الخطبة : 0415 - الرزق2 ، المتاع - فوائد العبادات الصحية. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0415 - الرزق2 ، المتاع - فوائد العبادات الصحية.


1992-11-06

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ، ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

صفات المؤمنين :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة الشورى آياتٌ عديدة تبدأ من الآية السادسة والثلاثين وما بعدها ، هذه الآيات فيها وصْفٌ دقيق للمؤمنين الذين يستحقُّون جنّة الله جلّ جلاله .

1- الزهد .

 يقول الله جلّ جلاله في سورة السورة الشورى ، وفي الآية السادسة والثلاثين :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 أيها الإخوة ؛ هذه الآية تبيّن أنَّ الحُظوظ التي يمْنحها الله للإنسان في الدنيا إنَّما هي متاع ، والمتاع اللذّة العابرة التي لا تتْرُك ما وراءها ، قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 الدنيا كلُّها متاع ، مجموعة من اللّذات الطارئة والعابرة ، والتي لا تُبقي أثراً إطلاقاً ، فربُّنا جلّ جلاله يبيّن لنا حجْم الدنيا ، إنَّ حجمها صغير ، وأمدها قصير ، وشأنها حقير ، فهذا الشيء الذي تعتزّ به ، وهذا المال الذي تزْهو به ، هذه الوسامة التي تتيهُ بها ، هذا الحظّ العظيم في نظر الناس هو في نظر الله صغير ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾

[ سورة التوبة الآية:38]

 حظّها قليل ، وأمدها قصير ، وشأنها حقير ، فما أوتيتم من شيء ؛ أيّ شيءٍ تريدُه ، وما من كلمةٍ أوْسعُ شمولاً من كلمة شيء ، شيءٍ ماديّ ، أو مَعنويّ ، كثير ، أو قليل ، جليل ، أو حقير ، مُتَعٌ حِسِيَّة ، أو مُتَعٌ ماديّة ، أو مُتَعٌ عقليّة ، أو مُتَعٌ اجتماعيّة ، أو مُتَعٌ فنيّة ، وما أوتيتم من شيءٍ ، أيُّ شيءٍ آتاك الله إياه ، عرَضٌ حاضر ، لذَّة عابرة ، متاعٌ قليل ، يقول عليه الصلاة والسلام :

((يا عبادي لو أن أولكم وآخركم ، وإنسكم وجنكم ، قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر))

[أخرجه ابن حبان عن أبو ذر رضي الله عنه]

 أعْدَدْتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأَتْ ، ولا أُذنٌ سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، فمن رأى الدنيا عظيمةً ، ورآها كلّ شيءٍ ، رآها مديدةً ، وطويلة الأمَد ، وتعلّق بها ، حطَّ عندها رِحاله ، انْتَهَت عندها آمالهُ ، جعلها كلّ شيء فقد ضلَّ ضلالاً مبينًا ، لا بدّ من أن تأتِيَ ساعةٌ يراها شيئًا ، ولكن ليْسَت كلّ شيء ، وعند مفارقتها يراها لا شيء .
 فربُّنا قبل فوات الأوان ، ونحن في شبابنا ، ونحن في أوْج قوّتنا ، ونحن في الدنيا يُذكِّرنا بِشأنها وحجمها ، قال :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 المُتْعَةُ هي اللذّة العابرة التي لا أثرَ لها فيما بعدها ، كُلْ أطْيَبَ طعامٍ ، ثمّ لِتَشْعر بألمٍ في الأسنان ، فأين لذّة الطعام ؟ انْتَهَتْ ، وبقيَ الألم المشكلة ، أيّها الإخوة ؛ أنّ الدنيا تنقضي لذائذها ، وتبقى تبِعاتُها ، وأنّ العمل الصالح ، ومجاهدة النفس والهوى تنقضي متاعبها ، وتبقى سعادتها .
 شتَّان بين من يستمتعُ استمتاعًا عابرًا ، ويدفعُ الثَّمَن باهظًا ، ويشقى إلى الأبد ، وبين من يجهدُ لأمدٍ قصير ، ويستمتعُ بِجَنَّة عرضها السماوات والأرض ، خالق الكون ، مُنزل هذا الكتاب، خالقنا ، وربّنا ، وإلهنا ، يبيِّنُ لنا ذلك ، قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 لذلك قلْ لي ما الذي يُفرحُك ، أقُلْ لك من أنت ؟! ربُّنا عز وجل يُخاطب المؤمنين فيقول :

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[ سورة يونس الآية:58]

 افْرَح بِطَاعة الله ، وافرَحْ بمعرفة الله ، وافرَحْ بالعمل الصالح ، وافرَحْ بِهِدايَةٍ يُجريها الله على يديك ، وافرَحْ إذا اسْتخدمكَ الله في الخير ، وافرَحْ إذا جعلك الله مفتاحًا للخير ، مغلاقًا للشرّ ، وافرَحْ إذا عرَّفك بذاته ، وافرَحْ إذا أطْلق لسانك بالحق ، فلذلك فلْيفرحوا ، أما أهل الدنيا فيفرحون بالدنيا ، ربّنا عز وجل وصفَ قارون فقال :

﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾

[ سورة القصص الآية:76]

 لا يحبُّ الله أن تفرحَ بِعَرضٍ زائل ، لا يحبّ الله أن تفرحَ بعُمُرٍ قصير ، مشؤومٍ بالمتاعب، لا تفْرح إنّ الله لا يحبّ الفرحين ، لكنَّه في آيةٍ أخرى يقول :

﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

[ سورة يونس الآية:58]

 افرح بطاعة الله ، قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ كلمتان خفيفتان على اللّسان لكنّهما ثقيلتان في الميزان خيرٌ وأبقى ، طبيعة السعادة في الآخرة طبيعةٌ مُتألّقة ؛ لا نغص ولا شائبة ، لا قلق ، ولا همّ ، ولا حزَن ، لا مرض ، لا فقْر ، لا تهديد ، لا خوف ، لا وعيدٍ ، خيرٌ وإلى أبد الآبدين ، وما عند الله خير وأبقى ، ولكن لِمَن ؟ هذه الحياة الأبديّة لِمَن ؟ جاء الجواب ، قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 آمنوا حقيقة ، آمنوا بالله خالقًا ، آمنوا به مربِّيًا ، آمنوا به إلهًا ، آمنوا بأسمائه الحسنى ، آمنوا بعدالته ، وآمنوا بقُدرتِه ، آمنوا باليوم الآخر ، يوم القِصاص ، ويوم الجزاء ، ويوم الدينونة ، يوم العدالة المُطلقة ، يوم تسْوِيَة الحِسابات ، لا يفرح الإنسان إذا كسبَ مالاً حرامًا ، فلا بدّ من أن يقفَ موقفًا صعبًا يوم القيامة ، لا يفرح إذا انْتصَر على عدوِّه ظُلمًا ، لا بدّ من أن يقف موقفًا صعبًا يوم القيامة ، قال تعالى :

﴿لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ لا بدّ من وقتٍ تبذلهُ كي تؤمن ، كيفَ يؤمن الإنسان من دون أن يلتفت للإيمان إطلاقًا ، ومن دون أن يستمع ، ومن دون أن يتأمّل ، ومن دون أن يتفكّر ، من دون أن يتعلّم ، ومن دون أن يرتاد المساجد ، كيف يؤمن ؟ الإنسان وِعاء ، يخرجُ منه ما يُعبَّأُ فيه ، فإذا كنت تستمع إلى أخبار الناس وسقطاتهم ، وأخبار أهل الفنّ ، وتقرأ في الصّحف والمجلات ، كيف تعرف الله عز وجل ما لمْ ترْتَد مساجد الله عز وجل ، ما لمْ تتعرّف إلى الله من خلال الكون متأمِّلاً ، وما لم تتعرّف إلى القرآن مستمعًا ، ودارسًا ، ما لمْ تتعرّف إلى الله من خلال أفعاله معتبِرًا ، ومتَّعظًا ، فللذين آمنوا ؛ اسْأَلْ نفسكَ هذا السؤال : هل أنا مؤمن ؟! لا تتملّق نفسك ، لا تُحابيها ، كُن معها صريحًا ، متى آمنتَ ؟ ومتى جلسْتَ تفكِّرُ في آيات الله ؟ ومتى اقتطَفْتَ من وقتك الثمين وقتًا تستمعُ فيه إلى كلام الله عز وجل ؟ للذين آمنوا ، الإيمان له علامات ، علامة الإيمان طاعة الله عز وجل ، علامة الإيمان أنّك تحبُّ الله أكثر من كلّ شيءٍ ، والذين آمنوا أشدُّ حبًّا لله ، علامة الإيمان أنّه إذا ذُكِر الله وجِلَ قلبكَ ، وإذا تُلِيَتْ عليك آياتهُ زادتْك إيمانًا ، علامة الإيمان الطمأنينة ، ألا إنّ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، علامة الإيمان القُرْب من الله عز وجل ، علامة الإيمان التحلّي بالأخلاق الفاضلة ، إنَّها من ثِمار الإيمان ، والإيمان أساس الفضائل ، ولِجام الرذائل ، وقِوام العزائم ، والبلْسَمُ عند الشدائد ، صبْرُك من علامات إيمانك ، وشُكرك من علامات إيمانك ، يقينُك من علامات إيمانك ، زهدك في الدنيا من علامات إيمانك ، ورعك من علامات إيمانك ، حبّك للخير وأهله من علامات إيمانك ، حبّك للمؤمنين من علامات إيمانك ، علامات الإيمان ابْحَث عنها في كتاب الله ، اقرأ كتاب الله وابحَث عن صفات المؤمنين ، إذا مرُّوا باللّغو مرُّوا كرامًا ، ويبيتون لربّهم سجَّدًا وقيامًا ، يتلون آيات الله أناء الليل ، وأطراف النهار ، اقرأ القرآن ، واستنبط منه علامات المؤمنين ، وصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم ، اقرأ سنّة النبي عليه الصلاة والسلام الإيمان قيْدُ الفتك ، ولا يفْتكُ مؤمن ، الإيمان عفَّة عن المطامع ، عِفَّة عن المحارم ، الإيمان أن ترى أنّ الله معك ، حيثما كنت اقرأ كتاب الله .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ إذا قرأتم كتاب الله لِيَكُن في أذهانكم هدفٌ كبير ، اقرأْهُ مرّة لِتَستنبط صفات المؤمنين ، اِجْمعها في كتاب ، اجْمَعها في كُتيِّب ، اُدرسها ، هل تنطبق هذه الصفات عليك ؟ قال تعالى :

﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾

[ سورة آل عمران الآية:133-134]

2- التوكل .

 قال تعالى :

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾

[ سورة آل عمران الآية:173]

 لا يحضرني الآن كلّ الآيات التي تصف المؤمنين ، اُدرسوها في القرآن الكريم ، اسْتنبِطوها وابحَثوا عنها في السنّة المطهّرة ، هذه الجنّة العظيمة للذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكّلون ، ومن أدقّ تفسيرات يتوكَّلُون أنَّهم يأخذون بالأسباب ، ويعتمدون على ربّ الأرباب .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ التوكلّ حالة دقيقة جدًّا ، من لم يأخذ بالأسباب فقد عصى الله ورسوله ، ومن أخذ بها واعتمد عليها فقد أشرك بالله ، ولكنّ الحلّ أن تأخذ بها وتعتمد على الله ، أن تأخذ بها ، وأن تثق بالله تعالى ، أن تأخذ بها وتعلّق الأمل على الله عز جل ، هذا هو معنى التوكّل ، وليس في الإسلام تواكُل ، ليس في الإسلام قُعود ، ليس في الإسلام كسل ، ليس في الإسلام تواني ، خُذْ بالأسباب ، وتوكّل على ربّ الأرباب .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ سورة الشورى الآية:36]

3- الابتعاد عن المحرمات .

 من هؤلاء المؤمنون ؟ قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾

[ سورة الشورى الآية:37]

 بُعدهُ عن الزنا ، وعن مقدِّمات الزنا ، وعن الخمرة ، وعن مقدّمات الخمر ، وعن عُقوق الوالدين ، وعن مقدّمات عقوق الوالدين ، بُعده عن الفواحش والكبائر كَبُعد الأرض عن السماء ؛ يجتنبها ، يبتعدُ عنها كثيرًا ، يبتعد عن أسبابها وعن منزلقاتها ، يبتعد عمّا يؤدّي إليها ، لذلك ربّنا عز وجل في بعض النواهي نهانا عن الاقتِراب ، ولمْ ينْهنا عن المواقعة ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾

[سورة الإسراء الآية:32]

 فالنّظر من الزنا ، والاجتماع من الزنا ، وأن تمشي في طريقٍ معظم روّاده من الكاسيات العاريات شُبهةٌ تودي إلى الزنا ، وأن تصحب الرذائل طريق إلى الزنا ، وأن تُتابعَ شيئًا لا يرضي الله عز وجل طريقٌ إلى الزنا ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾

[ سورة التحريم الآية:6]

4- العفو والتسامح .

 قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:37]

 ألطفُ ما في هذه الآية أنّ المغفرة اقْترنَت بِغَضَبهم ، كيف ؟ الإنسان إن لم يغضب ، أن يغفر شيءٌ سهل عليه سهلٌ عليه أن يغفر ، أن يعْفُوَ ، وأن يصفح وهو في هُدوء أعصاب ، وفي راحة بال ؛ شيءٌ يسير ، ولكنّ البُطولة وأنت تغلي كالمِرْجل ، وأنت في غضبٍ شديد ، وأنت حنقٍ شديد ، أن تقول : اِذْهبوا فأنتم الطلقاء ، هذا العفو فضيلة .
 يا أيها الإخوة الأكارم ، في هذه المناسبة لا يُسمّى العفوّ عفوًّا إلا أن تقرأ بحث العفو ، وأن تستمع خطبةً في العفو ، وأن تقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام فتَهْتزّ مشاعرك عن عفْوه عن كفّار مكّة ، لو قرأت كلّما في الكتب عن العفو ، ولو تصوّرتَ العفو فاهْتزَّتْ له مشاعرك ، ولو تحدّثت عن العفو فأبْكَيْت الحاضرين ، ولو تخيَّلْت فَطَمِحَت له نفسك ، لسْتَ عفُوًّا إلا إن كان لك عدوّ شرس ، وعدوّ لدود ، نال منك أشدّ النَّيْل ، أوْقعَ منك أشدّ الإساءة ، ثمّ وقع في قبضتك ، وأنت أقوى منه ، وبإمكانك أن تسْحقهُ إذا عفَوْتَ عنه فأنت العفوّ ، هذا هو العفو ، ولا يكون الإنسان عفوًّا إلا إذا مارسَ العفو ، فالعفْوُ شيءٍ ، والحديث عن العفو شيءٌ آخر ، لذلك أيّها الإخوة لا نرقى كمُسلمين إلا إذا مارسنا الفضائل أما إذا تحدَّثنا عنها وأبكينا وبكيْنا ، أما إذا قرأناها في الكتب ، واهْتزَّتْ لها مشاعرنا لا نرقى إلى المستوى المطلوب إلا إذا مارَسْناها ، لذلك فضيلة واحدة تُمارسها خير من ألف فضيلة تسمعها ، ومن مئة ألف فضيلة تقرؤُها ، نحن بِحاجة الآن إلى مجتمع إسلامي يعيش الإسلام في بيته ، وفي عمله ، وفي بيْعِهِ ، وفي شرائه ، وفي أفراحه ، وفي أتراحه ، وفي نزهاته ، وفي جدّه ، وفي لهْوِه ، وإذا ما غضبوا هم يغفرون ؛ يرى أنّ هذا الذي أساء إليه إنسان مريض ، هل يحقد المريض على مريض ؟ لا ، الطبيب لا يحقد على المريض ، ولكن يرْثي حالهُ ، كذلك المؤمن إن رأى إساءاتٍ من حوله ، الإساءات هي مرض نفسي ، وهي تقصير ، وضعف رؤية ، وضعف اتِّصال بالله عز وجل ، سذاجة في التفكير ، وسذاجة السُّلوك ، فالإساءة لا تصدر إلا عن مقصِّر ، وعن مريض ، والطبيب هو أوْسعُ من ذلك.

 

5- التخلق بأخلاق الله عز وجل.

 يا أيها الإخوة الأكارم ، من صفات المؤمن أنّه يتخلّق بأخلاق الله ، قال تعالى :

﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:37]

 قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ﴾

[ سورة الشورى الآية:38]

 دعاهم فأجابوه ، أمرهم فأطاعوه ، نهاهم فانْتَهوا ، ندَبهُم فانتَدَبُوا ، دعاهُم إلى الصلاة فصَلُّوا ، إلى الذِّكْر فذكَروا ، وإلى الصّيام فصاموا ، إلى ضبط اللّسان فضبطوا ألسنتهم ، إلى صون الجوارح فصانوا جوارحهم ، هذا هو الإيمان ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾

[ سورة الشورى الآية:38]

 الصلاة عماد الدّين ، من أقامها فقد أقام الدّين ومن هدمها فقد هدم الدّين ، قال تعالى :

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾

[ سورة طه الآية:14]

 لا تقربوا الصلاة وأنتم سُكارى ، من يقربها الآن ، وهو سكران ؟! اسمعوا تتِمَّتها ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾

[ سورة النساء الآية:43]

 فهذا الذي يُصلي ولا يعلم ماذا يقول كأنّه سكْران ، هذا الذي يُصلّي ، ولا يعلم ما يقول في الصلاة ؛ حتى تعلموا ما تقولون ، فالصلاة عقْل ، والصلاة قُرْب ، والصلاة ذِكْرٌ ، وأقم الصلاة لذِكري ، والصلاة نور ، يكشف لك حقائق ، يُعطيك رؤية صحيحة ، والصلاة طَهور ؛ فلا غِلّ ، ولا حقد ، ولا حسد ، ولا بغي ، ولا كبر ، ولا عُدوان ، ولا أثَرة ، طَهور ، والصلاة حَبور ، أرِحْنا بها يا بلال .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ قال تعالى :

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾

[ سورة النساء الآية:103]

 عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

((لَا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ))

[أخرجه الترمذي]

6- استشارة أولي الخبرة من المؤمنين

 قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة الشورى الآية:38]

 أمرهم شورى بينهم ، النبي عليه الصلاة والسلام في إحدى المعارك سألهُ صحابيّ جليل ؛ يا رسول الله أهذا الموقع وحيٌ أوحاه الله إليك ، أم هي المشورة والمكيدة ؟ ما هذا الأدَب ؟ ما هذا الأدَب من أصحاب رسول الله ؟ إن كان هذا الموقع الذي نزلْتهُ يا رسول الله وحيٌ أوحاه الله إليك ، فلا كلام ولا تفكير ، خالق الكون ، وإن كان الرأي والمشورة فهذا ليس بِمَوقع ، هناك موقع أفضل منه ، النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات التواضع ، وفي أعلى درجات الحبّ ، وفي أعلى درجات الإصغاء لِنُصْح المسلمين ، قال : ليس وحياً أوحاه الله إليّ ، ولكنّه الرأي والمشورة فدلّه الصحابيّ على موقعٍ أفضل منه ، فانتقل النبي صلى الله عليه وسلّم مع أصحابه لهذا الموقع ، هذه القصّة ترْويها كتب السيرة ، ولكنّ التحليل لها دقيقٌ جدًّا ، أليس الله قادِرًا على أن يوحي إلى نبيِّه وحيًا عن طريق سيّدنا جبريل بالموقع الصحيح ؟ بلى ، أليْسَ الله قادرًا على أن يلهمهُ من دون وحْيٍ الموقع الصحيح ؟ بلى ، هو قادر ، لماذا نزل النبي في منزل هناك منزلٌ أفضل منه ؟! فجاء صحابي جليل ، وبأعلى درجات الغيرة على صالح المسلمين ، بأعلى درجات الحبّ ، وبأعلى درجات الأدب ، قال يا رسول الله : هذا ليس بموقع ، إن كان هذا الموقع إنّما اخترْتهُ بالرأي والمكيدة فليس بِمَوقع ، وذاك أفضل منه ، لماذا فعل النبي ذلك ؟ ولماذا سمحَ الله لهذه الحادثة أن تقع ؟ لِيَكون النبي عليه الصلاة والسلام قُدْوَةً لأمَّته من بعده إلى يوم القيامة ، ليكون النبي عليه الصلاة والسلام قُدوَةً لكلّ الأمراء والعلماء إلى يوم القيامة ، يعني إذا جاءتكم نصيحةٌ مخلصةٌ حانيَةٌ واعِيَةٌ فاسْتجيبوا لها ، لذلك ربّنا عز وجل قال :

﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾

[ سورة الشورى الآية:38]

 هل من مجتمعٍ أرقى من هذا المجتمع ؟ لا أحد يسْتبدُّ بِرأيِهِ ، ولا أحد يلغي وُجود الآخرين ، لا أحد يحتقر ما عند الآخرين ، وأمرهم شورى بينهم ، والله عز وجل في آية أخرى أمر النبي عليه الصلاة والسلام ، وهو الصادق المصدوق ، وهو المعصوم الذي يوحى إليه ، وهو قِمّة البشر ، قال :

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر﴾

[ سورة آل عمران الآية:159]

 اسْتَشِرْ أصحابك ، وفي هذه الآية وصف المؤمنين بأنّ أمرهم شورى بينهم ، يا أيها الإخوة الأكارم ؛ قد تسْتعيرُ عقل إنسانٍ بِسُؤال ! تسْتعيرُ عقلهُ كلّه وخِبْرتهُ كلّها ، تجربتهُ كلّها في الحياة ، ما خاب من استشار ، ولا ندم من استخار ، الاستخارة لله عز وجل ، والاستشارة لأولي الخِبْرة من المؤمنين ، إن قلت لك لأولي الخبرة فقط ، لا يُشيرُ عليك غير المؤمن بِما فيه نفْعٌ لك ، يُشير عليك بما فيه نفعٌ له ، إذًا كلامهُ غير مقبول ، وإن سألْت مؤمنًا ليس من أولي الخِبرة ، لن تستفيد منه ، لذلك الاستخارة لله عز وجل ، والاستشارة لأولي الخِبرة من المؤمنين ، إيمانُه يرْدعه على أن يكذب ، إيمانُه يرْدعهُ عن أن يخون ، لكنّ خِبرتهُ يضعها بين يديك ، لذلك قبل أن تُقدم على عملٍ اسأل أهل الخبرة من المؤمنين ، إنَّهم نَصَحَةٌ ، ووصفهم النبي عليه الصلاة والسلام ؛ المؤمنون بعضهم لبعض نصَحةٌ متوادُّون ، ولو ابتعدت منازلهم ، والمنافقون بعضهم لبعض غششة متحاسدون ، ولو اقتربَت منازلهم .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ إن كنت ربّ أُسْرةٍ فاسأَل من حوْلَك ، ما قولكم في هذا العمل ؟ قد تكون تحت ضغطٍ معيّن ، لكنّ أولادك الراشدين ليْسُوا تحت هذا الضّغط ، اِسأل أهلك ، إن كنت في شركة اِسْأل شركاءك ، إن كنت في مدرسة اسأل زملاءك ، إن كنت في مستشفى اسأل الأطبّاء ، لا تستبدّ برأيِك ، ولا تحتقر ما عند الآخرين ، فقد يأتيك برَأيٍ صحيح حصيفٍ من لا تعتقد ذكاءه ولا خِبْرتهُ ، لذلك هؤلاء المؤمنون أمرهم شورى بينهم ، قال تعالى :

﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:38]

7- أخذ الحق من دون ظلم

 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا تتوهَّموا أنّ المؤمن خانعٌ ذليل ، يرضى بالظُّلم يُؤخذُ حقّه فيسْكت ، يُعتدى عليه فيصمت ، يُجرحُ بِكرامته فيَسْتَخْزي ‍‍‌! لا ربّنا عز وجل وصف المؤمنين فقال :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:39]

 العلماء قالوا ينتصرون بالعدالة احْترازًا عن الذِلّة والظِلام ، لماذا يقبلُ المؤمن أن يُظلم ، وبإمكانه أن يأخذ حقّهُ ، لذلك قال بعض العلماء : كلّ باغٍ بغى يجب أن تنتصر منه ، وقد حمِد الله عز وجل هؤلاء المنتصرين قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:39]

 قال العلماء : ينتصرون على من بغى عليهم من غير أن يعْتدوا ، سيّدنا عمر يقول :( لسْتُ بالخّبّ ، ولا الخَبّ يخدعُني) ، لسْتُ من الخُبْث بحيث أخدع ، ولسْتُ من السَّذاجة والغفلة بحيث أُخدع .
 شيءٌ آخر ؛ فهذا الذي اعتدى وبغى وطغى ، إذا كان بإمكانك أن تحملهُ على طريق الحقّ ، وأن تُعاقبه بما هو أهلٌ له ، تَقويماً له فهذا من أعظم الأعمال الصالحة ، من أعظم الأعمال الصالحة أن تردّ قطاراً خرج عن سِكّته إلى سكّتِه ، وإلا الهلاك والدمار ، فالظّلم خروج عن طريق الحقّ وأن تُعيد الناس إلى طريق الحق ، هذا عملٌ عظيم ، أن تحملهم على المنهج القويم ، هذا عملٌ عظيم ، أن توقعَ بهم العقوبة الرادعة ؛ هذا عمل عظيم ، أن تقوِّم اعْوِجاجهم ، هذا عملٌ عظيم ، وبهذه النيّة ، لا بِنِيّة التَّشفّي ، لا بِنِيّة الحقد ، لا بنيّة إخراج الضغينة ، بل بنيّة تقويم المنحرف ، وإصلاح المعْوجّ ، وإقامة شرع الله في الأرض ، قال تعالى :

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾

[ سورة الشورى الآية:39]

 لكن هذا الانتصار ليس فيه بغي ولا عُدوان ، قال تعالى :

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

[ سورة الشورى الآية:40]

 هذا الذي يقول سأكيلُ له الصاع صاعَين ، هو كلامٌ مخالف للسنة ، قلْ له الصاع صاعاً ، والضربة ضربة ، والكلمة كلمة ، والعَين عينًا ، والأذن أذُنًا ، والجروح قصاص ، كيْلُ الصاع صاعَين كلامٌ ليس من السنة ، قال تعالى :

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ﴾

[ سورة الشورى الآية:40]

 ولكن كما قال تعالى :

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى الآية:40]

 قد يسأل سائلٌ قبل قليل أثنى الله على الذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ، وبعد سطر واحد :

﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة الشورى الآية:40]

 بعض علماء التفسير وفّق بين هاتين الآيتين ، إذا أوْقع بك إنسانٌ سوءً وأصرّ على عمله ، وافتخر بعمله ولم يندم ، ولم يعتذر ، ولم يتُب ، وتحدّاك ، الأولى أن تنتصر منه ، أما إذا أخطأ معك ثمّ تاب ، أخطأ ثمّ اعتذر ، أخطأ ثمّ ندم ، أخطأ ثمّ اختفى من وجهك حياءً منك ، إذا كان هناك مع الخطأ ندم ، أو تراجع ، أو خجل ، أو اعتذار ، لا ينبغي أن تنتقم منه ، لذلك التوفيق بين الآيتين أنّ الذي إذا ظلم أصرّ على ظلمه ، وعلى بغْيِه وعُدوانه ، وبالغَ في الزهوّ بِعَمله السيّئ هذا لا بدّ من أن تقيم عليه عُقوبة تردعهُ عن غيِّهِ ، قال تعالى :

﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة الشورى الآية:40]

 أيها الإخوة الأكارم ؛ هذه هي صفات المؤمنين ، هذه صفات المجتمع المسلم ، هذه أخلاق المؤمنين ، أخلاق إيجابيّة ، وأخلاق مستبصرة .
 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ من قال إنّ الدّين صَوم وزكاة ليس غير ؟! من قال إنّ الدّين عبادات شعائريّة ليس غير ؟ من قال إنّ الدّين بُعْد عن الحياة ؟ من قال إنّ الدّين انسِحابٌ عن الحياة ؟ من قال إنّ الدّين تقَوْقُعٌ حول الذات ، هذا كلّه ليس من الدِّين في شيء ، الدِّين دين الحياة ودين الفطرة ، ودين العطاء .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ آياتٌ من سورة الشورى تبدأ بالآية السادسة والثلاثين قال تعالى :

﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾

[ سورة الشورى الآيات:36-40]

 ثمّ يقول تعالى :

 

﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾

[ سورة الشورى ]

 أن تأخذ الحق ؛ هذا من حقّك وما عليك من سبيل ، ولا تُلام ، ولا تعاتب ، ولا يُغضّ من جانبك ، من أخذ حقّه ما عليه من سبيل ، ولا تثريب عليه ، ولا لوْمَ عليه ، ولا غضاضة ، ولا حرج ، ولا عِتاب ، لا ذمّ ، لا تشهير ، قال تعالى :

﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[ سورة الشورى الآية:41-42]

 إذا ظلمْت الناس ، وأخذت ما ليس لك ، واعتدَيْت على أعراضهم ، وعلى أموالهم ، وعلى سُمعتهم ، اغْتَبْتهُم بالباطل ، قال تعالى :

﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾

[ سورة الشورى الآية:43]

 ومطلق القرآن على إطلاقه ، عذاب أليم في الدنيا ، وعذاب أليم في الآخرة ، قال تعالى :

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

[ سورة الشورى الآية:43]

 آيةٌ دقيقة جدًّا ، في آيات أخرى :

﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

[ سورة لقمان الآية:17]

 في هذه الآية :

﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾

[ سورة الشورى الآية:43]

 في هذه الآية هناك لامٌ زائدة ، وهذه اللام في الأصل لامُ التوكيد ، تأتي في صدْر الجملة ، فإذا دخل على الجملة إنّ زُحْلقَت إلى خبرها ، فسمَّاها النُّحاة لام المزحْلقة ، لامُ المزحلقة في الأصل لامُ توكيد ، هناك توكيد ، وفي الآية الأولى ليس فيها توكيد ، ما الفرق بينهما ؟ قد تأتي المصيبة من الله مباشرةً قضاءً وقدرًا ، عليك أن تصبر ، فإذا صبرْت فإنّ ذلك من عزْم الأمور ، ولكن قد يسوق الله مصيبة على يد إنسان ، لا ينبغي أن تحقد عليه ، لا ينبغي أن تتشفَّى منه ، في علم التوحيد قدَّر الله هذه المصيبة على يد فلان ، فالصَّبْر يكون أشدّ حينما تأتي المصيبة على يد إنسان ، لذلك ولمنْ صبَر على قضاء الله وقدره ، وغفر لِمَن جرَت هذه المصيبة على يديه إنّ ذلك لمِن عزْم الأمور ، يا إخوة الإيمان هذه آيات القرآن ، هذه آياتٌ تصف المؤمنين ، وتصف الذين يستحقُّون الجنّة ، فراجعوها في سورة الشورى ، احفظوها ، وتمثَّلوها ، وطبِّقوها ، فهذا القرآن الكريم كتابنا المقّرر إلى يوم القيامة .
 اللهمّ اهدنا فيمن هديْت ، عباد الله أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوْز المستغفرين .
الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فوائد الوضوء والصلاة لأجسامنا

 أيها الإخوة الأكارم ، لا شكّ أنّ العبادات من صلاة وصيامٍ وحج وزكاة عبادات أمرنا الله بها ، وقد علّلها في القرن الكريم تعليلاً طيِّبًا ، فقال تعالى :

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

[ سورة التوبة الآية:103]

 وقال تعالى :

﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾

[ سورة العنكبوت الآية:45]

 وقال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[ سورة البقرة الآية:183]

 هذه العبادات بيَّن الله جلّ جلاله حكمتها ، ولكن هذا البيان الإلهي لا يمْنع أن يكون لها حِكَم أخرى كثيرة جدًّا ، فمثلاً اجتمع علماء التربية البدنيّة يُخطِّطوا بِتَمريناتٍ معتدلة يستطيعها كلّ الناس في كلّ الأعمار ، وفي كلّ الأوقات ، وفي كلّ الأمكنة ، لا تؤذي قلوبهم ، ولا تيبّسُ عضلاتهم ، فرسَمُوا حركات ، وسكناتٍ ، وتمريناتٍ تُطابقُ الصلاة تطابقًا تامّا ، فهذه الصلاة التي أمرنا الله بها فضلاً عن أنّها تقرّبنا إلى الله وتذكّرنا به ، وتصلنا به إنّها ذات فائدة لأجسامنا ، فهذه الحركات والقيام والركوع والسجود فكرةٌ طريفة ذكرها لي بعض الإخوة الأكارم من أنّ البلاد المتخلّفة تعاني من أمراض كثيرة وشائعة ، هناك أمراض تُصيب العينين ، إلا أنّ هذا المرض في البلاد المتخلّفة المتديّنة ، هذه الأمراض تنحسر بسبب الوُضوء ، من منّا يُصدّق أنّ الوُضوء وحركات الصلاة التي هي أوامر تعبديّة ليس غير هي في حقيقتها أيضًا إضافةً إلى فوائدها الروحيّة والتعبديّة إنّها تنفي عن الإنسان أمراضًا كثيرة ، ولا أنسى أنّ امرأةً ذهبت إلى بلدٍ غربي لِتُعالج من مرض خطير ، ومن مرض مزعج ألا وهو داء الشقيقة ، آلامٌ في الرأس مستمرّة ، طبيب لا يعرف الله عز وجل سألها من أين أنت ؟ فقالت من سوريا ، قال : أَتُصلّين ؟ قالت : لا ، فقال : صلِّ يذهب ما بِكَ ‍! عَجِبَت وانزعجَت ، عَجِبَتْ من أنّها ركبَت الطائرة ودفعَتْ آلاف الليرات لِيُقال لها صلّ ، ولكنّها لمْ تعْجَب حينما بيّن لها الطبيب أنّ أحد أسباب الشقيقة ضعْفٌ في ترويَة الشرايين في الدّماغ ، وأنّ السُّجود يُوسّع هذه الشرايين ، ويجعلُ الدّم يتدفّق نحو الرأس ، فمن أسباب الشقيقة ضعف التروِيَة في أوعِيَة المخ ، فهذا السّجود ، وذاك الركوع ، وهذا الوُضوء ، هذا كلُّه في ظاهره عبادات ، وقربات ، واتّصال بالله ، ولكن لو درسهُ علماءٌ متخصِّصون ، وعلماء في التربيَة البدنيّة ، وعلماء في أمراض الأوعيَة والشرايين ، لوَجَدُوا العجَب العُجاب ، لوجَدُوا أنّ حركات الصلاة وأنّ الوُضوء قبل الصلاة ينْفي عن الإنسان أمراضًا كثيرة ، هذه البلاد المتخلِّفة التي تشيعُ فيها أمراض كثيرة من كان منها مُتَدَيِّنًا هذه الأمراض تنحسِرُ منه .

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحقّ والدِّين ، وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى ، إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018