مع نفسك تقول : هذا صحيح أم باطل ؟ قال:

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الأنعام : 24]

هؤلاء الذي يجهلون ، ويتكلَّمون ، وينطقون بالباطل ، ويتحمَّسون له ، ويأتون بالأدلة الواهية ، وبالحُجَج الضعيفة ، وبالاحصاءات الكاذبة ، وهؤلاء الذين يجعلون المعصية سلوكاً سوياً ؛ كثيرٌ ممن ذهبوا إلى أطباء نفسيين ، فنصحوهم أن يقيموا علاقاتٍ مع فتيات ، هكذا درسوا أن الصحة النفسية تقتضي أن يكون للشاب صديقة ، هكذا ، هؤلاء الذين روَّجوا للباطل ، وخالفوا منهج الله عز وجل ، ولم يعبؤوا بأمر الله ونهيه ، هؤلاء يوم القيامة يكذبون ، يتضح كذبهم ، ويقول الله عز وجل :

﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

[ سورة الأنعام : 24]

قوة المُبْطِل بلسانه والمنحرف بمنطقه :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ شيءٌ آخر يوم القيامة مخيف هو أن الإنسان في الدنيا قد يكون ذكياً ، وقد يكون طليق اللسان ، ويستطيع أن يبرِّر أعماله ، وأن يغطي سلوكه ، وأن ينسحب من التُهمة كما تُسْحَب الشعرة من العجين الجدل من خصائص الإنسان فالله أعطاه قدرات عقلية عالية ليصل إلى الله
هذا يظنه الناس ذكياً وشاطراً ، واستطاع أن ينجو ، وأن ينال كل حظوظه دون أن يكون مداناً ، هذا النموذج لا يُفْلِح يوم القيامة ، لأن قوة هذا الإنسان في مَنْطِقِه ، لأن قوة هذا الإنسان في فلسفته ، في جَدَلِهِ ، في قدرته على الإقناع ، قال : مثل هذا الإنسان يوم القيامة يقول الله عز وجل :

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ﴾

[ سورة يس : 65 ]

لا يوجد كلام . .

﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[ سورة يس : 65 ]

كل قوة المُبْطِل بلسانه ، كل قوة المنحرف بمنطقه المنحرف ، كل قوة العاصي بزخرَفة كلامه ، هذه القوة تُلغْىَ يوم القيامة . .

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[ سورة يس : 65 ]

الجَدَل شيءٌ من خصائص الإنسان :

أيها الأخوة الأكارم ؛ نقطةٌ دقيقةٌ جداً : الجَدَل شيءٌ من خصائص الإنسان ، لماذا جعله أكثر شيءٍ جدلاً ؟ لأنه أعطاه قدرات فكرية عالية جداً من أجل أن يصل إلى الله . الإنسان حينما يركب مركبةً ، تنطلق به بسرعةٍ هائلة ، هذه القدرات الرائعة في السيّارة ، من أجل أن تهبط بها في الوادي ؟ لا ، صُنِعَت لهدفٍ نبيل ، فإذا قاد الإنسان مركبةً ، وكان ثملاً ، هبطت به إلى الوادي ، فتكسَّرت أضلاعه ، أيحق له أن يقول : إنما صُنِعَ هذا المحرك لأكون هكذا ؟ لا ، صنع هذا المُحَرِّك لتنطلق بك إلى أهدافٍ سليمة ، لكنك استخدمتها أسوأ استخدام ، وهذه القدرات الفكرية التي أودعها الله فينا ، أودعها فينا من أجل أن نعرفه ، وأن نتَّبع منهجه ، وأن نسعد بقربه ، فإذا عطَّلنا هذا الاتجاه ، واستخدمنا هذه الطاقات الفكرية من أجل ترويج الباطل ، من أجل تزيين المعصية ، من أجل فلسفة الانحراف ، من أجل تغطية العُدوان ، عندئذٍ نكون كما وصف الله الإنسان قبل أن يؤمن :

﴿ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

إساءة الإنسان استخدام الجدل :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الجدال واقعٌ وهو في الأصل في مصلحة الإنسان ، ولكن الإنسان أساء استخدامه هنالك آلاف الأساليب للمجادلة اختر أقربها للحكمة
لذلك جاء نهيٌ عن الجدال بالباطل ، قال تعالى :

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾

[ سورة النحل : 125 ]

أيْ اختر الموضوعات الصحيحة ، والأساليب الرقيقة ، والأساليب البَليغة ، فأحسن اسم تفضيل ، إذا كان هناك آلاف الأساليب للمجادلة ، اختر أحسنها ، اختر أقربها إلى قلوبِهم ، اختر أقربها إلى الصِحَّة ، اختر أقربها إلى الحِكْمَة . .

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾

[ سورة النحل : 125 ]

الحظوظ التي أودَعها الله في الإنسان حظوظٌ حيادية ترقى به أو تهوي به :

يا أيها الأخوة الأكارم ؛ عودٌ على بدء :

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾

[ سورة الكهف : 54]

لماذا ؟ لأن الإنسان أكثر شيءٍ جدلاً ، لئلا يقوده جدله إلى الباطل ، كل منافذ الباطل قد سُدَّتْ عليه ، أمثلةٌ كثيرة ، قصص كثيرة ، مواعظ كثيرة .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه حقيقة الاختيار ، أن تزوَّد بطاقات حيادية ؛ إما أن ترقى بك وإما أن تهوي بها ، الشهوات كذلك إما أن ترقى بها إلى رب الأرض والسموات ، وإما أن تدمَّر بها ، الشهوة قوةٌ دافعة ، أو قوة مدمرة ، العقل قوةٌ هادية أو قوةٌ مُهلكة ، كل الحظوظ التي أودَعها الله في الإنسان حظوظٌ حيادية ترقى به أو تهوي به ، المَنْطِق ، البيان..

((إنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ تَعالى ما يُلْقِي لَهَا بالاً يَرْفَعُ اللَّهُ تَعالى بها دَرَجاتٍ ، وَإنَّ العَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بالكَلِمَةِ مِنْ سَخْطِ اللَّهِ تَعالى لا يُلْقِي لَها بالاً يَهْوِي بِها في جَهَنَّمَ))

[ البخاري عن أبي هريرة ]

العقل قدرة حيادية ترقى بها وتهبط بها ، الشهوة قوة مدمرة ، أو قوة مُعَمِّرة ، البيان إما أن ترقى به إلى رب الأرض والسموات ، وإما أن يهوي به الإنسان في جهنم سبعين خريفاً ، الزوجة كذلك ، القوة العضلية كذلك ، السمع والبصر كذلك .
ملخص المُلَخَّص : أن كل الحظوظ التي أكرمك الله بها حظوظٌ حيادية ؛ إما أن ترقى بها وإما أن تهوي بها ، ومنها الجَدَل . .

﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾

[ سورة الكهف : 54]

أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني . والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

علم النفس الإسلامي :

أيها الأخوة الأكارم ؛ بدأنا نسمع بشيءٍ اسمه : " علم النفس الإسلامي " ، علمٌ بكل ما في هذه الكلمة من معنىً ، علمٌ ، أيْ علاقات ثابتة ، قواعد ، قوانين ، علم النفس ، وأنت نَفْس ، هي التي بين جَنْبَيْك ، هي ذاتك ، هي الخالدة التي لا تموت ، هي التي تسمو ، وهي التي تفسد ، علم النفس الإسلامي ، أيْ حقائق النفس المستنبطة من كتاب الله وسُنة رسوله، وما هذه الخُطَب الثلاث إلا من هذا القبيل .
أيها الأخوة الأكارم ؛ الإنسان إذا اتصل بالله عز وجل حقق ذاته ، وحقق فطرته، فإذا انقطع عنه أصيب بما يسميه علماء النفس أو الأطباء النفسيون : اضطراباتٍ نفسية ، تُعَدِّد هذه الكُتب من الاضطرابات النفسية اليأس . .

﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾

[ سورة هود : 9 ]

الإنسان العادي :

﴿ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾

[ سورة هود : 9 ]

﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوساً﴾

[ سورة الإسراء : 51]

فاليأس اضطرابٌ نفسيّ ، سببه الانقطاع عن الله عز وجل ، عدم الإيمان به أو الانقطاع عنه ، هذا السبب يؤدّي إلى هذا الاضطراب ، فاليأس والقنوط اضطراب نفسي ، من لوازم عدم الإيمان ، وعدم الاتصال بالله عز وجل ، ولكن المؤمن يغلب عليه التفاؤل ، يغلب عليه الثقة بما عند الله عز وجل ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق مما بين يديك ، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله .
اليأس اضطراب نفسي سببه الانقطاع عن الله عز وجل
يَعُدُّ علماء النفس الإسلامي النفاق اضطراباً نفسياً سببه الشرك ، الإنسان إذا أشرك بالله ، ورأى مع الله آلهةً بيدهم أمره ، وبيدهم نفعه وضرُّه ، إذا انطلق من هذه النظرة ، من لوازم هذا الخطأ الإيمانيّ اضطرابٌ نفسي ، إنه النفاق . .

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾

[ سورة البقرة : 8-9]

فالنفاق ظاهرةٌ مَرَضية ، النفاق اضطرابٌ نفسي ، سببه الشِرك .
الإحباط : الإنسان حينما يعلق آماله بغير الله ، ثم يجد أن هذا الشيء لا قيمة له ، لمْ يحقق هدفه ، يُصاب بحالةٍ نفسية مؤلمةٍ جداً إنها الإحباط ، قال تعالى :

﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾

[ سورة الزمر : 65]

حالة الإحباط أن تظن هذا الشيء عظيماً ، تُقْبِلُ عليه ، تضيِّع من أجله شبابك، وشيخوختك ، ثم تكتشف بعد فوات الأوان أنه لا شيء ، وأنه ليس مسعداً .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ من أنواع الاضطراب النفسي الناتج عن ضعف الإيمان، وعن ضعف الصلة بالله ما يسمى بالصراع المستمر الصراع المستمر مع الذات سببه عدم قوة الإيمان
الصراع إذا استمر انقلب إلى لامبالاة ، وهذا مرضٌ من أمراض العصر ؛ صراعٌ بين الحق والباطل ، صراعٌ بين الحاجة والقيَم ، صراعٌ بين الدنيا والآخرة ، صراعٌ بين العقل والشهوة ، عدم قوة الإيمان يصبح الإنسان ضحيّة هذا الصراع ، قال تعالى :

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾

[ سورة النساء : 143]

إذا آمنا بالله عشنا بصحة نفسية
فالصراع ، والإحباط ، والنفاق ، واليأس ، وسوء الظن - يغلب على المنقطع عن الله سوء الظن بكل شيء - والبغضاء ، والغضب ، والسلبية ، والاكتئاب ، والاكتئاب مرض العصر ، مجموع الذين يعالجون في العيادات النفسية في مجتمعات الكفر بالمئة مئة وخمسة وخمسون أي بالمئة مئة وخمسة وخمسون يعالجون مرَّتين ، وبعض الأطباء النفسيين يعالجون عند زملائهم ، فالاكتئاب ، مرض العصر الاكتئاب ، والاكتئاب بسبب أن فطرتهم سليمة ، فلما انحرفوا ، عذبتهم فطرتهم فاكتأبوا ، هذا سماه العلماء : الشعور بالذنب ، عقدة النقص ، أو الاكتئاب .
فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا آمنا بالله عز وجل عشنا حالةً اسمها الصحة النفسية، نفسٌ رضية ، نفسٌ مطمئنة ، نفسٌ متفائلة ، نفسٌ متوازنة ، نفسٌ صادقة ، نفسٌ صريحة ، هذه الصِفات الراقية هي من ثمار الإيمان ، إن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خُلُقَاً حسناً .

 

الوقت أثمن شيءٍ يملِكه المسلم :

أيها الأخوة الأكارم ؛ سأقطع الموضوع المتسلسل في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى لأعالج موضوع الزمن ، لأننا في اليوم الأول من العام الجديد ، فموضوع الخطبة القادمة متعلِّقٌ بموضوع الزمن ، وقيمة الوقت في حياة المسلم ، بل إن الوقت هو رأس ماله ، إن أثمن شيءٍ يملِكه المسلم هو الوقت ، لأن مضيَّ السنوات يعني مضي الوقت ، والإنسان وقت .

الاستقامة على أمر الله عز وجل :

احتفال المسلمين برأس السنة يجب أن يكون فيما يرضي الله من ذكر وقراءة القرآن
وهناك شيءٌ آخر أتمنى على الله عز وجل أن يكون واقعاً في حياتكم ، هو أن الناس مُقدمون على أعياد رأس السنة ، ومن سمات هذه الأعياد أن ترتكب فيها المعاصي والآثام، أنا لا أعتقد أن واحداً يرتاد بيوت الله عز وجل ، من رواد المساجد ، من المؤمنين الملتزمين ، يخطر في باله لثانيةٍ واحدة أن يحضر هذه الحفلات ، فمن تحصيل الحاصل ، أنا بعض الأخوة يلومونني في كل عام : لماذا لا تطرح هذه الموضوعات ؟ أقول لهم : الذي يأتي إلى المسجد لا يذهب إلى هذه الحفلات ، فمن تحصيل الحاصل أن أمتنع عن ذكر هذه التحذيرات ، ولكن قد رجاني بعض الأخوة أن بعض الإخوان الكرام يقيمون حفلات في بيوتهم ، يبتعدون عن الأماكن العامة خوفاً من الله عز وجل ، ولكن هذه الحفلات التي في البيوت أحياناً فيه اختلاط لا يرضي الله عز وجل ، فماذا علينا لو أحيينا هذه الليلة بذكر الله عز وجل ؟ ماذا علينا لو أحيينا هذه الليلة بتلاوة القرآن ؟ ماذا علينا لو جمعنا أخوتنا الذكور ، أو جمعنا أنفسنا في وضعٍ ليس فيه معصيةٌ إطلاقاً ، وتذاكرنا في العِلم الشَرْعِيّ ، وتذاكرنا في القرآن الكريم . ألا تجد معي أيها الأخ الكريم أنه من خصائص المسلم أن يتميّز عن غير المسلم في بيته ، في احتفالاته ، في أفراحه ، في أتراحه ، في كَسْب ماله ، في عمله ، في نزهاته ، فإذا اختلط المسلم وغير المسلم ، وإذا جمعتهم عادات وتقاليد ، فما قيمة المسلمين ؟ .
يا أيها الأخوة الأكارم ؛ دائماً وأبداً أقول لكم هذه الكلمة : ما لم نستقم على أمر الله ، فلا يحق لنا أن نطالب الله بوعوده ، أدِ الذي عليك واطلب من الله الذي لك .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018