الدرس : 1 - سورة نوح - تفسير الآيات 1-4 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة نوح - تفسير الآيات 1-4


1997-08-29

 الغاية من إرسال الرسول
 الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام... مع الدرس الأول من سورة نوحٍ على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾

( سورة نوح: آية " 1 " )

 إن الله جلَّ جلاله يتحدَّث عن ذاته العليِّة تارةً بضمير المُفْرَد وتارةً بضمير الجمع، قال بعض العلماء: إن تحدَّث عن أفعاله كان الحديث بضمير الجمع، وإن تحدَّث عن ذاته كان الحديث بضمير المفرد..

﴿أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

( سورة طه: آية " 14 " )

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ﴾

( سورة نوح: آية " 1 " )

﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾

( سورة الحجر )

﴿ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49)﴾

( سورة القمر )

 أفعال الله جلَّ جلاله تدخل فيها أسماؤه الحسنى كلُّها، و إن كل أفعاله رحمةٌ، وحكمةٌ، وعدلٌ، ولطفٌ، وعلمٌ، وقوةٌ، ورأفةٌ، و أسماؤه الحسنى كلها متمثلة في أفعاله، وهذا أول شيء أود ذكره.

 

إرسال الرسل من رحمة الله:

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾

( سورة نوح: آية " 1 " )

 فلو كان توتر التيار الكهربائي في بيتك (مائة وعشرة)، ثم بُدِّل إلى مائتين وعشرين، وأبلغتك المؤسسة أن هذا التيَّار خطر، فلو كان هناك إنسان يمشي على أرضٍ فيها ماء ولَمَسَتْ يده التيار فقد يموت، فهل هناك أبٌ على وجه الأرض يبقى ساكتاً، أم أنه سيحذِّر أولاده زوجته و يبين لهم ذلك ؟ إن من لوازم رحمة الأب أن يبَيِّن لأهله الأخطار المحدقة بهم، وهذا حد أدنى، و ربنا عزَّ وجل ذو الرحمة، و من لوازم رحمته جلَّ جلاله أن يبيِّن لعباده دائماً، وذلك من لدن آدم إلى يوم القيامة.

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾

( سورة الرعد )

 لكل قومٍ هاد على مدى الدوران، فسيدنا نوح أُرسل إلى قومه.. أي:

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾

 إن إرسال الرسل دليل رحمة الله عزَّ وجل، فالتيار مائتين وعشرين تيار خطر، وقد يؤذي الأولاد، فالأب يبيِّن، فإذا كان جالساً و اقترب أحد أولاده من مأخذ الكهرباء ووضع يده على هذا المأخذ فماذا يفعل الأب ؟ إنه يقوم ويصرخ ويأخذه ويبعده، فهذا المثل.

﴿ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النحل: آية " 60 " )

 وربنا عزَّ وجل يبيِّن ويربي، يبين تارةً ويربي تارةً أخرى، فإذا كان هناك حركة نحو المعصية فإن ربنا عزَّ وجل يؤدِّب وينهر ويردع ويخوِّف، وإذا لم يكن هناك حركة نحو المعصية فهناك بيان، فمن لوازم رحمة الله جلَّ جلاله أولاً أنه يُرسل إلى كل خلقه، وهوه يرسل الأنبياء تارةً، والمرسلين تارةً أخرى، ومعهم الكتب والمعجزات، ويسخِّر العلماء، والدعاة، والخُطباء، والمدرِّسين، كما يُنذر بأفعاله، و يحذِّر من خلال أنبيائه، فإرسال الأنبياء أحد مظاهر رحمة الله جلَّ جلاله.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾

( سورة نوح: آية " 1 )

ماذا يعني الإنذار ؟

 الإنذار يعني أن هناك خطراً متوقَّعاً، (احذر هذا الخطر)، فربنا عزَّ وجل حينما ينذرنا فهو ينذرنا من خطرٍ متوقَّع، قال تعالى:

﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)﴾

( سورة الحديد )

 أي: أنت أيها الإنسان لست كهذه الورقة التي تخضر، ثم تصفر، ثم تيبس، ثم تذروها الرياح، أنت مكلَّف ومن لوازم التكليف المسؤولية، فلو أن هناك شاباً لا ينتمي إلى أي مدرسة، وأمضى وقتاً في النوم أو في النُزُهُات، فهو لا شيء عليه، أما طالب العلم فعنده امتحانات و رسوب و نجاح و مسؤولية، والإنسان قد اختار حمل الأمانة، وهو مكلَّف ومعه منهج، و الله عز وجل سيسأله، فإن سمت نفسه على شهوته كان فوق الملائكة، لذلك كان هناك إنذار، فالإنسان من دون تكليف وأمر ونهي وأمانة يحملها لا يوجد عليه شيء، فلا يكون مؤاخذاً، لكنه حمل الأمانة، وكلَّفه الله بتزكية نفسه، وأعطاه وعداً بمغادرة الدنيا ووقتاً آخر للحساب و العذاب، فالإنسان يجب أن يُنْذَر..

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾

( سورة نوح: آية " 1 " )

 هناك آيةٍ أخرى يقول الله عزَّ وجل:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ(37)﴾

( سورة فاطر )

ما النذير ؟

 النبي هو النذير، و الرسول هو النذير، والقرآن هو النذير، والكتاب السماوي هو النذير، وذا بلغ الإنسان سن الأربعين ومال الميزان فهذه السن تُعَدُّ أيضاً هي النذير، وإذا بلغ الستين فقد صار بينه وبين مغادرة الدنيا قاب قوسين، وهذه السن تعدُّ من النذير، وإذا أصابته مصيبةٌ فهي تعدُّ من النذير، وقد قال لي أحد الإخوة الكرام اليوم عقب خطبة الجمعة أن سبعين بالمائة من الناس عندهم آلام مفاصل بعد سن الستين، فقلت له بطرفةٍ: كأن هذه الآلام التي يصاب بها الإنسان تذكرة من الله، فينحني ظهره، و يشيب شعره، و يضعف بصره، و يغيِّر أسنانه، فكأن هذه المظاهر والآلام الجديدة تذكرةٌ لطيفةٌ من الله: أنْ يا عبدي قد اقترب اللقاء بيننا، فهل أنت مستعدٌ لهذا اللقاء ؟.

 

(( عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، وضعف بصرك، فاستحيي مني فأنا أستحيي منك))

 فالنذير ؛ أولاً هم الأنبياء، فالنُذُر هم المرسلون، والكتب السماوية، و القرآن، وأي كتابٍ نزل على رسولٍ كان قد أرسله الله لقومه نذير، والمصائب نذير، وموت الأقارب نذير، فكم من إنسان كان ملء السمع والبصر ثم يغادر الدنيا بلحظةٍ واحدة، و يصبح خبراً و حديثاً، أين هو ؟ تحت أطباق الثرى، فالموت نذير، والمرض نذير، وموت الأقارب نذير، و الشَيْبُ نذير، و سن الستين نذير، والأربعون نذير، والكُتُب نذير، والأنبياء نُذُر، والمرسلون نُذُر.

 

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ﴾

( سورة نوح: آية " 1 " )

 إذا رأيت لوحةً تشير إلى خطر أمامك في تحويلة، ألا تحس أن هذا الذي وضع هذه اللوحة رحيم ؟ إنك قد تسير في طريق السفر بسرعة كبيرة جداً، ولولا هذه اللوحة لتفاجأت ووقعت في حادث، فتوضع لك قبل ألف متر لوحة كبيرة، وقد تكون مُضاءة أو تكون ذات إشعاع: أن هناك تحويلة انتبه، لقد كنت مرة في بلد، وقد وضعت في أحد طرقاتها قبل ثلاثة آلاف متر لوحة وقد كانت تقريباً مترين بمترين، فوسفورية، ومكتوب عليها عبارة: (هناك مطب انتبه )، لقد وضع هذا قبل ألفين أو ألف أو خمسمائة، فكلها لوحات كبيرة ومضاءة، فالإنسان ينتبه عندئذ، فقلت: هذه رحمة بالإنسان.
 ومرة رأيت جسراً يوجد عليه أجراس، فلم أعرف لماذا ؟ ثم تبين أن هذا الجسر قد أقيم قبل جسر حقيقي، فالذي معه حمولة عالية يسمع صوت الأجراس.. انتبه، الجسر القادم لن تستطيع أن تمرَّ من تحته، لسوف تفسد هذه الحمولة.. و هذه إنذارات، فالإنذار شيء ينطلق من رحمة و حرص.

﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(128)﴾

( سورة التوبة )

 فربنا عزَّ وجل يبيِّن و يُنذِر الإنسان إذا تحرَّك حركة خاطئة.

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)﴾

( سورة نوح )

إن لم تؤمن بالله فلن تستقيم على أمره:

 والشيء الذي يلفت النظر هو أن أركان الإيمان خمسة: " أن تؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبي " وإن أكثر ركنين مترافقين في كتاب الله هما الإيمان بالله واليوم الآخر، لأنك إن لم تؤمن باليوم الآخر فلن تستقيم على أمر الله، لذلك كانت كل الدعوات إلى الله تركِّز على الإيمان باليوم الآخر.. والشيء الذي لا يصدَّق أن هناك من الناس من يرتكب المعاصي والآثام، ويأكل المال الحرام، ويكيد للآخرين، وكأن الله لن يسأله، ولن يُحاسبه، وكأنَّه متفلت من عذاب الله، ومعنى ذلك أن إيمانه باليوم الآخر ضعيف..
 وأحياناً إذا كان هناك إنسان يؤمن بقوة إنسان آخر، ويعلم أن هذا الشخص له عقابٌ أليم ولن يعفو عنه، فإنك تجده ينضبط.. فلو آمنت بإنسان قوي من بني جلدتك يحاسب حساباً عسيراً فإنك تستقيم على أمره، فكيف إذا آمنت بالله، وأن هناك يوماً آخر ؟ فإذا ذهبت إلى ما في حياتنا من مشكلات، ومن دعاوى كيدية، و اغتصاب أموال، و أكل مال حرام، فإنك تشعر أن هذا الإنسان الذي يعصي الله لن يحاسب و لن يموت، وكأن الله عزَّ وجل لن يسأله، مع أن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

( سورة المؤمنون )

العبث يتناقض مع وجود الله:

 أيها الإخوة الأكارم... إن العبثية تتناقض مع وجود الله، و العَبَثْ يعني أن الكون خُلِقَ بلا هدف، والله عزَّ وجل ينكر هذا المعنى، قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُون(117)﴾

( سورة المؤمنون )

 

 فينبغي أن تنفي فكرة العَبَثْ، فهناك حسابٌ دقيق، لكن الإنسان يؤمن بعقله باليوم الآخر، لكنه يرى بعينه بيوتاً ومركبات، ونساء كاسيات عاريات، ومطاعم فَخْمَة، فالإنسان يجب أن يعرف الأمور بعقله، أما الحيوان فهو يعرف الأمور بعينه، وهناك من يرى بعينه الشهوات وينغمس فيها ويبعد عقله عن إدراك الخطر البعيد.. و أوضح مثل هذا المدخِّن، وضرر التدخين شيء مفروغ منه، فمن الحقائق القَطْعِيِّة أن هذا الدخان ينتهي بصاحبه إلى أمراضٍ بالقلب والشرايين، أو بالأورام في الرئتين، أو في الأوعية، فلماذا يفعل هذا ؟ لأنه يعيش لحظته، ولم يفكِّر، يقول عليه الصلاة والسلام:

((إن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ، وإن عمل النار سهلٌ بسهوة ))

 شخص يركب درَّاجة فوجد في الطريق منحدراً شديد الانحدار، و راكب الدراجة يرتاح طبعاً لهذا الطريق، أما لو علم أن في نهاية المطاف حفرةً سحيقةً مالها من قرار، فيها وحوشٌ مفترسة فإنه قد يترك هذا الطريق المُريح، ويصعد طريقاً متعباً ينتهي بقصر منيف.

 

((" إن عمل النار سهلٌ بسهوة، وإن عمل الجنة حزنٌ بربوةٍ))

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)﴾

( سورة نوح )

الكيِّس من دان نفسه:

 أيها الإخوة الكرام... المشكلة هنا أن المؤمن يعيش المستقبل، وغير المؤمن يعيش الحاضر، كنت أروي قصةً موجودة في بعض كتب الأدب، وهي قصة رمزية تقول أن صيادَين مرا على غدير، فرأيا في هذا الغدير ثلاث سمكات كيسةٌ و أكيس منها وعاجزة، فتواعدا أن يرجعا ومعهما شباكهما ليصيدا ما فيه من السمك فسمع السمكات قولهما، فأما أكيسهن فارتابت وتخوَّفت وقالت: العاقل يحتاط للأمور قبل وقوعها، فخرجت من المكان الذي يدخل فيه الماء من النهر إلى الغدير فنجت.. وهذه أعقل واحدة.. وأما الكيِّسة.. الأقل عقلاً.. فبقيت في مكانها حتى عاد الصيَّادان، فذهبت لتخرج من حيث خرجت صديقتها فإذا بالمكان قد سُّد، فقالت: فرَّطت وهذه عاقبة التفريط، غير أن العاقل لا يقنط من منافع الرأي، ثم أنها تماوتت فطفت على وجه الماء، فأمسكها الصياد ووضعها على الأرض بين النهر والغدير فنجت، فوثبت في النهر فنجت، وأما العاجزة فلم تزل في إقبالٍ و إدبارٍ حتى صيدَتْ، ومعنى ذلك أن هناك إنسان كَيِّس، و إنسان أكيس، وإنسان عاجز، والكيِّس يحتاط للأمور قبول وقوعها، والأقل عقل يحتاط عند وقوعها، والعاجز لا يحتاط قبل وقوع الأمور ولا بعد وقوعها ولا أثناء وقوعها، تراه (يحوص)، فلم تزل هذه السمكة في إقبالٍ وإدبارٍ حتى صيدت، فماذا قال النبي الكريم؟؟

 

(( الكيِّسُ من دان نفسه))

 فقد ضبط دخله، وإنفاقه، وعينه، و لسانه، وسمعه، ويده، ورجله، و ضبط أعضاؤه، وحواسه و بيته و عمله.

 

 

(( الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني ))

 فأكاد أقوال لكم: ؟إن الكافر يعيش بحواسِّه لحظته الحاضرة، والمؤمن يعيش بعقله المستقبل، وهذا هو الفرق، فبالعقل يصل الإنسان إلى الشيء قبل أن تصل إليه..
 شخص كان يركب مركبة، فلو أنه ألقى نظرةً على مؤشِّر الوقود ورآه قُبَيْلَ الأخير، فإنه يملأ وقود المستودع في أول محطة، أما لو لم ينظر إطلاقاً فمتى سيعلم بانتهاء الوقود ؟ حينما ينتهي هذا الوقود، وهناك أمكنة لا يوجد فيها محطة وقود، فإذا تعاملت مع الحواس علمت أن المركبة تسير إلى أن تقف، لكنها تقف في مكان غير مناسب، فقد يقف ساعتين أو ثلاثة، و لكن يجب عليك أن تلقي نظرةً على مؤشِّر الوقود وتفكر قائلاً: بقي خمسين كيلو، ثم تفكر في محطة وقود.. لذلك أقول مرة ثانية: المؤمن يتعامل مع المستقبل بعقله، والكافر و غير المؤمن يتعاملان مع الحاضر بحواسهما، وهناك شهوات، فأي شيءٍ يلبّي هذه الشهوات يفعله غير المؤمن دون تفكير أو حساب أو مسؤولية أو وجل أو خوف، فما دام هناك شهوات مودعة فيه، فإنه يلبيها بحيوانيةٍ عجيبة.. إذاً:

 

 

﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2)﴾

 مبين: معه أدلة، فهو ينطق بلسانهم، بلغتهم.

لماذا كان الأنبياء من البشر ؟

 ليخاطبوهم.

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾

( سورة إبراهيم: آية " 4 " )

 إما بلغتهم التي يعرفونها، أو بالأشياء التي تفوَّقوا بها، فقد كان هناك قومٍ تفوق في السحر، فإذا بسيدنا موسى يأتي بعصاةٍ فتصبح ثعباناً مبيناً، كما كان هناك قوم تفوَّقوا في الطب فأتى سيدنا عيسى وأحيى الموتى، وقد تفوَّق القوم في اللغة والبلاغة فأتى النبي الكريم بقرآنٍ مُعْجِز، فلذلك كان الأنبياء يأتون ببيان و أدلة وأسلوب واضح وعلامات نَيِّرة وبيان معجز.

﴿ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2)﴾

 مرة حدثني أخ أنه كان له جار مسرف على نفسه في المعاصي، فنصحه مرة واثنين وثلاثة وأربعة، ونبهه قائلاً: الموت قريب، وأنت لا تصلي، وترتكب المعاصي والآثام، وتشرب، فما كان ينتبه إطلاقاً إلى أن توفِّي، فرآه بعض الجيران في المنام يرتدي ثياباً بالية مُمَزَّقة، ويصيح من شدة الألم ويقول: فلان نصحني ولم أنتصح، يا ليتني قبلت نصيحته.. فأحياناً تأتيك نصيحة من إنسان فلا تراها، ولكن يجب عليك أن تراها من الواحد الديان، فالله سخر لك هذا الإنسان لكي ينصحك، فهناك إنسان تتأبى نفسه قبول النصيحة،وهذا كبر.
 وهناك فكرة دقيقة جداً، إن الإنسان أحياناً لا يحب أن يستجيب لداعية، ويقول لك: هو أصغر مني، وأنا أكبر منه، وأنا معي شهادة أعلى منه و لي مكانة اجتماعية أعلى منه، فلماذا ترى أن هذا الأمر منه ؟ إنه ينقل لك أمر الله عزَّ وجل، فهو ناقل أمين، وهذا ليس أمره، بل أمر الله، وهذا النهي ليس نهيه بل نهي رسول الله، فأنت لا تنظر إلى الشخص بل انظر إلى ماذا يقول، إنه يعطيك أمر ونهي، فأحياناً الإنسان يكون ركباً مركبة، ويكون له زميل له بمركبة أخرى، فيعطيه تحذير عن طريق الضوء، فيأخذ بهذا التحذير، ولو كان هذا الذي حذَّره عدواً له، فإنه يأخذ بهذا التحذير، فالإنسان يجب أن يقف موقفاً متعَقِّلاً من هذه القضايا الكبرى في حياة الإنسان.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2)﴾

 أي: إنني نذير أحذِّركم من عذاب يومٍ أليم لكن السؤال: إنه نذيرٌ مبين ينذرهم ولكن.. من ماذا ؟ عندنا قاعدة في اللغة تقول أن الشيء إذا حُذِفْ أطلق، ولم يذكر الله عزَّ وجل: ينذرهم من ماذا ؟ ينذرهم من عذابٍ في الدنيا، ينذرهم من عذابٍ في القبر، ينذرهم من عذابٍ في الآخرة، ينذرهم من تأديبٍ إلهي، من تضييقٍ، من مشكلةٍ، فالله عزَّ وجل رحيم، فإما أن تأتيه طائعاً مستسلماً تائباً، وإما أن يحملك على أن تأتيه سريعاً أو أن يحيطك بمصائب.. لا سمح الله ولا قَدَّر.. تدفعك إلى الوقوف على بابه، فلو أنك أتيت الله طائعاً من دون مصيبة فهذا موقفٌ شريفٌ جداً، فهناك نقطة دقيقة، لو أن الله أرادنا أن نعبده خوفاً ًو يجبرنا على طاعته، لكانت القضية سهلة جداً.. ف لو أراد رئيس جامعةٍ مثلا ًأن ينجِّح كل الطلاب لكانت القضية سهلة بالنسبة له، إنه سيوزع أوراق الأسئلة مطبوعٌ عليها الإجابة الصحيحة الكاملة، واكتب اسمك ورقمك فقط، ويحصل الطلاَّب على العلامة النهائية، مطبوع عليها بالأحمر علامة مائة بالمائة، هذه سهلة، لكن هذا ليس امتحاناً، وهذا الامتحان لا يُسْعِدُ الناجحين فيه، ولا قيمة له عند المجتمع، ولا عند الناجح، ولا عند الجامعة، لأنه قسر.. لكن الله عزَّ وجل أرادنا أن نأتيه مُحِبِّين، فكلمة: عبد قد تعني عبد قهرٍ، وعبد القهر يجمع على عَبيد، وقد تعني عبد شكرٍ، وعبد الشكر يُجْمَعُ على عِباد، فكل إنسانٍ مقهور في وجوده إلى الله، فلو توقَّف قلبه انتهت حياته، ولو تجمَّدت نقطة دمٍ في دماغه انتهت حياته، وإذا جاءته سكتة دماغية أو سكتة قلبية انتهت حياته كذلك، وقد ذكرت اليوم على منبر أن الإنسان قد يشرب عّبَّاً، فهناك عصب اسمه العصب الحائر، والعصب المبهم.. له اسمان.. وهذا العصب بين المعدة والقلب، فإذا جاء تأثير شديد جداً على هذا العصب، ربَّما أمر القلب أن يَكُفَّ عن النبض، وفي كثير من الحالات يموت الإنسان موتاً مفاجئاً من شربة ماءٍ عباً، قال عليه الصلاة والسلام:

(( مُصوا الماء مصاً ولا تعبّوه عباً، فإن الكُباد من العَبْ ))

 فالمعدة حارة، وتأتي بلتر ماء، فتلقيه في جوفك مباشرةً وفوراً، وبشكل مفاجئ، و هذا يعطي تأثيراً قاسياً، فربما كف القلب عن النبض، لذلك:

 

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2)﴾

عبادة الله:

 نذير مبين.. فالإنسان أحياناً يدرك الحقيقة فيلتزم، و كل واحد منا مقهور بوجوده إلى الله عزَّ وجل، فلو توقَّف قلبه مات، ولو تعطَّل دماغه مات، فهناك موت دماغ و موت قلب، ونحن نظن موت القلب هو الموت، ولكن الحقيقة موت الدماغ هو الموت، فنحن مقهورون، أما الذي عرف الله واستقام على أمره وتقرَّب إليه فهو عبد الشكر، قال تعالى:

 

﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63)﴾

( سورة الفرقان )

 قال تعالى:

﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾

( سورة فصلت: آية " 46 " )

 العَبيد غير العِباد، فإذا كنت تعرف الله عزَّ وجل وتحبه وتتقرَّب إليه فأنت من عِباد الرحمن، أما إذا كان الإنسان غارقاً في شهواته فهو من عَبيد الشيطان.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3)﴾

( سورة نوح )

 اعبدوا الله.. فطالب في المدرسة هويَّته في المجتمع هي: طالب، وهو عند والده ووالدته و إخوته و أقربائه وأصدقائه طالب، كما أنه في الحي طالب، ومادام طالباً فما مهمته الأولى في حياته ؟ إنها الدراسة فقط، وأنت عبدٌ لله فما مهمتك الأولى في الحياة ؟ أن تعبده.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾

( سورة الذاريات )

 المهمة الأولى أن تعبده، والعبادة عِلَّةُ وجودك على وجه الأرض، فأنت هنا من أجل أن تعبده، فإذا قال أحدهم: ليس عندي وقتٌ أن أستمع لدرس علم، أو ليس عندي وقتٌ أن أصلي، فهل تعلمون ماذا يشبه هذا ؟ إنه يشبه إنساناً أخذ شهادة عُليا في الطب، واشترى عيادة وأجهزة معقَّدة جداً كلها بالدَّين، ويحمل أعلى شهادة، وجاءه مريض بحسب المواعيد التي رسمها.. من الساعة الخامسة إلى السابعة.. فقال: أنا مشغول الآن ولست (فاض)، فإلى ماذا أنت (فاض) إذاً ؟ لقد أخذت دكتوراه في ثلاثة وثلاثين سنة، واشتريت عيادة بالدين وهي بمليونين، وأجهزتها بمليون، وجاءك أناس بالوقت الذي أنت خصصته، فقلت: لست (فاض)، إن هذا مجنون، فإذا قال لك الإنسان: أنا ما عندي وقت أصَلِّي، أو ما عندي وقت لأطلب العلم، أو ما عندي وقت لأحضر مجلس علم، أو ما عندي وقت أفهم كتاب الله، أو ما عندي وقت أفهم سنة رسول الله، أو ما عندي وقت لأعرف أحكام الفقه، نقول لك: أنت موجودٌ على وجه الأرض من أجل أن تعبده، ولن تستطيع أن تعبده إلا إذا عرفته، فإذا عرفته أطعته، وإن أطعته سَعِدَّتَ بقربه، فلا توجد كلمة أشعر أنها تنطلق من غباء أو من سوء فهم أو من عمى، كقول أحدهم: أنا ليس عندي وقت لأطلب العلم، إن علة وجودك هي أن تعلم..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا﴾

( سورة الطلاق: آية " 12 " )

 لام التعليل، أنا جئتُ إلى المدرسة لأتعلم..

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12)﴾

( سورة الطلاق )

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾

جوانب العبادة:

 طاعةٌ طوعيةٌ ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، وتفضي إلى سعادةٍ أبدية، وفي العبادة ثلاث كُلِّيات ؛ كليةٌ معرفية، وكليةٌ سلوكية، وكليةٌ جمالية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، فالذي يعبد الله هو على شيء من العلم، فمن مستحيل أن تعبده على جهل، كيف تعبده ؟ والذي يعبد الله على شيء من خلق مستقيم فهو لا يكذب، ولا يغتاب، ولا يتكّبَّر، ولا يجحد، والذي يعبد الله على شيء من السعادة، فهناك علم، و انضباط، و سعادة، وهذه هي العبادة، فيها جانب معرفي، وجانب سلوكي، وجانب جمالي.

 

﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾

 أي: اتقوا عذابه، فإن لم تعبدوه فهناك عذاب ينتظركم، فأنت إما أن تعبده لأنك تحبه، وإما أن تفكر أنه ينبغي ألا تقع تحت وطأة عذابه.

﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾

 ولن تستطيعوا أن تتقوا الله عزَّ وجل إلا إذا اتبعتم سنة رسوله.

﴿ وَأَطِيعُونِ﴾

 لذلك لم يقبل ربنا عزَّ وجل من إنسانٍ دعوى محبَّته إلا بطاعة رسوله.. قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

( سورة آل عمران: آية " 31 " )

﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾

 محبوبيةً.

﴿ وَاتَّقُوهُ﴾

 خوفاً..

طاعة الله عين طاعة رسول الله:

﴿ وَأَطِيعُونِ﴾

 وهذه وسيلةً.. فبطاعة رسول الله تصل إلى محبة الله عزَّ وجل.. قال تعلى: ﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ ﴾ قالوا: عين إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله، و عين إرضاء الله هو عين إرضاء رسول الله، فالأمر واحد، فالحقيقة النبوية تقريباً كلوح من بلور الشفاف الذي يشفُّ عما وراءه، فليس هناك وجود لذات النبي، فإنه يعبِّر عن حقيقة هذا الدين، و يعبر عن ذات الله عزَّ وجل، فإذا أطعت رسول الله وصلت بطاعته إلى الله.

﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

( سورة نوح )

 أما هذه الـ:(من) فينطوي فيها معنى خطير ؛ أي: يغفر لكم بعض ذنوبكم، و (من) للتبعيض، فأية ذنوب تقصد هنا ؟؟ قال: الذنوب التي بينكم وبين الله، أما التي بينكم وبين العِباد فلا تغفر إلا بحالتين ؛ بالأداء، أو المسامحة، لأن حقوق الله عزَّ وجل مبنيةٌ على المسامحة، لأما حقوق العباد فهي مبنيةٌ على المشاحّة.

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

الأجل لا يؤخَّر:

 من أجمل معاني هذه الآية أن الأجل لا يتأخَّر، فالأجل أجل، وما معنى يؤخِّركم ؟ أي يمتعكم بصحتكم إلى يوم أجلكم، فمن الممكن أن يعيش إنسان ثلاثين سنة صحيحاً، وثلاثين أخرى بالفراش، وثلاثين مشلولاً، كما أنه من الممكن أن يعيش أربعين أو عشرين صحيحاً، وحينما تعبدوا الله وتتقوه وتطيعوا رسوله، فإنه:

 

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾

 التي بينكم وبينه..

نهاية مشرقة لبداية محرقة:

 

﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

 أي: يمتِّعكم بصحتكم وقوَّتكم، وعقلِكُم، وسمعكم، وبصركم إلى يوم موتكم، تأخر، أي جعلك نشيط وحركة طوال هذا العمر، وهناك رجل سمعت قصَّته وقد تواتر عنه هذا الخبر: عاش ستاً وتسعين سنة، لكن قامته ظلت منتصبة، كما أن بصره حاد، و سمعه مرهف، و أسنانه بفمه، و لم يستخدم نظَّارة، و حينما يسأل يقال له: يا سيدي ما هذه الصحة ؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكِبَر، فمن عاش تقياً عاش قوياً.
 لقد زرت مرة والد أحد أصدقائي، فقال لي بالضبط: (لقد عملت تحليل البارحة و طلع كله جيد )، وعمره ست وتسعون سنة، وليس لديه مشكلة في التحليل، لا بالكولسترول، ولا بالأسيد أوريك، ولا بالشحوم الثلاثية، ولا بحمض البول، ولا بالسكر، لكنه مرة قال لي: والله يا أستاذ لا أعرف أني أكلت قرشاً حراماً في حياتي، ولا أعرف الحرام الذي يعرفُه الناس إطلاقاً، لا أعرف الحرام ولا الدرهم الحرام، (حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكِبَر ).
 إخواننا الكرام... الناس يتشابهون في ربيع العمر.. فكلهم شباب.. أما في خريف العمر فهم يتمايزون، فربيع العمر يحدد خريف العمر، و إذا كان ربيع العمر في طاعة الله فإنه يحدد خريف العمر في تألق وبهاء، أما إذا كان في ربيع العمر انحراف وخطأ، فلا بد أن يكون في الخريف مشكلات..

﴿ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

 أي: يمتَّعك بمكانتك، فأحياناً هناك الإنسان يَخْرَف، قال لي أخ: إننا نقوم بربط والدتي على ديوان، فنربط يديها فوق رأسها إلى طرف السرير، ورجليها إلى الطرف الآخر ؟ قلت له لماذا ؟ قال لي: لأنها تأكل غائطها وتخلع كل ثيابها.

﴿ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾

( سورة الحج: آية " 5 " )

 فالإنسان إذا حفظ الله في الصغر حفظ الله عليه صحته وعقله ومكانته، والله لقد زرت إنساناً في بلدة في الشمال وقد دعا إلى الله بإخلاص، وعمره خمس وتسعون سنة، والله ما رأيت ملكاً في عرشه كما رأيت هذا العالم.. لأنه حفظ الله في الصغر ؛ فهو في مكانة، وله شخصية و منطق و أدب و محبة، وهو مخدوم محفوظ محسود، و كل الناس أمامه، فمن كانت له بداية محرقة كانت له نهاية مشرقة.. و من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة..

 

﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ(4)﴾

 فالأجل لا يؤخَّر، أما:

﴿ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

 أي: يمتِّعكم بصحتكم طوال عمركم، وقد زرت شخصاً يعمل في الحقل الديني و عمره خمس وثمانون سنة، فقلنا له: كيف الصحة ؟ قال: "الحمد لله، والله على هوى سني صحتي ممتازة " فحركته نشيطة، وهو بكامل الحواس الخمس، وبكامل إدراكه، ويعمل في الإفتاء، قال لي: الحمد لله. وكلما رأيت إنسان بسن متقدمة وصحة طيبة، أقول: سبحان الله، شيء جميل جداً أن الإنسان يكون له بداية محرقة فتكون له هذه النهاية مشرقة.

﴿ إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4)﴾

 لا يؤخَّر، لكنك قد تستمتع بهذه الحياة وأنت في صحةٍ طيبة، و في درسٍ قادم إن شاء الله ننتقل إلى قوله تعالى:

﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَاراً (6) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً(7)﴾

( سورة نوح )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018