درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 28 - الزكاة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 28 - الزكاة


1998-01-07

 أعزائي المشاهدين، إخوتي المؤمنين، السلام عليكم ورحمة الله بركاته، وكل عام وأنتم بخير.
 شهر رمضان شهر الإنفاق، شهر الصدقات، شهر الزكاة، قال تعالى:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

[سورة التوبة]

 هذه الآية ـ أيها الإخوة ـ أصل في فرضية الزكاة، وفيها من دقة النظم وروعة الدلالة، وقوة الاستنباط الشيء الكثير.
 فيستنبط من كملة خذ في هذه الآية، أن الزكاة ليست مجرد عمل طيب من أعمال البر، يفعله المرء أو لا يفعله، وليست خلةً حسنة من خلال الخير، يتصف بها المسلم أو لا يتصف بها، بل هي ركن أساسي من أركان الإسلام، وشعيرة من شعائره الكبرى، بل هي حجر الزاوية من نظام الإسلام الاقتصادي، وأساس من أسس التكافل الاجتماعي، إنها ليست إحساناً اختيارياً، ولا صدقة تطوعية، وإنما هي فريضة تتمتع بأعلى درجات الإلزام الشرعي، والخلقي، لذلك لم يأمر الله عز وجل المؤمنين بدفعها، بل أمر نبيه صلى الله عليه وسلم، وألي الأمر من بعده بأخذها، لأن الزكاة، تؤخذ ولا تُعطى، تُفترض ولا تُستجدى.
 ويُستنبط من كلمة " منْ " التي هي للتبعيض، في هذه الآية، أنَّ الزكاة لا تطول جميع المال، بل تطول بعضه، وقد بينت السنة المطهرة مقادير هذا البعض، بحسب أنواع الأموال وبحسب طريقة تحصيلها أو مقدار الجهد المبذول فيه.
 ويُستنبط من كلمة " أموالهم " التي وردت في الآية جمعاً، أن الزكاة تطول كل أنواع المال، فتجب الزكاة في كل ما أخرجته الأرض من إنتاج زراعي، وفي الثروة الحيوانية، ومُنتجاتها، وفي الذهب والفضة وفي كل أنواع النقد المتداول، والسندات، والديون، والسُلف، وفي عروض التجارة بشتى أنواعها، وفي الحلي التي ليست للاستعمال الشخصي، بل وتجب الزكاة في الثروات الباطنية التي تحت الأرض وما تلف مال في بر أو بحر، إلا بحبس الزكاة..
ويُستنبط من ضمير الجمع في " أموالهم " أن الزكاة مفروضة على جميع المسلمين كافة، ممن يملكون النصاب الذي بينته السنة المطهرة من دون استثناء، ولا إعفاء، ولا تخفيض ولا طي..
 كما أنه يُستنبط من كلمة " صدقةً " في الآية الكريمة، أن المسلم حينما يدفع زكاة ماله، يؤكد صدقه، أي تطابق فعله مع اعتقاده، ويؤكد تصديقه لأمر الله، وتصديقه باليوم الآخر، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

 

(( الصدقة برهان.. ))

 

[أخرجه مسلم]

فالزكاة عبادة مالية، يؤكد بها المسلم تصديقه وصدقه، فلو لم يُطالبه بها السلطان، طالبه بها القرآن.
 كما أنه يُستنبط من كلمة " تطهرهم " في هذه الآية الكريمة، آية الزكاة التي هي أصل في فرضية الزكاة:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)﴾

 يُستنبط من كلمة " تطهرهم " أن الزكاة تطهر نفس الغني، من الشحِّ البغيض، تلك الآفة النفسية الخطرة، التي قد تدفع صاحبها إلى الدم فيسفكه، أو إلى العرض فيبذله، أو إلى الوطن فيبيعه، ولن يُفلح فرد ولا مجتمع سيطر الشحَّ عليه، وملك ناصيته، قال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9)﴾

 

[سورة الحشر]

 والزكاة فضلاً عن أنها تطهر نفس الغني من الشحِّ، إنها تطهر نفس الفقير من الحسد والضغن، على ذلك الغني الكانز لمال الله، والذي يمنعه عن عباد الله، فمن شأن الإحسان أن يستميل القلوب، ومن شأن الحرمان أن يملأه بالحقد والكراهية.
فالزكاة تطهر نفس الغني من الشح، الذي هو من أكبر الآفات النفسية كما أنها تطهر نفس الفقير، من الحقد الذي له مضاعفات كثيرة.
بل إن الزكاة، تطهر المجتمع كله، من عوامل الهدم، والتفرقة والصراع، والفتن.
 وتطهير للمال أيضاً، من تلوثه بتعلق حق الغير به، فالحجر المغصوب في الدار سبب خرابها.

 

(( إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره ))

 

[رواه ابن خزيمة وصححه الحاكم على شرط مسلم ]

 وقال وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( حصنوا أموالكم بالزكاة ))

 

[رواه الطبراني والبيهقي مرفوعاً متصلاً، ورواه أبو داود في المراسيل]

 يُستنبط أيضاً من كلمة " وتزكيهم " في هذه الآية، والزكاة هنا بمعنى: النماء والزيادة، نماء للغني وللفقير، ولمال كل منهما، ونماء للعلاقات الاجتماعية، وللقيم الإنسانية.
 فهي نماء لشخصية الغني وكيانه المعنوي ؛ فالإنسان الذي يُسدي الخير ويصنع المعروف، ويبذل من ذات نفسه، لينهض بإخوانه في الدين والإنسانية، وليقوم بحق الله، يشعر بامتدادٍ في نفسه، وانشراح واتساع في صدره، ويُحسُّ بما يُحسُّ به من انتصر في معركة، وهو فعلاً قد انتصر على ضعفه وأثرته وشيطان شُحِّه وهواه.
 هي نماء لشخصية الفقير، حيث يشعر أنه ليس ضائعاً في المجتمع ولا هيناً عليه، ولا متروكاً لضعفه وفقره، إن مجتمعه ليعمل على إقالة عثرته، ويحمل عنه أثقاله، ويمدُّ له يد المعونة، بكل ما يستطيع والزكاة بعد ذلك، نماء للمال، وبركة فيه، فأداء الزكاة ترفع القوة الشرائية عند الفقير، وهذا يعود بالنفع على دافع الزكاة، وقد يزيد المال بالعناية الإلهية المباشرة، بغير ما يُعرف من الأسباب، قال تعالى:

 

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾

 

[سورة البقرة]

 أيها الإخوة الكرام، أرجو أن تكونوا قد أفدتم من هذا الموضوع وشكراً لأصغاءكم، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018