الترغيب والترهيب - الدرس : 055 - كتاب الصدقات - الترغيب في صدقة السر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 055 - كتاب الصدقات - الترغيب في صدقة السر


1997-07-21

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

إنفاق المال يؤكد لنفسك وللناس ولمن حولك أنك محبّ لله عز وجل;

 قال عليه الصلاة والسلام;

(( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ ))

 

[ رواه الترمذي وحسنه، أي قال حديث حسن عن أنس ]


 الإنسان أحياناً يقع في خطأ، هذا الخطأ يسبب غضب الله عز وجل، ما الحل ؟ أروع ما في هذا الدين العظيم أن كل حالة يتلبس بها الإنسان جعل الله لها حلاً، جعل الله لها مخرجاً، إنسان وقع في خطأ استوجب غضب الله عز وجل، لو لم يكن هناك من حل ليئس الإنسان من رحمة الله، ومع اليأس فجور، لكن مهما يكن الذنب عظيماً، مهما يكن الذنب يستوجب غضب الله عز وجل، الحل جاهز، يقول عليه الصلاة والسلام;

 

 

(( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ))


 أي لا يوجد طريق سريع لاسترضاء الله عز وجل، وإبعاد غضبه عنك، كأن تنفق من مالك، النبي قال;

 

 

(( والصَّدقَةُ بُرهَان ))

 

[أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي مالك الأشعري ]

 وأنا أقول دائماً; أن هناك أشياء كثيرة محبة للإنسان، والشرع أمر بها، النبي قال; لبِّ الدعوة.

 

(( مَن دُعي فَلم يُجِبْ فقد عَصَى اللَّه ورسوله ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر ]

 إذا الإنسان دعي إلى دعوة جيدة، ولبى الدعوة هو طبق السنة، لكن هذا التطبيق للسنة فيه مصلحة له، أما الذي يؤكد أنك مؤمن، الذي ينفي عنك شك النفاق، الذي يسكت الشيطان حينما تنفق من مالك، لأن المال محبب، محبب إليك أخذه لا إنفاقه، فحينما تنفق ترقى عند الله عز وجل، وتؤكد لنفسك، وللناس، ولمن حولك أنك محب لله عز وجل.

 

الصدقة التي تدفعها تسترضي الله بها وتطفئ بها غضبه:

 

 لذلك الأقوياء أحياناً لا يسترضون، إن زلت قدمك مع إنسان قوي مهما استرضيته لا يرضى، لا بدّ من أن ينتقم منك، لكن الله جلّ جلاله، ذو الجلال والإكرام حينما تخطئ معه، وحينما تزل قدمك، وحينما يستوجب غضبه، فوراً فتح لك الباب، الباب أنه يسترضى، أن هذا الغضب يمكن أن يزول حينما تسترضيه بالصدقة، لذلك;

(( إن صدقة السر تطفئ غضب الرب ))

[ الرافعي عن ابن عباس]

(( باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها ))

[ أخرجه الطبراني عن علي بن أبي طالب ]

 فالإنسان أحياناً يخاف من عقاب إلهي، فالصدقة هذه التي تدفعها تسترضي الله بها، تطفئ غضب الله عز وجل، البلاء لا يتخطاها.
حتى إن هناك بعض الأحاديث في مجملها يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( داووا مرضاكم بالصدقة ))

 

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]

 فإنسان غلط، أخطأ، زلت قدمه، استوجب غضب الله عز وجل، الله يسترضى، يسترضى بدفع الصدقة، وهذه الصدقة تطفئ غضب الله عز وجل، هذه الصدقة تحول بين بلاء الله وبينك، كأنك ترد بها بلاء الله عز وجل، أو كأنك تطفئ بها بلاء الله عز وجل، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، وهذا شيء مجرب.

 

على الإنسان أن يجمع بين التوبة والإنفاق إن شعر أن نفسه يُستعصى عليها أن تتوب:

 أخواننا الكرام، الإنسان يعقد التوبة مع الله عز وجل، أول توبة سهلة جداً لا تحتاج أكثر من أن تقول; يا رب لقد تبت إليك، وتشعر فوراً أن جبالاً فوق صدرك قد أزيحت عنك، أما المشكلة أن يقع الإنسان في الذنب مرة ثانية، عندئذٍ تضعف عنده إمكانية التوبة، الحل أن تجمع بين التوبة وإنفاق المال، كلما شعرت أن هناك حجاب، هناك حاجز، النفس يستعصي عليها أن تفعل هذا، ادعم توبتك بإنفاق المال.
 لي قريب يبدو أنه سبح في مسبح خارج القطر، هناك جرثومة من أندر الجراثيم، هذه تسبب التهاب العصب السمعي، وإذا التهب هذا العصب ينتهي الإنسان إلى الصمم، فأنبأه الطبيب بحسب علمه أن هذا المرض نادر جداً، وقد أُصبت به، وأغلب الظن أنك فقدت سمعك، فدخل إلى بيته، وألقى نفسه على الأرض، وصار يبكي كالصغار، شاب في ريعان الشباب سيفقد سمعه، فقد السمع كان قد بدأ عنده، صار في تشويش، والمرض تفاقم عنده، بساعة من ساعات الخوف الشديد، والقلق الشديد، ناجى ربه قال; يا رب إن شفيتني لأدفع مبلغاً سماه، القصة من عشر سنوات تقريباً، المبلغ يساوي ثمن بيت، هو حالته المادية جيدة، على مسمع من أمه، قالت له أمه; افعل غير ذلك، لا، قالت له; إذاً ادفع هذا المبلغ الآن، من شدة حرصه على سلامة أعضائه، قال لها; سمعاً وطاعة، جاء بالمبلغ وأعطاه لوالدته، وأنفقت والدته المبلغ على الفقراء والمساكين، سبحان الله ! المرض تراجع شيئاً فشيئاً، والآن يتمتع بسمعه المرهف.
 الله يسترضى، هذه نصيحة لوجه الله، أثناء التعامل معه غلطت، ماذا تفعل ؟ لم يبقَ أمل أبداً ؟ الإنسان يقول لك; لا يوجد أمل، تسترضي، تترجى، أبداً، أما عند الله عز وجل الصدقة تطفئ غضبه، والصدقة تحول بينك وبين بلائه، وعقابه، وتقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، فكلما وجدت الطريق إلى الله مسدوداً، هناك حجب، هناك خطأ، ادفع صدقة.

الصدقة تدفع ميتة السوء:

(( وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ ))

 ميتة السوء قضية، إنسان يموت في الطريق ! أنا مرة كنت في طريقي إلى عملي، وجدت إنساناً أمام قصر العدل ملقى على الطريق، ومغطى بقماش، ذهبت إلى عملي الساعة الثانية، الثالثة، الرابعة، رجعت مثلما هو، الطبيب الشرعي لم يأت، والناس محلقون حوله، وهناك إنسان يموت ببيته، على فراشه، أنا لا أنسى هذا الموقف.
 مرة كنت بتعزية، جالس إلى جانبي عالم جليل من علماء الشام، فكان آخر من كلمه أنا، كلمته، وسألته عن صحته، وخرج من هذا البيت، ما إن خرج من هذا البيت إلا رآه شاب معه سيارة، لا يعرفه، لا يعرف اسمه، قال له; أتركب أستاذ معي ؟ قال له; الله يرضى عليك، ركب معه، أوصله إلى مدخل بيته في الميسات، صعد أربعة طوابق، دخل للبيت، نزع العمامة، وخلع الجبة، واستلقى على فراشه، وسلم روحه إلى بارئها، لو أحب أن يأخذ تكسي مات في التكسي، فأخذوه إلى المستشفى، و وضعوه في البراد، الله هيأ له إنساناً يعرض عليه الركوب بالسيارة حينما خرج من البيت، قضية دقائق كلها محسوبة، فإنسان يموت ببيته، بين أهله وأولاده.
 فهذه الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء، إنسان يموت أحياناً بمرحاض، يموت ببلد غريب، يضعونه في البراد، أحياناً يموت بوضع مهين، بوضع مشين، هو جالس الصورة شوشت، قال; حتماً هناك سارق على السطوح، سحب الإبرة التي في الدش، صعد و تعارك معه، فمات في سبيل الإبرة، إنسان يموت بحالات صعبة، يموت بأسباب تافهة، يموت وراء فيلم منحط، و هناك إنسان يموت بمسجد، يموت أثناء الصلاة، يموت ببيته، فالميتة أنواع، لكن الصدقة تدفع ميتة السوء، و هناك حديث آخر:

 

(( صنائع المعروف تقي مصارع السوء ))

 

 

[أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ]

 

كل شي وقع أراده الله و إرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة:

 

حديث آخر قال عليه الصلاة والسلام:

(( قال رجل لأتَصَدَّقَنَّ بصدقة فخرج بصدقتِهِ فوضعها في يدِ سارق فأصبحوا يتحدَّثون تُصُدِّق الليلةَ على سارق الناس فقال اللهم لك الحمد على سارق تألم لأتصدقنَّ بصدقة فخرج بصدقتِهِ فوضعها في يد زانية فأصبحوا يتحدَّثون تُصُدِّق الليلةَ على زانية فقال اللهم لك الحمد على زانية لأتصدقنَّ بصدَقة فخرج بصدقتِهِ، فوضعها في يد غَنيّ، فأَصبحوا يتحدَّثون; تُصُدِّقَ الليلةَ على غَنيّ فقال; اللهم لك الحمد على سارق، وزانية وغَنيّ، فأُتيَ في المنام فقيل له أمَّا صدقتُكَ على سارق فلعلَّه أن يَسْتَعِفَّ عن سرقته وأمَّا الزانيةُ فلعلها أن تستَعِفَّ عن زِناها وأما الغنيُّ فلعله أن يعتبرُ فينفِقُ مما أعطاه الله عز وجل ))

[ متفق عليه، واللفظ للبخاري عن أبي هريرة]

 وفي رواية مسلم:

 

(( أمَّا صَدَقَتُكَ فقد تُقُبِّلَتْ ))

 حديث دقيق، أنت اجتهدت مع كل اجتهادك هذه الصدقة وصلت لإنسان غير مستقيم، أنت اجتهدت لكن الله أراد أن تكون هذه الصدقة في يد هذا الإنسان، لحكمة يعلمها الله عز وجل، فالإنسان المنحرف عندما دفعت له هذه الصدقة استحيا من الله وتاب، فأنت تعلم ولكن الله أعلم، أنت اجتهدت، فالإنسان يغلط أحياناً رغم اجتهاده الشديد يغلط، فإذا غلطت، فالذي وقع هو الذي أراده الله عز وجل، كل شي وقع أراده الله، و كل شيء أراده الله وقع، و إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فأنت حينما تجتهد وقد ينحرف اجتهادك إلى ما لا تريد، هذا الذي لم ترده هو عين الحكمة والرحمة.
 إنسان صادق اجتهد، اجتهد، اجتهد، فإذا بالصدقة في يد سارق، اجتهد فإذا بالصدقة في يد غني، أحياناً الإنسان يوهمك، ويقنعك أنه فقير و يكون غنياً، أنت مقبولة صدقتك، أنت مجتهد لك أجر، لو أخطأت، وخطأك هو الصواب عند الله عز وجل، أحياناً الإنسان لا يعلم السبب.
 والله أنا سمعت عن بعض العلماء قديماً يدفع بعض الصدقات للبغايا، تتوب وتستحي، أن هناك من يتذكرها وهي بغي ! تتوب.
 فأنا مكلف أن أعطي الصدقة لإنسان فقير، أما حينما أجتهد وأخطئ في الاجتهاد وتصل إلى غني، أو إلى سارق، أو إلى زانية، لا أعلم ما الذي يحدث، ربما تاب هذا الإنسان، الغني استحى من الله، السارق كفّ عن سرقته، الزانية كفت عن زناها، أحياناً هناك قسوة بالغة، يريد ممن يعطيه أن يكون ولياً تقياً نقياً، هذا الإنسان المقصر ليس له شيء ؟ أنت بالمعاونة تلين له قلبه، يمكن ألا تعطي هذه الصدقة إلا لإنسان يكون معه شهادة حسن سلوك، وورع، وتقي، ونقي ؟ لا، أنت اجتهد، أما حينما تصل الصدقة إلى من لا يستحقها هذه مشيئة الله عز وجل، وهناك حكمة بالغة منها، وأروع شرح للحديث أن يا رب لك الحمد لا لي، لأن صدقتي وقعت بيد من لا يستحقها، أنا لم يعد لي فضل، أنا اجتهدت فأخطأت، لك الحمد أنت.

 

 

العمل عند الله يقيّم بحجمه ونيته وهدفه:

 

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال; قال عليه الصلاة والسلام:

(( سبق درهم مائة ألف درهم، فقال رجل وكيف ذاك يا رسول الله قال رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم تصدق بها ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق به ))

[ رواه النسائي عن أبي هريرة ]

 رجل ميسور الحال أحبّ أن يعمر مسجداً في الشام، فبحث عن أرض تناسب هذا البناء، وجد أرضاً في نهر عيشة مناسبة جداً لبناء مسجد، سأل عن صاحبها فإذا هو رجل ورثها إرثاً، وهو يعمل آذن في مدرسة، ولا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، تساوم هو وإياه على ثمنها، فاستقر السعر والاتفاق  على ثلاثة ملايين ونصف، وكتب الذي يريد إنشاء هذا المسجد لهذا الإنسان الشيك ـ والمهندس أحد أخواننا ـ بمليوني ليرة كدفعة أولى ، والرصيد عند الفراغ، فوقع الشيك واستلمه، وانتهى كل شيء، قال له :الرجاء غداً بالأوقاف، قال له: لمَ الأوقاف ؟ قال له: من أجل أن تتنازل عنها لتكون مسجداً، قال له: مسجد ؟! قال له: طبعاً، قال له; هات الشيك، أخذه ومزقه، قال له; أنا أولى بك لتقديمه لله عز وجل، هذا الآذن الذي لا يملك إلا راتبه ثلاثة آلاف ليرة، وهذه الأرض، يقول هذا الغني; والله ما صغرت في حياتي أمام إنسان كما صغرت أمام هذا الفقير، أنا معي مئتي مليون أدفع ثلاثة ونصف منهم لمسجد، أما هذا الآذن لا يوجد إنسان أحوج لهذا المال من هذا الآذن، والمسجد كلف اثني عشر مليوناً، ومن أضخم المساجد في ذلك الحي، وانتهى إعماره، والذي قدم الأرض لا يملك من الدنيا إلا هذه الأرض، لذلك:

 

(( سبق درهم مئة ألف درهم ))

 عند الله عز وجل يوجد حسابات، عند الناس دفع ألف ليرة، لكن عند الله ألفين، دفع نصف ماله، عند الله عز وجل العمل يقيّم بحجمه، وبنسبته إلى مجموع المال، وبنيته، وبهدفه.

 

 

عمر الإنسان بحجم عمله الصالح:

 

 آخر حديث:
 قال عليه الصلاة والسلام:

(( إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء ويذهب الله بها الكبر والفقر والفخر ))

[ رواه الطبراني عن عمرو بن عوف ]

 تزيد في العمر أي يزداد عملك الصالح، لأن الإنسان عمره بحجم عمله الصالح، فإذا فعلت في هذا العمر أعمالاً طيبة هذه تزيد في العمر.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018