الترغيب والترهيب - الدرس : 068 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها -2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 068 - كتاب الذكر والدعاء - الترغيب في قول لا إله إلا الله وما جاء في فضلها -2


1997-08-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

فرق كبير بين أن تنطق كلمة التوحيد و بين أن تعيشها:

  النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( أَفضل الذِّكر لا إِله إِلا الله وأفضلُ الدعاءِ الحمد لله ))

[ أَخرجه الترمذي عن جابر]

  الإنسان قد ينطق بكلمة التوحيد، وقد يعيش هذه الكلمة، وفرق كبيرٌ كبير بين أن تنطق بها وبين أن تعيشها.
 الحقيقة أن المقصود ليس النطق بها، ولكن أن تعيشها، الحياة دار ابتلاء، دار امتحان، بالحياة يوجد مشكلات، وقوى مخيفة، و أشخاص أقوياء، و أمراض وبيلة، و مصائب.
 فالذي ينطق بكلمة التوحيد ينطق بها ويخاف من هؤلاء جميعاً، ينطق بها ويعصي الله من أجل هؤلاء جميعاً، فأن تنطق بها دون أن تعيشها هذا لا يقدم ولا يؤخر، بل المطلوب أن تعيش هذه الكلمة، والمسلمون حينما عاشوها كانوا أقوياء، وحينما عاشوها انتصروا على أعدائهم، بل حينما عاشوها انتصروا على أنفسهم، فالمطلوب ليس أن ننطق بها، ما من مسلم على وجه الأرض إلا وينطق بها، والشرك في العالم الإسلامي متسع إلى درجة كبيرة.
  فلذلك أيها الأخوة، من أجل أن نعيش هذه الكلمة نحتاج إلى جهد كبير، هذا الجهد محصلته أن تنتقل هذه الكلمة من فكرة موضوعة في ذهنك إلى حقيقة مغروسة في قلبك، هناك فرق بين الفكر والقلب، قال تعالى:

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

( سورة الأعراف الآية: 179 )

 فالقلب قلب النفس مكان عقل الحقائق، حينما تنتقل هذه الكلمة من فكرة مزروعة في ذهنك إلى حقيقة يعيشها قلبك يختلف الأمر.

المشرك من عصى ربه من أجل مكسب دنيوي طفيف فحجب عنه:

 ترى الفرق واضحاً بين منافق وبين مؤمن، بين منافق هياب، وجل، يخاف، يداري، يداهن، وبين مؤمن يعلم أن الله وحده بيده الأمر، وأن أمره كله بيد الله، وأن ما عند الله لا ينال بمعصيته، أي يمكن أن تفسر أي خطأ، وأي خلل، وأي عيب، وأي ضعف بالإنسان بضعف التوحيد، فالتوحيد ليس المطلوب أن تنطق بهذه الكلمة كما يتوهم العامة، المقصود أن تعيش معاني هذه الكلمة، لا إله إلا الله، الإله هو الفعال، الإله هو المسير، الإله الذي بيده الأمر، فيجب أن تنفي وأن تثبت، لو قلت الإله هو الله لا يكفي، لا إله إلا الله، لا معطي إلا الله، لا مانع إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا قابض إلا الله، لا باسط إلا الله، لا معز إلا الله، لا مذل إلا الله، لا مسعد إلا الله، لا مشقي إلا الله.
 حينما توقن أن الأمر كله بيد الله تتجه إلى الله وحده، وترجوه، وتتوكل عليه، وتستمد قوتك منه، هناك أناس كثيرون ينطقون بهذه الكلمة، ويستمدون قوتهم من زيد أو عبيد، ويتبجحون، هذا الذي يستمد قوته ويعتمد على غير الله مشرك، هذا الذي يعصي الله من أجل مكسب دنيويٍ طفيف مشرك، والشرك خطير، والشرك يحجبك عن الله عز وجل.

الثناء على الله دعاء لأن كماله شغلك عن الطلب منه:

 طبعاً الأحاديث الشريفة شيء عجيب جداً، إلحاح يفوق حدّ الخيال:

(( أَفضل الذِّكر لا إِله إِلا الله، وأفضلُ الدعاءِ الحمد لله ))

[ أَخرجه الترمذي عن جابر]

  قد يستغرب الإنسان الدعاء تقول: يا رب أعطني، يا رب: احمني، هنا الحمد لله قال العلماء عنه: الثناء على الله دعاء، والدليل عندما كان سيدنا يونس في بطن الحوت:

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

  قال الله تعالى:

 

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

 

( سورة الأنبياء الآية: 88 )

  كلمة

﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ ﴾

 تعني أن قوله هذا دعاء، فأنت إما أن تقول: يا رب ارحمني، يا رب أنقذني، يا رب سامحني، يا رب أعطني، وإما أن تقول: يا رب لك الحمد، حمدك لله دعاء، شغلت بكماله عن الطلب منه، فكان ذكرك لكماله دعاء، أي الله أعطاك أجر المُسبح وأجر الداعي في وقت واحد.

 

(( مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]

 فحينما تثني على الله عز وجل فهذا دعاء له، حينما تسبح الله عز وجل هذا دعاءٌ له، حينما تذكر كمالاته هذا دعاءٌ له.
 قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أَفضل الذِّكر لا إِله إِلا الله وأفضلُ الدعاءِ الحمد لله ))

 

[ أَخرجه الترمذي عن جابر]

 وقال أيضاً:

 

(( أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ))

 

[ الرافعي عن أبي هريرة]

 أي قال لك: أكثر من الشهادة.

 

(( أَفضل الذِّكر: لا إِله إِلا الله وأفضلُ الدعاءِ الحمد لله ))


 معنى شهادة ؛ أي ينبغي أن تشهدها، فإن نطقت بها ولم تشهدها فهذه شهادة زور ينبغي أن تشهدها.

 

 

الإيمان الاعتقادي والإيمان الشهودي:

 

 لذلك العلماء فرقوا بين الإيمان الاعتقادي والإيمان الشهودي، وفرق كبير جداً بين أن تعتقد أن هذه الحقيقة هي كذلك، وبين أن تشاهد أبعادها، فالشهود أرقى من الذكر.
 مثلاً: إنسان يعتقد أن السرعة الزائدة في القيادة مؤذية وخطرة، أما حينما لا سمح الله ينجو من حادث بأعجوبة وكان هذا الحادث مدمر ساحق، هذا انتقل من حالة الذكر الفكري إلى حالة الشهود، شاهد الموت أمامه.
 الآن أكثر الناس إذا مروا بخبرات مؤلمة يجدون أن الحقيقة الناتجة عن هذه الخبرة المؤلمة تنتقل من الاعتقاد إلى الشهود.
 أي الإنسان إن انتهى من حساباته يتلف دفاتره و يرتاح. حدثني إنسان بهذه القصة عن جهة، هذه الجهة أممت، أصبحت معملاً حكومياً، بعد خمس سنوات طالبوه بالمبلغ، فقال لهم: أنا دفعته، فأجابوه: الذي قبضه منك سرح، قدم لنا دليلاً أنك دفعته حتى نعفيك منه، الدليل دفاتره ودفاتره أتلفها، البيت كان ثمنه عشرة آلاف فدفع أربعين ألفاً، لأنه أتلف دفاتره، ماذا قال لي مرة ؟ قال لي: إياك أن تتلف دفاترك، هذه دفعت ثمنها أربعين ألفاً، أي ثمن أربعة بيوت، هذه القصة بالسنة الخامسة و السبعين.
هذه خبرة مؤلمة نقلته من الفكر إلى القلب عنده شهود أن هذه غلطة كبيرة، فالإنسان أحياناً يتعامل بأفكار مجردة، وأحياناً يتعامل بتجارب مريرة أورثته شهوداً، هنا الحديث الشريف:

(( أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها ))

[ الرافعي عن أبي هريرة]

  وعنه أنه قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( جددوا إيمانكم قيل: يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 

 

الإيمان الحقيقي هو التوحيد:

 

 إذاً: أولاً: أفضل الذكر، ثانياً: أكثروا من شهادة لا إله إلا الله، ثالثاً: جددوا إيمانكم.
 معنى ذلك أن الإيمان الحقيقي هو التوحيد، وهذا الإيمان أحياناً يضعف تأثيره، أحياناً الإنسان يكون ملازماً لدروس العلم بشكل دوري، تجده قوياً في دينه، قوياً في عباداته، قوياً في معاملاته، الشرع كبير عنده، أي طلب العلم عنده شيء مقدس، أحياناً تضعف صلته بالمسجد، يغيب تجده يتساهل بأمور عباداته، يتساهل بالمعاملات، إلى أن ينقطع عن الله عز وجل، معنى ذلك أن إيمانه ضعف تأثيره فانتقل الإنسان من حالة تألق، إلى حالة فتور، إلى حالة قطيعة، إلى حالة أصبح كهؤلاء الرعاع، همج رعاع، كما قال سيدنا علي كرم الله وجه:
" الناس ثلاث، عالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق , لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، فاحذر يا كميل أن تكون منهم".

التوحيد يحتاج إلى جهد كبير فكري و سلوكي و جمالي و عاطفي:

 وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار لا إله إلا الله ))

[ صحيح ابن حبان عن عمر بن الخطاب]

  مرة ثالثة ورابعة وخامسة الإيمان هو التوحيد، التوحيد يحتاج إلى جهد كبير، إلى جهد فكري، وإلى جهد سلوكي، وإلى جهد جمالي، و إلى جهد عاطفي، فإذا أكثرنا من كلمة لا إله إلا الله تارة قلنا: هي أفضل الذكر، و تارة قلنا: هي شهادة يجب أن تشهدها، و ثالثاً قلنا: هي الإيمان، وينبغي أن نجدد الإيمان بها، ورابعاً هذه الكلمة:

 

(( إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقاً من قلبه فيموت على ذلك إلا حرمه الله على النار لا إله إلا الله ))

 

[ صحيح ابن حبان عن عمر بن الخطاب]

  والذي يحدث أن الإنسان قبل أن يموت الكلام الذي ينطق به على فراش الموت يلخص حياته كلها.

 

من قوي توحيده قوي إيمانه والإيمان المنجي هو التوحيد:

 

 قضية الموت قضية كبيرة جداً قال الله تعالى:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

  معنى ذلك أن الممات شيء مهم جداً، والإنسان مهما كان ذكياً وهو على فراش الموت لا ينطق إلا بالذي شُغل به طوال حياته، هناك من يذكر الشهوات وهو على فراش الموت، هناك من يذكر انحرافاته و هو على فراش الموات، وهناك من يشهد أن لا إله إلا الله وهو على فراش الموت، فإذا أمضى حياته بالتوحيد، وأمضى حياته بمعرفة لا إله إلا الله، عندئذٍ يشهدها على فراش الموت، فالإنسان إذا نطق بالشهادة بشكلٍ واضح، وهو ينازع فهذه بشارة خيرٍ لهذا الميت لأن الله سمح له بذلك.
 والله أعرف رجلاً عشرة أشخاص يلقنوه لا إله إلا الله و لم ينطق بها أبداً، البيت الفلاني، الأرض الفلانية، والزوجة الفلانية، دائماً ينطق بالذي شغل به وهو على فراش الموت، أما هنا الحديث الشريف إذا عبد قالها ومات عليها:

 

(( حرمه الله على النار لا إله إلا الله ))

 

[ صحيح ابن حبان عن عمر بن الخطاب]

  بعدها الإنسان يستبطن نفسه، يتأمل نفسه، كل نقاط ضعفه سببها ضعف التوحيد، كل نقاط ضعفه، وكل حالات التقصير، وكل حالات الخوف والقلق، وكل حالات النفاق، سببها ضعف التوحيد، فإذا قوى توحيده قوي إيمانه، والإيمان المنجي هو التوحيد، أما الإيمان بأنه الله خالق هذا الكون هذا إيمان لا يقدم ولا يؤخر، ولا ينجي ولا يحمي، ولا يرقى بصاحبه إلى الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018