الخطبة : 0047 - الصيام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0047 - الصيام .


1975-09-25

الخطبة الأولى :

 الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ تحدثت في خطبة سابقة عن الصيام بمناسبة قدوم رمضان ، وبينت لكم أن الناس ذهبوا في حكمة الصيام مذاهب شتى ، فمن قائل إنه من أجل صحتنا ، ومن قائل إنه من أجل اقتصادنا ، ومن قائل إنه من أجل مشاركة الفقير بجوعه ، ومن قائل إنه من أجل إظهار عبوديتنا لله عز وجل ، وقد قلت كل هذا صحيح ، ولكن هذه التعليلات ليست في حجم فريضة إلهية كتبت علينا ، وعلى الذين من قبلنا ، إلى يوم القيامة ، وقد عدنا إلى آية الصيام فوجدناها تقول :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[الآية:183 سورة البقرة]

التقوى والصيام

 التقوى ... تفتح البصيرة .
 التقوى ... رؤية قلبية ووقاية من الدنيا ومخاطرها ومنزلقاتها ومتاهاتها وضلالاتها وفتنها وشهواتها .
 الصيام ... فرصة سنوية لإخراج الإنسان من الظلمات إلى النور، من ظلمات المعاصي إلى نور الطاعات ، من ظلمات الانغماس في الشهوات إلى نور القربات من الأثرة إلى المؤاثرة ، من المصلحة إلى المبدأ ، من دنس المادة إلى سمو الروح ، من شقاء الحياة إلى نعيمها .
 الصيام ... فرصة سنوية لإخراج المؤمن من مرتبة العباد الطائعين إلى مرتبة الأتقياء المستنيرين ، والعلماء المستبصرين .
 وعندها ينصرف إلى متابعة الترقي لا إلى مقاومة التدني .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كل هذا ذكرته في الخطبة السابقة مفصلاً ، وقد أعدته تثبيتاً لحقائق الصيام .

الصوم يغير نمط الحياة

 والآن يا أخي المؤمن ، عليك أن تراجع اليوم وقبل أن يأتي شهر الصوم نمط حياتك كلها ، فما كان منها موافقاً للشرع فأبق عليه ، وما كان مخالفاً للشرع فدعه في هذا الشهر وكل شهر ، ولا تقل لا أستطيع أن أترك كذا وكذا ، ولا أقوى على تحمل هذا وذاك ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[أخرجه مسلم]

 أخي المؤمن ؛ يجب أن تقلع عن كل شيء نهى عنه الشرع ، وتلتزم بكل ما أمرك الله به ، يجب أن يطرأ تغيير شامل وعميق على حياتك ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( بُعداً لمن أدرك رمضان ولم يُغفر له ، إن لم يُغفر له فمتى ))

 يا أخي المؤمن ؛ تذكر أن ترك الطعام والشراب في رمضان شيء ، ولكنه ليس كل شيء ، بل إن ترك الطعام والشراب هو أقل ما في الصيام ، وإذا شئت الحقيقة ، فاعلم أن ترك الطعام والشراب فقط ليس بشيء ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ))

[أخرجه ابن ماجة واحمد]

 ورمضان عند أكثر الناس فرصة للتمتع بأشهى المأكولات وفرصة لإحياء أمتع السهرات ، حيث الاختلاط والغيبة والنميمة ، واللهو والاستماع إلى البرامج الفكاهية ، ومشاهدة التمثيليات الكوميدية ، التي أعدت إكراماً لشهر رمضان المبارك ، ويجد المرء نفسه مضطراً لأداء الصلوات الخمس في هذا الشهر حفاظاً على سمعة صيامه ، وهكذا يأتي رمضان ويذهب رمضان وأحدهم هو هو منغمس في دنياه إلى قمة رأسه من أجلها لا يتورع عن أكل الحرام ، واقتراف الآثام ، ويأتيه بعدها ملك الموت وهو صفر اليدين ، رهين ما كسب من آثام ، فيقول:

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾

[سورة الفجر الآية:24-25]

 ولو يجدي عتاب الإنسان الذي سهى ولها ونسي المبتدأ والمنتهى لقال له ربه : عبدي فرضت عليك في اليوم والليلة صلوات خمس لتقبل علي وتقتبس من نوري ، وتتلقى من نفحاتي ، فترى الحقيقة ، وتسعد بها فأهملتها أو قصرت بها ، أو أديتها وأنت ساهٍ ولاهٍ ، فلم تستفد منها .
 وفرضت عليك الصيام في السنة شهراً ، وأمرتك بترك الطعام والشراب ، وسائر المنهيات، فلعلك تنقطع لعبارتي ، وتعكف على مناجاتي ، وتنشط للسر نحوي ، وعندها تسعد بقربي ، وتهتدي بنوري فترى حقيقة الدنيا الفانية ، وعظمة الآخرة الباقية ، فتجعل من الدنيا مطية للآخرة ، فلم تفعل بل تركت الطعام والشراب نهاراً ، والتهمت منه حتى التخمة ليلاً ، وأقمت على المعاصي ، فلم تقلع عنها ، ولم تستفد منه وفرضت عليك الحج ، وأمرتك بترك أهلك وذويك ، وتجارتك وعمارتك ومسراتك ، فلعل هذه الحجب تنقشع عن عينيك ، وتقترب من جنابي وتسعد بقربي ، فلم تفعل بل جعلت الحج وجاهة ، وتجارة ، ونزهة ، فلم تستفد منه .
 أيها الإخوة ؛ إن أكبر آفة تصيب العبادات هي تفريغها من مضمونها ، والبعد بها عن غاياتها ، وإحاطتها بتقاليد زائفة ، وبزينة مبتدعة تطمس حقيقتها وتغير أهدافها .
 فيا إخوة الإيمان :
 لا تجعلوا صيامكم حسرة في قلوبكم يوم جمعكم .
 لتصم أفواهكم عن الطعام والشراب ، ولتصم جوارحكم عن المعاصي والشبهات ، صونوا أعينكم عن النظر إلى المحرمات ، وتتبع العورات .
 صونوا ألسنتكم عن لغو الحديث ، وعن الغيبة والنميمة ، والبهتان .
 صونوا آذانكم عن الاستماع إلى الملهيات .
 صونوا أيديكم عن البطش والأذى .
 صونوا أرجلكم عن السير إلى بؤر الشيطان .
 صونوا أموالكم عن الربا ، ولا تجعلوا كسبكم للمال حراماً .
 صونوا أموالكم عن الإسراف والتبذير ، ولا تنفقوا المال على المعاصي والشهوات .
 صونوا أهلكم عن أن يكنَّ سافرات ، ومتبذلات .
 صونوا بناتكم عن أن يختلطن بغير المحارم التي أمر الله بها .
 أيها الإخوة :
 إذا صمتم هكذا كانت الصلوات الخمس ولا سيما صلاة التراويح موائد ربانية ، إليها تجلسون ، ومن شهدها وثمارها تأكلون ، قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾

[سورة البقرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
 اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018