درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 08 - الذكر - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 08 - الذكر


1995-03-01

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
فنحن في رمضان شهر التوبة والغفران، شهر الطاعة والإحسان، شهر الذكر والحب، شهر التقوى والقرب.
 روى الإمام مالك في مسنده: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بخير أعمالكم، وأزكاها عند ملكيكم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا العدو فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم ؟!. قالوا بلى يا رسول الله، قال " ذكر الله ".
أيها الأخوة الأحباب:
يبدو من خلال هذا الحديث الشريف، أن الذكر له شأن كبيرٌ في حياة المؤمن.
 كيف لا ! وقد ورد الذكر في القرآن الكريم، في أكثر من ثلاثمائة موضع، في كل هذه الآيات التي ورد فيها الذكر، هناك تأكيد على أن الذكر ينبغي أن يدور مع الإنسان، في كل شؤونه وفي كل أحواله وفي كل أطواره ؛ لأنه عبادة القلب.. وعبادة الفكر.. وعبادة اللسان..
فمن الذكر أيها الأخوة:
 أن تذكر الله في آياته الكونية.. ومن الذكر أن تذكره في آياته القرآنية.. ومن الذكر أن تذكره في آياته التكوينية.. وأن تذكره في نعمه الظاهرة والباطنة، وأن تذكره في أمره ونهيه، وأن تذكره لعباده معرفاً به، وأن تذكره في قلبك ولسانك مسبحاً وحامداً وموحداً ومكبراً وأن تذكر ربوبيته لك فتدعوه وحده في أحوالك كلها وأطوارك جميعها وأن تذكره ذكراً كثيراً طيباً ليطمئن قلبك، ولينجلي همك، ولينشرح صدرك، وليتسع رزقك ولينصرك الله على عدوك.
أخوتي المؤمنون، أعزائي المشاهدين:
 من الذكر التفكر في آيات الله في الآفاق، وفي الأنفس، وهذا التفكر من أجل أن نعرف الله جل وعلا، أن نعرفه حق المعرفة، وأن نقدره حق التقدير.
قال تعالى:

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191)﴾

( سورة آل عمران: 190 ـ 191 )

أيها الأخوة الأكارم:
 من هذه الآيات التي بثها الله في الآفاق التجاذب الحركي فيما بين الكواكب والنجوم، هذه آية دالة على عظمة الله عز وجل.
قال تعالى:

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

( سورة الرعد: 2 )

 فكلمة " ترونها " في هذه الآية، تفيد فيما تفيد، أن الله جل وعلا، رفع السماوات بعمد لا نراها، إنها قوى التجاذب التي تنظم الكون كله، بدءاً من الذرة، وانتهاء بالمجرة، كالشمس مثلاً تجذب إليها الأرض بقوة هائلة، بحيث تجري الأرض في مسار مغلق حول الشمس، ولو انعدم جذب الشمس للأرض، لخرجت الأرض عن مسارها حول الشمس، ولاندفعت في متاهات الفضاء الكوني، حيث الظلمة و التجمد، وبزوالها عن مسارها، أي بانحرافها عن خط سيرها تزول الحياة فيها إذ تصل درجة حرارتها إلى مائتين وسبعين درجة تحت الصفر.
قال تعالى:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

( سورة فاطر: 41 )

فا بانحرافها عن سيرها زوال للحياة فيها.
أيها الأخوة الأحباب:
 لكي ندرك قوة جذب الشمس للأرض نفترض على سبيل الافتراض، أن هذه القوة التي هي في الشمس والتي تجذب الأرض قد انعدمت لسبب أو لآخر، ومن أجل أن تبقى الأرض مرتبطة بالشمس، تجري في مسار حولها، لابد من أن نربط الأرض إلى الشمس بأعمدة مرئية، نبحث عن أعمدة فلا نجد أمتن من الفولاذ، إن السلك من الفولاذ الذي قطره ميلمتر واحد يتحمل قوى شد تزيد عن مائة كيلو غرام، إننا بحاجة إلى مليون مليون حبل فولاذي طول كل حبل مائة وستة وخمسون مليون كيلو متر، وقطر كل حبل خمسة أمتار، إن الحبل الواحد من هذه الأحبال يستطيع أن يتحمل قوة شد تزيد عن مليوني طن، فهذه الحبال مليون مليون حبل، وكل حبل يتحمل قوى شد مقدارها مليوني طن، هذا الرقم الخيالي هو ما يسميه العلماء قوة جذب الشمس إلى الأرض.
أيها الأخوة الأكارم:
 إذا زرعنا هذه الحبال على وجه الأرض المقابل للشمس لفوجئنا بغابة من الحبال الفولاذية، بين كل حبلين مسافة حبل واحد عندئذٍ تحجب أشعة الشمس، وتستحيل الحركة على سطح الأرض يستحيل عليها أي نشاط.
أيها الأخوة الأكارم:
هل تدرون أن كل هذه القوة الهائلة من أجل أن تحرف الأرض في مسارها حول الشمس ثلاثة ميليمترات في كل ثانية !.

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

( سورة الرعد: 2 )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

( سورة فاطر: 41 )

 هذه آية من آيات الله في آفاقه

 

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

 

( سورة فصلت: 53 )

فماذا عن آية الله في النفس ؟.
 أيها الأخوة الأكارم يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

( سورة الذاريات: 21 )

 من آيات الله الدالة على عظمته في النفس، أن الإنسان إذا كان يتجول في بستان، ورأى فجأةً حشرةً مؤذية قاتلة، ما الذي يحصل في بدنه ؟.
أول شيء أن صورة هذه الحشرة تنطبع في شبكية عينه، وهذا هو الإحساس.
وثانياً أن هذه الصورة تنتقل إلى المخ فتصبح إدراكاً بحسب المفاهيم.
يا أيها الأخوة الأكارم:
 المخ ؟ ملك الجهاز العصبي، يتصل بملكة الجهاز الهرموني وهي الغدة النخامية، فيأمرها أن تهيئ جاهزية قصوى لمواجهة هذا الخطر، ماذا تفعل هذه الغدة النخامية ؟ تعطي أمراً إلى غدة الكظر التي فوق الكلية من أجل أن تواجه هذا الخطر.
الكظر يصدر أربعة أوامر هرمونية.
 الأمر الأول يصدره إلى الأوردة والشرايين، ولا سيما الأوردة والشرايين، هذه الأوردة تنقبض وتضيق لمعتها، ليتوفر الدم للعضلات، لذلك الخائف مصفر اللون.
ويتجه أمر آخر إلى القلب ليسرع في نبضاته، ولينقل الدم سريعاً إلى العضلات، لذلك تجد الخائف يضطرب قلبه وتزداد نبضاته.
ويتجه أمر هرموني ثالث إلى الرئتين ليزداد وجيبها، وليتوافق وجيبها مع دقات القلب السريعة، لذلك تجد الخائف يزداد وجيب رئتيه حتى يلهث.
ويتجه أمر رابع إلى الكبد ليحرر كمية من السكر زائدةً في الدم حتى يكون السكر وقوداً للعضلات.
والكظر يعطي أمراً خامساً، للكبد ليزيد من هرمون التجلط منعاً من نزيف الدم.
كل هذا أيها الأخوة: في ثوان، في أجزاء الثانية قال تعالى:

 

﴿ وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

أيها الأخوة الأكارم:
 الآيات التي بثها الله في الكون، وفي أنفسنا، وفي طعامنا وفي شرابنا، كلها تؤكد عظمة الله عز وجل تؤكد أنه موجود وتؤكد وحدانيته، وتؤكد كماله.
أيها الأخوة الأكارم:
اللهم علمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وإلى لقاء آخر، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018