الترغيب والترهيب - الدرس : 056 - كتاب الصدقات - الترغيب في الصدقة والحث عليها - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 056 - كتاب الصدقات - الترغيب في الصدقة والحث عليها


1997-07-26

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

العمر يزيد بالعمل الصالح لأن الوقت لا قيمة له إنما العبرة في المضمون:

 قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء يذهب الله بها الكبر والفقر والفخر ))

[ أخرجه الطبراني عن عمرو بن عوف]

 من الثابت أيها الأخوة، أن العمر لا يزيد ولا ينقص.

 

﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾

 

( سورة النحل )

 إلا أن العلماء يرون أن التوفيق بين هذه الأحاديث وبين الآية الكريمة يكون على الشكل التالي: العمر وعاء , والأعمال الصالحة مضمون هذا الوعاء , فكلما زادت الأعمال الصالحة ازداد المضمون , ومادام العمر يقاس بالمضمون , إذاً الأعمال الصالحة تزيد في العمر , فالوقت لا قيمة له، العبرة في المضمون.
 كما لو أن إنساناً فتح محلاً تجارياً ثماني ساعات، وجمع في مجموع المبيعات ألف ليرة , و إنسان آخر فتح ساعة وجمع مليون ليرة , فالعبرة لا في مدة فتح المحل بل العبرة في محصول البيع في هذا الوقت المحدود.
 فهناك أناس عاشوا عمراً قصيراً لكن ملؤوا الدنيا بأعمالهم الصالحة , وبعلمهم تركوا آثاراً طيبة جداً , وهناك أُناس عاشوا عمراً مديداً ومع ذلك أعمالهم ضحلة , فزيادة العمر في هذا الحديث تعني أن العمر يزيد بالعمل الصالح.

 

(( إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء ))

 

[ أخرجه الطبراني عن عمرو بن عوف]

صنائع المعروف تقي مصارع السوء:

 ربنا عز وجل يقول:

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ﴾

( سورة الجاثية الآية: 21 )

 معنى ذلك أن الموت قد يكون بشكل يرضي , أو بشكل لا يرضي , هناك إنسان يموت في أسوأ حالاته , يموت وهو متلبس بمعصية , يموت وهو غارق في لذة محرمة، يموت في مكان حقير , يموت في وضع حقير , وهناك إنسان يموت في أعظم الأوقات بركة، في أشرف الأماكن , في أحل الحالات , بين أهله , بين أولاده , ميتة السوء نعوذ بالله منها.
 لكن هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ))

 

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه ]

 أنا ذكرت لكم قصة أرددها كثيراً: كنت في تعزية وكان إلى جانبي أحد علماء دمشق , ممن يشهد لهم الناس بالصلاح , والورع , والجرأة , والإخلاص , سألته عن أحواله وعن صحته لا يشكو شيئاً , خرج من التعزية , لم يمشِ متراً إلا و ناداه رجل لا يعرف اسمه، لكن مظهره الإسلامي دعاه إلى أن يركبه في مركبته , فالذي أركبه في المركبة يسكن إلى جانب بيت التعزية بأمتار , أركبه وأوصله إلى بيتهِ ـ بيتهُ في الميسات ـ صعد أربعة طوابق، دخل إلى البيت، خلع الجبة والعمامة، اضطجعَ على السرير، وأسلم روحه لبارئها.
 لو أراد أن يستأجر سيارة لمات في السيارة، مات على فراشه، الله تعالى ألهم هذا الإنسان أن يوصله إلى بيته، أي هناك ثوان بين خروجه من مكان التعزية , و بين وصوله إلى البيت , ولولا ذلك لمات في السيارة، ولأخذ إلى البراد، وأودع هناك إلى أن يأتي أهله ويستلمونه.
 الإنسان أحياناً يموت ببيته , بين أولاده , بين أهله , يودع كل من حوله، وإنسان يموت فجأة , موت الفجاءة أخذت أسفاً للكافر، ورحمة للمؤمن , المؤمن يموت فجأة كل الناس يفتقدونه , أما إذا بقي ضجيع الفراش سنوات وسنوات أقرب الناس إليه يتمنى موته، أما حينما يؤخذ سريعاً يترك أثراً كبيراً، على كلٍ:

 

(( إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء ويذهب الله بها الكبر والفقر والفخر ))

 

[ أخرجه الطبراني عن عمرو بن عوف]

 

الله تعالى وحده يعلم نسبة ما ينفق كل إنسان من ماله و يجازيه على ذلك:

 هناك حديث آخر:

(( سبق درهم مئة ألف درهم فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله قال: رجل له مال كثير أخذ من عرضه مئة ألف درهم تصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ))

[ أخرجه النسائي والإمام أحمد عن أبي هريرة ]

 فهذا الدرهم سبق مئة ألف، قضية نسبة.
 وأنا قلت لكم مرة إنسان يعمل مستخدماً في مدرسة، ورث أرضاً بثلاثة ملايين ونصف، جاء رجل ميسور مليء صاحب ثروة طائلة جداً , يريد أن ينشئ مسجداً، بحث عن أرض مناسبة فوجد هذه الأرض مناسبة , ساومه على سعرها , استقر المبلغ على ثلاثة ملايين ونصف، أعطاه شيكاً بمليوني ليرة، وقال له: نلتقي غداً بالأوقاف لأعطيك البقية بعد التنازل , قال له: لماذا الأوقاف ؟ قال له: من أجل أن أنشئ مسجداً على هذه الأرض، قال له: مسجد ؟ قال له: طبعاً، قال له: أعطني الشيك , أخذه ومزقه , قال له: أنا أقدمه لا أنت , وقدم هذه الأرض لوجه الله تعالى، والآن المسجد بنهر عيشة من أرقى المساجد، كلف اثني عشر مليوناً , أرض هذا السجد تبرع بها إنسان لا يملك من هذه الدنيا إلى هذه الأرض.
 فإذا إنسان يملك مئتي مليون ودفع ثلاثة ونصف مليون , وإنسان معه ثلاثة ونصف مليون لا يملك غيرهم دفعهم لله، أليس هذا معنى قول النبي:

 

(( سبق درهم مئة ألف درهم ))

 

[ أخرجه النسائي والإمام أحمد عن أبي هريرة

 القضية قضية نسبة.
 فإذا إنسان دخله قليل ودفع مئة ليرة أو ألف ليرة هذه عند الله تساوي مليون ليرة لأنها تقاس بنسبتها إلى ماله.

المَواطن التي تذكر فيها الصدقة من أجل أن تشجع الناس والمواطن التي تستر فيها:

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

 

(( سَبْعَة يظِلُّهمُ الله في ظِلِّهِ يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّ من هؤلاء ورجل تَصدَّق بصدقة فأخْفاها حتى لا تعلم شمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينه ))

 

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أحياناً الصدقة حينما تتجه لإنسان , وأنت تذكر هذه الصدقة فضحت الإنسان ووضعت مكانته في الوحل , أحياناً في مواطن لابد من أن تذكر ماذا تفعل ؟
 أنا أذكر لسنوات عدة في رمضان أدعى لميتم سيد قريش , يقام حفل بعد الإفطار، يدعى أهل اليسار في البلدة , وتلقى كلمات ثم يدعون إلى التبرع , وكنت أتولى إلقاء هذه الكلمة , وأحثهم على التبرع كل عام , الحصيلة بنصف ساعة , أو ربع ساعة ستة ونصف مليون , أو سبعة مليون، أحياناً ثمانية، طبعاً كل إنسان له حجم مالي، لا يليق أن يدفع أقل من حجمه المالي , يقول لك هذا: أنا سأدفع خمسمئة ألف , هذا مئة ألف , هذا أربعمئة، وأحياناً تحدث منافسة شريفة فيدفعون أكثر , آخر سنة الذين أخطؤوا رؤوا أن يوزعوا على الحاضرين أوراقاً يكتب كل إنسان بكم يتبرع , الحصيلة أقل من مليون، كانت ثمانمئة ألف، من ستة ونصف مليون إلى ثمانمئة ألف، الله عز وجل قال:

 

﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 

( سورة البقرة الآية: 271 )

 معنى هذا أن هناك موطناً ينبغي أن تذكر من أجل أن تشجع الناس , أن تجعلهم يتنافسون في الدفع، مثلاً إذا مشروع خيري، ثانوية شرعية , ميتم , مشروع طيب , أما إذا كان المال موجهاً لإنسان بالذات ينبغي أن تكتم , فهناك موطن ينبغي أن تكتم، وأن تخفي، وهناك موطن ينبغي أن تجهر، هنا لعل النبي عليه الصلاة والسلام ذكر الموطن الذي ينبغي أن تسكت , و أن تكتم.

 

 مهما كان ذنبك عظيماً الله جلّ جلاله يسترضى بالصدقة:

 إذاً:

(( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة]

  أجمل ما في هذا الحديث أن الله يسترضى.
 إنسان غلط , أساء , قصر , تجاوز الحد , إذاً ما العمل ؟ ييأس , نقول له: لا تيأس من رحمة الله عز وجل، لو إن الإنسان يئس لفجر , نقول: مهما كان ذنبك عظيماً الله جلّ جلاله يسترضى , يسترضى بالصدقة.

 

(( صنائع المعروف تقي مصارع السوء وصدقة السر تطفئ غضب الرب وصلة الرحم تزيد في العمر ))

 

 

[ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة]

 أيضاً يقاس على الحديث السابق أن الله عز وجل جعل نظام الحياة الإنسانية أساسه التكافل الاجتماعي , والتكافل الاجتماعي على أساس أسرة , فكل إنسان حوله أقارب، عليه أن يلبي حاجات الأقارب قبل أن ينتقل إلى الآخرين , فإذا كل أسرة ضمنت حوائج أقاربها فالناس كلهم بخير.

 

 

صلة الرحم دعوة إلى الله وإلى التعاون و تفقد الأحوال:

 لذلك صلة الرحم المقصود بها الزيارة أولاً , وتفقد الأحوال ثانياً , ثم المعاونة ثالثاً , ثم الدعوة إلى الله رابعاً، هذه صلة الرحم.
 تعمل زيارة تتفقد الأحوال المعاشية , الدينية , الاجتماعية , العلمية , ثم تمد يد المعاونة , ثم تأخذ بيد هؤلاء إلى الله , هذا معنى الصلة , أما هذه الصلة العظيمة التي هي أحد أسباب تكافل المجتمع , انقلبت إلى زيارة فقط , يكون القريب غنياً ميسوراً، معه مال وفير، يطرق باب أقربائه فقط، يزورهم يضيفونه لأن له مكانته، يتدينون حق الفواكه أحياناً, هو يأكل ويسر، ويقول: أنا وصلت رحمي , أنت ميسور , أنت حينما تزور هؤلاء ينبغي أن تعرف أحوالهم، أن تعرف ماذا ينقصهم , أن تعرف ماذا يعانون من مشكلات، عليك أن تزورهم، وأنت تتفقد أحوالهم , وأن تمدهم بيد المعونة , ثم في النهاية عليك أن تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل , ما معنى صلة الرحم ؟ أي دعوة إلى الله , دعوة إلى التعاون , أي تفقد الأحوال، تبدأ بالزيارة , أما إذا اكتفيت بالزيارة ما فعلت شيئاً , ماذا قدمت ؟.

الصدقة على ذي الرحم اثنتان صدقة و صلة:

 و النبي صلى الله عليه وسلم قال أيضاً :

 

(( الصَّدَقَةُ على المسكين صَدَقَة وعلي ذي الرَّحِمِ اثِنْتَانِ صَدَقَة وَصِلَة ))

 

[ رواه النسائي والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم عن سلمان بن عامر ]

 مثلاً: شخص له قريب في ضائقة، ومدّ له يد العون، فعل شيئين لا شيئاً واحداً, فعل ما يسمى بالصدقة , وفعل ما يسمى بالصلة , عملان صالحان في عمل واحد.
 لذلك لا تقبل زكاة إنسان وفي أقربائه محاويج، فلتبدأ بالأقرباء , وأنت أعلم الناس بهم، له أخ , له ابن أخ , له عمة , له خالة , له قريب، يعرف أوضاعهم المعيشية تماماً، يعرف أحوالهم , حاجاتهم , عندهم مشكلة , عندهم مرض , عندهم قضية , عندهم قسط، عندهم قسط مدرسة مثلاً , عندهم عملية جراحية يعرف , أنت الذي تعلم من هم الذين يعانون من ضائقة.

 

العطاء يذيب الحقد و العداوة بين الناس:

 رجل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( عن الصدقات أيهما أفضل قال على ذي الرحم الكاشح ))

[ أخرجه الطبراني عن حكيم بن حزام ]

 الكاشح , الكشح هو الخصر , الكاشح الذي يضمر في باطنه عداوة.
 أحياناً يوجد بين الأقرباء تنافس , و حسد , و مشكلة , فهذا الذي يعاديك , هذا الذي يحسدك , هذا الذي يتكلم في غيبتك ما لا يرضي , هذا الذي ينطوي على حقد , أو على حسد، أو على ضغينة، أعطه.

 

(( على ذي الرحم الكاشح ))

 

[ أخرجه الطبراني عن حكيم بن حزام ]

 لأن العطاء يذيب الحقد , الهدية تذهب بوحر الصدر.
 فإذا كان هناك قريب يحسدك , فقير وأنت أحوالك ميسورة , وتكلم عنك كلاماً غير صحيح، وبلغك الكلام , لا تعاقبه بالحرمان عالجه بالعطاء.
 أحياناً الإنسان لسبب اجتماعي يمنع عطاءه يقول لك: هذا تكلم عني، فهو عديم الوفاء و الأخلاق , لن أعطيه , بالعكس أنت حينما تعطيه تقطع لسانه , اللسان يقطع بآلة حادة , أو بالإحسان.
 هناك كثير من الأشخاص لهم لسان طويل , أنت حينما تكرمهم وتعطيهم تقطع لسانهم عنك , فهذه حكمة , وهذا عمل طيب.
 إذاً: الكاشح هو الذي يضمر عداوة , فأنت بالعطاء تعالجه، وبالمنع تزيد حقده وعداوته، و الله عز وجل يريد أن نكون متواصلين متحابين.

 

المال الفائض عن حاجة صاحبه إن منعه عن الآخرين تمثل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعْ :

 وعن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه:

(( قال قلت يا رسول الله مَن أبَرُّ قال أمَّك ثم أمَّك ثم أمَّك ثم أبَاكَ ثم الأقربَ فالأقربَ وقال عليه الصلاة والسلام لا يَسْألُ رجلٌ مولاه من فَضْلٍ هو عنده فيمنَعَه إياه إلا دُعِي له يوم القيامة فَضْلُه الذي مَنَعه شُجاعاً أقْرَعْ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي عن بَهز بن حكيم عن أبيه عن جده]

  الحديث له معنى جديد , إنسان ميسور معه مال , له مولى , له قريب , له صديق بحاجة إلى هذا المال , وهناك ضمانة أن تسترده , لكن برأيك الأفضل لك إن قلت له: لا أملك هذا المال الذي تريده، وإذا كان هذا الإنسان معروفاً بالغنى يقول لك: لا يوجد معي سيوله، إذاً هذا الرفض أو هذا المال الفائض عنده يتمثل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعْ .
 أي حنش كبير , ثعبان كبير , معمر له ذؤابتان , وقد سقط شعر رأسه، شجاع أقرع مخيف جداً , فهذا المال الزائد الذي منعه من يستحقه يتمثل له يوم القيامة شُجاعاً أقْرَعْ.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018