الدرس : 26 - سورة التوبة - تفسير الآية 30 ، الفرق بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 26 - سورة التوبة - تفسير الآية 30 ، الفرق بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان.


2010-10-29

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابه الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

ديننا العظيم هو دين التوحيد :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس السادس والعشرين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾

 الحقيقة أيها الأخوة أن هذا الدين العظيم هو دين التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، التوحيد ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى يداً تعمل مع الله.

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

[سورة هود الآية:123]

 الأمر كله، كل شؤون الكون، كل شؤون الأرض، كل شؤون البشر ترجع إليه.

﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ ﴾

[سورة المؤمنون الآية:91]

 التوحيد أن تعبد الله وحده، التوحيد أن تعبد الله وحده فيما أمر، وبالطريقة التي أمر، التوحيد أن تخلص الوجهة إلى الله، الحقيقة لو أردت أن تقول لي هل يمكن أن تجمع الدين كله بكلمة؟ الجواب هو: التوحيد.

 

الدين له ثمرة يانعة لا تقطف إلا بالتوحيد :

 الحقيقة أيها الأخوة أن الإنسان حينما يوقن يقيناً مقطوعاً به أن أمره بيد الله، وأن حياته بيد الله، وأن رزقه بيد الله، وأن زواجه بيد الله، وأن أولاده بيد الله، وأن من فوقه بيد الله، وأن من تحته بيد الله، وأن من حوله بيد الله، وأن نجاحه بيد الله، وأن توفيقه بيد الله، حينما يتأكد الإنسان أن الله عز وجل بيده كل شيء، وإليه يرجع كل شيء، وأمره نافذ بكل شيء، وليس فوقه شيء، ما الذي ينتج عن هذا؟ أن يتوجه إلى الله وحده، هذا هو الدين، الدين أن تستقيم وجهتك إلى الله، الدين أن تتصل بالله، الدين أن تسعد بقرب الله، الدين أن تتحرك وفق منهج الله، الدين أن تعطي لله، وأن تمنع لله، وأن تغضب لله، وأن ترضى لله، وأن تصل لله، وأن تقطع لله، هذا هو الدين.
 وحينما تغيب هذه المعاني معاني التوحيد يصبح الدين ثقافة كأي ثقافة، بل يقترب من العادات والتقاليد، بل يقترب من التراث، عندئذٍ تمتنع عن الناس ثمرات الدين، الدين له ثمرة يانعة، لكن هذه الثمرة اليانعة لا تقطف إلا بالتوحيد.

الله عز وجل ما أمر الإنسان أن يعبده إلا بعد أن طمأنه أن الأمر كله بيده :

 الحقيقة الشرك أنواع: هناك شرك جلي واضح، في بلاد شرقي آسيا هناك من يعتقد ويتوهم أن بوذا إله، هذا شركٌ جلي واضح، لكن الذي نخاف على أخوتنا منه هو ليس الشرك الجلي، إنه ليس موجوداً بالعالم الإسلامي والحمد لله، ولكن الذي نخاف على أخواننا الكرام منه هو الشرك الخفي، الشرك الخفي: أن تتوهم أن جهة في الأرض قوية بيدها رزقك، بيدها نجاحك، بيدها سعادتك، هذا التوهم شرك، والشرك كما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾

[سورة يوسف]

 فهذا الإله العظيم هل يعقل أن يقول لك اعبدني وأمرك بيد غيري؟ مستحيل! قال لك:

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ﴾

 بعد أن طمأنك أنه أمرك كله بيده، قال لك: فاعبده، متى قال لك أن تعبده؟ بعد أن طمأنك.

 

الفرق الكبير بين أن يقف الإنسان على فكرة التوحيد وبين أن يعيشه :

 لكن أخواننا الكرام لابدّ من حقيقة دقيقة، أن التوحيد كفكرة سهل جداً، أما أن تعيش التوحيد هذا هو الإيمان، فرقٌ كبير بين أن تقف على فكرة التوحيد، وبين أن تعيش التوحيد، أضرب مثلاً الله عز وجل يقول:

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[سورة الأحزاب]

 الآية واضحة وضوح الشمس، ولك أن تفهمها بداهة، بل لك أن تشرحها للناس، لكن لو أنك مؤمن مستقيم، مقيم لأوامر الله تماماً، وبيتك إسلامي، وعملك إسلامي، ودخلك إسلامي، والإنفاق إسلامي، وأنت تسعى لمرضاة الله، ولك صديقٌ على مقاعد الدراسة، بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء، صار معه ملايين مملينة، يسكن ببيت كالقصر، مركبات متعددة، حوله خدم وحشم، لمجرد أن تقول: هنيئاً له فأنت لا تعرف الله، لأنه حينما ترى أن هذه الدنيا العريضة التي بين يديه أغلى عندك من طاعة الله ومن العمل للآخرة فأنت لا تعرف الله، بل لا تعرف من أنت، أنت مؤمن، الكلام طويل ودقيق، أنت حينما تصل إلى مرضاة الله وصلت إلى كل شيء.

((ابن آدم اطلبنِي تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء))

[ تفسير ابن كثير]

 أنت حينما تعرف الله، وتعرف أن هذه الدنيا دار عمل وليست دار أمل، دار تكليف وليست دار تشريف، أنت حينما توقن أنك مخلوق للجنة، وفي الجنة:

((ما لا عين رأتْ ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]

 وأن الله جاء بك إلى الدنيا من أجل أن تعمل عملاً يعد ثمناً لدخول الجنة.

﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

[سورة النحل]

 فهذا الذي عرف سرّ وجوده، وعرف غاية وجوده، وعرف أن الله خلقه لجنة عرضها السماوات والأرض، لذلك حينما تعرف ذلك لا تتمنى أن تكون محل أحدٍ من أهل الدنيا، أنت بحالة لا تسمح لك أن تتمنى أن تكون مع أحدٍ من أهل الدنيا.
 للتقريب، دخلت إلى الحمام وتنظفت نظافة من براز معين، وارتديت ثياباً نظيفة معطرة، ومشيت في الطريق فرأيت بركة فيها مياه آسنة سوداء، وعدداً من الأشخاص يسبحون بها ويلعبون ويضحكون، هل يعقل أن تتمنى أن تكون معهم؟ مستحيل! بل حياة المؤمن، نظافة المؤمن، رقي المؤمن، أبلغ من ذلك.

 

المؤمن حينما يكتشف أن الله خلقه من أجل أن يسعده سعد في الدنيا و الآخرة :

 لذلك: من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ما عظمه الله عز وجل، فالمؤمن حينما يكتشف أن الله خلقه من أجل أن يسعده، والسعادة بعبادته، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات]

 والعبادة طاعة لله عز وجل، لكنها طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، أنت حينما تؤمن أنك تحقق الهدف الذي خلقت من أجله فأنت أسعد إنسان، وكنت أقول إن لم تقل أنا أسعد من في الأرض إلا أن يكون أحد أتقى مني ففي الإيمان خلل، لِمَ لا تكون أسعد الخلق وأنت مع الله؟ مع من بيده كل شيء؟ مع الخالق؟ مع الرب؟ مع المسير؟ مع الكريم؟ مع الجليل؟ مع الغني؟ مع القوي؟ مع من بيده كل شيء؟ مع من إذا أراد شيئاً أن يقول له:

﴿ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[ سورة يس]

 الأقوياء بيده، الضعفاء بيده، الأغنياء بيده، أهل الأرض بيده، أهل السماء والأرض بيده، كيف تقول لا يوجد عندي شيء؟.

 

من لم يقل أنا أسعد إنسان ففي إيمانه خلل :

 أخواننا الكرام، القضية في الدين قضية كبيرة جداً، أنت حينما تكون متديناً أو حينما تصطلح مع الله:

(( إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض، أن هنئوا فلاناً فقد اصطلاح مع الله ))

[ ورد في الأثر]

 أقسم لكم بالله أيها الأخوة، ما لم تقل أنا أسعد من في الأرض إلا أن يكون أحدٌ أتقى مني ففي الإيمان مشكلة، تخاف ممن؟ الأقوياء بيده، تخشى الفقر؟ هو غني ونحن الفقراء إليه، تخشى المرض؟ هو الشافي، تخشى الضعف؟ هو القوي، تخشى قوياً؟ هو أقوى الأقوياء.

(( أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن العباد عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسب الملوك، وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم ))

[ ورد في الأثر]

(( من أصبح وأكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قدر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة ))

[ الترمذي عن أنس]

 أيها الأخوة، أنت حينما تعرف الله تعرف كل شيء، وحينما تفوتك معرفة الله يفوتك كل شيء، أنت حينما تصل إلى الله تسعد بهذه الصلة ولو فقدت كل شيء، وحينما تحصل الصلة بالله تسعد بها ولو فقدت كل شيء، أما إذا فقدتها فتشقى ولو ملكت كل شيء.

 

الفرق بين حلاوة الإيمان و حقائق الإيمان فرق كبير جداً :

 الإيمان شيء آخر، شيء ثمين جداً، لكن ثمنه باهظ، لذلك في بعض الأحاديث النبوية:

(( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حَلاوَةَ الإيمان))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك]

 حلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيءٌ آخر، حقائق الإيمان أن تؤمن بالله، وبكتابه، وبأنبيائه، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى، أما حلاوة الإيمان فأن تقول: أنا أسعد الناس، حلاوة الإيمان تجعلك بطلاً، حلاوة الإيمان تجعلك كريماً، شجاعاً، مقداماً، حلاوة الإيمان تجعلك قائداً لمن حولك، فرق كبير بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان، لذلك أيها الأخوة:

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف له ذلك من نيته إلا جعلت الأرض تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ رواه ابن عساكر عن كعب بن مالك ]

من لم يبذل وقتاً للإيمان لن يتمتع بمزايا الإيمان :

 الإيمان أيها الأخوة ليس كما تتوهمون أحياناً، فلان مؤمن، أي كيف إذا قلت: فلان دكتور، أي معه ابتدائية، وإعدادية، وثانوية، وجامعة، ولسانس أو بكالوريوس، دبلوم عامة، ودبلوم خاصة، وماجستير، ودكتوراه، ثلاث عشرة شهادة، كلمة حرف د. أي معه ثلاث عشرة شهادة، وكلمة مؤمن!
 أخواننا الكرام الإيمان مرتبة علمية، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه، معنى مؤمن أي عرف حقيقة الكون، وحقيقة الحياة، وحقيقة الإنسان، معنى مؤمن عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، معنى مؤمن عرف ربه، معنى مؤمن عرف منهجه، معنى مؤمن عرف طريق سعادته، معنى مؤمن عرف طريق شقائه، فاتقى طريق الشقاء وتابع طريق النعيم، معنى مؤمن عرف أن:

(( الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح برخاء، ولم يحزن بشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخر من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي))

[ من كنز العمال عن ابن عمر]

 لكن الإنسان إذا لم يبذل وقتاً للإيمان كيف ينعم بمزايا الإيمان؟ أي هل يستطيع إنسان لم يفتح كتاباً، ولم التحق بمدرسة، ولم يحضر درساً، ولم يقرأ، ولم يكتب، أن يقول لك: أنا مثقف؟ أو أنا معي شهادة عليا؟ هذا مستحيل! أنا أقول لأخوتي الكرام: أنت مؤمن، متى آمنت؟ متى تفكرت في خلق السماوات والأرض؟ متى قرأت القرآن؟ متى عرفت أحكامه؟ متى عرفت حلاله وحرامه؟ متى عرفت الخير والشر؟ متى سرت في طريق الإيمان؟ أي يمكن أعلى مرتبة في الحياة بلا ثمن، هل يستطيع إنسان أن يقول أنا طالب جامعي ولا يحمل ثانوية ولا إعدادية ولا ابتدائية؟ مستحيل، سبحانك يا رب! كل أمور الدنيا مقننة، طبيب طبيب، محامي محامي، مهندس مهندس، إلا قضايا الإيمان مائعة.

كلٌ يدعي وصلاً بليلى  وليلى لا تقر لهم بذاك
* * *

 أنا مؤمن، كيف يعصي المؤمن ربه، مستحيل!.

 

من يعرف أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى لا يمكن أن يقبل أن يكون له ابن :

 لذلك أيها الأخوة الآيات الآن تتعلق بحقيقة الإيمان.

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾

 أنت حينما تعرف منهج الله لا يمكن أن تقول فلان ابنه، مستحيل، حينما تعرف الذات الكاملة، الأبدية، السرمدية، حينما تعرف قدرة الله، علم الله، غنى الله، قوة الله، حينما تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى لا يمكن أن تقبل أن يكون له ابن مستحيل! فكرة لا يقبلها الولد الصغير.

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ﴾

 هذا القول دليل أنهم ما عرفوا الله عز وجل، لذلك أيها الأخوة اعتقدوا معي يقيناً أن هذا الدين العظيم فيه أصلان كبيران، الأصل الأول معرفة الله، والأصل الثاني عبادته، أنت بالكون تعرفه، وبالشرع تعبده، حينما تغفل معرفته أغفلت كل شيء.

 

طريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية :

 لذلك لماذا في القرآن الكريم ما يزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون؟

﴿ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا *وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[سورة الشمس]

﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ﴾

[سورة الفجر]

 هذه الآيات الكونية:

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

[سورة البلد]

 هذه الآيات التي في القرآن الكريم تتحدث عن الكون والإنسان، ما علاقتك بها؟ الحقيقة علاقتك بها التفكر في خلق السموات والأرض.

 

الطرق السالكة لمعرفة الله الآيات القرآنية و التكوينية و الكونية :

 يجب أن تعلم علم اليقين أن طريق معرفة الله التفكر في آياته الكونية، والأصل في هذا الموضوع:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران]

 والأصل الثاني النظر في آياته التكوينية:

﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[سورة آل عمران]

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾

[سورة الأنعام]

 الأولى آياته الكونية، علاقتك بها التفكر، والثانية آيات الله التكوينية، علاقتك بها النظر، والثالثة آيات الله القرآنية، علاقتك بها التدبر.

﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ﴾

[سورة محمد]

 أي وقت أمضيته لمعرفة الله، الله تعرفه من كونه، من خلقه، من تكوينه، من أفعاله، من كلامه، من قرآنه، آيات كونية، وآيات تكوينية، وآيات قرآنية، طرق سالكة لمعرفة الله، فإذا جهدت بالتفكر بها عرفت من هو الله.
 أخواننا الكرام، أكاد أضع يدي على مشكلة المسلمين الأولى أنهم عرفوا الأمر ولم يعرفوا الآمر، لكنك إذا عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، البطولة أن تعرف من هو الآمر، ماذا عنده لو أطعته؟ ماذا ينتظرك لو عصيته؟ أن تعرف الآمر ثم تعرف الأمر، إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر.

 

منهج البحث في الدين إن كنت ناقلاً فالصحة مبتدعاً فالدليل :

 أخواننا الكرام، ذلك هذا الذي قالوه:

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 أي كلمة قيلت، مقولة لا علاقة لها بالواقع أبداً، مثلاً: لو أنت الآن لا تملك ثمن طعام، قلت: معي مليار كلمة، ما معك ثمن وجبة طعام تقول معي مليار كلمة؟ كلام لا يقدم ولا يؤخر ولا يصرف بأي مكان، فالكلام سهل، قل ما شئت، والحياة الدنيا فيها بشر يتكلمون، والكلام ما لم يكن مطابقاً للواقع لا قيمة له، من أدق تعريفات العلم: القول المطابق للواقع، هناك تعريف أدق: علاقة بين متغيرين يؤكدها الواقع، عليها دليل، مقطوع بصحتها، لو ألغيت الدليل لكان الكلام تقليداً، لو ألغيت الواقع لكان جهلاً، لو ألغيت القطع لكان وهماً، أو شكاً، أو ظناً، لو ألغيت اليقين لكان ثلاثون بالمئة وهم، خمسون بالمئة شك، تسعون بالمئة ظن، أما العلم فكلام يقيني قطعي، القول المطابق للواقع المقطوع به، عليه دليل، ألغِ الدليل صار تقليداً، ألغِ الواقع صار جهلاً، ألغِ القطع صار وهماً أو ظناً أو شكاً، لذلك القول المطابق للواقع مع الدليل هو العلم.

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 مرة أخ كريم، مفتي في هذا البلد الطيب، توفي رحمة الله، كنا في طابق مرتفع بالشام، قال لي: كل هذه المدينة ملكي لكن بلا دليل، الكلام سهل، كل هذه الأبنية التي تراها هي ملكي ولكن لا دليل.
 لذلك قالوا: لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، بل هناك منهج بحث في الدين، إن كنت ناقلاً فالصحة، مبتدعاً فالدليل.

 

على الإنسان ألا يقبل شيئاً و لا يرفض شيئاً إلا بالدليل :

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 عود نفسك أيها الأخ الكريم ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، بل ألا ترفض شيئاً إلا بالدليل، تقبل بالدليل، وترفض بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء، وأقوى دليل على ذلك:

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ﴾

[سورة يوسف الآية:108]

 معنى بصيرة؛ أي معي دليل، ومعي تعليل:

﴿ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

[سورة يوسف الآية:108]

 فإذا كنت متبعاً للرسول فينبغي أن تكون دعوتك بالدليل.

 

الله تعالى حينما رتب المعاصي والآثام جعل على رأسها الافتراء على الله :

 لذلك:

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 كلام، بل إن الله سبحانه وتعالى حينما رتب المعاصي والآثام بدأ بالفحشاء والمنكر، بل بعد الفحشاء والمنكر هناك الشرك، هناك الكفر، هناك الإلحاد، وجعل على رأس هذه الجرائم الفكرية قال:

﴿ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[سورة البقرة]

 لذلك:

(( وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى يرقى بها إلى أعلى عليين، الكلمة الطيبة صدقة.

 

الكلمة الطيبة صدقة :

 أيها الأخوة:

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 أحياناً بجلسة، بلقاء، بندوة، يُطرح كلام، بعض الكلام كفر بعينه، بعض الكلام يؤكد الشرك بالله، بعض الكلام يؤكد البعد عن الله، أو بعض الكلام لا يؤكد كمال الله عز وجل، فما كل كلام يسمع، ولا كل كلام يصغى إليه، المؤمن حينما يعرف الله عز وجل صار معه مقياس، يقيس هذا الكلام بالمقياس الذي أعطاه الله إياه، بالقرآن، مثلاً يقول الشاعر:

فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي  فدعني أبادرها بما ملكت يدي
* * *

 هذا كلام غير صحيح، يقول: مادمت لا تملك موتي أو حياتي دعني أتمتع، ومئات الأشخاص يقولون: تمتع بالحياة بقدر ما تستطيع، أما التوجيه الإلهي فصحيح، أطع الله قدر ما تستطيع، أطع الله ما استطعت.
 إذاً أيها الأخوة:

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 والله أيها الأخوة الذي يقال أحياناً تجد كلاماً يقال في المجالس، في الندوات، في اللقاءات، كلام لا معنى له، لا وزن له، لا يرقى بالإنسان، الكلمة الطيبة صدقة، الله عز وجل قال:

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

[سورة إبراهيم]

 الكلمة الطيبة كلمة مباركة قد يحيا قلب إنسان بكلمة طيبة.

 

ملة الكفر واحدة في أي مكان وزمان :

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

 هناك كلمة طيبة ترقى بها إلى أعلى عليين، وكلمة خبيثة أيضاً تطير في الآفاق.

﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

[سورة إبراهيم]

 نصف العالم كان يعتقد بأنه لا إله، وبقيت هذه الدول التي تؤمن بأنه لا إله سبعين عاماً تطرح فكراً إلحادياً، أين هي الآن؟.

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[سورة الإسراء]

 فلذلك

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ﴾

 أي ملة الكفر واحدة،

﴿ يُضَاهِئُونَ ﴾

 أي يشابهون، ملة الكفر واحدة، الكافر هو كافر في أي مكان وزمان.

﴿ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾

 هذا الذي لم يؤمن بالله انظر إلى عمله، يأخذ ما ليس له، يعتدي على أموال الآخرين، يعتدي على أعراضهم، فهو إنسان منافق، و صفاته:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾

[سورة الماعون]

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾

[سورة العلق]

 إنسان آخر:

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾

[سورة العلق]

الناس في النهاية رجلان :

1 ـ إنسان تعرف على الله فسلم وسعد في الدنيا والآخرة :

 أخواننا الكرام، الناس في النهاية رجلان، مؤمن عرف الله، وعرف منهجه، فانضبط بمنهجه، وعمل صالحاً، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله، وغفل عن منهجه، وتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد إنساناً ثالثاً.

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

 صدق أنه مخلوق للجنة، الحسنى هي الجنة، والدليل:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[سورة يونس الآية:26]

 الحسنى هي الجنة.

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

 اتقى أن يعصي الله، صدق بالحسنى فاتقى أن يعصي الله، وبنى حياته على العطاء.

 

2 ـ إنسان غفل عن الله فشقي وهلك في الدنيا والآخرة :

 الطرف الثاني:

﴿ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[سورة الليل]

 كذب أنه مخلوق للجنة، وتوهم أنه مخلوق للدنيا، فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، هناك نموذجان.

 

بطولة المؤمن أن يكون من أتباع الأنبياء :

 بل يقع على رأس الهرم البشري زمرتان، الأنبياء قمم البشر والأقوياء قمم القوة، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب والأقوياء ملكوا الرقاب، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم والأنبياء يمدحون في غيبتهم، والناس جميعٌ تبع لقوي أو نبي، بطولتك أيها المؤمن أن تكون من أتباع الأنبياء، قوتك في كمالك، قوتك في إحسانك، قوتك في استقامتك.
 لذلك:

﴿ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ ـ يشابهون ـ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾

 ينصرفون على ملذاتهم إلى اغتصاب ما ليس لهم، إلى علاقات لا ترضي الله، إلى مكاسب دنيوية.

﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ﴾

[سورة الغاشية]

 هذه الآية أيها الأخوة تبين أن البشر على نوعين مؤمن وغير مؤمن، المؤمن عرف الله، عرف منهجه، انضبط بمنهجه، أحسن إلى خلقه، سلم وسعد في الدنيا والآخرة، وغير المؤمن غفل عن الله، وغفل عن منهجه، وأساء إلى خلقه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018