الترغيب والترهيب - الدرس : 059 - كتاب الصدقات - ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن والترغيب في اطعام الطعام وسقي الماء والترهيب من منعه - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 059 - كتاب الصدقات - ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن والترغيب في اطعام الطعام وسقي الماء والترهيب من منعه


1997-08-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ترغيب المرأة في الصدقة من مال زوجها إذا أذن وترهيبها منها ما لم يأذن:

 قال النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها كان لها أجر ولزوجها مثل ذلك ولا ينقص كل واحد منهما من أجر صاحبه شيئاً له بما كسب ولها بما أنفقت ))

[الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]

 إذا أخذت المرأة إذن زوجها قبل إنفاق المال فلها أجر، لأن المال ماله، وهو بما كسب له أجر، لكن هناك حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا تُنفق امرأة شيئاً من بيتِ زوجها إِلا بإذن زوجها، قيل يا رسولَ الله ولا الطعامَ قال ذلك أَفضلُ أموالنا ))

 

[أخرجه الترمذي عن أبي أمامة الباهلي ]

 أما إذا الزوج فقير، ودخله محدود، الزوجة كلما رأت فقيراً خذ، هذا عمل غير حكيم، ليس لها حق في أن تنفق من مال زوجها، حتى ولا الطعام إلا بإذنه، أما زوج في بحبوحة، وهناك انسجام بينهما، وآذن لها، فإذا أنفقت لها أجر، وله أجر، لها أجر الإنفاق، وله أجر الكسب.
 والحقيقة يبدو أن التفاهم والتناغم بين الزوجين هذا لصالح الأسرة، فبين أن تأثم إن أنفقت، وبين أن تؤجر إن أنفقت، إن استأذنته إما إذناً عاماً أو إذناً خاصاً، الإذن العام لو سألته أنا إذا أنفقت شيئاً في غيبتك هل توافق ؟ يقول لها: لابأس، أنا موافق، كل أعمال هذه الزوجة تؤجر عليها، وكل الأموال التي أنفقتها من مال زوجها يؤجر عليه، هو بكسبه وهي بإنفاقها، لأن النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( الدَّال على الخير كفاعله ))

 

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 أما في حالات الزوج فقير، ودخله محدود، والزوجة متلافة، وكلما رأت رجلاً، رأت إنساناً أعطته بسخاء وكأن المال مالها، هذا لا يجوز، ينبغي أن تستأذن زوجها حتى في الطعام.

 

من أعظم الأعمال الصالحة إطعام الطعام و إفشاء السلام:

 

 و هناك رجل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال:

(( أيُّ الإسلامِ خيرٌ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

 إنسان آمن بالله وأسلم، أي انصاع لأمر الله ونهيه.

 

(( أيُّ الإسلامِ خيرٌ وقد تستغربون ـفقال عليه الصلاة والسلام تُطعِمُ الطعامَ ))

 إطعام الطعام من أعظم الأعمال الصالحة، لأنه يجمع الناس، يؤلف القلوب، ويزيل الضغائن، الإنسان يتعب إذا دعا الآخرين إلى الطعام، يتعب هو وأهل البيت، وينفق مالاً كثيراً، والبيت يزدحم بالناس.

 

 

(( تُطعِمُ الطعامَ وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف ))

 

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

 إلا أننا نقف قليلاً عند إطعام الطعام، الأعمال الصالحة قيمتها بنيتها، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( إِنما الأعمال بالنيات ))

 

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب ]

 وإنما أداة حصر، أي قيمة العمل بنيته، فالذي يطعم الطعام تأليفاً لقلوب الناس، تقريباً لهم، مكافأة لهم، ليجمع شملهم، ليوحد كلمتهم، ليكرمهم، هذا عمل طيب.

 

من دعا لوليمة من أجل التفاخر والزهو والمباهاة ينبغي ألا يلبى:

 

 أحياناً تقام الولائم للفخر، والمباهاة، والزهو، دخله كبير، أذواقه في الطعام عالية، بيته فخم، يدعو الناس إلى بيته ليريهم ما عنده، يدعو الناس إلى الطعام ليريهم دخله الكبير، وإنفاقه الكبير، مثل هذه الولائم ينبغي ألا تلبى، المتباريان لا تلبى دعوتهما، كل واحد يشطح على الآخر في نوع الطعام، وفي كمية الطعام، أما إطعام الطعام الذي تبتغي به وجه الله، أحياناً يأتيك طالب علم مسافر، تعمل له عشاء، تغديه، لا يوجد عمل أعظم من هذا العمل، إكرام الغريب له فعل السحر بالنفوس، جاء من مكان بعيد، وجد هذا دعاه على العشاء، وهذا على الفطور، وهذا على الغداء، وهذا كرمه، وهذا قدم له هدية لأنه طالب علم.
 لذلك هؤلاء الذين يأتون من أماكن بعيدة حينما تكرمهم، وتلبي حاجاتهم، هذا من أعظم الأعمال.

إفشاء السلام وحده مودة و ألف و أنس:

 قال يا رسول الله:

((أيُّ الإسلامِ خيرٌ تُطعِمُ الطعامَ وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

  الناس ألفوا أن يسلموا على من يعرفونه، أما شخص لا يعرفه لا يسلم عليه، لكن هذا مسلم، أخوك في الإسلام، أخوك في الله عز وجل، قل له: السلام عليكم، طرح السلام وحده مودة، طرح السلام وحده ألفة، طرح السلام وحده أنس.

 

(( وتَقْرَأُ السلامَ على مَنْ عَرَفْتَ ومَنْ لم تَعرِف ))

 

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر]

 

عدم التكلف في الطعام من توجيهات النبي الكريم في إطعام الطعام:

 في موضوع إطعام الطعام توجيهات كثيرة للنبي الكريم منها:

(( يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه ))

 الإنسان الموجود قدم له الطعام من دون تكلف، التكلف يربك المضيف، ويربك أهل المضيف، وقد يربك الإنفاق نفسه.

 

(( يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه ))

[ كنز العمال عن أبي عبد الله محمد بن باكويه الشيرازي والرافعي عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه ]
كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( من أطعم أخاه حتى يشبعه وسقاه من الماء حتى يرويه، باعده الله من النار سبع خنادق ما بين كل خندقين مسيرة خمسمئة عام ))

 

[ رواه الطبراني والبيهقي عن عبد الله بن عمر]

 أي العمل الصالح الأول في الإسلام إطعام الطعام.
 والله مرة دعيت إلى طعام، جالس هناك إنسان يأكل بشكل يلفت النظر وكأنه ما ذاق اللحم من عام.
 قديماً كان في الشام رجل مفتي ـ الشيخ عطاء الله الكسوي ـ كان إذا دعا الفقراء أطعمهم أطيب الطعام، وكان إذا دعا الكبراء أطعمهم أخشن الطعام، فكان أهله يعترضون عليه بأنه بعمله هذا يخجلهم، داعي الوالي ! وداعي كبار الشخصيات ! و يضيفهم كشكة ! فإذا دعا الفقراء ذبح لهم الخرفان، وأطعمهم أطيب الطعام.

 

شرّ الطعام طعام الولائم التي تقام لغير وجه الله عز وجل:

 

 الشيء الملاحظ أن بعض الولائم يدعى إليها الأغنياء، ويحرم منها الفقراء، تجد الغني يبعد اللحم.
 أطعم إنساناً جائعاً، أطعم الطعام لمن يشتهيه، أطعم الطعام لمن لم يذق هذا الطعام من أيام طويلة، فشرّ الطعام طعام الولائم التي تقام لغير وجه الله عز وجل، يدعى إليها الأغنياء، ويحرم منها الفقراء.
 رجل كان همه إطعام طلبة العلم، طلاب يأتون من أطراف الدنيا، من الصين، من تركيا، فقراء دخلهم يكاد لا يكفيهم أياماً، فكان همه إقامة الولائم، وإطعام هؤلاء الطلاب.
 إطعام الطعام للفقراء، وطلاب العلم، والذين يشتهون هذا الطعام من أجلّ الأعمال، أما انقلبت الولائم إلى وسيلة للزهو، والكبر، وعرض العضلات، هذه لا ترضي الله عز وجل.
 مثلاً إنسان أراد أن يصنع طعاماً على روح والده، يدعو كبراء المجتمع، يدفع عشرات الألوف، هؤلاء الذي تطعمهم لا يشتهون هذا الطعام.
 أنا كنت أقترح على بعض الأخوان أن اعمل مئة كيلو صفيحة، ضعهم بخمسين علبة، كل علبة فيها ما يقدر بكيليين، ووزعها على الفقراء، تأتي بفقير لوحده عنده امرأة وأولاد، أعطه أكلاً لبيته يأكله، أعطِ هذا الطعام للفقير لبيته، يأكل هو وزوجته وأولاده، أفضل من أن تأتي بإنسان إلى وليمة فخمة معظم الحاضرين لا يشتهون هذا الطعام، والفقراء بعيدون عن هذا الطعام، العبرة أن تطعموا الفقراء.

إلقاء الطعام في القمامة جريمة لا تغتفر:

 وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

(( يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قط، وأجوع ما كانوا قط وأظمأ ما كانوا قط وأنصب ما كانوا قط فمن كسا لله عز وجل كساه الله ومن أطعم لله عز وجل أطعمه الله ومن سقى لله عز وجل سقاه الله ومن عمل لله عز وجل أغناه الله ومن عفا لله عز وجل عفاه الله ))

[ابن أبي الدنيا عن ابن مسعود]

 أحياناً بالولائم يأكل المدعوون عشر الطعام، والعياذ بالله في بعض الأماكن كالفنادق هذا الطعام كله يرمى في القمامة، يتمنى الإنسان أن يأكل هذا الطعام، طعام نفيس جداً، أُكل عشره، وألقي الباقي في المهملات، في القمامة.
 مرة دُعينا إلى عقد قران، فكان عدد الحاضرين ألف شخص، صاحب الوليمة بعد انتهاء الناس من الطعام، ذهب فجمع باقي الطعام بشكل جيد، وبعلب جيدة، وبأكياس جيدة، ووضعه في الثلاجات، ثم قدمه للفقراء بعد حين.
 أنا أرى إلقاء الطعام في القمامة جريمة.

 

(( يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإنها قلما انكشفت عن أهل بيت فكانت تعود فيهم ))

 

[ الزهري عن عائشة ]

 جريمة أن يلقى الطعام في القمامة، والله حدثني صديق واقف أمام بائع دجاج جاءت امرأة، واشترت كيلو من أيدي دجاج، هذا من يأكله ؟ هذا طعام الكلاب، من شدة الفقر كانت تغلي هذه الأيدي ـ أيدي الدجاج ـ وتشرب المرق هي وأولادها.
 حدثني إنسان آخر لا يشتري إلا العظم فقط، لأن دخله لا يسمح له بشراء اللحم، فيشتري العظم، ثم يغليه ويعمل فتة و يأكل هو وأولاده.
إنسان يأكل أيدي الدجاج، وطعام يلقي في القمامة ؟ هذا مما يستفز مشاعر الإنسان، يجب أن نحافظ على النعم.

 

كل عمل رحيم يُعدُّ من أزكى العبادات:

 

 أيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه:

(( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني قال يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده يا ابنَ آدمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطعمني قال يا رب كيف أطعِمُكَ وأنتَ ربُّ العالمين قال أمَا علمتَ أنه استطعمكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ أمَا علمتَ أنَّكَ لو أطعمته لوجدتَ ذلك عندي يا ابنَ آدم استَسقيْتُكَ فلم تَسْقني قال يا رب وكيف أسقِيكَ وأنتَ ربُّ العالمين قال اسْتَسقَاك عبدي فلان، فلم تَسْقِه، أما إنَّك لو سَقَيْتَهُ وجدتَ ذلك عندي ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة]

 أي إذا أطعمت أخاك كأنما أطعمت ربك، وإن سقيت أخاك فكأنما سقيت ربك، شيء كبير جداً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018