درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 26 - حكمة الصيام - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 26 - حكمة الصيام


1998-01-03

 أعزائي المشاهدين، إخوتي المؤمنين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
 الشيء المهم، الذي ينبغي أن نستوعبه، في هذا الشهر الكريم، أن الله سبحانه وتعالى، لم يسصفِ رمضان، من بقية الشهور، ليكون شهر الطاعة والقرب فحسب، بل أراده شهراً يتدرب فيه الإنسان على الطاعة، حتى يذوق حلاوة القرب، وعندها تنسحب هذه الطاعة، وذلك القرب وتلك السعادة، على كل شهور العام، فيكون رمضان، قفزةً نوعيةً مستمرة، في مجال الطاعة والقرب.
 والحكمة من أن الله سبحانه وتعالى، أمرنا بالإمساك عن الطعام والشراب، وسائر المفطِّرات، من طلوع الفجر الصادق، إلى غياب الشمس، الحكمة ؛ هي أن الإنسان حينما يدع ما هو مباح امتثالاً لأمر الله، لا يستطيع، ولا يتوازن، أن يقترف ما هو محرم في هذا الشهر فترك المحرمات أولى من ترك المباحات، ومن لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
 حينما يصطفي الله شهراً من الشهور ؛ لتصفوَ فيه العلاقة بالله عز وجل، يصطفيه ؛ من أجل أن يشيع هذا الصفاء مع الله في كل الشهور؛ لأن الله مع المؤمن في كل زمان.
وحينما يصطفي الله مكاناً، كبيته الحرام، ويدعو المؤمنين إليه ؛ ليذوقوا حلاوة القرب فيه، يريد أن ينسحب على كل الأمكنة، لأن الله مع المؤمن في كل كان.
 وحينما يصطفي الله إنساناً، فيكشف له الحقائق، إنما يصطفيه ليكشف من خلاله الحقائق لكل الناس، وحينما يصطفي الله إنساناً ؛ ليوحي إليه الأمر والنهي والمنهج القويم، إنما يصطفيه ليكون هذا المنهج مطبقاً لدى كل الناس.
" إن الله أمر المؤمنين بما أمر المرسلين "
وحينما يصطفي إنساناً ؛ ليسعده سعادة أبدية، إنما يصطفيه ليسعد بدعوته كل الناس.
 ومجمل القول، حينما يصطفى الله زماناً كرمضان، ومكاناً كبيته الحرام وإنساناً كسيد الأنام، محمد عليه الصلاة والسلام، إنما شاء الله جل جلاله أن يشيع اصطفاء الإنسان في كل الناس، واصطفاء المكان في كل الأمكنة واصطفاء الزمان في كل الأزمنة.
***
 ليست القصد أن ننتصر على النفس في رمضان، ثم ننخذل أمامها بقية العام، ولكن الصيام الحقيقي، أن نحافظ على هذا النصر على طول الدوران، وتقلبات الزمان والمكان.
 ليست القصد أن نضبط ألسنتنا في رمضان، فننزهها عن الغيبة والنميمة، وقول الزور، ثم نطلقها بعد رمضان، إلى حيث الكذب والبهتان، ولكن الصيام الحقيقي، أن تستقيم منا الألسنة وأن تصلح فينا القلوب ما دامت الأرواح في الأبدان.
ليست القصد أن نغض أبصارنا عن محارم الله، وأن نضبط شهواتنا غير المشروعة في رمضان، ثم نعود إلى ما كنا عليه بعد رمضان.
 إننا إذاً كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ولكن الصيام الحقيقي أن تصوم جوارحنا عن كل معصية، في رمضان وبعد رمضان، فلا تفطر حتى تلقى الواحد الديان.
 ليست القصد أن نتحرى الحلال خوفاً من أن يرد علينا صيامنا في رمضان، ثم نتهاون في تحريه بعد رمضان، على أنه عادة من عوائدنا ونمط شائع في سلوكنا، ولكن الصيام الحقيقي، أن يكون الورع مبدأ ثابتاً وسلوكاً مستمراً في حياتنا.
 لست القصد أن نبتعد عن المجالس، وعن المشاهد، التي لا ترضي الله إكراماً لشهر رمضان، ثم نعود إليها، وكأن الله ليس لنا بالمرصاد في بقية الشهور والأعوام.
 ليست القصد أن نراقب الله في أداء واجباتنا وأعمالنا، مادمنا صائمين فإذا ودَّعنا شهر الصيام، آثرنا حظوظ أنفسنا، على أمانة أعمالنا وواجباتنا، مثل هذا الإنسان لم يفقه حقيقة الصيام، ولا جوهر الإسلام إنه كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( كالناقة حبسها أهلها ثم أطلقوها فلا تدري لا لمَ حُبسـت ولا لمَ أطلقت ))

***
 ما دام الصائم قد ذاق حلاوة القرب في شهر الصيام، فهو سيتَّجه بالشكر لله عز وجل على ما أولاه من نعمة المعرفة والقرب، وحينما يسعد الإنسان هذه السعادة، يتوجه بالشكر إلى الله عز وجل، وهنا من يناسب أن يقول الحق جل جلاله عقب آيات الصيام:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)﴾

[سورة البقرة]

 قال تعالى: إذا سألك عبادي عني، ولم يقل إنْ سألك عبادي عني؛ لأن إذا تفيد تحقق الوقوع، بينما إنْ تفيد احتمال الوقوع.
***
 التنعم بقرب الله عز وجل هو جنة الدنيا، والتوجه إليه وحده بالسؤال والدعاء، هو حقيقة العبادة والتوحيد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( ثلاثة لا ترد دعوتهم الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء، يقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين ))

 

[أخرجه الترمذي وابن ماجه والإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة ]

 أرجو الله تعالى، أن تكونوا قد أفدتم من هذه الكلمات، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018