الترغيب والترهيب - الدرس : 052 - كتاب الصدقات - الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمع والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده -2 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الترغيب والترهيب - الدرس : 052 - كتاب الصدقات - الترهيب من المسألة وتحريمها مع الغنى وما جاء في ذم الطمع والترغيب في التعفف والقناعة والأكل من كسب يده -2


1997-07-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

التعفف و السخاء عند الصحابة الكرام:

 أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في الترهيب والترهيب، واليوم ننتقل إلى باب كراهة المسألة للناس.
 الحقيقة هناك توازن دقيق في هذا الموضوع، أضرب لكم المثل الموضح له:
 الصحابة الكرام ولاسيما الأنصار حينما جاءهم المهاجرون عرضوا عليهم نصف أموالهم، نصف بساتينهم، نصف دكاكينهم، هذا العرض رائع، وهو يعبر عن أعلى درجات الكمال في التعاون بين المؤمنين.
 أما الشيء المدهش أن الطرف الآخر لم يأخذ شيئاً، لم يسجل التاريخ أن مهاجراً أخذ من أنصاري شيئاً، رغم العرض المغري، من أعماق أعماق أعماقه، عندي بستانان خذ أحدهما، عندي دكانان خذ أحدهما، يقول له المهاجر: بارك الله لك في مالك، ولكن دلني على السوق، أرأيتم إلى هذه التربية ؟.
 نحن الآن لو أردنا أن نعطي الناس شيئاً، أكبر جهة تستفيد من هذا الشيء الأغنياء، عند الصحابة الكرام تعفف لا يوصف، وعند الطرف الآخر سخاء لا يوصف، من خلال هذه الأجواء قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا تزالُ المسألة بأَحَدِكُم حتى يلقي الله وليس في وجهه مُزعة لحم ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن عبد الله بن عمر ]

 إنسان ليس محتاجاً، يوجد إنسان محتاج أكثر منه، إذا سأل، وتمسكن، وتضعضع، وأوهم الآخرين أنه بحاجة ماسة، ولم يكن كذلك، يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم ـ أي قطعة لحم ـ يأتي وجهه هيكلاً عظمياً، لأنه ذهب منه ماء الحياء، طبعاً عندما الإنسان يكون مضطراً ويأخذ له أجر، ابنه يحتاج إلى عملية ولا يملك، ودخله محدود، والعملية ضرورية جداً ومصيرية، في مثل هذه الأحوال الآخذ له أجر، لأنه أنقذ ابنه، وحقق لأخيه هدفه.

 

من أخذ المال عن غير حاجة لقي الله عز وجل و ليس في وجهه مزعة لحم:

 صدق أيها الأخ، الكريم حينما يضع ماله في مكانه الصحيح يشعر بسعادة لا توصف، إذا أنت ساهمت بحل مشكلة أخ مؤمن، والمؤمن غالٍ على الله، والمؤمن كريم على الله عز وجل، إذا ساهمت في حلِّ مشكلته المادية، الصحية، الاجتماعية، الأسرية بمالك لا يعلم إلا الله وحده كم ترقى عند الله،  فكما أن المسألة مكروهة، أنت حينما تكون مضطراً، وتأخذ هذا المال من أخيك، لك عند الله أجر، أنت استفدت منه، وأخوك شعر بسعادة كبيرة.
 فأنا حينما أقول هذه الأحاديث لا أقصد إلا الذين يأخذون هذا المال عن غير حاجة صار هناك نوع من الذكاء، والقدرة على استدرار عطف الآخرين، هذا الذي يفعل هذا يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم.
 وفي حديث آخر ؛ الثاني يوضح الأول:

 

 

(( مَنْ سأل الناس تكُّثرا ))

 

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

 سألهم ليستكثر ماله، سألهم ليزداد ماله، لا ليقضي حاجته، فرق كبير بين أن تقضي حاجتك بهذا المال، وبين أن تزيد هذا المال.

 

(( مَنْ سأل الناس تكُّثرا فإنما يسأل جَمْرا فليستقِل أو ليستكثر ))

 يسأل جمراً، الواضح من هذين الحديثين أن النبي ينهى عن أن تأخذ من أموال الناس وأنت لست بحاجة إليها، إلا أنك تستكثر هذا المال.

 

على الإنسان أن يستخدم كل ما عنده من طاقات ولو صغرت:

 قصة تعرفونها جميعاً لها دلالة كبيرة جداً، أن أنصارياً جاء النبي يسأله، فقال له النبي: أعندك شيء ؟ قال هذا الأنصاري: عندي قعب وحلس ـ أي بساط نجلس وننام عليه ـ وإناء نشرب منه، قال: عليّ بهما، فجاءه بهما والنبي عليه الصلاة والسلام بين أصحابه عرضهما للبيع، قال: من يشتري هذا القعب، وذاك الحلس ؟ فقام أحد الأصحاب قال: أنا أشتريهما بدرهم، فقال عليه الصلاة والسلام: من يزيد على ذلك ؟ قام آخر وقال: أنا أشتريهما بدرهمين، فباعه إياهما، قال له النبي: خذ هذين الدرهمين، فاشترِ بدرهم طعاماً، فاندبه لأهلك، واشترِ بالدرهم الثاني قدوماً، وائتِ به إليّ، هنا استنبط العلماء: أن الإنسان لا يستطيع أن يعمل شيئاً إذا وجد ببيته مشكلة، فقبل أن يدفعه إلى العمل أراد أن يطمئنه على أهله، اندب طعاماً لهم بهذا الدرهم، واشترِ بالدرهم الثاني قدوماً، وتعال إليّ، هكذا فعل هذا الرجل، اشترى بالدرهم الثاني قدوماً، وجاء به إلى النبي، فشدّ النبي بيده الشريفة على هذا القدوم عصاً، وقال:  اذهب فاحتطب، ولا أرينك لخمسة عشر يوماً، بعد هذه المدة جاءه ومعه ثمانية دراهم، قال: هذا خير لك من أن تسأل الناس.

ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير:

 

 

أخواننا الكرام، لا يوجد إنسان يتوجه إلى الله ليرزقه رزقاً حلالاً ويخيب الله ظنه، لذلك: ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير.

(( مَنْ سأل الناس تكُّثرا فإنما يسأل جَمْرا فليستقِل أو ليستكثر ))


 أي يوجد تسول، هذا التسول قد لا تصدقون أن هؤلاء يجنون ثروات طائلة، إحدى المتسولات لها بالبنك سبعمئة ألف، لأن هذه الصنعة من دون رأسمال، تجلس في مكان، بوضع مؤلم جداً، تستدر عطف الناس، وتأخذ الأموال، ففي هذا نهي شديد جداً، فأي إنسان يحاول أن يطلب من الناس شيئاً، وهو ليس بحاجة، سيلقى الله و ليس في وجهه مزعة لحم، أما إذا كان بحاجة إلى المال فهذا موضوع ثانٍ، لا علاقة لهذا الإنسان بهذه الأحاديث إطلاقاً، لأن الحاجة قد تكون ملحة، وقد تكون خطيرة، ولو لم تسأل لكنت آثماً عند الله عز وجل.

العمل الشريف هدفه شريف و هو أن تكتسب المال بطريق مشروع:

 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس خير من أن يسأل الناس رجلاً أعطاه أو منعه ذلك بأن اليَدَ العُلْيَا خيْر مِنَ اليَد السُّفْلى وابدأ بمن تَعُول ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]

 أي أشق الأعمال، لا يوجد عمل مهين أبداً، العمل الشريف هدفه شريف، الهدف أن تكتسب مالاً بطريق مشروع، ولو كان حملاً على الظهر، ولو كان نقل بضاعة، ولو كان سفراً صعباً، أما العار أن تكون عبئاً على الناس، العار أن تأخذ ما ليس لك، العار أن توهم الآخرين أنك بحاجة إلى المال.

 

(( لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره فيتصدق به ويستغني به عن الناس خير من أن يسأل الناس رجلاً أعطاه أو منعه ذلك بأن اليَدَ العُلْيَا خيْر مِنَ اليَد السُّفْلى وابدأ بمن تَعُول ))

 

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]

 وفي حديث رابع عن أبي هريرة أيضاً قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( لأن يغدو أحدكم فيحتطب على ظهره ليبيعه ثم ذكر الحديث الأول خير من أن يسأل الناس رجلاً أعطاه أو منعه ))

 وفي حديث خامس:

 

 

(( لأن يأخذ أحدكم أحبله فيأتي الجبل فيحزم حزمة من حطب فيجعلها على ظهره ويأتي بها السوق فيبيعها ويأكل ثمنها خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله أعطاه أو منعه ))

 

[أخرجه البخاري عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ]

إن لم تكن بحاجة لا تسأل أحداً:

 تروي كتب السيرة أن سيدنا الصديق رضي الله عنه كان يركب ناقة، وقع زمام الناقة من يده، وحوله أصحابه، فنزل من على الناقة إلى الأرض، وتناول زمام الناقة، وعاد إلى مكانه، فالصحابة الكرام تعجبوا أشد العجب، نحن نعطيك إياه، النزول متعب، قال: أمرني حبيبي ـ ويقصد النبي عليه الصلاة والسلام ـ ألا نسأل الناس شيئاً، فهو الضابط في هذا في هذا الموضوع، إن لم تكن بحاجة لا تسأل أحداً، اقضِ كل حوائجك بنفسك، أما عند الضرورة يكون هذا التعاون مثمراً ومقبولاً ولا شيء فيه، عند الضرورة، أما بلا الضرورة لا تسأل الناس شيئاً.

 

من كان حريصاً على صحته فليطبق السنة الشريفة:

 وفي حديث أخير:

 

 

((عن أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين أما هو فحبيب إلي و أما هو عندي فأمين عوف بن مالك الأشجعي قال كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسْعة أوْ ثمانية أوْ سَبْعة فقال ألا تُبَايعُونَ رسولَ الله وكُنَّا حديث عَهدٍ بِبَيْعَةٍ فقُلْنا قدْ بايعنَاكَ يا رسول الله ثم قال ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فَعَلاَمَ نُبايِعُك قال أن تعْبُدُوا الله ولا تشركوا به شيئاً وتُصَلُّوا الصلوات الخمس وتَسمعوا، وتُطيعوا وقال أسَرَّ كَلِمَةً خفيَّةً ولا تَسألوا النَّاس شيئاً، فلقَدْ رأيتُ بعضَ أولئك النَّفَر يَسْقُطُ سَوْطُ أحدِهِمْ فما يسْألُ أحداً يُنَاولُهُ إياه ))

 

 

[ أخرجه مسلم عن سعيد بن عبد العزيز]


 جالس مع طبيب قلب، ذكر كلمة درسها في الجامعة، لم ينتبه إلى خطورتها، قال: لابدّ للإنسان من الرياضة، و أقل حدٍّ للرياضة ليقي الإنسان قلبه، أن يركض ؟ هذا الحد ليس لكل الناس، أن يجري ؟ أن يمشي كل يوم ؟ قال: الحد الأدنى من لياقة القلب أن تقوم بحاجاتك بنفسك، فالإنسان إذا طبق السنة يعمل رياضة، أي قضى حاجته، بثيابه، بطعامه، بحركته، أراد أن يشرب، إذاً يمكن أن يخدمه أهله، هذا شيء مقبول جداً، لكن لو أراد أن يقضي حاجته بنفسه لكان حريصاً على صحة قلبه، الحد الأدنى الأدنى الأدنى من الرياضة أن تقوم بحاجاتك بنفسك.
 كما قلت لكم: تأمين الحاجة شيء، والاستكثار من أموال الناس شيء آخر.
 فأرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا الصواب، وأن يلهمنا العفة.

 

العفاف نوعين ؛ عفاف عن الشهوات المحرمة وعفاف عن الأموال المحرمة:

 وصف النبي عليه الصلاة والسلام بثلاث صفات:

 

(( حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه ))

 

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب ]

 العفاف نوعين، عفاف عن الشهوات المحرمة، وعفاف عن الأموال المحرمة، يقال: فلان عفيف من النواحي المادية، وعفيف من النواحي الجنسية، فهو عفيف أي لا يطلق بصره في الحرام، بل يغض بصره، وهو عفيف لا يأكل ما ليس له.
 والآن لو جلست مع الناس لوجدت العجب العجاب، أكثر خصومات الناس، أكثر الدعاوى في قصر العدل من طمع الناس بأموال بعضهم البعض، لو تعفف الناس لكنا في حال غير هذه الحال.
 يروى أنه حينما فتحت بلاد فارس جيء بالغنائم ـ الغنائم ذهب، وفضة، وألماس، وجواهر ـ شيء لا يصدق، فسيدنا عمر لما رأى هذه الغنائم الكبيرة جداً، قال: سبحان الله ! إن الذي أدى ذلك لأمين، أي الجندي الذي كان يحمل تاج كسرى، لو تابع طريقه لوصل إلى أنطاكيا وباعه فصار أكبر أغنياء العالم، فما الذي حمله على أن يأتي به كاملاً، ويسلمه للخليفة ؟ فقال له سيدنا علي: يا أمير المؤمنين أتعجب من أمانته فقد عففت فعفوا، ولو وقعت لوقعوا.
 أي لا يستطيع أب أن يكون ابنه عفيفاً إلا إذا كان هو في منتهى العفة، أحياناً الابن يشعر أن أباه دخله غير صحيح، هذا أكبر درس للابن أن يفعل الحرام، إن وجد الابن أباه دخله شريف، وحلال، هذا يحمله على طاعة الله.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018