المؤلفات - كتاب الهجرة - الفقرة : 14 - لقد سوى الإسلام بينهما - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1كتاب الهجرة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب الهجرة - الفقرة : 14 - لقد سوى الإسلام بينهما


1993-07-08

 

 أيها الإخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، لقد قدم جبلة بن الأيهم أحد ملوك الغساسنة على سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، معلناً إسلامه، وقد رحب به عمر أشد الترحيب، وأنزله منزلته، وفيما جبلة بن الأيهم، هذا الملك الغساني يطوف حول الكعبة داس بدوي من فزارة خطأً على طرف ردائه، فأزاحه عن كتفه، فالتفت جبلة إليه، وضربه ضربةً هشّمت أنفه، فما كان من هذا البدوي من فزارة إلا أن يتجه إلى عمر بن الخطاب ليشكوا جبلة، فاستدعى عمر جبلة، وقال له، يا ابن أيهم، جاءني هذا الصباح مشهد يبعث في النفس المرارة، بدوي من فزارة بدماءٍ تتظلم، بجراج تتكلم، مقلةٌ غارت، وأنف قد تهشَّم، وسألناه، فألقى فادح والوزر عليك، بيديك.
أصحيح ما قاله هذا الفزاري الجريح ؟
قال جبلة: لست ممن ينكر أو يكتم شيَّا، أنا أدَّبت الفتى أدركت حقي بيدي.
 قال عمر: أي حق يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف العافي ويظلم، عند غيري جبهةٌ بالإثم بالباطل تلطم، نزوات الجاهلية ورياح العنجهية، قد دفنَّاها، وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
يا جبلة أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يُهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك.
فقال جبلة: كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة،وأنا صاحب تاج كيف ترضى أن يخرَّ النجم أرضاً، كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزُّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني.
فقال عمر: عالم نبنيه كل صدع فيه بشبا السيف يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى.
 يا إخوة الإيمان في كل مكان، لقد ارتد جبلة عن الإسلام، وأخذته العزة بالإثم، وأبى أن يخضع لحكم الله، وتسلَّل في جنح الظلام من المدينة مُتَّجهاً نحو الشمال، نحو أعداء المسلمين لينضم إليهم، ويمضي عمره بالمعاصي والآثام، وحينما دنا أجله، تقطع قلبه ندماً على ما فعل، فقد باع آخرته بدنياه، وقال بعض الأبيات :

يا ليت أمي لم تلدني وليتنــي  رجعت إلى الأمر الذي قاله عمـر
ويا ليتني أرعى الشياه بقفــرة و  كنت أسيراً في ربيعة أو مضـر
ويا ليت لي بالشام أدنى معيشـة  أجالس قومي ذاهب السمع والبصر
***

هذه هجرة في سبيل الشيطان، ولكن متى عرف الحقيقة، بعد فوات الأوان.
 أيها الإخوة الأكارم، كل مخلوق يموت، ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت، الليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر، والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنـازةً  فاعلم بأنك بعدها محــمولُ
***

 لذلك حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018