الدرس 1: حوارات في الثقافة والفكر ، كيفية التعامل مع القرآن الكريم في ظل التقدم الحضاري . تقديم المذيع أ/ محمد بن سعيد الحجري - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠51برنامج حوارات في الثقافة والفكر - قناة سلطنة عمان
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس 1: حوارات في الثقافة والفكر ، كيفية التعامل مع القرآن الكريم في ظل التقدم الحضاري . تقديم المذيع أ/ محمد بن سعيد الحجري


2000-01-01

مقدمة :

الأستاذ محمد :
 أعزائي المشاهدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وأهلاً ومرحباً بكم في هذه الحلقة من برنامج حوارات في الثقافة والفكر .
 مثلت الدراسة المتمحورة حول القرآن الكريم نقطة الانطلاق بحركة الحضارة الإسلامية بكل تجلياتها العلمية والمعرفية ، وفي المقابل ارتبط تأخر المسلمين بالسياق الحضاري بتراجعهم عن فهم المضامين الحضارية الكبرى للقرآن الكريم ، واليوم أعزائي المشاهدين في ظل تلاحق قفزات التقدم العلمي كيف سنتعاطى مع القرآن الكريم ؟ وكيف سيعزز العلم الكاشف لواقع القوم من قدرتنا على اكتشاف المضامين القرآنية التي يكتنز بها الكتاب العزيز ؟ وكيف نستوعب إشاراته العلمية ومضامينه المعرفية ؟ وكيف سيتأثر وعينا بتلك المضامين القرآنية بمكاسب الثورات التقنية ؟ وكيف ستعيننا الأدوات والمناهج الحديثة في اكتشاف خاصية الاكتناز القرآني التي تلبي حاجة الإنسان في كل عصر إلى السمو الروحي والحكمة والمعرفة والتشريع ؟ ضيفنا في مناقشة هذا الموضوع فضيلة الشيخ الدكتور محمد راتب النابلسي الداعية الإسلامي وأستاذ الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة دمشق ، فأهلاً ومرحباً بكم .
الدكتور راتب :
 بكم ، جزاك الله خيراً .
الأستاذ محمد :
 دكتور إذا أردت أن أبدأ مناقشة هذه القضية من مدخل أحسب أنه أقل عمومية وأكثر دقة ، هل هذا التأثير بين اكتشاف الوجود واكتشاف القرآن الكريم هو تأثير في اتجاه واحد أم هو تأثير وتأثر متبادل ؟

 

العلاقة بين اكتشاف الوجود واكتشاف القرآن الكريم :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، وعلى صحابته الغر الميامين أمناء دعوته ، وقادة ألويته ، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين .
 بادئ ذي بدء وقبل أن أجيب عن هذا السؤال ، الحق دائرة تتقاطع فيها أربعة خطوط ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح ، وخط الفطرة السليمة ، وخط الواقع الموضوعي ، وآثرت أن أصف كل كلمة بصفة ، خط النقل الصحيح لأن هناك نقلاً غير صحيح قد يتعارض مع العلم ، وهناك علم غير صحيح ، مجرد نظرية لم تثبت بعد تتعارض مع القرآن ، خط النقل الصحيح ، وخط العقل الصريح هناك عقل تبريري ، وخط الفطرة السليمة هناك فطرة منطمسة ، وخط الواقع الموضوعي هناك واقع غير موضوعي ، فإذا جاء الحق بالنقل الصحيح وقبله العقل الصريح وارتاحت له الفطرة السليمة وأكده الواقع الموضوعي فهو الحق ، من هذه المقدمة الصغيرة يتضح أن القرآن كلام الله ، وأن الكون خلق الله والمصدر واحد ، فإذا كشفنا حقائق القرآن وهي تنعكس على حقائق الدنيا ، وإذا قفز العلم قفزة نوعية فتوصل إلى شيء جديد ، القرآن لأنه كلام الله المعجز أشار إليه من أمد بعيد.
الأستاذ محمد :
 دكتور أيضاً لو تناولنا المسألة من سياق الحضارة الإسلامية في مراحل صعودها وفي مراحل هبوطها ، هل تعتقد أن تأخرنا في الكشف العلمي هو الذي أدى إلى تأخرنا في الكشف القرآني في اكتشاف المضامين والدلالات الحضارية الكبرى التي يكتنزها القرآن الكريم ؟

 

التناغم والتوافق بين حقائق الكون وحقائق القرآن :

الدكتور راتب :
 والله أن أعتقد أن نعزو تخلف الأمة الإسلامية إلى سبب واحد هذا مستحيل ، القضية معقدة جداً ، هناك أسباب كثيرة متضافرة ساهمت في هذا التخلف ، ولكن من أجل أن أضيء إضاءة سريعة حينما صعد الإنسان إلى الفضاء الخارجي ، ووصل إلى القمر ، وتجاوز طبقة الهواء التي تزيد عن خمسة وستين ألف كم ، صاح بأعلى صوته : لقد أصبحنا عمياناً لا نرّ شيئاً ، ذلك لأن في الهواء ظاهرة اسمها انتثار الضوء ، أي أشعة الشمس حينما تسلط على الهواء ، ذرات الهواء تعكسها على ذرات أخرى ، ففي الأرض مكان فيه أشعة الشمس ومكان فيه ضياء الشمس ، فلما الرائد الفضائي تجاوز طبقة الهواء انعدم تناثر الضوء فأصبح الجو مظلماً ظلاماً كثيفاً ، فإذا فتحنا القرآن الكريم الله عز وجل يقول :

﴿ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14)لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15)﴾

( سورة الحجر )

 هذه الحقيقة التي عرفها العلماء بعد ألف وأربعمئة عام ، بعد أن استطاع الإنسان أن يصل إلى القمر ، القرآن الكريم أشار إليها قبل ألف وأربعمئة عام ، وكأن هذا السياق يؤكد لنا أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، فهناك تبادل بين الكشوفات العلمية وبين الآيات العلمية في القرآن الكريم ، أي في القرآن ما يزيد عن ألف وثلاثمئة آية تتحدث عن الكون ، لماذا ؟ لأن الله عز وجل يقول :

 

﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَار ُ﴾

 

( سورة الأنعام الآية : 103 )

 لكن العقول تصل إليه من خلال الكون ، فالكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي قرآن يمشي ، فهناك تناغم وتوافق وتبادل بين حقائق الكون وحقائق القرآن لأنه في الرياضيات إذا شابه حدان حداً مشتركاً فهما متشابهان ، فإذا كان الكون خلق الله والقرآن كلام الله فشيء طبيعي جداً ، الإله واحد خالق الأكوان ومنزل القرآن ، التناغم والتناسق والتوافق والتبادل بين حقائق الكون وحقائق القرآن شيء واضح جداً وهذا ما تفضلت به في السؤال الثاني .
الأستاذ محمد :
 دكتور أنت تفضلت وقلت أننا لا يمكن أن نعزو تأخر ركب الحضارة الإسلامية في مرحلة هبوطها إلى سبب واحد ، ولكن الحديث عن القرآن الكريم وعن الدراسات المتمحورة حوله يبدو محورياً في هذه القضية لماذا ؟ لأن كل التقدم العلمي والمعرفي والحضاري بني على فهم القرآن الكريم ، وكان القرآن منطلقاً لتأسيس وبناء هذه الحضارة ، من هنا يبدو أي تراجع في فهم القرآن كما يجب أو أي تشوه في فهم الحقيقة القرآنية إنه بالتالي ينعكس على فهمنا ووعينا بالوجود ، وهذا ما يؤدي إلى تخاذلنا على إدراك حقائق الكون ، ألا ترى هذا الرأي ؟

فهم الحقيقة القرآنية :

الدكتور راتب :
 لي تعليق عليه ، الإنسان أحياناً يعرف الحقيقة لكن يؤثر شهوته على العمل وفق الحقيقة ، فهناك شيء اسمه معرفة الحقيقة ، وأن تملك إرادة تعينك على التحرك وفق الحقيقة، هناك من يعرف الحقيقة ، وهناك من لا يجد عزيمة وإرادة قوية تحمله على العمل وفق الحقيقة ، فلذلك نحن في أية دعوة إلى الله ينبغي أن نغذي العقل بالعلم ، وأن نغذي القلب بالإرادة ، فحينما تجتمع القناعة العقلية مع الإرادة النفسية نتقدم ، فإذا وجدنا تخلفاً أحد أسباب التخلف الكبرى هو الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به ، وإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم ، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم ، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك ، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً ، وأزمة أهل النار العلم :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

( سورة الملك )

 ذلك لأن الله جبل الإنسان على حب وجوده وعلى حب سلامة وجوده وعلى حب كمال وجوده وعلى حب استمرار وجوده ، فلماذا يشقى ؟ يشقيه الجهل ، والجهل أعدى أعداء الإنسان ، ولكن حينما تنكشف له الحقيقة ويصر على شهوة ألفها نقول : افتقد الإرادة التي تعينه على تطبيق ما اقتنع به ، إذاً يمكن أن نعزو التخلف إلى ضعف نفسي وقصور عقلي .
الأستاذ محمد :
 لذلك يلح القرآن الكريم على أن التغيير لا بد أن يبدأ من الداخل وأن ينطلق من الداخل إلى الخارج .

 

التغيير يبدأ من الداخل :

الدكتور راتب :

﴿ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

( سورة الرعد الآية : 11 )

 التغيير يبدأ من الداخل ، وأقم أمر الله فيما تملك يكفك ما لا تملك .
الأستاذ محمد :
 دكتور البعض يميل في تركيز هذه العلاقة بين القرآن الكريم وبين معطيات العلوم الحديثة يميل إلى تركيز هذه العلاقة فقط في إثبات صرفية النص القرآني وإلهية مصدره ، الحال أن هذه النظرة في جزء منها ربما تكون ردة فعل على مرحلة الاستعمار والهجوم على الحضارة الإسلامية ، اليوم ألا ينبغي أن نتعامل مع هذه المسألة بطريقة مختلفة ، أن نتعامل مع هذه العلاقة بطريقة أخرى ، أن نعتمد المبادئ القرآنية في صياغة نظرتنا للوجود وأن نعتمد المناسب من المناهج العلمية الحديثة في قراءتنا وفي وعينا وفي تدبرنا للقرآن الكريم .

 

اعتماد المبادئ القرآنية في صياغة نظرتنا للوجود :

الدكتور راتب :
 الحقيقة هذا ما يجب أن يكون ، وفرق كبير بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون ، ولكن بعض كبار علماء الطب اختصاصه العين ، حينما قرأ قوله تعالى ؛ عندما ألقي القميص على سيدنا يعقوب ارتد بصيراً وكانت قد ابيضت عيناه من الحزن ، وابيضاض العين السائل العدسة الشفافة تصبح حليبية لا تنقل الصورة :

﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾

( سورة يوسف الآية : 84 )

 هذا مرض يصيب معظم الناس إما لشدة نفسية قوية أو لتقدم في السن ، ما يسمى بإعتام العدسة ، فلما ألقي هذا القميص على وجه سيدنا يعقوب ارتد بصيراً ، عالم من مصر ، هذا القميص ماذا فيه ؟ فيه عرق ، أخذ العرق البشري وحلله ، فإذا هو أربعة وستون مادة كيماوية ، أخذ مادة مَادة على عدسة مبيضة ، إحدى هذه المواد البولين جعلتها شفافة ، فإذاً اكتشف أن هناك قطرة يمكن أن نأخذها فتعيد العين التي أصابها التعتيم أو العدسة التي أصابها ابيضاض إلى شفافيتها ، فهذا شاهد لما تتمناه أن نبدأ بالقرآن ونصل إلى خصائص الأكوان .
الأستاذ محمد :
 دكتور يرى البعض أن دراسات العقيدة في مراحل كبيرة من التاريخ العلمي الإسلامي مالت كثيراً باتجاه الجدل الكلامي وتنقية التصور العقدي ، ولعل لهذا التوجه مبرراته في مرحلة معينة من التاريخ العلمي الإسلامي ، لكنهم يرون أيضاً أن هذا الأمر اشتط بنا بعيداً وابتعد بنا عن الإيمان ذلك المصطلح الذي يستخدمه القرآن الكريم ، ابتعد بنا عن الإيمان بالمعنى القرآني ، ذلك الذي يستقرأ الوجود وآياته ليصل إلى رسوخ الإيمان وإلى عمقه ، هل يعتقد فضيلتكم بأن الكشوفات العلمية خلال القرن العشرين ومطلع هذا القرن قد أعادت التوازن إلى هذه العلاقة أو إلى نظرتنا إلى هذه العلاقة بين القرآن وبين قضية الإيمان؟

 

العلاقة بين القرآن وبين قضية الإيمان :

الدكتور راتب :
 أولاً أنا لا أوافق أن نجعل عقيدتنا مقتبسة من كتب الفلسفة القديمة ، أنا أتمنى أن نستقي عقيدتنا من كتاب الله ، هذا الاستقاء طبيعي وواقعي وواضح وبسيط ، فالله أخبرنا عن ذاته العلية ، أخبرنا عن الماضي السحيق ، عن المستقبل البعيد ، أخبرنا عن كل شيء عجز العقل عن إدراكه ، فنحن إذا استقينا عقيدتنا من كتاب الله نكون على الطريق الصحيح الذي ينبغي أن نسلكه ، ولكن حينما يأتي كشف علمي يؤكد بعض الآيات ولأضرب على ذلك بمثل نحن لو فتحنا كتب الطب من مئة عام نرى أن القلب مجرد مضخة تضخ الدم ، الآن اكتشف أن في القلب أربعين ألف خلية عصبية قدراتها تفوق قدرات الخلايا في الدماغ بآلاف المرات، وأن القلب يوجه الدماغ ، وأن القلب مكان التعلم ومكان الفهم ومكان العقل :

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا ﴾

( سورة الحج الآية : 179 )

 الآن الكشوفات العلمية التي تؤكد أن القلب هو الذي يوجه الدماغ ، وهذا ظهر من خلال ثلاثمئة عملية زرع قلب في العالم ، فالذي زرع قلبه تبدلت مشاعره واهتماماته وأذواقه وميوله ، حتى إنهم قالوا إن الإنسان يتبدل كلياً كل خمس سنوات ، أقل خلية في التبدل زغابات الأمعاء عمرها يومان وأطول خلية هي خلية العظم خمس سنوات ، فالإنسان يتبدل كلياً كل خمس سنوات ، ولكن خلايا الدماغ ثابتة وخلايا القلب ثابتة ، حكمة خلايا الدماغ واضحة وضوحاً شديداً لو تبدلت خلايا الدماغ لنسي الإنسان دراسته واختصاصه وذاكرته ومعارفه وأصدقائه ومهاراته وقدراته ، نسي كل شيء ، فلحكمة بالغة أن خلايا الدماغ لا تتبدل ، ومعها خلايا القلب ، لكن لا أحد يعلم قبل سنة أو سنتين لماذا خلايا القلب لا تتبدل ؟ الآن ثبت أن الذي زرع له قلب صناعي نسي أقرباءه ، نسي أحفاده ، نسي كل شيء ، نسي كل اهتمام ، نسي كل حب ، نسي كل أمل ، الآن اكتشف العلم أن القلب مركز الإدراك والعقل والفهم والعلم ومركز الحب والكراهية ، والقلق والخوف والطمأنينة ، مركز القسوة والرحمة ، الآن العلم بدأ يسير باتجاه القرآن الكريم .
 وأنا دائماً لا أثني على القرآن بشكل خاص والدين بشكل عام إذا وافق العلم ، ولكنني أثني على العلم إذا وافق القرآن الكريم ، لأن الأصل هو القرآن الكريم وحي السماء .
الأستاذ محمد :
 دكتور ترى أن العلم ليس أصلاً مستقلاً وإنما هو أصل تابع للقرآن ، وأن المنطلق ينبغي أن يكون من القرآن الكريم باتجاه الكون واكتشاف نظمه وقوانينه وخصائصه وليس بالعكس .

 

العلم ليس أصلاً مستقلاً وإنما هو أصل تابع للقرآن :

الدكتور راتب :
 الدليل لو أيقظنا إنسان من قبره قبل خمسين عاماً وأريناه قرصاً مدمجاً فيه عشرة آلاف عنوان ، والعنوان قد يكون أربعين جزءاً ، هذه النصوص كلها على هذا القرص بخط جميل مضبوطة بالشكل وفي بحث ، هل يصدق هذا الميت قبل خمسين عاماً هذا القرص ؟ يكذبه بعقله لأن عقله مرتبط بالواقع الذي عاشه ، معنى هذا العقل مرتبط بالواقع والواقع له خصائص ، أما القرآن الكريم والوحي هو حق صرف من الله عز وجل ، فأنا مبدئياً أعتمد وأعتقد أنه لا يمكن أن يتناقض العلم مع النقل لأن النقل كلام الله والعقل مقياس علمي أودعه الله فينا ، والله واحد ، لكن إذا كان النقل غير صحيح يتناقض مع العلم ، وإذا كان العلم غير ثابت ـ نظرية ـ يتناقض مع القرآن الكريم ، فلا يتناقضان إلا لضعف حدية أحدهما ، ولكن لو فرضنا أن العلم صحيح حقيقة مقطوع بصحتها مئة في المئة وآية قطعية الدلالة مئة في المئة يجب أن يتوافقا قطعاً ، وهذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى : " توافق العلم مع القرآن قطعي بشرط أن يكون العلم يقينياً والنص صحيحاً مؤكداً " .
الأستاذ محمد :
 دكتور دعني هنا أضرب مثالاً على تلك المساحات التي يمكن أن يحدث فيها الاختلاف فيما يتعلق بالنظرة إلى هذه القضية ، عندما يكون لدينا نص قطعي والقرآن كله قطعي الثبوت ، لكن من القرآن ما هو ظني الدلالة ، والبعض هنا قد يجادل في ظنية بعض النصوص أو في قطعيتها ، في هذه المرحلة بالذات عادت مثلاً النظرية الدارونية إلى النشاط من جديد ، مجلة وجهات نظر قبل مدة كان لها ملف حول هذه القضية ، بدأ النقاش من جديد يعود مرة أخرى إلى مزيد من التفكر والنظر وهو أمر قرآني كما نعلم جميعاً :

﴿ قُلْ سِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾

( سورة العنكبوت الآية : 20 )

 هاهنا في هذه المنطقة التي ربما قد تلتبس على البعض أو هي في منطقة إباحة النظر والتأمل ، هل تعتقد أن مبدأ محاولة التوفيق بين النظرية العلمية التي ربما لا تتجلى بعد بحقيقة علمية وبين الحقيقة القرآنية هو المبدأ الذي ينبغي أن نستخدمه؟

 

الإعجاز العلمي وشروطه :

الدكتور راتب :
 أنا أعتقد يقيناً أن هذه النظرية باطلة والدليل أن كبار كِبار العلماء الذين آمنوا بها رفضوها الآن ، لماذا ؟ لأن هذه النظرية تقوم على إنسان تطور أو على مخلوق تطور فلا بد من مخلوقات مرحلية ، فحينما كشفت المستحثات الأرضية تجسيمات محفورة في الحجر لكائنات عاشت قبل خمسمئة مليون عام كما هي الآن هذا شيء قطعي ، أي كبار العلماء الذين آمنوا بنظرية دارون رفضوها رفضاً قاطعاً لأنه لا يوجد في تاريخ البشرية مخلوق مرحلي ، يوجد مستحثات حجرية فيها كائنات وحيوانات وطيور ، بعض الحشرات من خمسمئة وثلاثين مليون عام كما هي الآن ، هذا دليل قطعي ولا يغيب عنكم أنهم عرضوا قبل فترة هيكلاً عظمياً لإنسان وكان قبل خمسة ملايين عام ، وكان هذا رداً حاسماً على هذه النظرية ، أنا أقول ما الإعجاز العلمي ؟ هذا مناسبة دقيقة ، حينما تكون الآية قطعية الدلالة لا يختلف على معناها إنسانان في الأرض ، وحينما تكون الحقيقة العلمية يقينية كأن تقول المعادن تتمدد بالحرارة ، حينما نعتمد حقيقة علمية مقطوعاً بها ، وحينما تأتي آية قرآنية بمعناها الدلالي الحتمي مقطوعاً بها ، وحينما يكون التوافق عفوياً وتاماً ، هذه فقط ندرجها بالإعجاز العلمي ، لذلك كما أن الإعجاز العلمي أكبر أداة لتأكيد حقائق القرآن الكريم ، هو قد يكون أداة مخربة لهدم القرآن الكريم ، حينما نعتمد مقولة علمية لم تثبت ، وحينما نعتمد آية ظنية الدلالة ، وحينما لا يكون التوافق طبيعياً وتاماً وعفوياً نحن نفتعله ، افتعال التوافق مع حقيقة ليست ثابتة مع آية ليست قطعية الدلالة نقع بإشكال كبير ، ومعظم مواقع الانترنيت التي تهاجم القرآن الكريم تهاجمه من خلال الإعجاز العلمي الذي لم يستكمل شروطه ، هناك شروط صارمة ودقيقة للإعجاز العلمي لا بد من ذكرها مرة ثانية ؛ أن تكون الحقيقة مقطوعاً بها لا يختلف عليها اثنان في الأرض ، وأن تكون الآية قطعية الدلالة لا يختلف في معناها إطلاقاً ، وأن يكون التوافق عفوياً وتاماً ، عندئذ نقول هذه الحقيقة العلمية أسهمت في توضيح آيات القرآن الكريم .
 وكالة ناسا الفضائية عرضت صورة لوردة جورية لا يشك لثانية واحدة أنها وردة جورية ؛ بأوراقها الحمراء الداكنة ووريقاتها الخضراء الزاهية والكأس الأزرق في الوسط ، كتب تحت هذه الصورة صورة انفجار نجم اسمه عين القط يبعد عنا ثلاثة آلاف سنة ضوئية ، الجورية هي وردة قطعاً بكل ما في الكلمة من معنى إلا أن هذه الآية تقول :

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37)فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38)﴾

( سورة الرحمن)

 الحقيقة العلمية الصارخة اليقينية مع الآية قطعية الدلالة ، توافقهما يؤكد مرة ثانية أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن ، وما من مادة من مواد العلوم الإسلامية تحدث أثراً منقطع النظير في الطرف الآخر كالإعجاز العلمي ، هذا العصر يؤمن بالعلم والعلم وحده .
الأستاذ محمد :
 دكتور هذا فيما يتعلق بخطابنا الاتجاه الآخر ، ولكن الذي نحتاجه في هذه المرحلة الحضارية بالذات أن نعيد بناء علاقتنا مع القرآن الكريم ، ونحن في هذا الصدد نحتاج إلى تصور دقيق للمنهج العلمي الذي يقدمه القرآن الكريم ، البعض هنا قد يعتني بالضوابط العلمية، يعتني بالنتائج ، ولكنه قد لا يعتني بالمقدمات وبالأسس التي تؤدي إليها ، فكيف يعيننا القرآن الكريم على بناء أسس المنهج العلمي في قراءتنا للقرآن الكريم ؟

 

دور القرآن الكريم في بناء أسس المنهج العلمي :

الدكتور راتب :
 أنا أعتقد أن هناك خللاً خطيراً في منهج تفكيرنا ، أحياناً نعتقد ونبحث عن الدليل نعتقد أولاً ونبحث عن الدليل ، أما الطريق الأمثل أن تستدل ثم تعتقد ، فنحن حينما نقرأ آية قرآنية نفهمها فهماً وفق علم الأصول ، وفق قواعد اللغة ، وحينما تأتي ظاهرة كونية تتطابق معها تطابقاً تاماً يكون المنهج أن نفهم الكون في ضوء القرآن الكريم ، أو أن نفهم القرآن الكريم في شرح حقائق الكون ، مرة ألفت مقالة عن النمل في تفصيلات لا تصدق ، ما رأيت تفسيراً لقوله تعالى :

﴿ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ (38)﴾

(سورة الأنعام)

 كهذا البحث العلمي ، أحياناً يأتي البحث العلمي ليعطي الآية مضموناً رائعاً جداً ، أنا في بداية هذا اللقاء الطيب أكدت لك أن هناك تبادلاً بين الحقائق العلمية والآيات القرآنية ، أنا لا أقبل أن يكون القرآن الكريم وحده مؤثر ، والعلم مؤثر بالقرآن ، لأن العلم خلق الله قوانين مستنبطة من خلق الله ، والقرآن كلام الله ، المصدر واحد ، فنحن حينما نؤمن بالتأثير التبادلي من إلى ، إلى من ، نكون قد أصبنا الحقيقة .
الأستاذ محمد :
 دكتور اسمح لي أن أعود مرة أخرى لما طرحته من قبل مما يتعلق بإعادة النشاط لمسألة النظرية الدارونية ، وهذه المسألة مهمة للغاية من عدة جوانب ، أولاً لأنه مطلب قرآني وأمر قرآني أن نبحث عن أصل الخلق وأصل النشأة ، الأمر الآخر أننا بتأخرنا وتراجعنا عن تلبية هذا المطلب القرآني وعن تنفيذ هذا المطلب القرآني سمحنا لنظريات أخرى أن تغزو ساحتنا ، بل وأن تغزو التصور العلمي في العالم بأسره تجاه نشأة الخلق ، ولذلك في هذه المرحلة بالذات أن نربط هذه القضية بمسألة التراجع في البحث العلمي في البلدان الإسلامية ، هي بالطبع ظاهرة ليست وليدة هذا الواقع الآن وإنما هي نتيجة لركام تاريخي سابق من قبل ، وكما أشرت من قبل أننا لا يمكن أن نعيد أصل التخلف إلى قضية واحدة ، كيف يحرضنا القرآن الكريم على البحث العلمي وعلى التأمل والتدبر والدقة والتمحيص للوصول إلى الحقائق ؟

 

القرآن الكريم يحثنا على التأمل والتدبر والدقة والتمحيص للوصول إلى الحقائق :

الدكتور راتب :
 لا بد من تعليق ، هذا التعليق يؤكد أن الإنسان في أحايين كثيرة يعتقد شيئاً غير صحيح لكنه مريح دون أن يشعر بالعقل الباطن ، أضرب مثلاً ؛ إنسان يريد أن يشتري سيارة وإنسان آخر كذلك ، الأول اشترى والثاني لم يشترِ ، سرى في البلد إشاعة أنه سوف يصدر قانون بتخفيض الرسوم الجمركية إلى النصف ، الذي اشترى السيارة يكذب هذه الإشاعة من دون بحث ولا درس ولا دليل ، تكذيبها يريحه ، والذي لم يشترِ يصدقها من دون دليل ، ما الذي حرض الأول على رفضها والثاني على قبولها ؟ مصلحته ، أحياناً إذا كانت هذه النظرية تؤدي إلى إلغاء وجود الله فالذي يريد أن يعيش بلا منهج متفلتاً ، أن يفعل ما يشاء ، أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، أن يبني حياته على موتهم ، أن يبني غناه على فقرهم ، أن يبني عزه على ذلهم ، هذه النظرية يراها حقيقة ، يتمسك بها بعقله الباطن ، والذي يحب أن يكون موافقاً لمنهج الله يرفضها ، لذلك أنا بين يدي هذا البحث أقدم هذه الحقيقة الخطيرة : العقل الباطن يميل إلى أن يعتقد شيئاً يريحه وقد يكون غير صحيح ، والعقل الباطن لإنسان مؤمن يريد أن يعتقد شيئاً واقعياً كما هو ، لذلك هذه النظرية تلغي المسؤولية ، ممكن لدول عظمى أن تسحق الشعوب الفقيرة وتتمسك بهذه النظرية ، تلغي المسؤولية ، تلغي الحساب :

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 115)

 وقال :

﴿ أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى(36)﴾

(سورة القيامة )

 أنا أعتقد أن هناك أدلة علمية قطعية ترفض هذه النظرية من منطلق علمي محض لا من منطلق إسلامي ، من أقوال علماء آمنوا أشد الإيمان بهذه النظرية .
الأستاذ محمد :
 دكتور كلامك يرمي إلى تأسيس قضية مهمة للغاية ، وحتى فيما يتعلق بمسألة النظرية الدارونية ولا أريد أن أطيل الحديث فيها ، ولكني انطلقت في الحديث عنها من مبدأ منطقة الظن والقطع ، لأنك تعلم دكتور أن بعض علماء المسلمين بنى تصوره تجاه هذه المسألة من بعض التأويلات الظنية لبعض النصوص للتفريق بين البشر وبين الإنسان ، ولكنك هنا فضيلة الدكتور أشرت إشارة مهمة إلى تعاملنا مع المنهج العلمي ، مما يعرف عن النظرية الشيوعية أنها بنت جزءاً غير يسير من بنائها الفكري على النظرية الدارونية وصراع الأنواع وقضية البقاء للأصلح ، وهذا أمر من يتأمل فيه يعي تماماً أن المنطلق ليس إثبات الحقيقة العلمية بقدر ما هو إثبات للمصلحة . فضيلة الدكتور إذا انتقلنا إلى مسألة .

 

القلب السليم :

الدكتور راتب :
 لكن قبل ، من أجمل ما قرأت عن قوله تعالى :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

 أي أكبر إنجاز تحققه أيها الإنسان أن تأتي الله بقلب سليم ، ما القلب السليم ؟ القلب الذي لا يشتهي شهوة لا ترضي الله ، والقلب السليم هو القلب الذي لا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله ، القلب السليم هو القلب الذي لا يعبد إلا الله ، ولا يحتكم إلا لشرع الله .
الأستاذ محمد :
 دكتور القرآن يصيغ علاقتنا مع هذا الوجود عبر مجموعة من القواعد ، مبدأ الاستخلاف ، ومبدأ أننا خلقنا من أصل هذا الكون ، ومبدأ التسخير أيضاً ، وإذا أردت أن أتعمق في الحوار والحديث حول قضية التسخير ، هذا المبدأ الذي قرر القرآن الكريم الحديث حوله في رسم علاقة هذا الإنسان بهذا الوجود ، لكن البعض قد ينظر إلى هذه العلاقة باعتبار هذا الكون المسخر وموجداته ينظر إليها نظرة أداتية منفعية ، ترمي إلى تحقيق المصلحة ولو أدى ذلك إلى تخريب هذه المسخرات ، كيف يمكن لوعينا بالنظام الدقيق الذي بنيت عليه أجزاء هذا الكون المسخر لخدمة هذا الإنسان ، كيف يمكن لوعينا بهذا النظام الدقيق أن يجعل تعاملنا مع هذه الموجودات المسخر تعاملاً أكثر رقياً وأكثر احتراماً ؟

 

طريق معرفة الله آياته :

الدكتور راتب :
 بادئ ذي بدء أستاذ محمد جزاك الله خيراً الإنسان هو المخلوق الأول رتبة لقوله تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

( سورة الأحزاب الآية : 72 )

 لما قبل الإنسان حمل الأمانة وطمح إلى مرتبة علية عند الله كافئه الله بأن سخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ، والمسخَّر له أكرم بداهة من المسخر ، لماذا سخر الله له الكون ؟ الكون مسخر لنا تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، يستنبط هذا من قول النبي صلى الله عليه وسلم حينما رأى هلالاً فقال :

(( هِلالٌ خَيْرٍ وَرُشْد ))

[ أخرجه الطبراني في الكبير عن رافع بن خديج ]

 أي أن هذا الهلال يرشدني إلى الله ، وفضلاً عن ذلك أنتفع به من ضياءه بالليل ، وأنا أقول أي شيء خلقه الله على الإطلاق له وظيفتان ؛ الأولى كبيرة جداً أن نعرف الله ، والثانية محدودة في الدنيا ، الغرب أتقن الهدف الثاني وانتفع من الدنيا انتفاعاً يفوق حد الخيال أما الشرق ينبغي أن ينتفع بالدنيا كما فعل الغرب ولكن ينبغي أن يضيف لانتفاعه بالدنيا هذه الدلالة الكبيرة جداً في تعريفنا بالله ، فما من طريق من معرفة الله إلا آيات الله :

﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾

( سورة الجاثية )

الكون مسخر لنا تسخيرين :

 الكون مسخر لنا تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، الآن أنا كإنسان ، رد فعل التعريف أن تؤمن ، ورد الفعل التكريم أن تشكر ، فإذا آمنت وشكرت ، والشكر امتنان القلب ، شكر باللسان ، شكر بالعمل ، أنا حينما أؤمن وأشكر حققت الهدف من وجودي ، عندئذ تتوقف المعالجة الإلهية والدليل :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

( سورة النساء الآية : 147)

 أنا أؤمن أن الكون مسخر للإنسان تسخيرين ، تسخير تعريف وتسخير تكريم ، الغرب أخذ التسخير الثاني والشرق أهمل الأول والثاني ، أما الأولى أن نقبل هذا التسخير كتعريف لنا أي أن نعرف الله من خلال هذا الكون وأن ننتفع وفق ما أراد الله ، لذلك الحركة في الحياة تقتضي تطبيق المنهج ، أنا حينما أتحرك بالحياة وأضحي بالقيم القرآنية من أجل هذه المسخرات أكون قد جانبت الحقيقة ، نحن عندنا ضوابط لولا هذه الضوابط لكان الإنسان وحشاً كبيراً ، ما الذي يمنعه أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ؟ خوفه من الله عز وجل ، العلم لا يكفي يحتاج إلى إيمان ، والعلم والإيمان يتعانقان .
الأستاذ محمد :
 لذلك يؤكد الفلاسفة ما كان يمكن لأي نظام أخلاقي أن يكون موجوداً لو لم يكن هناك إيمان ، ولو لم يكن هناك عقاب أخروي ، الدين هو أصل الأخلاق ، ولا يمكن بحال من الأحوال ولذلك حينما يتحرر الإنسان من الإيمان بالله فإنه ينقلب وحشاً كاسراً يقضي على الوجود من حوله ، لعل هذه المسألة دكتور تحيلنا إلى معالجة بعض الظواهر التي تعاني منها الحضارة المدنية الحديثة ، وللنظر إليها من منطلق قرآني يطرح من مدة غير يسيرة قضية الاحترار الكوني ، وتبعات هذا الاحترار الكوني من ذوبان الجليد وزيادة الجفاف وتوسع مساحات التصحر ، وأثر ذلك على الحياة والأحياء ، كيف سننظر على مثل هذه الظاهرة من زاوية قرآنية ؟

 

الاحترار الكوني من زاوية قرآنية :

الدكتور راتب :
 الحقيقة القرآن الكريم أشار بكلمة واحدة إلى ما سيجري في الأرض قال تعالى :

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

( سورة النساء الآية : 119)

 الإنسان مصمم تصميم معين في طعامه وفي شرابه وفي نومه واستيقاظه وفي حركته في الحياة ، ولما قلبنا الليل إلى نهار ، ولما أحرقنا هذه المواد البترولية لدرجة ارتفاع حرارة الأرض ، الآن نصف درجة ارتفعت ، كل الذي يجري ارتفاع نصف درجة ، قرأت مقالة علمية ، لو ارتفعت أربع درجات لالتغت مصر بأكملها ، الآن في عندنا تهديد كبير لمدن السواحل ، بسبب هذا التغيير في خلق الله ، فعندما غير الناس خلق الله هذه النتائج ، النقطة الدقيقة جداً العلاقة بين الأمر الإلهي وبين النهي الإلهي ونتائجهما علاقة علمية ، بمعنى علاقة سبب بنتيجة ، أنا أضرب مثلاً ؛ لو كتبت لوحة ممنوع الاقتراب من هذه المنطقة تيار توتر عالي ، فإذا اقترب إنسان ودخل المنطقة المحرمة يصبح فحمة ، هو أحب أن يقترب هل يوجد شرطي يخالفه ؟ ليس الموضوع موضوع شرطي ، الموضوع التيار يعاقب ، نحن بمنهج الله عز وجل الأوامر فيها بذور نتائجها ، والنواهي فيها بذور نتائجها ، إنسان يمشي بفلاة رأى لوحة حقل ألغام ممنوع التجاوز ، هل يشعر بحقد على واضع اللوحة ؟ بالعكس يشعر بامتنان، هل يرى هذه اللوحة حداً لحريته أم ضماناً لسلامته ؟ أنا أرى أن العلاقة بين القوانين القرآنية والقوانين الحياتية علاقة مطلقة ، بمعنى أن الإنسان إذا خالف منهج الله وهو لا يعلم أنه يخالف منهج الله عز وجل يدفع الثمن باهظاً ، لأن الله فطر الإنسان على منهج الله :

﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾

( سورة الروم الآية : 30 )

 أي سواء أخالفنا منهج الله أم خالفنا قواعد الفطرة النتيجة واحدة ، النتيجة بعد عن الله وألم شديد ، الآن الحل أن نعود لمنهج الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ﴾

( سورة النساء الآية : 119)

 هذه الدجاجة ممكن أن تنتقل من وزن بسيط إلى كيلو بشهرين أو ثلاثة ، نضعها في غرفة إضاءتها كبيرة جداً ، نعطيها هرمونات نمو غير طبيعية ، يجب أن نزيد وزنها بشهر يصبح كيلو ، هذا وضع غير طبيعي ، الهرمونات تتراكم بأجسامنا ، في تغيير لخلق الله عز وجل ، المبيدات كلها كيماوية ، الله عز وجل هيأ لكل حشرة مبيداً حيوياً ، فالمبيد الحيوي لا يعمل ملوحة تربة ، أنا أرى أن كل مشكلات العالم الآن من تغير خلق الله عز وجل والبعد عن التصميم الإلهي ، التصميم الإلهي كمال مطلق وأي تغيير عنه نحو الأسوأ .
الأستاذ محمد :
 لعل هذا الأمر يشير فضيلة الدكتور إلى ما ابتليت به الإنسانية في المرحلة الراهنة من شيوع بعض الأمراض ، وهذه أيضاً ثمرة لتراكم كل هذه الأخطاء وللتعامل مع موجودات هذا الكون بطريقة أداتية نفعية دونما النظر إلى عواقب ذلك ، سؤال أخير وأتوقع منه إجابة مختصرة ، كيف ننظر إلى آفاق الدراسات القرآنية في ظل الثورات العلمية المهمة خاصة من قبيل الخارطة الجينية ، اكتشاف توسع الكون وغير ذلك ، كيف سننظر إلى أفاق الدراسات القرآنية وكيف ستنعكس توالي هذه الثورات العلمية وتلاحقها في نظرتنا إلى القرآن الكريم في المستقبل ؟

 

الدراسات القرآنية في ظلّ الثورات العلمية المهمة :

الدكتور راتب :
 الجواب القطعي الذي أؤمن به بكل خلية في جسمي أن هذا المنهج علمي ، فأي خلل في تطبيق هذا المنهج ينعكس على حياتنا ، أضرب مثلاً الخارطة الجينية ، أكثر المنحرفين جنسياً في العالم يتوهمون أن عندهم جينات منحرفة ، لذلك استعاد الإنسان المنحرف مكانته في العالم الغربي ، على أساس أن هذه بنيته ، كلينتون الرئيس الأمريكي قبل أن ينصرف من رئاسته أعلن قنبلة علمية هي الخارطة الجينية ، أكد فيها أنه لا علاقة للجينات بالسلوك إطلاقاً ، أنا أؤمن لا يمكن أن يظهر بحث علمي ولا كشف علمي يتناقض مع القرآن الكريم ، لا يمكن لأن القرآن الكريم كلام الله والبحوث العلمية تكشف قوانين من خلق الله ، الله عز وجل قننها ، فهذا منطقياً اسمه دليل إيماني ، مثلاً إلى حين يسمون الزائدة الدودية ، أنا أسميها من ثلاثين سنة الذائدة الدودية ، لا يمكن أن يكون في خلق الله شيء زائد ، الآن كشف أن لها دور خطير جداً . أنا عندي آلاف الأدلة على أن هناك توهمات توهمها الإنسان في مرحلة سابقة فلما تقدم العلم أثبت ما في القرآن الكريم .

 

خاتمة وتوديع :

الأستاذ محمد :
 لعل بعض هذه التوهمات توهمات مصنوعة أو مفتعلة ، لو كان شيء من ذلك صحيحاً فضيلة الدكتور فيما يتعلق بتأثير الخارطة الجينية على السلوك البشري لوجدنا أن الله عز وجل جعلها من بعض موانع التكليف ، ولكن الحقيقة القرآنية الحقيقة الإسلامية تؤكد أن هناك موانع للتكليف لا دخل لإرادة الإنسان فيها ، فضيلة الدكتور عسانا أن نكون قد أضأنا بعضاً من جوانب هذا الموضوع المتشعب المتسع ، أعزائي المشاهدين في ختام هذا اللقاء نتوجه بالشكر الجزيل لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي الداعي الإسلامي أستاذ الإعجاز العلمي للقرآن والسنة في كلية الشريعة وأصول الدين بجامعة دمشق ، شكراً لكم جزيلاً ، شكراً فضيلة الدكتور .

 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018