الدرس : 2 - سورة نوح - تفسير الآيات 5-14 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة نوح - تفسير الآيات 5-14


1997-09-05

 الدعوة إلى الله
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام.. مع الدرس الثاني من سورة نوح، ومع الآية الكريمة الخامسة وهي قوله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) ﴾

 

( سورة: نوح )

الدعوة إلى الله مهمة كل مؤمن:

 أيها الإخوة الكرام... إن الأنبياء والرسل مكلَّفون بالدعوة إلى الله، وقد أعطاهم الله المُعْجِزات، فمهمَّتهم الأولى الدعوة إلى الله:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45) وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً(46) ﴾

( سورة: الأحزاب )

 ولكن الأنبياء دعاةٌ إلى الله، وقد أُعطوا المعجزات، وأُمِروا أن يتحدَّوا بها أقوامهم، ولكن ما حال المؤمن في الدعوة إلى الله ؟.. إنه كلامٌ دقيقٌ جداً.. سأضع بين أيديكم الآيات وأنتم تكشِفون الحقيقة بأنفسكم، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾

( سورة: الصبر )

 إن الإنسان -أي إنسان- خاسرٌ خسارةً محقَّقة لا محالة، ولا ينجو من هذه الخسارة إلا بأربعة أشياء؛ أن يؤمن بالله، وأن يطيعه في أمره ونهيه، وأن يدعو إليه، وأن يصبر على معالجته، فمن طبَّق هذه الأربعة نجا، ومن لم يطبِّقها هلك، فربع النجاة في التواصّي بالحق، لكن لماذا جعل الله هذه الأمة التي نرجو الله أن نكون منها خير أمَّة ؟ قال:

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾

( سورة آل عمران: آية "110 " )

 علَّة هذه الخيرية:

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

( سورة آل عمران: آية "110 " )

 لو أن الإنسان أعرض عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لانتمى إلى أمةٍ ثانية، وهي أمة التبليغ لا إلى أمة الاستجابة، فلا يحقُّ لك أن تقول: أنا من أمة محمدٍ، وأن تفتخر بهذا الانتماء، وأن تتوهَّم أنك من أمةٍ خيِّرَةٍ بل هي خير أمة أخرجت للناس إلا بسببٍ واحد هو: الاستجابة لله ورسوله إذا دعانا لما يحينا..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

( سورة الآنفال: آية "24" )

 إن الحياة التي أرادها الله والتي خُلِقنا من أجلها و صمِّمت من أجلنا والتي تليق بنا وبإنسانيَّتنا هي الحياة في طاعة الله ورسوله..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

 نحن إن استجبنا لله وللرسول كنَّا من أمة محمدٍ الخيِّرة التي هي خير أمةٍ أخرجت للناس، فإن لم نستجب فنحن من أمة التبليغ وليس لنا عند الله أية ميّزة..

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

( سورة المائدة: آية " 18 " )

 أي: ليس لكم عند الله شيئاً، وحينما أرى المسلمين يعانون ما يعانون أقول: هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، فإن أردت أن تكون عند الله مكرَّماً فليكن أمر الله عندك مكرَّماً.

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾

( سورة الحجرات: آية " 13 " )

 إن أردت أن تكون عند الله مكرَّماً فأطع الله ليرفع من شأنك ويُعلي قدرك ويمنعك من عدوِّك.
 أيها الإخوة الكرام... إننا لا ننجو من الخسارة المحقَّقة إلا بالإيمان بالله وطاعته، والتواصي بالحق، فلو أهملنا هذا كنَّا في خسارةٍ محقَّقة.. فقد أرسل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلَّم شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله، فيجب على المؤمن أن يتواصى بالحق من أجل أن ينجو من الهلاك المحقَّق و الخسارة المحقَّقة يجب، كما يجب عليه أن يتواصى بالصبر.. و هذه واحدة..
 الشيء الثاني:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ﴾

( سورة آل عمران: آية " 31 " )

 ربنا عزَّ وجل لم يرض منّا أن ندَّعي محبَّته إلا إذا قدَّمنا الدليل، والدليل هو طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم..

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

الدعوة إلى الله دليل محبته:

 الآن دقق..

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 

( سورة يوسف: آية " 108 " )

 والله -أيها الإخوة -هذه الآية وحدها تقصم الظهر:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي ﴾

 واضحة، جليّة.. قال عليه السلام:

(( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال ))

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

 بالدليل و التعليل والكتاب والسنة..

﴿ أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف: آية " 108 " )

 فالذي لا يدعو إلى الله ليس متَّبِعاً للنبي عليه الصلاة والسلام، وما دام ليس متَّبِعاً للنبي فإنه لا يحب الله عزَّ وجل..

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾

( سورة آل عمران )

 الشيء خطير هو أنك إن لم تدعو إلى الله على بصيرة فأنت لست متَّبعاً لرسول الله، وإن لم تكن متَّبعاً للنبي عليه الصلاة والسلام فأنت لست محبَّاً لله، وإن دعوت إلى الله على غير بصيرة وبلا دليل ؛ بخرافة أو كرامة، أو منام، أو شطحة، فهل تعد داعية إلى الله ؟ لا، لأنك دعوت إلى ذاتك بدعوةٍ مغلَّفةٍ بدعوةٍ إلى الله، و لن تنجو من الله عزَّ وجل.

شروط الدعوة إلى الله:

 إن الدعوة إلى الله لا تُقبَل إلا بشرطين ؛ أن تكون خالصةً إلى الله عزَّ وجل، وأن تكون موافقةً لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، خالصة: ما ابتغي بها وجه الله عزَّ وجل، وصواباً: ما وافقت السُنَّة..  إذاً هناك ثلاث آيات:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾

 علامة محبَّته اتباع نبيه، من اتباع نبيه:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف: آية " 108 " )

 فالدعوة ينبغي أن تكون على بصيرة، ومعنى (على بصيرة) ؛ أي: وفق الدليل، ووفق التعديل، ووفق السند الصحيح، ووفق النصّ الذي جاء من عند الله عزَّ وجل، بدعوة علمية منهجية مستندة إلى صخرة راسخة و أرضيةٍ راسخة و حقيقة.

تعليم القرآن جهاد كبير:

 أيها الإخوة الكرام... قال صلى الله عليه وسلم:

 

((ذُرْوَةُ سَنَامِ الإِسْلامِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))

 

( مسند أحمد: عن معاذ بن جبل )

 أي:أعلى شيء في الإسلام هو الجهاد، والجهاد غير القتال، بل كما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ ﴾

( سورة الفرقان: آية " 52 " )

 أي: بالقرآن بتعلُّمه وتعليمه..

﴿ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾

 وسمَّى الله الجهاد.. جهاد تعليم القرآن الكريم.. جهاداً كبيراً، وهذا جهادٌ متاحٌ لنا جميعاً، فهل يمنعك أحدٌ من أن تقرأ القرآن ؟ بالعكس هناك من يشجِّعك إذا تعلَّمت القرآن وعلَّمته، أليس هذا متاحاً لنا؟ هذا جهادٌ كبير، والجهاد ذروة سنام الإسلام، يقول عليه الصلاة والسلام:

((من مات ولم يحدِّث نفسه بالجهاد مات على ثُلْمة من النفاق ))

 فأي واحد يحضر مجالس العلم لكنه لا يفكِّر أبداً أن ينصح الناس، ولا أن يُلقي العلم على الناس، ولا أن يأخذ بيد الناس إلى الله، ولا أن ينصح أخاه أو صديقه أو جاره أو ابنه أو أباه و أقرب الناس إليه فإنه إن مات مات على ثلمةٍ من النفاق.

الدعوة الشاملة فرض كفاية:

 لكن الدعوة إلى الله الشاملة الواسعة هي فرض كفاية إذا قام به البعض سقطت عن الكل هي، وهذه الدعوة القادرة على أن ترّد على كل الشُبَه وأن تأتي بكل التفاصيل والأدلّة، فهذه الدعوة إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، وذلك كحال إنسان متخصص بالفكر الغربي وما فيه من شُبهات ضدَّ الإسلام وعنده ردودٌ على كل هذه الشبهات، فهذا فرض كفاية، لكن المؤمن مكلف بالدعوة في حدود ما يعلم و هذا فرض عين، ولا تنس الآيتين، الأولى:

 

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

(سورة العصر: آية " 2 " )

 وفيها ربع النجاة، ولا تنس الآية الثانية:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

 فعلامة محبتك لله اتباعك لرسول الله، ومن أَجَلِّ أنواع الاتباع أن تدعو إلى الله على بصيرة في حدود ما تعلم ومع من تعرف من خاصَّة نفسك ؛ أي: أهلك، أقرباؤك، جيرانك بالسكن و بالعمل، فلو دعا كل إنسان إلى الله في حدود خاصَّة نفسه لما وجدت مشكلة، لأن هؤلاء يعرفهم ويعرفوه، فإذا كان لك أخ كريم، أو ابن عم، أو صديق، أو صهر، أو جار أو زميل عمل فبيَّنت له آية أو حديث، أو بينت له علّة وجودنا، وغاية وجودنا، ودعوته إلى الله بلطف وأدب و موعظة حسنة، فاستقام على أمر الله وسار في طريق الحق فقد انطبق على هذا الشخص حديث

(( يا علي لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))

 فهذه صنعة الأنبياء، وهذا العمل لا يقدَّر بثمن لأنك تسعد به إلى أبد الآبدين، ودقق دائماً في هذه القاعدة: مات إنسان وغُسِّل وكُفِّن ومشت جنازته وأُدخِل في قبره، فماذا ينفعه في القبر ؟ إذا كان بيته مثلاً أربعمائة متر، فهل ينفعه ؟ لا.. وإذا كان يسكن في كوخ فهل يضرَّه ؟ لا.. فكوخ أربعين متر و قصر أربعمائة متر، هما في القبر سواء، فإذا كان الإنسان من أكبر الأغنياء أو من أفقر الفقراء فهل يرفعه غناه في القبر أو يخفضه فقره في القبر ؟ لا، فما الذي ينفعك في القبر ؟ وما الذي تلقى الله به ؟ وما الذي يبيِّض وجهك وأنت بين يدي الله عزَّ وجل ؟ إنه طاعته و محبَّته و خدمة عباده و الدعوة إليه و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تعلُّم كتابه و تعليم كتابه و تفقُّد المساكين والعطف على الفقراء، و دفع المال في سبيل الله، فهذا الذي ينفعك وأنت في القبر، فشفير القبر هو الحد الفاصل.. فكل عملٍ يستمرّ معك إلى ما بعد الموت هو العمل العظيم الذي ينبغي أن تعضَّ عليه بالنواجذ، أما العمل الذي لا يذهب معك إلى القبر فوقته وقيمته خسارة و إن كان مباحاً، أما إن كان محرَّماً فهو بلاءٌ كبير وسبب الهلاك لهذا الإنسان.
 إذاً أيها الأخ الكريم... لست مُعْفَى من الدعوة إلى الله لأن أحد أركان النجاة التواصي بالحق، ولست معفى من الدعوة إلى الله لأن علامة محبَّتك لله عزَّ جل اتباعك لرسول الله، ولأن من أبرز أنواع اتباعِك للنبي الدعوة إلى الله على بصيرة، والدعوة إلى الله فرض عينٍ وفرض كفاية، لكن الدعوة الكبيرة الواسعة التي فيها اختصاص عميق وأساليب بارعة هي فرض كفاية إذا قام بها البعض سقطت عن الكل، أما الدعوة إلى الله التي هي فرض عين فهي أن تبلغ عن الله ولو آية..

 

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))

 

( مسند أحمد: عن عبد الله بن عمرو )

(( فيا ربَّ مبلغٍ أوعى من سامع))

 وهذه نقطةٌ دقيقةٌ جداً، فالإنسان الذي لا يحدّث نفسه أبداً ولا يفكّر في هداية أحد من أقرب الناس إليه، كزميله، أو جاره، أو ابنه، أو أخيه فهو ليس متبعاً لرسول الله، وبالتالي فهو لا يحبُّ الله، فإن كان كذلك فقد وقع في الهلاك لأن الدعوة إلى الله..أحد أركان النجاة..

 

الدعوة إلى الله في كل الأحوال:

 

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) ﴾

( سورة نوح )

 ما معنى ليلاً ونهاراً ؟ أي: دائماً، في الصباح، في الظهيرة، في المساء، في لقاء، على طعام، في سهرة، في نُزهة، في وليمة، في دعوة، في عقد قِران، في مَولد، في محاسبة، في مجاورة، في لقاء عابر..

﴿ لَيْلاً وَنَهَاراً (5) ﴾

 وهذا من خصائص المؤمن، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41) ﴾

( سورة الأحزاب )

 الأمر مُنْصَب على الذكر الكثير، ومن صفات المنافقين:

 

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً (142) ﴾

( سورة النساء )

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) ﴾

( سورة نوح )

 لأن الإنسان له اختيار، فلو كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قمَّة البشر وأفصح الخلق وحبيب الحق، وهو سيد ولد آدم، وأكمل الخلق، وهو الرحيم اللطيف الكريم إذا كان معه ولم يكن هذا الإنسان يبتغي وجه الله، ولا يرجو الله والدار الآخرة فإنه لا يستفيد شيئاً، والدليل:

﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 21 " )

 ولكن.. لكم جميعاً.. لا:

﴿ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾

( سورة الأحزاب: آية " 21 " )

 إذاً حينما لا يستجيب الإنسان فمعنى هذا أن له طلباً آخر.

إن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل !

 بالمناسبة.. يوجد شيء خطير أريد أن أقوله لكم: هناك خطِّان وطريقتان ومنهجان إن لم تكن على أحدهما فأنت على الآخر حتماً، والله هذا كلام خطير..

 

﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾

 

( سورة القصص: آية " 50 " )

 إن لم تكن مع الحق فأنت مع الباطل، وإن لم مستقيماً فأنت منحرف، وإن لم تستجب لرسول الله فأنت مع الهوى، فلا يوجد حل ثان..

﴿ فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) ﴾

 فطالب الحق يبحث عنه، وطالب الشهوة يفرُّ من الحق مهما دعوته، فأقول لكم هذه الحقيقة: هناك قرار داخلي، إن اتخذ أحدكم قراراً بطلب الحقيقة فأي شيءٍ يدلُّه عليها، أما إن كان قد أراد الدُنيا فإنه لو التقى بنبيٍّ مرسل فإنه لا يستفد شيئاً، و لو رأى الأموات خرجوا من قبورهم فإنه لا يستفيد شيئاً، فماذا رأى بنو إسرائيل ؟ لقد رأوا العصا أصبحت ثعباناً مبيناً، و رأوا أن نبيهم موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام ضَرَبَ البحر بعصاه فإذا هو طريقٌ كبير، فلما رأوا بقرةً قالوا:

﴿ يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ ﴾

( سورة الأعراف: آية " 138 " )

 لم يستفيدوا شيئاً، و قوم صالح قد رأوا الناقة خرجت من الجبل، فإذا أردت الحقيقة فإنك تبحث عنها وتجدها في كأس ماء، و تجدها في طائر، و تجدها في ابنك الذي من صلبك، و تجدها في الليل والنهار و الشمس والقمر، في خلق السماوات والأرض، وفي كل في لقمةٍ تأكلها، تجدها في عينك، في أذنك، تجدها في القرآن الكريم، أما إن أردت الشهوة وأعرضت عن الحقيقة فإنك لو التقيت بالأنبياء جميعاً واحداً واحداً فإنك لا تستفيد.

الأصل أنت !!

 فمرَّة سألني أخ عن رجل داعية إلى الله، فقلت له: ليس شأني أن أقيّم الناس لأن تقييّم البشر من اختصاص خالق البشر، ولكن أقول لك: لو أُتيح لك أن تلتقي بالنبي عليه الصلاة والسلام، وأن تجلس معه، وأن تستمع إليه، وأن تُكَحِّل عينك بمرآه، ولم تطبِّق مبدأه ولا سنَّته فإنك لا تستفيد منه شيئاً وتهلك، ولو التقيت بإنسانٍ قال لك آيةً أو حديثاً وهو لا يطبِّقها، فصدَّقته وطبَّقت هذه الآية فإنك تسعد بها وتنجو أنت وحدك، هو قد لا ينجو بل أنت تنجو.. هذا كلام دقيق أقوله: الأصل أنت.. فلو أُتيح لك أن تلتقي بنبي ولم تطع أمره ولم تطبق سنته فإنك لا تنجو من عذاب الله، ولو أُتيح لك أن تلتقي بإنسان يفعل ما لا يقول، أو يقول ما لا يفعل فصدَّقته وأخذت كلامه وطبَّقته، وقطفت ثماره نجوت وسعدت في الدنيا والآخرة، فالمُعَوَّل عليك أنت، وهناك متكلّم و مستمع، فالمتكلِّم له حساب والمستمع له حساب، فحساب المتكلم: هل أنت مطبقٌ لما تقول ؟ وهو حساب خاص عند الله، والمستمع له حساب من نوع ثان، الحساب: هل طبَّقت ما استمعت إليه ؟ فكلٌ من المتكلم والمستمع له حساب عند الله عزَّ وجل، لذلك لا ينفعنا تَقْيمُنا ولكن تنفعنا طاعتنا لله عزَّ وجل.
 مثل آخر: لو أنك التقيت بالنبي عليه الصلاة والسلام، أو احتكمت إليه في موضوع أنت وصديق لك، واستطعت أن تنتزع من فمه الشريف حكماً لصالحك ولم تكن محقاً في هذا الحكم فإنك لا تنجو من عذاب الله،

(( لعلَّ أحدكم ألحن بحجَّته من الآخر، فإذا قضيت له بشيء فإنما أقضي له بقطعةٍ من النار))

 إذاً المعوَّل عليك أنت، المعوَّل عليك لك عند الله حسابٌ خاص، هل طبَّقت ما استمعت إليه ؟ ماذا فعلت ؟

 

الإصرار على الكفر:

 

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾

 أي: دعوتهم ليؤمنوا بك، ثم ليطيعوك، فتغفر لهم، فالمغفرة لها ثمن، دعوتهم إلى الإيمان بك و طاعتك ليكون الإيمان بك وطاعتك ثمناً لمغفرتك..

﴿ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ﴾

( سورة نوح )

 وأصرَّوا على كفرهم ومعصيتهم واستكبروا على أن يطيعوا الله عزَّ وجل استكباراً.. فالإنسان مخيّر..

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) ﴾

( سورة الإنسان )

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ ﴾

( سورة البقرة: آية " 148 " )

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾

( سورة فصلت: آية " 17 " )

 هؤلاء دعاهم نبيٌّ كريم وجاء بالمعجزات والبينات، وكان في دعوته صادقاً، وفي أخلاقه كاملاً، ومع ذلك لم يصغوا إلى هذه الدعوة لأنهم أرادوا الدنيا، قال بعض الحكماء: " لم أجد أشدَّ صمماً من الذي يريد أن لا يسمع ". فالذي يُعرِض عن الشيء لا يفهم منه شيئاً، فمتى يستفيد الإنسان ؟ إذا كان هناك شخص يمشي في الطريق وفي ذهنه أن يشتري حاجة معينة، فإنه يقف عند أي محل ويفتِّش: هل هذه الحاجة موجودة ؟ فهو يبحث عنها، أما إذا كان هناك حاجة لا يحتاج إليها ولا يهتم بها فإنه لو رآها أمام عينه فهو لا يراها حقيقة، فالعبرة أن تكون أنت طالباً للحق.. فهؤلاء دعاهم نبيٌّ كريم..

﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ﴾

( سورة نوح )

 هناك من الناس من تتكلم معه كلمة حق واحدة.. فتجده يتثاءب، أو يقول لك: عندي موعد، فيعتذر ويقوم، فحدِّثه في أمرٍ من أمور الدنيا تجده يجلس أربع ساعات وينسى مواعيده كلَّها، و ينسى أنه متعب، لقد قال قبل أربع ساعات: أنا مستعجل وعندي موعد، تروى قصة عن الحَجَّاج أنه قد مرَّ في السوق فرأى رجلاً له دكان وكان يصلي قاعداً وهو بائع أواني، ودكانه عالية وفيها سلم، فقال له: أريد هذا الإناء الذي تضعه في أعلى مكان، فوضع السلم وصعد إليه، فقال له: أصلحك الله إنني أريد الذي إلى جانبه، فصعد مرة ثانية وأتى بالذي طلبه، فقال له: إنك لم تفهم علي إلى جانبه من الطرف الأيسر، فصعد مرة ثالثة، فجعله يصعد وينزل أربعين مرة، وبعد هذه علاه وضربه وقال: تصلي قاعداً ؟! من أجل أنة تبيع هذا الإناء صعدت ونزلت عشرات المرات ؟.. فالإنسان حينما يبتغي شيئاً يضع كل طاقته فيه..

﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا ﴾

( سورة نوح )

 الإصرار على الخطأ مرض في الإنسان، والاستكبار مرض أشد، و الكافر عنده إصرار وتعنُّت، و جمود وتكبر..

﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ ﴾

( سورة نوح )

 أي: ليؤمنوا بك ويطيعوك فيستحقوا المغفرة..

﴿ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ ﴾

 

( سورة نوح )

 تعبيراً عن صدِّهم عن طريق الحق، فهم لا يريدون أن يسمعوا.
 مرَّة حدَّثت إنساناً أجنبياً بكلمة عن الله عزَّ وجل فلم أتمّ كلمتي حتى قال لي: هذه الموضوعات لا تعنيني، ولا أهتم بها، ولا ألقي لها بالاً، أنا يعنيني في الحياة ثلاثة أشياء ؛ امرأةٌ جميلة، وبيتٌ واسع، وسيارةٌ فارهة.. و انتهى الأمر..

﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ ﴾

( سورة نوح )

 دليل الصدود..

﴿ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ ﴾

 

( سورة نوح )

 دليل العداوة..

﴿ وَأَصَرُّوا ﴾

 على معاصيهم، وعلى كفرهم..

﴿ وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ﴾

( سورة نوح )

 أحياناً يكون هناك دعوة بينك وبين أخ أو صديق أو جار أو قريب، وأحياناً تكون الدعوة على الملأ، فمن أنواع الدعوة ؛ الدعوة العامة، خطيب يخطب، أو محاضر يتكلَّم.

﴿ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) ﴾

( سورة نوح )

 نوَّعت بين الإعلان والإسرار..

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) ﴾

( سورة نوح )

 معنى غَفَّار ؛ أي: صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة إذا نسِبت إلى الله جلَّ جلاله تعني شيئين: تعني مبالغةً في الكم، و مبالغةً في النوع، أي: إن أكبر ذنب مهما تصوَّرته كبيراً يغفره الله عزَّ وجل.

تنويع أساليب الدعوة إلى الله:

 على كلٍ هذه الآيات تعطي معان، منها أن الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون مستمرَّة ليلاً ونهاراً، وتعطي أن الإنسان مخيَّر، فقد يستجيب وقد لا يستجيب، و ما على الرسول إلا البلاغ فقط، لأن الله عزَّ وجل يقول له:

 

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾

 

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾

( سورة البقرة: آية " 272 " )

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

( سورة الزمر: آية " 41 " )

﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) ﴾

( سورة هود )

 وقال تعالى:

 

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) ﴾

 فتعلمنا من هذه الآيات أن تكون الدعوة مستمرَّة و منوَّعة، أي: إنه دعاهم سرَّاً، وجهراً، و الإنسان أحياناً يحب أن تكلمه على انفراد، فلا يوجد لديه مانع عندئذ، وهناك إنسان يحب أن يجلس جلسة عامة، فيشعر بأُنس، كأن يكون لك سهرة، أو لك جلسة مثلاً، و هذه طِباع، فادع إلى الله على أنواع كثيرة ؛ سراً، وجهراً، ومتلطِّفاً، ومقرِّعاً، ومخاطباً للعقل تارةً، والعاطفة تارةً، آتياً بالدليل والتعليل..

﴿ وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) ﴾

مغفرة الله:

 مهما يكن الذنب كبيراً يغفره الله، ومهما تكن الذنوب كثيرةً يغفرها الله، مليون ذنب يغْفَر، وأكبر ذنب يُغْفَر، والدليل:

 

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) ﴾

( سورة الزمر )

 فتصوَّر أن حياتك وعلاقتك مع الله لا توجد فيها مغفرة، أو لا توجد توبة، لكن ربنا عزَّ وجل ينتظرك أن تستغفره، لذلك نحن في بحبوحتين ؛ بحبوحة طاعة الله، وبحبوحة الاستغفار، و الدليل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

( سورة الأنفال: آية " 33 " )

 أي ما دامت سُنَّتَكَ مطبقةً في حياتهم فهم في بحبوحةٍ من عذاب الله:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) ﴾

( سورة الأنفال )

 أوضح مثلاً يوضِّح هذه الآية: لو أن هناك أباً مثقَّفاً بثقافة عالية، وعنده ابن يعلِّق آمالاً كبيرة على تحصيله العلمي، فجاء هذا الابن بالجلاء وقد نال صفراً في الرياضيات، فأراد الأب أن يؤدِّبه تأديباً شديداً، ولكنه نظر إلى ابنه فرآه مصفَّر اللون، فدعاه إلى الطعام فلم يأكل، وكان مع الابن مبلغ جمَّعه في الأعياد فبحث عن أستاذ للرياضيات لكي يدرِّسه دروس خاصَّة، فلما رأى الأب ابنه مهموماً وخائفاً و متألماً ألم شديد، فإنه سوف يضحي بكل مدَّخراته المالية لكي يأخذ عدداً من الدروس الخاصة، و هذه الوضع بالابن يمنع الأب من أن يعاقبه. فأنت في بحبوحتين ؛ بحبوحة طاعة الله، وبحبوحة الاستغفار، فلا سمح الله لو أن إنسان عصى لوجدت عنده بحبوحة ثانية، وهي أن يستغفر، أي: إما أنَّك مطيع، أو أنك عاص لا سمح الله، فإذا كنت مطيعاً فليس هناك مشكلة..

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً (147) ﴾

( سورة النساء )

﴿ وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17) ﴾

( سورة سبأ )

 إذا: بالطاعة لا توجد مشكلة، ولكن ماذا يجب عليك أن تفعل حال المعصية ؟ أن تستغفر..

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ﴾

 فأنت في بحبوحتين ؛ بحبوحة الطاعة، وبحبوحة الاستغفار، و حينما تستغفر تؤجِّل العِقاب، لذلك كان الاستغفار من الأذْكار، تقول بعض الأحاديث:

((علم عبدي أنني أغفر الذنوب فاستغفرني ))

 فلا تيئس، و الأكمل أن تكون في طاعة الله دائماً، ولو أخطأت فإن باب الاستغفار مفتوحٌ على مصراعيه..

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) ﴾

(( إذا قال العبد مستغفراً: يا رب وهو راكع، قال الله له: لبيك يا عبدي، فإذا قال: يا رب وهو ساجد، قال له لبيك يا عبدي: فإذا قال: يا رب وهو عاصٍ، قال الله له: لبيك ثم لبيك ثم لبيك ))

 ورد في الآثار:

 

(( لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالهم من حبِّي ولماتوا شوقاً إليّ ))

 

(( يا داود هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمقبلين ))

 لا تقنط من رحمة الله، استغفر..

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) ﴾

نتائج الاستغفار:

﴿ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) ﴾

( سورة نوح )

 فإذا كان هناك نقص شديد في الغذاء أو الدخل فهذا دليل على ضعف في الاستغفار.. دخل على الإمام الحسن البصري رجل فقال: يا إمام إني أشكو الفقر، فقال: استغفر الله، فدخل عليه قوم آخرون فقالوا: يا إمام نشكو شُحَّ السماء، قال: استغفروا الله، ودخل عليه رجل وقال: إن امرأتي لا تنجب، قال: استغفر الله، وكان شخص جالس في المجلس فقال: ما هذا الشيخ ؟!، فقال له: أو كلما دخل عليك رجل تقول له: استغفر الله ؟، فقال له: أما قرأت قوله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾

( سورة نوح )

 فالآية واضحة، فالذي أراد أن يُنجِب يستغفر الله، و الذي أراد الله فليستغفر الله، والذي أراد أن تمطر السماء فليستغفر الله، وأقول كثيراً: قد يقنَّن الله عزَّ وجل على الإنسان، فيقول لك: لا يوجد شغل، لا يوجد مال، لا يوجد دخل، فهل معنى هذا أن الله تعالى ليس معه ؟؟ إن الله عز وجل يقنن تأديباً لا عجزاً، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

 أي: إن الخيرات في الأرض لا تُعد ولا تُحصى لكن يوجد تقنين تأديب، و الحل أن نستقيم على أمر الله..

 

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾

 فما قولك في أن الله سبحانه وتعالى غَنيٌّ عن تعذيبا، و غنيٌّ عن إفقارنا، و غنيٌّ عن مرضنا، وغنيٌّ عن خوفنا و همنا، لماذا نهتم ؟ لماذا نمرض، لماذا نفتقر ؟ لماذا نخاف؟ لأنه يؤدِّبُنا

((كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلح لك ))

 ورد في الأثر القدسي:

 

(( أنت تريد وأنا أريد، فإذا سَلَّمت لي في ما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسِّلِم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))

 أي: اصطلح مع الله وافهم عليه، فهو يريدك تائباً، والدنيا تأتي بشكلٍ عجيب، إن اصطلحت مع الله لم يكن هناك خطر عليك من الدنيا بل إنها تأتيك وهي راغمة..
 " أوحى ربك إلى الدنيا أنَّه من خدمك فاستخدميه، ومن خدمني فاخدميه ".

 

 

﴿ وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾

 أي: إن هذا دافع من دوافع الطاعة لله عزَّ وجل.. وقد قيل لأحد الصحابة -وأظنه سيدنا أبا الدرداء -: احترق محلّك، فقال: لا إنه لم يحترق، يا أخي احترق ونحن رأيناه بأعيننا، قال: ما كان الله ليفعل.. إنه واثق من طاعته لله عزَّ وجل، و واثق من دفع الزكاة.. فلما ذهبوا ليتأكَّدوا فرأوه كما قال فعلاً، إنه ليس محله، فبشَّروه فقال: أعلم ذلك، أعلم أن محلي لم يحترق.. فإذا كنت مع الله عزَّ وجل فإن الله يلقي في قلبك الطمأنينة و الأمن..

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12) ﴾

 الآية الأخيرة أيها الإخوة في هذا الدرس هي قوله تعالى:

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) ﴾

 أوجه تفسير لهذه الآية: ما لكم لا تطمعون برحمة الله ولا تخافون من عذابه ؟ فقد تجد شخصاً قوياً، وهو من بني جِلْدَتِك و جنسك لكنه أقوى منك ولا تقدر تسترحمه فتطيعه..

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) ﴾

 كيف تزهدون فيما عند الله من نعيمٍ أبدي ؟ ومعنى ذلك: أنَّكم لا ترجون لله وقاراً، وكيف لا تخافون ناره ؟ معنى ذلك أنكم لا ترجون لله وقاراً.
 إخواننا الكرام... إذا كان هناك شخص قوي و أنت موقن بذلك، و له عندك وقار، وبيده شيء ثمين، وهو يقدر أن يعطيك أو يمنعك فإنك ترجو ما عنده وتخشى ما عنده، فإذا كان هذا حالك مع إنسان ترجوه فكيف حالك مع الواحد الديَّان خالق الأكوان ؟ فما بالك لا ترجو جنَّته ؟ و لا تخاف عذابه ؟ لا يليق بك أن تقرأ كلامه ولا تفهمه ؟

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) ﴾

 لم لا ترجو جنَّته و لا تخاف ناره ؟ لم لا تخشى وعيده و لا ترجو وعده ؟ لم لا تطمع في رحمته ؟ لم لا تخش من عقابه ؟ ومعظم الناس الغافلين يحسبون ألف حساب لإنسان ولا يحسبون لله حساباً واحداً، فترى أحدهم يخاف على سمعته و حرِّيته و ماله وتجارته، ومكانته، فيُرضى هذا، ويُرضي ذاك، ويدعو هذا، ويبارك لهذا ويهنِّئ هذا، يزور هذا، إنه يحرص على سمعته..

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) ﴾

 الله الذي خلقك..
 إذا قدَّم إنسان لك شيئاً فإنك تشكره مئات المرَّات، والله عزَّ وجل منحك نعمة الوجود، و نعمة الإمداد ونعمة الهُدى والرشاد ألا يستأهل أن تشكره ؟ ألا يستأهل أن ترجو رحمته وأن تخشى عذابه ؟

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) ﴾

 فقد تجد شخصاً ما حوله أشخاص كثيرون، وهو شخص مهم جداً، فلو اتصل بأحدهم لأجاب: حاضر، فيقوا: تعال إلي بعد ربع ساعة فإنه يكون عنده، فه وقار، ولو كلَّفه بتكليف فإنه ينفذ التكاليف بحذافيرها، لاحظ نفسك إذا واحد كلَّفك وأنت غير مهتم به كثيراً إنك قد تنسى، يقول لك: هل سألت لي ؟ فتقول: والله نسيت لا تؤاخذني، يقول: أمنتها لي ؟ فتقول: والله نسيت، فإذا كلَّفك شخص وليس له قيمة عندك فإنك تنسى على الفور، فلا تنفِّذ شيئاً مما يقول، ولكن الله يأمرك، ويوعدك، و يخوفك..

أطوار الإنسان:

 

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

 لقد كنت حوَيْناً لا يُرى بالعين، و خمسمائة المليون حوين يبلغون سنتيمتراً مكعباً، فمن حوين إلى بويضة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى جنين، إلى طفل صغير لا يتكلَّم، وبعد هذا تطور من حال إلى حال، لاحظ الآباء والأمهات يقولون عن الطفل الصغير:.. طلعوا أسنانه.. فيحدث ضجَّة في البيت.. وبعد هذا يقال لك: نظِفَ..و مشى و لم يكن يمشي..، وبعد هذا صار يتكلم أي وصار اجتماعياً ؛ يشكر، يحترم..

﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

 وبعد هذا دخل إلى المدرسة، ثم حفظ الفاتحة، وحفظ بعض الأناشيد، وبعد هذا كتب الألف مائلة، والباء طالعة، وهذه نازلة، يقول لك: كتب، انظر هذا خط ابني، وبعد هذا يأخذ ابنه الشهادة، ثم يكبر ويغلظ صوته، ثم يبلغ، و يريد أن يشتغل و يتزوج، وبعد هذا ينجب أولادً، ثم يربِّي أولاده، ثم يريد أن يزوجهم، وبعد هذا يلتفت إلى صحته، فقد صار يحتاج إلى خمسين نوعاً من الدواء، وبعد هذا تعلَّق نعوته على الجدران..

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

 من طور، إلى طور، إلى طور، تنظر إلى إنسان في الخامسة عشر يصعد كل خمسة درجات معاً، وبالنزلة كل عشرة معاً، فإذا كان هناك.. درابزين.. فإنه ينبطح عليه وينزل على الفور، وانظر إليه وهو في الثمانين تجده يضع رجله على الدرجة ويسحب الثانية، درجة درجة، أليس كذلك ؟

﴿ وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

 أي: إن كل سن له ترتيب و اهتمامات و هموم، قبل الزواج يبحث عن زوجة، داخل في متاهة البحث عن زوجة، وهذه متاهة، فإذا تزوج تجده يقول خلا السنتين الأوليين: قصيرة، لا طويلة، يا ترى غلطت، لا لم أغلط، وبعد هذا يُنسخ الموضوع من تفكيره، ثم جاء موضوع الأولاد، هل درسوا، لم يدرسوا، تعلموا، لم يتعلموا، تزوجوا، لم يتزوجوا، فكل سن له ترتيبات، و هذه أطوار، فالإنسان يمشي في هذا الطريق الإجباري وآخر محطة الموت..

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

 ألا ترجو رحمته ؟ ألا تخاف عذابه ؟ قد يكون هناك إنسان يخيفك، فإن أرسل في طلبك فإنك لا تنام الليل.. طوال خمسة أيام، وهو إنسان ولست مرتكباً شيء مخالف، فالواحد الديّان يقول:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26) ﴾

( سورة الغاشية )

 فهل هذه قليلة ؟

 

﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً (14) ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018