المؤلفات - كتاب الله أكبر – الفقرة : 04 - إحكام الصلة بالله تعالى - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠2كتاب الله أكبر
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

المؤلفات - كتاب الله أكبر – الفقرة : 04 - إحكام الصلة بالله تعالى


1993-04-27

 

الحج هو احد اركان الاسلام الخمسة، وهو عبادة مالية، بدنية، شعائرية، وهو تلك الرحلة الفريدة في عالم الاسفار، ينتقل فيها المسلم ببدنه وقلبه، الى البلد الامين، الذي اقسم الله به، في القران الكريم، ليقف في عرفات، وليطوف ببيت الله الحرام، الذي جعل رمزا لتوحيد الله، ووحدة المسلمين، ففرض على المسلم ان يستقبله كل يوم خمس مرات في صلواته، قال تعالى:

﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾

[سورة البقرة:144]

البيت العتيق أول بيت وضع للناس
ثم فرض عليه ان يتوجه اليه بشخصه، ويطوف به بنفسه، في العمر مرة واحدة.
ان هذا البيت العتيق، هو اول بيت وضع للناس، هو اول بيت اقيم في الارض لعبادة الله، ومجدد بنائه الخليل ابراهيم، وولده الذبيح اسماعيل، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله من ذريتهما، هذه الامة المسلمة واستجاب دعوتهما الخالصة، وهما يشيدان هذا البناء العتيد، قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

 

[سورة البقرة:127-129]

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((انا دعوة ابراهيم وبشرى عيسى ابن مريم ))

والحج برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه، على ان تلبية دعوة الله - بدافع محبته وابتغاء رضوانه - أفضل عنده من ماله، واهله، وولده، وعمله، ودياره.
ولذلك تتميز هذه العبادة، بانها تحتاج الى تفرغ تام، فلا تؤدي الا في بيت الله الحرام....
اذا... لا بد من مغادرة الاوطان، وترك الاهل والخلان، وتحمل مشاق السفر، والتعرض لاخطاره، وانفاق المال في سبيل رضوانه، واذا صح ان ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف، فانه يصح ايضا، ان ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج.
قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:

(( من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته امه ))

وقال ايضا:

(( وان الحج يهدم ما قبله))

(( وان الحج المبرور ليس له جزاء الا الجنة))

(( فالحجاج والعمار وفد الله ان دعوه اجابهم وان استغفروه غفر لهم))

لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب ))

((التفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله ))

الحج فرض عين، على كل مسلم ومسلمة، بالغ، عاقل، حر، مستطيع، مرة واحدة في العمر كله، يكفر جاحده، ويفسق تاركه، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم:

(( من ملك زادا وراحلة تبلغه الى بيت الله ولم يحج فلا عليه ان يموت غير مسلم ))

وهو الركن الخامس من اركان الاسلام، الذي علم من الدين بالضرورة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام

(( بني الاسلام على خمس شهادة ان لا اله الا الله وان محمدا رسول الله واقام الصلاة وايتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت من استطاع اليه سبيلا ))

والحج عبادة قولية، وقلبية، وبدنية، ومالية، وشعائرية، تؤدى في امكنة مخصصة، وفي ازمنة مخصصة، وباعمال مخصصة، واذا كانت الصلاة تتكرر في اليوم الواحد خمس مرات، وفريضة الجمعة تؤدى كل اسبوع، وفريضة الصوم تؤدى في العام شهرا، فان فريضة الحج تجب في العمر كله مرة واحدة لقوله صلى الله عليه وسلم:

(( الحج مرة فمن زاد فهو تطوع ))

الحج رحلة إلى الله
الحج رحلة الى الله، فقد شاءت ارادته، لحكمة مطلقة، مراعاة للنزعة المادية، في كيان الانسان، ان يضع للناس في الارض بيتا له، يمكن المؤمنين به، من ان يعبروا من خلال اتيانه، من كل فج عميق، ان يعبروا عن حبهم لله، وشوقهم اليه، فالمؤمن يؤكد من خلال قصده البيت الحرام، ملبيا دعوة ربه، ان الله احب اليه من اهله، وولده، وماله، وعمله، وبلده، والناس اجمعين، فيتحمل نفقات الحج التي ربما تكون باهظة، ويتحمل ترك الاهل، والولد، الذي ربما كان صعبا، ويتحمل ترك العمل والكسب الذي ربما كان اثيرا، كل ذلك حبا لله وطمعا بالقرب منه.
وشاءت حكمة الله، ان يكون بيته الحرام، في المنطقة الحارة من الارض، وفي واد غير ذي زرع، ليكون واضحا لدى الحجاج ان الاتصال الحقيقي بالله، يحقق للمرء سعادة، يستغني بها عن كل الشروط المادية، التي يتوهم انها سبب سعادته، وان سعادة الانسان تنبع من داخله، لا مما يحيط به نفسه من الوان النعيم.
ولو كان بيت الله الحرام، في المنطقة المعتدلة، من الارض، حيث الجبال الخضراء، والمياه العذبة، والبحيرات الصافية، والبساتين الغناء، والجو اللطيف، والنسيم العليل، وكان الحج على مدار العام، دفعا للازدحام، لأقبل كل الخلق على اداء الفريضة الممتعة طلبا للاستجمام، لا حبا بخالق الاكوان، قال تعالى

 

﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾

 

[ سورة ابراهيم:37 ]

وفضلا عن موقع البيت الحرام، وعن طبيعة الجو فيه، فان الحاج المحرم، يحظر عليه لبس المخيط من الثياب، ويحظر عليه التطيب بكل انواعه، ويحظر عليه الحلق والتقصير، ويحظر عليه مقاربة المتع المباحة خارج الحج، كل ذلك ليحكم اتصاله بالله، وليسعد بقربه وحده، بعيدا عن كل مداخلة من متع الارض، ليتحقق الحاج انه اذا وصل الى الله وصل الى كل شيء، وان الدنيا كلها لا يمكن ان تسعد الانسان، ولينطلق لسانه بشكل عفوي قائلا: يا رب ماذا فقد من وجدك وماذا وجد من فقدك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018