درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 15 - الوقت - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠29برنامج درس تلفزيوني - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

درس تلفزيوني قناة سوريا - الدرس : 15 - الوقت


1995-03-18

 أعزائي المشاهدين أخوتي المؤمنين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
 موضوع لقائنا اليوم قيمة الوقت في حياة الإنسان، لقد سئلت السيدة رابعة رحمها الله، وكانت تناجي ربها وتقول:

فليــتكَ تحلُو والحـيـاة مريرة ٌ وليتك ترضى والأنامُ غـضابُ
وليت الذي بيني وبينك عامرٌ  وبيني وبين العـــــالمين خرابُ
إذا صحَ منك الود فالكل هينٌ  وكل الذي فوق التراب تـــــبُ

أيها الأخوة الأحباب:
 سئلت هذه العاشقة، العارفة، سئلت ما الإنسان ؟ فقالت: هو بضعة أيام، كلما انقضى يوم، انقضى بضع منه، إنه إذاً وقت محدود ومعلوم، إن الوقت وعاء لعمله، ومحل لكسبه، وهو رأس ماله الحقيقي.
يا أيها الأخوة الأحباب:
 من خصائص الوقت، سرعة انقضائه أو هكذا يشعر الإنسان هكذا يشعر الإنسان لأن دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذة دقيقة، إن الوقت يمر مر السحاب ويجري جري الرياح.
قال الله تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾

( سورة يونس: 45 )

ومن خصائص الوقت أيضاً، أنه إذا مضى لا يعود ولا يعوض.
 ما مضى فات والمؤمل غيب ولك الساعة التي أنت فيها وما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي يا ابن آدم، أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة.
هذا الوقت أيها الأخوة:
 الذي هو عمر الإنسان، قصيرٌ جداً إذا قيس بحياته الأبدية في الدار الآخرة، فأي رقم مهما كبر، ولو كان الرقم فلكياً إذا قيس باللانهاية، إذا قيس بالحياة الأبدية، فإنه يغدو صفراً.
لذلك يتحسر الإنسان يوم القيامة، حينما يكتشف أنه ضيع الحياة الأبدية الباقية، من أجل حياته الفانية، قال تعالى:

﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26)﴾

( سورة الفجر: من 22 ـ إلى 25 )

 قيل أيها الأخوة:
إن الدنيا ساعة، فجعلها طاعة.
أعزائنا المشاهدين:
 في القرآن الكريم إشارات كثيرة، إلى قيمة الوقت في حياة الإنسان، وفي القرآن الكريم حضٌ كثير على الاستفادة منه، بل إن كلمات " وسارعوا " " وسابقوا " في كتاب الله تؤكد هذا المعنى.
قال تعالى:

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

 

( سورة البقرة: 148 )

ياأيها الأخوة الأكارم:
 هذه الآية بالإضافة إلى معناها السياقي تشير في مقطعها الأول " ولكل وجهة هو موليها " تشير إلى أن وجهة الإنسان الصحيحة، أو المنحرفة، ومواقفه المشرفة، أو غير المشرفة وأعماله الصالحة، أو غير الصالحة، هي من كسبه وحده "ولكل وجهة هو موليها " وسوف يسأل عنها، ويجازى عليها، قال تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

( سورة الحجر: 92 )

 وأن هذه الحرية في الكسب، هي التي تثمن عمله، وعمله الطوعي، الصالح، والخالص، سر سعادته الأبدية، وهذه الحرية بالكسب، عارية مسترده، فما دامت المهمة جليلةً وما دام الوقت محدوداً، دعانا الله جل وعلا إلى الاستفادة من الوقت، وحضنا على فعل الخيرات فيه.
قال تعالى:

 

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾

 ففي هذا المقطع كما ترون معي حض على الاستفادة من الوقت في فعل الخيرات، وترك المنكرات.
ولكن يا أخوة الإيمان يا أيها الأخوة المشاهدون:
 هذه الحرية في الكسب لن تدوم طويلاً لابد من أن تسترد إنها تسترد عند الموت والدليل المقطع الثالث.

 

 

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾

أيها الأخوة الأحباب:
 من جهل قيمة الوقت، وهو يملك أن ينتفع به، فسيأتي عليه حين يعرف قيمته، ويعرف قدره، ويعرف نفاسته، ولكن بعد فوات الأوان عندما يعتصر الندم قلبه، ولات ساعة مندم.
قال تعالى:

 

 

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (10)﴾

 

( سورة المنافقين: 10 )

 ماذا كان جواب الله عز وجل ؟ جاء الجواب !.

 

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)﴾

 

( سورة المنافقين: 11 )

 وهذا الإنسان الذي يجهل قيمة الوقت سوف يعرف قيمته مرةً ثانية، ولكن يوم القيامة، حين توفى كل نفس بما عملت، وحينما تجزى كل نفس بما كسبت، وحينما يدخل أهل الجنة الجنة، وحينما يدخل أهل النار النار، هناك يتنمى أهل النار، لو يعودون مرةً أخرى إلى حياة التكليف ليعملوا الصالحات !.
قال تعالى:

 

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾

 

( سورة فاطر: 37 )

 ويأتي الجواب:

 

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾

 

( سورة فاطر: 37 )

 ولكن ما النذير أيها الأخوة ؟ جاء في تفسير القرطبي أن النذير هو القرآن الكريم، لأنه خطاب الله للإنسان، إنه تعليمات الصانع إنه نور يضيء له الطريق، ويهدي للتي هي أقوم، والنذير أيضاً هو النبي عليه الصلاة والسلام بسنته التي بين أيدينا.

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (45)﴾

 

( سورة الأحزاب: 45 )

 والنذير هو الشيب، يقول الله في الحديث القدسي: عبدي كبرت سنك، وشاب شعرك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك فاستح مني، فأنا أستحي منك.
والنذير أيها الأخوة سن الأربعين، فمن بلغ الأربعين فقد دخل في أسواق الآخرة.
والنذير هي المصائب:

 

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)﴾

 

( سورة السجدة: 21 )

 أيها الأخوة الأكارم: من أشد الأحاديث النبوية الشريفة، دلالة على قيمة الوقت قوله صلى الله عليه وسلم: بادروا بالأعمال الصالحة فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا ـ أي إذا جعل المرء الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، إذا وضع كل آماله في الدنيا، ونسي المبتدى والمنتهى ونسي الجبار الأعلى، ماذا ينتظر من الدنيا يأتي الجواب ـ هل تنتظرون إلا غنىً مطغياً، أو فقراً منسياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مجهزاً، أو الدجال فشر غائب ينتظر، أو الساعة، فالساعة أدهى وأمر.
وقد قيل، إن الليل والنهار يعملان فيك أيها الإنسان ؛ أي يقربانك من أجلك، فاعمل فيهما الصالحات، ليكون الوقت مستثمراً لا مستهلكاً، فمن علامات المقت إضاعة الوقت.
اللهم علمنا ما ينفعنا، وأنفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وإلى لقاء آخر والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.-

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018