المؤلفات - كتاب الله أكبر – الفقرة : 08 - سلم أوليات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠2كتاب الله أكبر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب الله أكبر – الفقرة : 08 - سلم أوليات


1993-04-23

من فقه الرّجل أن يتحرّك في حياته وفْق سُلَّم الأوْلويَّات، فإذا أدَّى حجَّة الإسلام، وهي حجَّة الفريضة، وتاقَتْ نفسهُ إلى أن يحجّ مرّة ثانية وثالثة... وكان مستطيعًا بِمَاله، وبدنه، وموافقة أولي الأمر له، ولم يُسْهِم من خلال تصريح غير مطابق للواقع في حِرْمان مسلمٍ من حجّة الفريضة، وكان قد أدَّى كلّ ما عليه من واجبات تجاه والديه وأولاده وأخوته وأخواته وأصدقائهِ وجيرانه، فلا عليه أن يحجّ ثالثة ورابعة، فالحجّ جهاد لا شوْكة فيه، وهو جهاد الكبير والمرأة والضعيف، وقد ورد في الحديث القدسي:

(( إذا أصححت لعبدي جسمه، ووسعت عليه في المعيشة، فأتت عليه خمسة أعوام لم يفد إلي لمحروم ))

... لكن حينما يحجّ المسلم حجَّة الفريضة، وله ولدٌ في سنّ الزواج ويخشى عليه الانحراف، فالأولى أن يُزَوِّجه بدَلَ أن يحجّ حجَّة النَّفْل، لأنّ درْء المفاسِد مقدّم على جلْب المصالح، ولأنّ الله لا يقبلُ نافلةً أدَّتْ إلى ترْك واجبٍ، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة ]
يجب أن يكون الحاج خالص النية وأن لا يبتغي بحجته السمعة والرياء
" اللهمّ حجَّة لا سمعة فيها ولا رياء ". ومعنى هذا أن انحراف الحاج، أن يبتغي من حجه السمعة والرياء.
قال ابن كثير رحمه الله في تاريخه خرج عبد الله بن المبارك إلى الحجّ، فاجْتازَ بعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأَمَرَ بإبقائِهِ في قُمامة البلدة، وسار أصحابهُ أمامه، وتخلّف هو وراءهُم، فلمَّا مرَّ بالقمامة إذْ بِبِنْتٍ صغيرة قد خرجَت من دارٍ قريبة، وأخذتْ ذلك الطائر الميّت، ثمَّ أسْرعَت به إلى الدار، فجاء آدم المبارك وسألها عن أمرها وأخذ الطائر الميّت، فاسْتَحْيَت أوَّلاً ثمَّ قالَت: أنا وأمّي هنا، وليس لنا شيءٌ إلا هذا الإزار، وليس لنا قوتٌ إلا ما يُلقى على هذه القمامة، وكان لنا والدٌ ذو مالٍ عظيم فَأُخِذَ مالهُ، وقُتِلَ لِسَبب من الأسباب، ولم يبقَ عندنا شيءٌ نتبلّغ، أو نقْتاتُ منه، سَمِعَ ذلك آدم المبارك فَدَمِعَتْ عَيْناهُ، وأمرَ برَدّ الأحمال والمؤونة وقال لِوَكيلهِ: كم معَكَ من النّفقَة ؟ فقال: ألف دينار قال: أبْقِ لنا عشرينَ دينارًا تَكفينا لإيابنا وأعْطِ الباقي إلى هذه المرأة المُصابة، فو الله لقد أفْجَعَتني بِمُصيبتها، وإنَّ هذا أفضلُ عند الله من حجِّنا هذا العام، ثمّ قفَلَ راجعًا، ولم يحجّ واعْتَقدَ أنَّ هذه الصَّدَقة فوق الحجّ المبرور، والسَّعي المشكور، هكذا كان السّلف الصالح يعرفون حقيقة العبادات، ويعرفون قيمة المعاملات، ألَمْ يرِدْ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لأن أمشي مع أخٍ في قضاء حاجته خير من صيام شهر، واعتكافه في مسجدي هذا؟

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018