الخطبة : 0259 - العبادة1 ( معنى العبادة ) - محبة الناس. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0259 - العبادة1 ( معنى العبادة ) - محبة الناس.


1989-05-26

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً .

معنى العبادة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ أسئلةٌ ثلاثة : من أين ؟ وإلى أين ؟ ولِمَ ؟ أُجيب عنها في الخطبة السابقة ، وقد وعدتكم في هذه الخطبة أن أتحدَّث عن معنى العبادة ، وهل من موضوعٍ أجلُّ وأخطر من العبادة ، وقد خلق الإنسان من أجلها !! . .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56 ]

 هل من موضوعٍ أجلّ وأخطر من العبادة وهي مبتغى الإنسان في هذه الدنيا ؟
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ من تعريفات العبادة أنها طاعة ؛ طاعةٌ للواحد الديَّان ، ولكن هذه الطاعة يجب أن تمتزج بالمحبَّة ، فلو أن الطاعة تمَّت من دون محبَّة لما كانت عبادة، ولو أن المحبة كانت من دون طاعة لما كانت عبادة . فطاعةٌ طوعية تمتزج بالمحبة القلبيَّة ، تسبقها معرفةٌ يقينية ، تفضي إلى سعادةٍ أبدية . طاعةٌ طوعية وليست قسرية ، تمازجها محبةٌ قلبية ، أساسها معرفةٌ يقينية ، تفضي إلى سعادةٍ أبدية ، هذه هي العبادة .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ قال بعضهم : العبادة غاية الخضوع مع غاية المحبَّة ، أيْ أعلى درجة من درجات الطاعة ، والخضوع ، والاستسلام ، والانقياد ، مع أعلى درجة من درجات المحبَّة والولاء ، إذا توافر الخضوع مع المحبَّة فكانت هي العبادة .
 بعضهم يفرِّق بين العباد وبين العبيد ، فالعبادُ ينسَبون إلى الله عزَّ وجل ، والعبيد ينسَبون إلى ما سوى الله عزَّ وجل ، لأن هناك فرقاً كبيراً جداً بين عبودية الإنسان للإنسان ، وبين عبودية الإنسان للواحد الديَّان ، عبودية الإنسان للإنسان أن يأخذ السيِّد كل خير العبد ، وعبودية الإنسان لله عزَّ وجل أن يأخذ العبد كل خير سيده .
 فرقٌ كبير ، عبودية الإنسان لله كلها كسب ، كلها خير ، كلها نجاح ، كلها فوز، كلها فلاح ، كلها سعادة ، وعبودية الإنسان للإنسان أن يأخذ السيِّد من العبد كل شيء ، أما عبودية الإنسان لله فأن يأخذ العبد من سيِّده كلَّ شيء ، بين أن تدفع كل شيء وبين أن تأخذ كل شيء فرقٌ كبير ، وبونٌ شاسع . قال تعالى :

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الآية الكريمة أصلٌ في تعريف العبودية ، لأنك إذا أحببت هذه الأشياء كلها من أبٍ ، أو ابنٍ ، أو أخٍ ، أو زوجٍ ، أو عشيرةٍ ، أو مالٍ وفير ، أو تجارةٍ رابحة ، أو مسكنٍ ترضاه ، إذا أحببت هذا أكثر من حبك لله ، حَمَلَكَ حبك لهذه الأشياء على أن تفسق ، ومتى فسق الإنسان انقطع عن الواحد الديان ، متى خرج الإنسان عن أمر الله، متى انتهك حُرُمات الله ، متى وقع في معصية كانت حجاباً بينه وبين الله ، والله سبحانه وتعالى تلطَّف وقال :

﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾

[ سورة التوبة : 24]

 أيّ أنتم في مكانكم ، لا تبرحون ، لا تتقدَّمون ، الطريق إلى الله أصبحت مسدودة لأنكم أحببتم هذه الأشياء أكثر من حبكم لله عزَّ وجل .

 

من عرف نفسه عرف ربه :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾

[ سورة الرعد : 15]

 الجمادات تسجدُ لله كرهاً ، لكن الإنسان بما آتاه الله من عقلٍ راجح ، وبما أودع فيه من شهوات تُعْينه على التقرُّب إلى رب الأرض والسموات ، بما سخَّر له من الكون ، بما سخَّر له ما في الأرض جميعاً ، الإنسان لأن الله كرَّمه وفضَّله على كثيرٍ ممن خلق مؤهَّلٌ أن يعبد الله طوعاً لا كرهاً .
 قيل : " من عرف نفسه عرف ربه " . أيْ من عرف فقره عرف الغني ، ومن عرف ضعفه عرف القدير ، ومن عرف عجزه عرف الحكيم ، ومن عرف جهله عرف العَليم ، ومن عرف فناءه عرف الباقي ، إذا عرفت نفسك عرفت ربك .
 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ معنىً دقيق ؛ كيانك ، وجودك ، أجهزتك ، أعضاؤك ، كلها قائمةٌ بالله عزَّ وجل . أبسط مثالٍ على هذا أنَّ أحداً من أعضائك ، أن بعض أجهزتك ، أن جزءاً من أنسجتك ، أن بعضاً من خلاياك لو اختل ، أو أصابه العَطَب لأصبحت حياة الإنسان جحيماً .
 إذاً أنت فقير والله الغني ، أنت ضعيف والله القوي ، أنت عاجز والله الحكيم ، أنت فانٍ والله الباقي ، من عرف نفسه عرف ربَّه ، ومن جهل نفسه لم يتعرَّف إلى ربه .

 

أسباب المحبة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإمام الغزالي في " باب المحبة في إحياء علوم الدين " ، يبيِّن أن هناك خمسة أسبابٍ للمحبة . أولها : أن الإنسان يحب ذاته ، لا يختلف في هذا اثنان، يحب ذاته ، ويحبّ بقاءه ، ويحب سلامته ، ويحب كمال وجوده . يحب ذاته ، ويتفرَّع عن حبّ الذات أن يبقى حياً إلى أمدٍ طويل ، وأن يبقى سليماً ومعافىً ، وأن يبقى مكرَّماً وكاملاً في وجوده . فمن أحبَّ ذاته فيجب إذاً أن يحب ربه ، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، ولم تكُن من قبل شيئاً مذكوراً ، فإذا أحببت ذاتك لأنك موجود ، فيجب أن تحب ربك لأنه هو الذي أوجدك .
وإذا أحببت ذاتك بدوام بقائك فأجلك بيد الله عزَّ وجل ، فيجب أن تحبه .
 وإذا أحببت ذاتك ، وأحببت أن تنجو من كل مصيبة ، فالله سبحانه وتعالى بيده كل شيء .
 وإذا أردت أن تعيش كمال وجودك فهذا بيد ربك وحده ، فإذا أحببت ذاتك فيجب أن تحب خالقك، الله سبحانه وتعالى أنعم علينا بنعمة الإيجاد . .

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾

[ سورة الإنسان : 1]

 وأنعم علينا بنعمة الإمداد ، فهو ربُّ العالمين ، وأنعم علينا بنعمة الإرشاد فهو الذي هدانا إليه ، فمن عرف نفسه عرف ربه ، من أحبَّ نفسه أحبَّ ربه .
 سببٌ آخر للمحبة كما يذكره الإمام الغزالي : الإنسان مجبولٌ على حب من أحسن إليه :

(( يا داود ذكِّر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جُبِلَت على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها ))

[ ورد في الأثر ]

 فإذا عرفت أن الله سبحانه وتعالى هو الذي أحسن إليك ، وكل فضلٍ أصابك هو أصلٌ فيه ، أحببت ربك ، تحبُّ ذاتك ، وتحب من أحسن إليك . وأنت أيها الإنسان مفطورٌ أيضاً على حب المُحْسِن ولو لم يُحْسِن إليك ، لو أحسن إلى غيرك ، إنَّ جبلَّة الإنسان تؤكد أن الإنسان يحب المحسن بشكلٍ مطلق ، والله سبحانه وتعالى عنده الكمال المطلق . وإذا أحببت الجمال فالله سبحانه وتعالى مَصْدَر الجمال ، ما من مخلوقٍ ، ما من أرضٍ ، ما من نباتٍ ، ما من وَرْدٍ ، ما مِن شيءٍ محببٍ إليك إلا والله سبحانه وتعالى أعطاه مسحةً من جماله ، فهو أصل الجمال . لهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام :

(( وجُعِلَت قرَّة عيني في الصلاة ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 وكان يقول :

(( . . .إني أبيت يطعمني ربي ويسقين ))

[أحمد عن أبي هريرة ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وإذا أحببت الكمال فالله سبحانه وتعالى مصدر الكمال.
 إذا أحببت نفسك فالله موجدها ، وإذا أحببت من أحسن إليك فالفضل كله إليه ، وإذا أحببت المُحسن فهو كامل الكمال ، وهو مطلق الكمال ، وإذا أحببت الجمال فهو مَعْدِن الجمال ، وإذا أحببت الكمال فله الأسماء الحُسْنى والصفات الفُضلى .
 يا أيها الأخوة المؤمنين ؛ من عرف الله أحبَّه ، ومن عرف الله زهد فيما سواه ، وتعدُّ درجة المحبة متناسبةً تماماً مع درجة المعرفة ، لهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أشدَّ الخَلْق حباً لله ، لأنه كان أعظمهم معرفةً بالله ، كلَّما ارتقت معرفتك ازداد حبُّك ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))

[ ورد في الأثر ]

 ليس في الكون جهةٌ تستحق محبَّتك إلا الله ، ليس في الكون جهةٌ تستحق أن تضيع العمر كله من أجلها إلا الله .
 يا أيها الأخوة المؤمنين ؛ النبي عليه الصلاة والسلام لأنه عرف الله أكثر من كل الخلق أحبَّه أكثر من كل الخلق ، ولأنه أحبه أكثر من كل الخلق كانت قرَّة عينه في الصلاة ، وكان يسأل الله عزَّ وجل الشوق إلى لقائه ، ولذَّة النظر إلى وجهه الكريم ، ولما خُيِّر النبي عليه الصلاة والسلام بين البقاء في الدنيا ، وبين اللحوق بربه ، اختار الرفيق الأعلى .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الحب في الدين بمثابة الروح في الجسد . " ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له ، ألا لا إيمان لمن لا محبة له " .
 والعبوديَّة لله عزَّ وجل تقتضي المحبة أعلى درجات المحبة ، وتقتضي الطاعة أعلى درجات الطاعة . إذاً العبودية لله عزَّ وجل طاعةٌ طوعية ، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية ، تسبقها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبديَّة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه الأسباب كلها ؛ أن تحبَّ ذاتك ، وأن تحب بقاءك، وأن تحب سلامتك ، وأن تحب كمال بقائك هذه كلها بيدِ الله ، وأن تحب المحسن هو المحسن ، وأن تحب الكمال فهو الكمال المطلق ، وأن تحب الجمال فهو أصل الجمال ، لذلك ضلَّ ، وزلَّ، واختل من أحب غير الله .

 

المحبة إحساسٌ بالقلب تترجم إلى عمل واستقامة :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الحيُّ القيوم من معانيها أنه لا قيام لمخلوقٍ إلا بالله عزَّ وجل ، أما الله سبحانه وتعالى فقيامه بذاته ، أنت مفتقرٌ إليه .
 شيءٌ آخر ، آيةٌ أخرى تعطينا بشارةٌ طيبة :

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

 الإمام الشافعي استنبط من هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى لا يعذِّب أحبابه . .

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

 أي لو أنكم صادقون في ادّعائكم لما عذَّبكم بذنوبكم ، لو أنكم صادقون في ادّعائكم لما أذنبتم . .

تعصي الإله وأنت تظهر حبَّه  ذاك لعمريِ في المقال بديعُ
لـو كان حبـك صادقاً لأطعـته إنَّ المحـبَّ لمن يحبُّ يطيعُ
* * *

 في الآية استنباطاتٌ كثيرة ، أولها :

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

 كيف تدَّعون أنكم تحبون الله عزَّ وجل وأنتم تذنبون ؟ هذا ادعاءٌ باطل ، ولمَّا كان ادعاؤكم باطلاً فقد حيل بينكم وبين أن يحفظكم الله عزَّ وجل ، بسببٍ من محبتكم . .

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[ سورة المائدة : 18 ]

 قال بعض العلماء : من يرضيه ما يرضي الله ، ومن يسخطه ما يسخط الله ، ومن يحب ما يحب الله ورسوله ، ومن يبغض ما يبغض الله ورسوله ، ومن يوالي أولياء الله ، ومن يعادي أعداء الله ، إن فعل هذا فقد استكمل الإيمان .
 فقد روى أبو داودٍ بسندٍ صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((من أحبَّ لله ، وأبغض لله ، وأعطى لله ، ومنع لله فقد استكمل الإيمان ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي أُمَامَةَ]

 سيدنا سعد رضي الله عن سعد حينما وقف أمام النبي صلى الله عليه وسلَّم قبيل معركة بدرٍ خطيباً ، فقال : " يا رسول الله لقد آمنَّا بك وصدَّقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا ، فامضِ يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، لا يتخلَّف منَّا رجل ، فصل حبال من شئت ، ونحن معك ، واقطع حبال من شئت ، ونحن معك ، وسالِم من شئت ، وعاد من شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، فوالذي بعثك بالحق للذي تأخذه أحبُّ إلينا من الذي تدعه " . هذا أثرٌ من أثر المحبة ، المحبة إحساسٌ بالقلب ، ولكنها تترجم إلى عمل ، تترجم إلى انضباط ، تترجم إلى استقامة ، تترجم إلى وقوفٍ عند حدود الله ، تترجم إلى بذلٍ ، تترجم إلى تضحيةٍ ، تترجم إلى حب الخلق كلهم ، لا تفرقة بين مخلوقٍ وآخر لأن الخلق كلهم عيال الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله . المحبة شيءٌ يكون في القلب ، ولكن لابدَّ من أن تظهر على الجوارح والأعضاء ، لابدَّ من أن تجسَّد المحبة ورعاً ، و . . " ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعة من مخلِّط " . لابدَّ من أن تجسَّد المحبَّة استقامةً على أمر الله . .

﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾

[ سورة فصلت : 30]

 لابدَّ من أن تجسَّد المحبة عملاً صالحاً ، وبذلاً ، وعطاءً . .

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

[ سورة محمد : 2 ]

الحب في الله و البغض في الله أوثق عرى الإيمان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أوثق عُرى الإيمان الحب في الله ، والبغض في الله ))

 أيْ العُروة الوثقى التي لا تنفصم ؛ أن تجعل أساس العلاقة بينك وبين الله هو الحب ، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجدك ولم تكُن شيئاً مذكوراً ، وهو الذي خلقك ليسعدك . .

﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾

[ سورة هود : 119 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وفي حديثٍ آخر عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه :

((ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان . . . ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 من هم هؤلاء الثلاثة ؟ . .

(( من كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما . . . ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 امرأةٌ من الأنصار كان زوجها ، وأبوها ، وأخوها ، وابنها في معركة أُحُد ، فلما ذهبت بعد انتهاء المعركة إلى أرض المعركة كي تتفقَّد أباها ، وأخاها ، وزوجها ، وابنها رأتهم قُتِلوا جميعاً . كانت تقول : ما فعل رسول الله ؟ إلى أن قيل لها : إنه كما تحبين . قالت : أروني أنظر إليه ، فلما نظرت إليه قالت : " يا رسول الله كل مصيبةٍ بعدك تهون " هذه محبة .
 صحابيٌ كان يمشي مع النبي عليه الصلاة والسلام ، رأى النبي في يده خاتماً ، فأمسكه ورماه في الأرض ، فقيل له : خذ الخاتم وانتفع بثمنه ، قال : والله لا آخذ شيئاً رماه رسول الله . هذه محبَّة .

 

من عرف الله أحبه و زهد فيما سواه :

 المحبة أيها الأخوة ترقى بك إلى أعلى عليين ، وسببها هو المعرفة ، لذلك أكبر أعداء الإنسان الجهل ، إذا عرفت الله أحببته ، وإذا عرفت الله زهدت فيما سواه ..

فلو شاهدت عيناك من حســننــا  الذي رأوه لما وليت عنا لغيـرنـــــا
ولو سمعت أذناك حسن خطـابنا  خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعـم المحـبــة ذرةً  عـذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نســمةٌ  لـمـتَّ غريباً و اشـتياقاً لقربنــــــا
ولـو لاح مـن أنوارنا لـك لائـــحٌ  تـركت جمـيـع الكائنـــــــات لأجلنا
* * *

(( يا داود لو يعلم المعرضون انتظاري لهم ، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطَّعت أوصالهم من حبي ، ولماتوا شوقاً إليّ ، يا داود هذه إرادتي في المعرضين فكيف إرادتي في المقبلين ‍؟! ))

[ورد في الأثر]

 الرجل الأول :

(( من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله . . .))

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه عن ربه جلَّ وعلا :

(( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ . والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبيّون يوم القيامة ))

[ من الجامع الصغير عن معاذ ]

 و . .

(( من كان الله ورسوله أحب إليه ممن سواهما ، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُلقى في النار ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان . النبي عليه الصلاة السلام يقول :

(( والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 سيدنا عمر رضي الله عن عمر قال : " يا رسول الله والله لأنت أحبُّ إليّ من كل شيء إلا من نفسي " ، فقال : " لا يا عمر ، حتى أكون أحب إليك من نفسك " فلما جاءه مرَّةً وقال : " الآن يا رسول الله أنت أحب إليّ من أهلي ، وولدي ، ومالي ، والناس أجمعين ، حتى نفسيّ التي بين جنبي " . قال : " الآن يا عمر " .

 

ثمن المحبة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه هي المحبَّة ، والمحبة لها ثمنٌ باهظ ، أول دفعةٍ في هذا الثمن أن تجهد في معرفة الله ، ومعرفة الله لا تأتيك وأنت قاعدٌ في بيتك ، لا تأتيك وأنت مُتَّكئٌ على أريكتك ، لا تأتيك وأنت في مكتبك ، لا تأتيك وأنت في دُكَّانك ، لا تأتيك وأنت في معملك ، لا تأتيك بل يجب أن تأتي إليها أنت ، يجب أن تبحث عنها في مظانِّها ، يجب أن تجهد نفسك في طلبها لأن سلعة الله غالية .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا . الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

علامات محبَّة العبد لربَّه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من علامات محبَّة العبد لربَّه أن يحب خَلْقَهُ ، لا أقول أن يحب المؤمنين فقط بل أقول أن يحب خلقه جميعاً ، لأن الرحمة التي أودعها الله في قلبه تعني أن يحب جميع الخَلْق ، وهذه صفةٌ أصيلة من صفات المسلم .
 فسيدنا أبو الدرداء رضي الله عنه كان صحابياً جليلاً ، وقد عُين على دمشق أميراً ، ففي أثناء تفقُّده أحوال الرعية ، مرَّ بجماعةٍ قد تجمهروا حول رجل ، وجعلوا يضربونه ويشتمونه ، فأقبل عليهم وقال : ما الخبر ؟ فقالوا : رجل وقع بذنبٍ كبير . استمعوا ماذا قال لهم؟ قال أبو الدرداء رضي الله عنه : أرأيتم لو أنه وقع في بئرٍ أفلم تكونوا تستخرجونه منه ؟! قالوا : بلى . قال : إذاً لا تسبوه ، ولا تضربوه ، وإنما عظوه وبصِّروه ، واحمدوا الله تعالى الذي عافاكم من الوقوع في مثل هذا الذنب . قالوا : أفلا نبغضه ؟! أفلا تبغضه أنت وقد وقع في هذا الذنب الكبير ؟ !فأجاب أبو الدرداء : إنما أبغض عمله ، فإذا تركه فهو أخي . فلما سمع الرجل هذه المقالة من أبي الدرداء شعر بالصدق والإخلاص ، والمحبة والرحمة ، وجعل ينتحب ويبكي. فيجب أن تحب كل خلقه ، أما هذا الذي لا يحب إلا من حوله ، لا يحب إلا مَنْ على شاكلته ، فهذا أفقه محدودٌ جداً . النبي عليه الصلاة والسلام بعث للناس رحمة ، وقال :

(( إنما أنا رحمةٌ مهداة ))

[ من الجامع لأحكام القرآن ]

 وقال :

((ارحموا من في الأرض - من دون تخصيص - يرحمكم من في السماء ))

[ الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

 هذه أخلاق المسلم . هذا الصحابي الجليل وقف مرةً خطيباً ووعظ الناس فقال: " الدنيا دار كدر ، لن ينجو منها إلا أهل الحذر . . . " . لهذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ))

[ من الجامع الصغير عن أنس ]

 . . . ولله فيها علامات يسمعها الجاهلون ويعتبر بها العالمون ، ومن علاماته فيها أنه حفَّها بالشهوات فهلك فيها أهل الشبهات ، ثم أعقبها بالآفات فانتفع بها أهل العِظات ، ومزج حلالها بالمؤونات ، وحرامها بالتبعات ، فالمُثري فيها تَعِب ، والمقل فيها نَصِب ".
 أي إذا عرفت حقيقة الدنيا فهذا جزءٌ من الهدى ، إذا عرفت لماذا أنت في الدنيا فهذا هو الهدى بعينه ، إذا عرفت من أين أتيت ؟ وإلى أين المصير ؟ ولماذا خُلِقْت ؟ وما علة وجودك ؟ هذا موضوع الخطبة .

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات : 56 ]

 طاعةٌ طوعيَّة ، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية ، أساسها معرفةٌ يقينية ، تفضي إلى سعادةٍ أبدية .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018