درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 30 - سورة العصر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 30 - سورة العصر


2001-12-05

 أعزائي المؤمنين ، إخوتي المشاهدين ، السلام عليكم و رحمة الله و بركاته:
 يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في القرآن الكريم سورة لو تدبرها الناس لوسعتهم هي سورة العصر ، فالله سبحانه و تعالى يقسم في مطلعها فيقول:

﴿ وَالْعَصْرِ (1)﴾

[ سورة العصر: الآية 1]

 و العصر كما يقول بعض المفسرين مطلق الزمن.
أيها الإخوة الأحباب:
 النقطة إذا تحركت رسمت خطاً ، و الخط إذا تحرك شكل سطحاً ، و السطح إذا تحرك شكل حجماً ، و الحجم إذا تحرك أصبح زمناً ، ففي تعريف الزمن إنه البعد الرابع للأشياء و لازالت حقيقة الزمن موضع نقاش طويل ، على كل الله سبحانه و تعالى يقسم بالزمن و هو خالق الكون فيقول:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 

[ سورة العصر ]

 جواب القسم أن الإنسان خاسر ، ما نوع خسارته ؟ ذلك أن الإنسان في حقيقته زمن و في أدق تعريف الإنسان ، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، ما من يوم ينشق فجره ـ القول للتابعي الجليل الحسن البصري ـ إلا و ينادي يا بن آدم أنا خلق جديد و على عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ، ما وجه الخسارة ؟ قال بعضهم إن مضي الزمن وحده يستهلك الإنسان ، هو بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، ذلك أن الإنسان في حقيقته زمن أو أن أثمن شيء يملكه هو الزمن ، أو أن رأسماله الوحيد هو الزمن فكأن الله سبحانه و تعالى أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن فقال:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2)﴾

 

[ سورة العصر ]

فالخسارة كما قلت قبل قليل أنه كائن متحرك يتحرك نحو نقطة ثابتة ، فكل ثانية تمضي تقربه من هدفه ، و على الإنسان أن يعد عمره عداً تنازلياً لا عداً تصاعدياً ، ليسأل نفسه هذا السؤال المحرج كل حين كم بقي لي ؟ هل بقي لي بقدر ما مضى ؟
أيها الإخوة الأحباب:
 عند الإنسان أيام خمسة يوم مفقود و لا جدوى من الحديث عنه إطلاقاً، ويوم مشهود و هو أخطر أيامه ، و يوم مورود و هو يوم موته ، و يوم موعود و هو يوم القيامة ، و يوم ممدود و هو الخلود في الجنة أو في النار: فالذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ، ذلك أن الله سبحانه و تعالى قال:

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)﴾

[ سورة الملك: الآية 2]

 قدم الموت لأن في الموت خيارين اثنين لا ثالث لهما كما قال عليه الصلاة و السلام فالذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار.
أيها الإخوة الأحباب:
 هذه خسارة محققة و لكن هل تتلافى ؟ هل يستطيع الإنسان أن ينجو منها ؟ إن الآية الكريمة في قوله تعالى:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 قبل أن أنتقل إلى شرح هذه الكلمات في الآية لابد من لفتة رائعة إلى أن هذا الزمن الذي هو حقيقة الإنسان أو هو رأسماله الثمين أو هو أثمن شيء يملكه هذا الزمن إما أن ينفق إنفاقاً استهلاكياً و إما أن ينفق إنفاقاً استثمارياً ، هذا بمنطق التجارة ، و الإنسان حينما يأكل و يشرب و يستريح و يستجم و يبيح لنفسه كل المتع الصالحة أو الطالحة ، المقبولة أو المرذولة ، الشرعية أو غير الشرعية ، هذا إنفاق للوقت إنفاق استهلاكي ، ما مضى فات و المؤمل غيب و لك الساعة التي أنت فيها و لكن حينما نمضي أيامنا في معرفة الله:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 و معرفة الله جل جلاله هي أصل الدين ، و حينما نعرف الله عز وجل نعرف لماذا خلقنا في الدنيا ؟ نعرف علة وجودنا ؟ و نعرف غاية وجودنا ؟ و نعرف الرسالة التي حملنا إياها و نعرف الطريق المجدي لأن الله سبحانه و تعالى يقول:

 

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً (104)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 إذا تأملنا في خلق السماوات و الأرض وجدنا أن الكون بكل ما فيه ينطق بوجود الله و بكماله و بوحدانيته ، و أن الله عز وجل صاحب الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى فحينما نؤمن بالله نؤمن أيضاً بالمهمة التي أوكلت إلينا:

 

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾

 

[ سورة الأحزاب: الآية 72]

 و الإيمان أيها الإخوة هو الذي يحقق إنسانية الإنسان ، هو أذلي يحقق وجوده الذي أراده الله عز وجل لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

 

[ سورة الأنفال: الآية 24]

 الحياة الحقيقية ، الحياة التي تليق بالإنسان ، الحياة التي يسعد بها الإنسان ، الحياة التي أرادها الله لهذا الإنسان هي حياة الإيمان بالله و العمل وفق منهجه و التقرب إليه ، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

[ سورة الذاريات: الآية 56]

 و يقول أيضاً:

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

 

[ سورة هود: الآية 119]

 فالإيمان أيها الإخوة ما إن تستقر حقيقته في نفس المؤمن حتى يعبر عن ذاته بحركة و ليس الإيمان تقوقعاً ، و ليس الإيمان انسحاباً من الحياة ، و ليس الإيمان انعزالاً ، لكن الإيمان حركة إيجابية نافعة ، فلذلك فرق كبير جداً بين المؤمن و غير المؤمن:

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

 

[ سورة السجدة: الآية 18]

﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)﴾

[ سورة القلم ]

﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61)﴾

[ سورة القصص: الآية 61]

 المؤمن أيها الإخوة يعيش في جنة و قد قال بعض العلماء في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة ، يؤكد هذا قوله تعالى:

 

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6)﴾

 

[ سورة محمد: الآية 6 ]

 في الدنيا ، أي أنه ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق ، فالإيمان خير كله ، الإيمان عطاء كله ، مرة قرأت كتاباً عن رسول الله صلى الله عليه و سلم و قد لفت نظري إهداؤه يخاطب النبي عليه الصلاة و السلام يقول: يا من جئت الحياة فأعطيت و لم تأخذ ، يا من قدست الوجود كله و رعيت قضية الإنسان ، يا من زكيت سيادة العقل و نهنهت غريزة القطيع ، يا من هيأك تفوقك لتكون واحداً فوق الجميع فعشت واحداً بين الجميع ، يا من كانت الرحمة مهجتك ، و العدل شريعتك ، و الحب فطرتك ، و السمو حرفتك ، و مشكلات الناس عبادتك.
أيها الإخوة الأحباب:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 ورد في بعض الأدعية لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 حجمك عند الله بحجم عملك الصالح لقوله تعالى:

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

[ سورة الأحقاف: الآية 19]

 أنت حينما تستقيم على أمر الله تمهد الطريق إلى الله و تجعله سالكاً أما حركتك على هذا الطريق لا تكون إلا بالعمل الصالح لأن العمل الصالح هو الذي ينفع الإنسان ، و لأن حجم الإنسان الحقيقي عند الله هو حجم عمله الصالح:

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

 

[ سورة الأحقاف: الآية 19]

 بل أيها الإخوة إن هناك من الأعمال ما يبقى بعد الموت ، أنا حينما أؤمن بالله الإيمان الحق و حينما أعمل عملاً صالحاً خالصاً لله عز وجل و بالمناسبة الأعمال لا تقبل عند الله إلا إذا كانت خالصة و صواباً قيل ما خالصة و ما صوابها ؟ قال خالصة ما ابتغي بها وجه الله و صواباً ما وافقت السنة:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

[ مسلم ، الترمذي ، النسائي ، أبو داود ، أحمد ، الدارمي ]

 إن أعظم الأعمال خيرية هي الأعمال التي تبقى بعد موت صاحبها صدقة جارية إلى أبد الآبدين:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 الدعوة إلى الله أيها الإخوة فرض عين و فرض كفاية ، هي فرض كفاية لقوله تعالى:

 

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾

 

[ سورة آل عمران: الآية 104]

 أي ليكن بعضكم يدعون إلى الخير ، هؤلاء المتخصصون ، هؤلاء المتفرغون ، هؤلاء الذين تعمقوا بالعلم و لكن الدعوة إلى الله كفرض عين أن تبلغ عن رسول الله و لو آية كما قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً........))

 

[ البخاري ، الترمذي ، أحمد ، الدارمي ]

 و أن تنقل إلى الناس ما سمعته من كلام الحق في حدود ما تعلم و مع من تعرف:

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر: الآية 3]

 ينبغي أن تصبر على قضاء الله و قدره ، و عن معصيته و على طاعته ، هؤلاء الأربع أركان النجاة من الخسارة المحققة ، قال تعالى:

 

﴿ وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)﴾

 

[ سورة العصر ]

 و إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018