الخطبة : 0045 - السعادة 2 - الدنيا دار التواء لا دار استواء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0045 - السعادة 2 - الدنيا دار التواء لا دار استواء .


1975-07-25

الخطبة الأولى :

الحمد لله نحمده ، و نستعين به و نسترشده و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك ، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهم صلي وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه ذي إحسان إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تمهيد

الغنى ليس دليل حظوة عند الله
أيها الإخوة المؤمنون ؛ وصلنا في الخطبة السابقة من خلال قصة قارون التي عرضها القرآن الكريم إلى أن الغنى بغير إيمان واستقامة ليس دليلاً على حظوة العبد عند ربه ، بل كثيراً ما يدفع صاحبه إلى التشبث بالحياة الدنيا والتكذيب بآيات الله ورسله ودعاته من أجل الحفاظ عليها ، قال تعالى :

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾

[الآية:16 سورة البقرة]

﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾

[سورة المؤمنون]

علة وجود الإنسان

أيها الإخوة ؛ معظم الناس لا يعلمون ، أولا يبحثون عن الغاية التي أرادها الله من خلقهم ولا يعلمون ، أو لا يبحثون عن علة مجيئهم إلى هذه الدنيا ، ولم يعرفوا ، ولم يتعرفوا فهمتهم في حياتهم الدنيا ، قال تعالى :

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً * ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾

[سورة الكهف الآيات:103-106]

السلوك يعكس فلسفة الإنسان في الحياة
بل إن لهم في الحياة فلسفة يؤكدها سلوكهم ، نطقوا بها أو لم ينطقوا إنهم يرون الحياة الدنيا هي كل شيء ، ولا شيء سواها ، قال تعالى :

﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾

[الآية:7 سورة الروم]

لذلك تراهم منكبين على جمع المال ، من طريق مشروع أو غير مشروع ، ولا يبالون أكان من حرام أم من حلال ، كل ذلك من أجل أن يعبوا من المتع الحسية ، والرفاه ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً ، ولكن ما الذي يحدث وترونه بأم أعينكم ؛ إن هؤلاء الذين نسوا ربهم ، واليوم الآخر ، لم يسعدوا في دُنياهم كما كانوا يتصورون ، فالدنيا لا تستقيم لواحد من الناس إن أوتي أحد المال سلب الصحة ، وإن أوتي الصحة سلب السكينة ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ومنزل ترح لا منزل فرح ))

وفي القرآن الكريم قال تعالى :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾

[الآية:124 سورة طه]

لا تستقيم الحياة لأحد فإن أوتي المال سلب الصحة
وهب أن الدنيا استقامت لواحد من الناس ، بعد جهد جهيد وسعي حثيث وقد ضيع من أجلها ربيع عمره ، وزهرة شبابه ، إنه ما يكاد يجمع ثروة ليسعد بإنفاقها ، وما يكاد يقطف ثمار أتعابه حتى يأتي ملك الموت ليسلبه في ثانية واحدة ما جمعه في عمر مديد ، إنه لم يذق في حياته طعم الراحة ، ولا طعم السكينة ، ومع ذلك جاء ملك الموت قبل أن يتوقع مجيئه ، ولم يعد لحياته الأبدية شيئاً من استقامة ، وعمل صالح يلقى بهما ربه ، يقول :

﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾

[الآية:24 سورة الفجر]

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً﴾

[سورة الفرقان]

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ * فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ *قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ *إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ * وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ *وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ﴾

[سورة المؤمنون الآية:99-111]

الغاية من وجود الإنسان في الدنيا .

أيها الإخوة ؛ إذا لم يكن خلقنا عبثاً كما يؤكد القرآن الكريم ، فلماذا خلقنا إذن ؟
ولِمَ جيء بنا إلى الدنيا ؟
وهل لنا من مهمة علينا أن نؤديها ؟
وإن كان كذلك فما هي ؟
وما الهدف الذي يجب أن نسعى إليه حتى لا نقف موقف الحسرة والندم وموقف الخيبة والخسران يوم القيامة ؟
هل خلقنا من أجل جمع المال ، ثم توريثه إلى أولادنا يعبثون به ، ويتلفونه في أقصر وقت؟ .. ولا نرى المال وحده بمسعدٍ للإنسان ، فضلاً عن أن صاحبه إن لم يكن مستنيراً مهتدياً كان أقرب إلى الانحراف والتكذيب ...
هل خلقنا من أجل تحصيل الشهادات وحدها ، وتعليقها على الجدران والتبجح بها واستغلالها مادياً إلى أبعد الحدود ، ولا نرى من حصلّوا هذه الشهادات العلمية بحاجزتهم عن معاصي الله فضلاً عن أنها لا تسمو بالنفوس الوضيعة ، ولا تطهرها من نزواتها الشريرة .
مع أن المؤمن مكلف أن يتعلم هذه العلوم لأنها سلاح العصر الأول .
اللذة المؤقتة لا تضمن سعادة مستمرة
هل خلقنا من أجل أن ننغمس في الشهوات حتى قمة رؤوسنا ، وإذا وفر الانغماس في لذة مؤقتة فإنه لا يضمن للإنسان سعادة مستمرة فضلاً عن أن قدرة الإنسان على الاستمتاع بالمادة محدودة ، فالشباب لا يدوم والصحة تتناقص والمال قد يزول .
فلماذا خلقنا إذن ، خلقنا من أجل أن نتعرف إلى ربنا فنسعد بمعرفته ونتقرب إليه فننعم بقربه ، ومن أجل أن نتخذ من الدنيا مطية للآخرة لذلك قال الله تعالى :

﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾

[سورة القصص الآية:76-77]

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[سورة القصص الآية: 77]

أي اجعل من منصبك قوة للضعيف قال عليه الصلاة والسلام :

(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه ، إلا أن يتزود منهما معاً ، فإن الأولى مطية للثانية ))

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ كَانَتِ الْآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ لَهُ))

[أخرجه الترمذي]

اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا .
اللهم اجعلها بين أيدينا راغمة ونحن في طاعتك ، ولا تجعلنا نلهث وراءها ونحن في معصيتك .
اللهم بارك لنا فيما قسمته لنا منها ، ورضنا به ، واجعل الآخرة أكبر همنا ومنتهى آمالنا ، وعد علينا بعوائدك الحسنى يا كريم .
أو كما قال .
أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وصلوا ما بينكم وبين ربكم تسعدوا ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :
الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الدعاء :

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شر خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء .
اللهم اهدنا لصالح الأعمال لا يهدي لصالحها إلا أنت ، واصرف عنا شر الأعمال لا يصرفها عنا إلا أنت .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018