الدرس : 3 - سورة الغاشية - تفسير الآيات21-26 أهمية التذكير بوعد الله سبحانه ووعيده. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الغاشية - تفسير الآيات21-26 أهمية التذكير بوعد الله سبحانه ووعيده.


1985-02-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمْتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينْفعنا وانْفعنا بِما علَّمتنا وزِدْنا عِلماً، وأَرِنا الحق حقاً وارْزقنا اتِّباعه وأرِنا الباطل باطِلاً وارزُقنا اجْتنابه، واجْعلنا ممن يسْتمعون القول فَيَتَّبِعون أحْسنه وأدْخِلنا برحْمتك في عبادك الصالحين.

في القرآن الكريم ترابط بين مقاطع السورة مقْطَعاً مقْطعاً :

 أيها الأخوة الكرام، وصلنا في الدرس الماضي في سورة الغاشِية إلى قوله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 بيَّنْتُ لكم في الدرس الماضي أنَّ القرآن الكريم أُحْكِمَت آياته ثمَّ فُصِّلَتْ فلا بدَّ من ترابطٍ بين مقاطع السورة مقْطَعاً مقْطَعاً، وذَكَرْتُ وَقْتَها أنَّ الله سبحانه وتعالى سَيَّر في المقْطَع الأوَّل أحْوال أهْل النار، وفي المقْطع الثاني أحْوال أهل الجنَّة، وبَيَّنَ في المقْطع الثالث أنَّك إذا أردْتَ أنْ تفوز بالجنَّة وتنْجُوَ من عذاب النار فَعَلَيْك بالإيمان، وطريق الإيمان التَّفَكُّر في آيات الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى ضَرَبَ بعض الآيات كَمَثَلٍ لا على سبيل الحصْر بل على سبيل المثال، قال تعالى:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ* وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ﴾

 المقْطَعُ الأخير، ما علاقته بالمقاطع الأولى؟ لو أنَّ أهْل الجنَّة كما وَصَفَهم الله عز وجل يسْعدون إلى أبد الآبدين، وأهْل النار كما وَصَفَهم الله عز وجل يشْقَوْنَ إلى أبد الآبِدين، وأنَّ الآيات مَبْثوثةٌ في كُلِّ مكان، في أنْفسكم، وفي طعامكم، وفي شرابكم، وفي النبات، وفي الحيوانات الأهْلِيَّة وغير الأهْلِيَّة، وفي الجِبال والبحار، وفي السُّهول والصحارى، وفي الطيور والأسماك، إذا كان أهل الجنَّة كذلك والآيات كذلك وأهْل النار كذلك وهذا الإنسان لا يُفَكِّرُ فيها فماذا يجب عليك أنْ تفْعَلَهُ أنت؟!

فِعْلُ (ذَكِّر) يسْتلزم أنَّ في النَّفْس شيئاً كامِناً إذا ذَكَّرْتَ به الإنسان يذْكُرُهُ وهو الفطرة :

 قال تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 الإنسان لا يفكّر، هل تتْرُكُهُ على حاله؟ لا بُدَّ من التَّذْكير، ما معنى فَذَكِّرْ؟! حينما تقْرأ صفْحَةً من كتاب قد لا تذْكُرُها فإذا جاءَكَ صديقٌ أو زميل وذَكَّرَكَ بها تذْكُرُها، لا بدَّ من أن تكون قد قرأتها، فَفِعْلُ (ذَكِّر) يسْتلزم أنَّ في النَّفْس شيئاً كامِناً، إذا ذَكَّرْتَ به الإنسان يذْكُرُهُ فلولا هذا الشيءُ الكامن، ما معنى قوله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ ﴾

 لم يقُل الله تعالى: (عَلِّمْ) إنما قال: (ذَكِّرْ)، معنى ذلك أنَّ شيئاً كامِناً جئتَ أنت أيها النبيّ فَذَكَّرْتَهُ به فَذَكَرَهُ، ما هو هذا الشيء الكامن؟ الفِطْرَة، حينما خلق الله الإنسان خلقهُ بِفِطْرَةٍ لا ترْتاحُ إلا إذا عَرَفَتْهُ، مثلاً السَّمَكة طبيعتها وشَكْلُها وزعانِفُها وأكْياسُ الهواء فيها، بُنْيَةُ السَّمَكَة من ألفها إلى يائِها مُهَيَّأةٌ لِتَكون في الماء فإذا وَضَعْتَها في الماء ترْتاح، وإذا خَرَجَت منه تحَرَّكتْ واضْطَرَبَتْ وماتت فالإنْسان إذا عرف الله عز وجل عاد إلى فِطْرَتِهِ، ربنا عز وجل خلق الإنسانَ ضعيفاً فإذا عرف الله عز وجل اِطْمَأنَّ وإذا انْقَطَع عنه اضْطَرَبَ فَحَياةُ الذين لا يسْتقيمون على أمْر الله مُضْطَرِبِة، وحياتُهم قَلِقَة وفيها نَغَص قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

بعض علامات الإيمان :

 إذاً كلمة (فَذَكِّر) معناها يوجد بالنَّفْس شيءٌ كامِنٌ، وهو الفِطْرة السليمة التي فطَرَ الناس عليها، وهو تلك الاسْتِعْدادات والإمْكانات والخصائص التي إنْ عرفْتَ الله عز وجل تفاعَلَتْ وعَمِلَتْ وأبْدَعَتْ، فعندما يكون الإنسان غير مُسْتقيم وبعيداً عن الله عز وجل تُصبحُ حياته قَلِقَة، وفيها اضْطِرابٌ، ورُدود فعله عنيفةٌ جداً، وغير منطِقي، يُحبُّ أنْ يأخذ ما له وما ليس له، يخافُهُ الناس، يكْرَهُهُ الناس، فإذا عرف الله عز وجل وهو ضعيفٌ اِطْمَأنَّتْ نفسه بِقُوَّة الله، وإذا عرف الله عز وجل وهو الهلوع توازَنَتْ نفْسُهُ بِعَدالة الله، إذاً ربنا عز وجل لما قال لِنَبِيِّهِ الكريم: فَذَكِّرْ، كان ذلك دليلاً أنَّ في النفْس البشَرِيَّة شيئاً كامناً مُهَيَّئاً للإيمان، ومن كان صادِقاً يعْرفُ ما نقول! قال ابن عطاء الله الإسكندري: لا يعْرفُ ما نقول إلا من اقْتفى أثر الرسول، من آمن إيماناً صحيحاً يقول لك: كنت في جَهَنَّم، وقد أصْبَحْتُ في الجَنَّة، يقول لك: ليس في الأرض أسْعَدَ منِّي! يقول لك: أنا مُطْمَئِنّ، لا يرى إلا الله ولا يخْشى إلا الله، يُصْبِغُ الله عليه طُمأنينةً وسكينةً وتوازُناً وهُدوءاً وحِلْماً وبصيرةً وحِكْمَةً وفِراسَةً، هذه علامات المؤمن، لذلك من علامات الإيمان أنَّ المؤمن يكْرَهُ أنْ يعود في الكُفْر كما يكْرَهُ الرَّجُل أنْ يُلْقى في النار، هذه بعْضُ علامات الإيمان، فالنبي الكريم الله سبحانه وتعالى قال له: فَذَكِّر فالله خلق العباد كلَّهم على فِطْرةٍ سليمة وعلى بُنْيَةٍ واحدة، لا فرق بينهم، ولا فرْق بين أبْيَضِهم وأسْوَدِهم، ولا غَنِيِّهم وفقيرِهم، كلُّهم يخاف، فإذا عرف الله اطْمَأنَّ، كُلُّهم له قلْبٌ هَلوعٌ فإذا عرف الله أصبح جسوراً، كُلُّهم يُحِبُّ المادَّة فإذا عرف الله زَهِدَ فيما سِواها، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً* إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً* وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً* إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج: 19-21 ]

إذا كان هذا الأمر مُوَجَّهاً إلى النبي وهو قِمَّة العِلم فَهُوَ مُوَجَّهٌ للمؤمنين بالتَّبَعِيَّة :

 كلمة (فَذَكِّر) تعْني أنَّ شيئاً في النَّفْسِ مُسْتَقِرّ، مُهِمَّةُ النبي أنْ يكْشِفَ عنه، أنْ يُفَجِّرَهُ كما يقول علماء النَّفْس، في الإنسان أشْياءٌ كامنة، البيئَة الراقِيَة تُفَجِّرُها:

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 قبل أنْ نصِل إلى كلمة (إَّنما أنت مُذَكِّر)، الأمْرُ لِمَن؟ بِحَسَبِ ظاهِرِ الآية الأمْرُ مُوَجَّهٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ يا محمّد ذَكِّر، يا داود ذَكِّر عبادي بِإنْعامي عليهم فإنَّ النفوسَ جُبِلَتْ على حُبِّ من أحْسن إليها، وبُغْض من أساء إليها، ولكِنَّ علماء التفْسير: اِستِناداً إلى قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام:

((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))

[مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 فإذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلّم مأموراً أنْ يُذَكِّر، فَنَحْنُ أيْضاً مأمورون أنْ نُذكِّر، فإذا فَهِمْنا أنَّ الفِعْل ذَكِّر أنه للنبي عليه الصلاة والسلام، النبي قِمَّةُ العِلْم، ما من إنْسانٍ على وَجْه الأرض أعْلم من رسول الله، الآن تجد شَخْصاً يأخذ خمسين حديثاً ويَتَعَمَّق فيها فإذا به يأخذ دُكْتوراه بالشَّريعة، إذا فَهِمْتَ كلام النبي فأنت تَحْتَلّ أكبر مكانة عِلْمِيَّة في الأرض، فَمَن هو النبي؟ سيِّدُ العلماء والعُلماءُ كُلُّهم عالَةٌ عليه، فإذا كان هذا الأمر مُوَجَّهاً إلى النبي عليه الصلاة والسلام وهو قِمَّة العِلم فَهُوَ مُوَجَّهٌ للمؤمنين بالتَّبَعِيَّة، إذاً يجب عليك أنْ تتعَلَّم قبل أنْ تُذَكِّر، إذا كان هذا الأمر مُوَجَّهاً إليك أبها المؤمن ينبغي أنْ تفْهَمَ كتاب الله وهو أصل العِلْم، وأنْ تكون عالِماً، وينبغي أنْ تفهم سنَّةَ رسول الله وهي أعْلى تفْسيرٍ وفَهْمٍ لِكَلام الله، فإذا فَهِمْتَ آيةً وذاكَرْت بها في البيت وتأثَّرْتَ بها، اُنْقُلْها إلى الآخرين ولا تجْعل حَدِيثَكَ في أمورٍ سخيفة قال عليه الصلاة والسلام: " إنَّ الله يُحِبُّ معالِيَ الأمور، ويكْرَهُ سَفْسافَها ودَنِيَّها"، راقب نفْسَكَ! ما الموْضوعات التي تخوضُها مع أصْدِقائِكَ وزُملائِك وجيرانك ومع أرْباب مصْلحتك، في بيْتِكَ مع أوْلادك وَزَوْجَتِك.

((ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلا قاموا عن أنتن من جيفة))

[الطيالسي والبيهقي والضياء عن جابر]

كَلِمَة (فَذَكِّر) إذا وُجِّهَتْ للمؤمنين تَنْطَوي على دَعْوَةٍ للتَّعَلُّم وهو غير الاسْتِماع :

 كَلِمَة (فَذَكِّر) تَنْطَوي إذا وُجِّهَتْ للمؤمنين على دَعْوَةٍ للتَّعَلُّم وهو غير الاسْتِماع، قد يأتي رجُلٌ إلى مجْلس العِلم ويسْتمع إلى الدرْس ويخرج ونفْسه مُمْتَلئةٌ بهذا الدرس، ولكن قُلْ له بِرَبِّك: ماذا تَكَلَّم المُدَرِّس؟ هل تذْكُر أيةً واحدة أو تَوْجيهاً واحِداً؟ ما الذي اسْتَفَدْتَهُ؟ إنْ كنت تسْتَمِعُ العِلْم ولا تحْفَظُهُ ولا تُرَكِّزُه ولا تتعَمَّقُ في فهْمِهِ فَكَيْفَ تسْتطيعُ أنْ تتعَمَّق فيه وتنْقُلَهُ للغَيْر؟! فالتَّذْكير الذي في هذه الآية في الأساس مُوَجَهٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال:

((إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))

[مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 إذاً هي أيضاً مُوَجَّهَةٌ لِكُلِّ مؤمن فالمؤمن يجب أنْ يتعلَّم قبل أنْ يُذَكِّر وأصْل العِلْم كلام الله، والأصل الثاني سُنَّةُ رسول الله، أعْلى فَهْمٍ لِكِتاب الله، وأدَقُّ تفْسير لِهذا الكِتاب، المقْصود بِهذا الأمر النبي عليه الصلاة والسلام أوَّلاً، وكل من آمن به ثانياً، لذلك قد تُسأل هذا السؤال: أنت كم رجل؟ تقول: ما هذا السؤال؟! أنا رجل واحد، نقول لك: إنْ هَدَيْتَ إنساناً فأنت رجلان، وإنْ هَدَيْتَ رجلان فأنت اثْنَيْن، وإنْ هَدَيْتَ ثلاثة فأنت ثلاثة، وإنّ إبراهيم كان أمَّةً، بِهذا العُمُر المديد كم من إنْسان اتَّجه في اتِّجاهِك وتأثَّر بأفْكارك وبأخْلاقك وبِقِيَمِك، أقرب الناس أوْلادك وزَوْجَتُك، قال عليه الصلاة والسلام:

(( خَيْرُكُمْ خَيرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ ))

[الترمذي عَنْ عَائِشَةَ]

((لأن يؤدب أحدكم ولده خير له من أن يتصدق كل يوم له بصاع))

[العسكري في الأمثال عن جابر بن سمرة]

 خيرُ كَسْبِ الرَّجُل وَلَدَهُ، (فَذَكِّر)! هل ذَكَّرْتَ أوْلادك؟! هل ذَكّرْتَ زَوْجَتَك؟ وما الموضوعات التي تخوضُها مع زَوْجَتِك في الطعام، وفي السَّهْرة، عند الاسْتِيْقاظ، وعند النوم، دُنيا، أثاث المنزل، مشاكل الجيران، فُلان وعِلان، فَذَكِّر للنبي أوَّلاً وللمؤمنين ثانِياً، فهذا الأمر مُوَجَّهٌ إلينا أيْضاً.
 من الذي يُذَكِّر؟ كلَّ إنْسانٍ، هل في الأرض كُلِّها إنْسانٍ أبعد عن الدِّين من الذي قال: أنا ربكم الأعلى، والذي قال: ما علمت لكم من إلهٍ غيري! ومع ذلك قال تعالى:

﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[سورة طه: 43]

حجْمُكَ عند الله بِحَجْمِ من اهْتَدَوا على يَدَيْك :

 هذا الكلام له أبعاد وهو أنَّ كُلّ إنسان له إمْكانِيَةُ الهُدى بِما فيهم فِرْعَوْن فلا تيْأس من الناس، الإمام مالك رضي الله عنه رأى رَجُلاً في الطريق مُلْقى على قارعة الطريق وزيد الخمر على شَفَتَيْه ويقول: الله، هذا الإمام الكريم أبى وكَبُرَ عليه أنْ يخرجَ هذا الاسم من فَمٍ مخْمور! القِصَّة مُطَوَّلَة فما إنْ مَسَحَ فمَهُ وأكْرَمَهُ وأخذهُ إلى البيتْ، عالجَه بما يسْتَحِقّ فلما آوى إلى فِراشِه رأى في المنام أنّ الله سبحانه وتعالى قال له: يا مالك، طَهَّرْتَ قلبهُ من أجلنا فَطَهَرْنا قلبه من أجلك، ذَهَبَ إلى المسجد صباحاً، رأى رجُلاً يبْكي في صلاته ولم يألَف هذا الوجه من قبل، فقال له: من أنت يا أخي؟! قال: إنَّ الذي هداني أخْبَرَك بِحالي! لا تيْأس من الناس، ولا تيْأس من شارب الخمر ذَكِّرْهُ، وكذا إنْ كان آكلاً للرِّبا، كُلُّ إنسانٍ له إمْكانِيَةُ الهُدى بما فيهم فِرْعَون، لكن بالحِكمة وليس بالقسْوة! قال أحدهم للآخر أريد أنْ أنْصَحَك بالقَسْوة، فقال الآخر: ولِم القسْوة؟! لقد أرسل الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌّ مِنِّي أرسل موسى إلى فرعون، وقال له:

﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾

[سورة طه: 43]

 حجْمُكَ عند الله بِحَجْمِ من اهْتَدَوا على يَدَيْك، وما أحْدَثَ رجلٌ أخاً في الله إلا أحْدث الله له دَرَجَة في الجنَّة والكلام لا يؤثِّر، الفعل هو الذي يؤثِّر، قدِّم خدماتك للناس، عاونهم في شؤونهم، قدِّم لهم خبراتك، أعطهم من مالك أو أقرضهم إذا اضطر الأمر، قدِّم لهم شيئاً من خبراتك في الحياة، عندئذٍ إذا ذكَّرتَهم يذكرون وقد يبكون ويتأثَّرون، الكلام وحده لا يساوي شيئاً كله كلام بكلام، لكن المؤمن الصادق يحاول أن يبذل ممَّا آتاه الله حتَّى يستميل قلوب الناس، يجب أن تفتح قلب أخيك قبل أن تفتح عقله، افتح قلبه بالإحسان ثم افتح عقله بالحقائق:

﴿ فَذَكِّرْ ﴾

أنت المعني بهذه الآية ومن على وجه الأرض من المؤمنين معنيٌّ بالتذكير.

التُّؤَدَة خيرٌ في كُلِّ شيء إلا في عَمَلِ الآخرة :

 كلمة (ذكِّر) تعني أن في الإنسان فطرةً كاملة كما أن السمكة لها كل مقوِّمات الحياة في الماء، فإذا وضعتَها في الماء استقرَّتْ وارتاحت وسُرَّتْ، فإذا أخرجتَها من الماء اضطربتْ وماتت، فحينما يقول الله عز وجل: (ذكِّر)، يعني في الإنسان فطرة سليمة فإذا أيقظتَ كوامنها وذكَّرته بأصله وعرفتَه بربِّه عاد إلى فطرته فسعِد سعادةً كبرى، الأمر موجَّهٌ إلى النبي أوَّلاً وإليكم بالتبعية، من يُذكِّر؟ كُلَّ إنسان بالحِكْمة والموعظة الحَسَنة، من أمر بالمعْروفٍ فَلْيَكُن أمره بالمعْروف، كيفَ نُذَكِّر؟ ذَكَّر من الثلاثي المُضَعَّف، مثلاً غَلَقَ الباب لكن غَلَّقَ الباب أرْصَدَهُ، كسر العود أما كَسَّر العود أي بالغ في كسْره، قطع اللَّحْم أما قطَّع اللَّحْم بالغ في التقْطيع، مزَّق الورق جعلها قِطَعاً صغيرة، فالفِعْل الثلاثي إذا ضَعَفْنا عَيْنَهُ يُفيدُ المُبالغة، فَرَبُّنا عز وجل قال: (فَذَكِّر) أيْ أكْثِرْ من الذِّكْر، لا إْسراف في التَّذْكير والخير ولا خير في الإسراف، التُّؤَدَة خيرٌ في كُلِّ شيء إلا في عَمَلِ الآخرة، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة الأحزاب: 41 ]

 وقال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 102 ]

التذكير يكون في كل وقت :

 قال تعالى:

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾

[ سورة الحج: 78 ]

 ذَكِّر صباحاً ومساءً ولَيْلاً ونهاراً، وفي أيام الرَّخاء وفي أيامِ الشِّدَّة، وفي البحْبوحة وفي الصِّحَة وفي المرض، هذه الشَّدَّة تعْني المُبالغة في التَّذْكير من الذي تُذَكِّر؟ ومن يُذَكِّر؟ وكيف تُذَكِّر؟ ما موضوعات التَّذْكير، تذْكيرُ الإنسان بأصْله، قال تعالى:

﴿ أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾

[سورة يس: 77 ]

 ذَكِّرْهُ بأنَّ الجِسْم وهذه المكانة وهذه القُوَّة وهذا المال شيءٌ منَّ الله به عليك، ألمْ يأتِ عليك حينٌ من الدَّهْر لم تَكُن شيئاً مذْكوراً؟ كُلٌّ مناَّ له تاريخُ ميلاد، لو فَرَضْنا أنَّ أحداً منَّا موْلودٌ سنة ألفٍ وتِسْعِمئة وخمس وثلاثين، سنة ألفٍ وتِسْعمئة وثلاثين، من يعْرِفك؟ أنت لا شيءَ؟ طيِّب، سنة ألْفَيْن وخمسُمئة! ذِكرى، إنْ كنت ممن عرف الله عز وجل قد تبْقى ذِكْراك في القلوب، وإلا فلا، مرَّةً سألْتُ طُلابي فقُلْتُ لهم: من يذْكُر لي اسم غَنِيٍّ عاش في الشام سنة ألف وثمانمئة وخمْسٍ وثمانين؟ فَكَّروا وفكَّروا حتى عجَزوا عن الجواب، فقُلْتُ لهم: وأنا مثْلُكُم لا أعْرف.

موضوعات التذكير :

 يا بُنَيَّ ماتَ خُدامَ المال وهم أحْياء والعلماء باقون ما بَقِيَ الدَّهْر، أعْيانهم مفْقودة وأمْثالهم في القلوب موجودة، إذاً الموضوعات، ذَكِّرْهُ بِأصْلِهِ لم التكَبر، ذَكِّرْهُ بِمَصيره، كيف سيَكُون تحت الثَّرى، يا ابن آدم إنَّك تسير على ظَهْري، وسوف أضُمُّك إلى بطْني، الأرضُ القائِلة، ذَكِّرْهُ بآلاء الله فالإنسان مُحاط بآيات مُذْهِلَة، ليستْ الآيات التي حَوْلَهُ بُرْهاناً مُقْنِعاً، لكنها برهان قاطع على عظمة الله، الماء يعطيك درساً، من جعله عذباً فراتاً وكان من قبلُ مِلحاً أُجاجاً؟ الله سبحانه وتعالى، من نصب الجبال وأقام السهول وفتَّت التربة وجعلها ممتلئة بالأحياء الدقيقة كي ينبت النبات؟ من جعل الماء يتمدَّد إذا تجمّد كي يعين على تشكيل التربة؟ من جعل البحار ومن جعل القطبين والصحارى والسهول؟ من خلق النبات؟ من أعطانا مليون نوع من السمك ومن صمَّم آلاف الأنواع من الطّيور، وبثَّ فيها من كل دآبة؟ ذكِّرهم بآلاء الله وبأصلهم كي يتواضعوا وبمصيرهم كي يخافوا، وذكِّرهم بآلاء الله كي يعظِّموه وذكِّرهم بنعمه كي يحبُّوه، يا داود ذكِّر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس قد جُبِلَت على حبِّ من أحسن إليها، ذكِّرهم بالمثانة، فكل عشرين ثانية ينزل من كليتيه نقطةً إلى المثانة ولولاها لاحتاج الإنسان إلى فوط طوال النهار، ولأتعبته فأين كرامتك؟ إن كانت للإنسان رائحة قبيحة؟‍ وإفْراغ المثانة؛ هو أنَّ ربنا عز وجل جعل لها عَضَلات ضاغِطَة فإذا أردْتَ أنْ تُفْرِغَها أفْرَغْتها في دقيقةٍ أو نصْفُها، ولولا هذه العضلات لاحْتَجْتَ إلى عشْر دقائق كي تُفرغها، ومن منَحَها أنْ تمْنَعَ كُلَّ رائِحَة كريهة تخْرج من المُستقيم! من أعْطاك السمْع والبصر وهذه الذاكرة والقُدْرة على المُحاكمة، قال تعالى:

﴿ وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيّاً وَلَا يَرْجِعُونَ ﴾

[سورة يس: 67 ]

 رجل دخل عليه ابنه فقال له: منْ أنت؟! فَقَدَ ذاكِرَتُهُ، الإمْكانات الفِكْرية هل هي قليلة؟ هذه المفاصل والعضلات والعِظام، ومن الذي جعل عضلات الحَوْض يرْتَكز عليه الفخِذ؟ ومن جعل لِعَظم الفخذ عُنُقاً؟ ومن جعل هذه القطعة في الفخذ أقْصى شيءٍ في الإنسان؟ هذه الأخيرة تحْتمل وزن مئتين وخمْسين كيلو، فالإنسان لو وُضِع فوقه خمسمئة كيلو فإنَّ العضلات تحْتمِلُها! ذَكِّرْهم بآلاء الله، وبِهذا الطِّفْل الذي أمامك، كان من نطفَةً من ماءٍ مهين، وأعْطاهُ هذه الصورة الحَسَنَة، وألْهَمَهُ هذا الكلام اللَّطيف، علماء نفْس الأطْفال اكْتَشَفوا صِفات للطُّفولة منها البراءة، والصفاء، والانْفِعال.

آيات قرآنية للتذكير :

 إذا رأيْتَ واحداً أشْرك بالله فَذَكِّرْهُ بقول الله تعالى:

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة هود: 123 ]

 ذكّره بقوله تعالى:

﴿ فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَناً إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[سورة الأنفال: 17 ]

 وذكّره بقوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾

[سورة الفتح: 10 ]

 وذكّره بقوله تعالى:

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ ﴾

[سورة هود: 55]

 وذكّره بقوله تعالى:

﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

[سورة الزمر: 63]

 وقوله تعالى:

﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾

[سورة الزمر: 66 ]

 تذْكيرٌ بالتوْحيد، إذا رأيْتَه مائلاً إلى الدنيا ذكره بالموت، رأيْتَهُ ليس مُحِباً لله ذَكِّرْهُ بآلاء الله، ذَكِّرْهُ بعذاب الله وبالأمراض الوبيلة، والفقر، والشِّقاق الزَّوْجي، هناك مصائبٌ لا يعْلمها إلا الله.

حجم النبي الكريم أنه يذكِّر الناس بالله فقط :

 إذاً أصبح التَّذْكير من الفطرة، ومُوَجَّهٌ، وعرفْتَ من يجب أنْ تُذَكِّر؟ وكيف؟ ومن يُذَكِّر؟ وما الموضوع الذي تُذَكِّرُ به؟ قال الله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 أي أن النبي مذكِّر وقد يكون بيده الأمر، مذكِّر وبيده الأمر، مذكِّر وبيده النفع والضُّرُّ، أمَّا حينما قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾

 أي أنت مذكِّر فقط، هذا هو القصر، أي أن حجم النبي الكريم أنه يذكِّر الناس بالله فقط، فإذا أحبُّوه وعاملوه شعروا بالسعادة، هذا كل ما في الأمر، أما أن تقول: وليٌّ من الأولياء يصلي العصر في مكَّة، والعشاء في المدينة، والغداة في الأقصى، وهو في دمشق، لِم لمْ يهاجر النبي هكذا؟ سُئِل الجنيد: منْ وليُّ الله، أهو الذي يمشي على وجه الماء أم هو الذي يطير في الهواء؟ قال: لا هذا ولا ذاك، وليُّ الله تجده عند الحلال والحرام، وقَّافاً عند الحرام ملتَزِماً بالحلال، هذه هي الولاية، أمَّا أنه تُنسبُ لأشخاص أعمال خارقة للعادات فوق إمكانات البشر وتظن أن الولاية هكذا، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

سيد الخلق وحبيب الحق مذكِّر فإن أصبح حجمه أكثر من هذا صار تأليهاً :

 اللهم إنما بشر ينسى كما ينسى البشر، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 188 ]

 قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة الأنعام:15 ]

 قال تعالى:

﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الأنعام:50 ]

 هذا نبي يخاف الله إن عصاه عذاب يوم عظيم، ولا يعلم الغيب، ولا يملك لنا ولا لنفسه نفعاً ولا ضرّاً، قال تعالى:

﴿ قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾

[ سورة الأحقاف:9 ]

 سيِّد الخلق وحبيب الحق ولكن الفعل بيد الله عز وجل، إنما أنت مذكِّر هذا حجمك، أكثر من هذا صار تأليهاً.

حجم المرشد :

 غلاة النصارى قالوا: المسيح ابن الله، وكل فئة تُغالي وتتجاوز الحدَّ الذي نصَّ الله عليه تنسب بعض صفات الأُلوهية للبشر، فذكِّر إنما أنت مذكِر فقط، لذلك قال الصوفيون: لا تصاحب من لا ينهض بك إلى الله حاله ومن لا يدلُّك على الله مقاله، هذا هو حجم المرشد، وأكثر من هذا لا يوجد، يذكِّرك بالله فإذا حصل احتكاك ومعاملة تحبُّه، لأنه ملتزم ومطبِّق، أولياء أمتي إذا رُؤوا ذُكِّر الله بهم،فإذا رأيت النبي الكريم في المنام تبقى شهراً غارقاً في السعادة، فهذه النفس اشتبكَت مع نفسٍ عالية جدّاً تتلقى من الله تجلِّيات عالية، هذه بعض معاني الشفاعة، اتصال النفس برسول الله في حياته وبعد مماته، هذا بعض معاني ما يحدث للمؤمن من سرور، فإذا جلس في مجلس علم فالنبي الكريم جاءه سيدنا الصديق مع سيدنا حنظلة، فقال سيدنا حنظلة: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، نحن والجنة كهاتين فإذا عافسنا أهلنا نسينا، سيدنا الصديق كان رقيقاً وحكيماً قال له: أنا كذلك يا أخي، انطلق بنا إلى رسول الله وهاك نص الحديث:

((عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ قَالَ - وَكَانَ مِنْ كُتَّابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: قُلْتُ: نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيراً، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَوَ اللَّهِ إِنَّا لَنَلْقَى مِثْلَ هَذَا فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: نَافَقَ حَنْظَلَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا ذَاكَ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَكُونُ عِنْدَكَ تُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِكَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ نَسِينَا كَثِيراً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنْ لَوْ تَدُومُونَ عَلَى مَا تَكُونُونَ عِنْدِي وَفِي الذِّكْرِ لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ وَفِي طُرُقِكُمْ وَلَكِنْ يَا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

[مسلم عَنْ حَنْظَلَةَ الْأُسَيِّدِيِّ ]

 انتهى الكلام أن المؤمن في حضرة النبي الكريم يحس بمشاعر لا يحسُّها وهو بعيد عنه، هذه وظيفة من وظائف النبي والدعاة إلى الله.

أعْلى مقامٍ للإنسان أن يكون عبداً لله :

 علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل، هذه حال المؤمن، إذا اقتربت منه شعرتَ بالسعادة وإذا استمعتَ إليه يملؤك علماً، أمَّا أنه يمشي على الماء أو طار في الهواء، لا يعْلم الغيب إلا الله، الوليُّ من تجده عند الحلال والحرام هو كالبشر وليس فوق البشر، وليس عنده إمْكانات فوق البشر، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

(( إنما أَنا بشرٌ أرْضى كما يرْضى البشر وأغضب كما يغضب البشر))

[مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه]

 قال تعالى: قل لا أعلم الغيب، إذا جَمَعْتَ هذه الآيات تعْرفُ حجْم النبي عليه الصلاة والسلام، إنما أنا عبد الله ورسوله، أشْهَدُ أنْ لا إله إلا الله وأشْهد أنَّ محمَّداً عبده ورسوله، أعْلى مقامٍ للإنسان أن يكون عبداً لله، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة المائدة: 77 ]

الإنسان مُخَيَّر ومُسْتَقِلّ في اخْتياره عن النبي :

 حتى لا يقع الإنسان بِمُبالغات ويعْطيك للأنبياء والأولياء حجماً أكبر بِكَثيرٍ من حجْمِهِم الحقيقي، ربنا عز وجل قال:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾

 حتى الإنسان مُخَيَّر، ومُسْتَقِلّ في اخْتياره عن النبي لذلك قال الله عز وجل:

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 272 ]

 قال تعالى:

﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56 ]

 ذاك نظر بِشَخْصٍ فاهْتَدى! هذه ليْسَت لِرَسول الله فما بالك لِمَن هو دونه إذا أقنعه وجاء بأدلّة منطقيّة، ذكّره بالجنّة وحذّره من النار، عمل محاكمة فاهتدى، لو أنَّ النبي يمْلكها لَنَظَر إلى عَمِّهِ أبي لَهَبٍ فاهْتَدى قال تعالى:

﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ*مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ*سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ*وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ*فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾

[ سورة المسد: 1-5 ]

آيات قرآنية وأحاديث شريفة تؤكد أن الإنْسان مُخَيَّر :

(( يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسكِ من النار - اُنْظر إلى دِقَّة البلاغة النَّبَوِيَّة - أنا لا أغني عنك من الله شيئاً ، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم ، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه ))

[أخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي عن أبي هريرة ]

(( حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا عَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ سَلِينِي بِمَا شِئْتِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾

 هذا يعْني أنَّ الإنْسان مُخَيَّر، قال تعالى:"

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾

[ سورة القصص: 56 ]

 قال تعالى:

﴿ وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

التلازُم بين الكُفْر وبين أنْ تُعْرِضَ عن الحقّ :

 الله عز وجل طمْأنَ النبي عليه الصلاة والسلام أنَّه ليس عليك إلا التَّذْكير، وعَلَيْك أنْ تُبَيِّن لهم كُلَّ شيء حتى يخْتاروا الهِداية، أما إذا ظَنَنْتَ أنَّكَ سَتُجْبِرُهم على شيءٍ فهذا ليس بِإِمْكانك، ولا يعْني أنَّهُ مُخَيَّر ليس له تَبِعَةٌ لِعَمَلِهِ، هذا اِهْتدى وذاك ما اهْتَدى حُرٌّ، لكي لا تقع في هذا الوَهْم تذكَّر قوله تعالى:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ﴾

 لكن من تولى وكفر لا يعفى من المسؤولِيَّة، هناك سَوف يلْقى تَبِعَة عمَلِهِ إلا من تولى وكفر، هناك تفْسيرات لهذه الآية:

﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾

 من توّلَّى أيْ من أدار ظهْره للحق، هذا هو الكُفْرُ، وهناك تلازُمٌ بين الكُفْر وبين أنْ تُعْرِضَ عن الحقّ، أحْياناً يُلْقي المُدَرِّس درْساً قَيِّماً والطالب مشْغولٌ بِرَسم خُطوط سخيفة على دفْتَرِه، فهذا الطالب مُوقِن بِوُجود المُدَرِّس صَوْتاً وصورةً وحجْماً، ومع ذلك يُعْتَبر هذا الطالب كافراً بالمُدَرِّس، ليس معنى كافر أنَّهُ أنْكَرَ وُجوده ولكن زاهِدٌ بِعِلْمِهِ ومُعْرِضٌ عنه، فصار معْنى الكُفْر الزُّهْد بما عند الله، والإعْراض عنه تعالى لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿ وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 54 ]

الكُفْر هو الإعْراض وهو أنْ تُديرَ وجْهَكَ للشَّرْع ولِعِقاب الله ووعيدِهِ ووعْدِهِ وِجَنَّتِه:

 يُصَلي ويُنفِقُ من ماله ومع ذلك وَصَفَهم الله عز وجل بِأنَّهُم كفروا بالله ورسوله، فالكُفْر هو الإعْراض، وهو أنْ تُديرَ وجْهَكَ للشَّرْع ولِعِقاب الله ووعيدِهِ ووعْدِهِ ولِجَنَّتِه، لذلك:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ *إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾

 ولكن من تَوَلى وكَفَر لا ينْجو من تَبِعَة عَمَلِهِ، (إلا) هنا بمعنى بَيْدَ، بَيْدَ أنّه من تَوَلى وَكَفَر:

﴿ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾

 هناك عذابٌ أليم، وهناك عذابٌ عظيم، وهناك عذابٌ مهينٌ، وآخر إلى أبدِ الآبِدين، وهناك مَسٌّ بالعذاب، أحْياناً يضَعُ الإنسان تياراً على يَدِهِ فإذا به يُمَسّ قال تعالى:

﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ﴾

 المَسُّ غير العذاب المُسْتَمِرّ، فالإنسان الذي لا يخاف الله أحْمَقٌ وغَبِيٌّ وعديمُ الإدْراك، الله سبحانه وتعالى قال:

﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾

كُلَّما فَكَّرْتَ في عذاب الله فهو أكبر :

 قلتُ اليوم بالخُطبة كلمة: أنَّكَ لا تجدُ مُسْلِماً يقرأ القرآن إلا ويقول بعد الانْتِهاء من قِراءَتِهِ: صدق الله العظيم، ولكِنَّك إذا تَفَحَّصْتَ عَمَلَهُ لم تَجِدْهُ مُصَدِّقاً لِكِتاب الله! لماذا؟ لأنَّهُ يعمل للدنيا ويرتكب المعاصي والموبِقات، وكأنَّ الحياة هي كُلُّ شيء، ولا شيءَ بعد الحياة، لا حِساب ولا عذاب ولا سُؤال ولا جَهَنَّم، يعيشُ في الدنيا على أهْوائِهِ، يُعْطي لِنَفْسِهِ هَواها ويَتَمَنى على الله الأماني، هذا الإنسان بالذات عَمَلُهُ لا يُصَدِّقُ كتاب الله، قد يكون في لِسانه مُصَدِّقاً ولكن عَمَلَهُ لا يُصَدِّق، لذلك ربنا عز وجل قال:

﴿ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ*لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ*إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ*فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾

 ما هي العَذابات في الدنيا؟ الإنسان يفْقِدُ سمْعَهُ وعقْلَهُ، ويدخلُ إلى مُسْتَشْفى الأمراض العَقْلِيَّة، وهذا يفْقِدُ أهلهُ، وذاك مرضٌ عُضال، والآخر يفْتَقِر يشتهي رغيف الخُبز، هذا حدث في الحُروب السابقة، يكون له ابنٌ عاق، كٌلُّ هذه العذابات معْقولة ومقْبولة ومُحْتَمَلَة، لكنَّ ربنا عز وجل قال:

﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ* فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾

 كُلَّما فَكَّرْتَ في عذاب الله فهو أكبر، لذلك قد يُطِلُّ الإنسان حين مَوْتِهِ يُفْتَحُ له بعضُ أبواب النار، فَيَقول: لم أرَ خيراً قطّ! كُلُّ هذا العُمُر المديد الذي أمْضاهُ في النعيم والمباهج والمَسَرات والطعام الساخن، حينما يُفتَح له بعض أبواب النار يقول: لم أر خيراً قط في حياتي، وإذا فُتِح باب من أبواب الجنة للمؤمن يقول: لم أر شرّاً قط، تكون حياته كلها عذاباً وأمراضاً، هذه الحياة الأبدية التي لا نهاية لها يُستغنَى عنها ويُزهَد بها ويُستخفُّ بحقِّها، ولا يستخفُّ بها إلا أحمق، كلام الله خالق الكون الذي خلقنا من نطفة ولم نكن شيئاً يقول:

﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ*فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ﴾

ليس في القرآن الكريم آياتٌ أشَدُّ وعيداً من هذه الآيات :

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

 واللهِ إذا عاملت إنساناً قاسياً جدّاً وأبصرت عقابه الأليم فإنك تخاف من معْصِيَتِه، إذا كان لك خِبْرة مع إنْسانٍ قاسٍ لا يَرْحَم إذا قال فَعَلَ، فلا تُعانِد من إذا قال فَعَل وتعْصِي أمْره، وتُطيعُهُ طاعَةً عَمْياء، فلو قال لك: اللّبن أسْود، قُلْ له: أسْود فاحِم! لأنَّك رأَيْت عذابه الأليم، فإذا كُنْتَ تُعامِل إنْساناً من جِلْدَتِك ومن بني آدم وسوفَ يموت وهو بِيَد الله عز وجل، إذا حَذَّرك وأنْذَرَك وبَطَشْ تُطيعُهُ طاعَةً عَمْياء، ألا يسْتَحِقُّ الله عز وجل خالقُ هذا الكَوْن وخالقُ الشَّمْس والقمر، وخالقُ البِحار والجِبال، ألا يسْتحِقُّ الله عز وجل أنْ تُطيعَهُ؟! وأنْ تُصَدِّقَ كِتابه؟ وهذا الكونُ كُلُّهُ شهادَةٌ له، قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ*فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ*إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

 ليس في القرآن الكريم آياتٌ أشَدُّ وعيداً من هذه الآيات، أحْياناً يكون عندك ضُيوف فتُشيرُ لابنك أنْ تَهَدَّأ! ثمَّ تُحاسِبُهُ حِساباً يسيراً، قال تعالى:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

 سوف يعود الناس إلى الله عز وجل ويُسْألون عن كُلِّ حَرَكَةٍ وسَكنةٍ وعن كُلِّ دِرْهَمٍ اكْتسبوه وفيما أنْفَقوه، وعن شبابهم فيما أبْلَوْهُ، وعن عِلْمِهم ماذا عَمِلوا به:

﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ*ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾

 الحِساب على الله عز وجل فإذا كان الإنسانُ في مَحَلٍّ وخالفَ تعْليماتٍ مُعَيَّنة، ثمَّ يؤْخَذُ إلى الجِهَة التي خالفَ تعْليماتها ويُعْرَضُ عليه شريطٌ صورة وصَوْت بِكُلِّ حركاته وسكناته وقيامه، ماذا يَحِلُّ به؟‍ يتمنى الأرض أنْ تنْشَقَّ وتبتلعَه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018