الخطبة : 0256 - رمضان3 - غزوة بدر - الإيمان شرط أساسي في النصر. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0256 - رمضان3 - غزوة بدر - الإيمان شرط أساسي في النصر.


1989-04-21

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

موقعة بدر الكبرى :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موقعة بدر الكبرى ، تلك الموقعة التي كانت حاسمة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، فقد حقق الله فيها النصر للمؤمنين ، وكانت هذه المعركة معركة وجود أو فناء ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام رفع يديه إلى الله عز وجل قبلها وقال :
))

 

اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ العِصابَةُ مِنْ أهْلِ الإِسْلامِ لا تُعْبَدْ فِي الأرْض))

 

[ مسلم عن ابن عباس رضي الله عنه ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لقد حقق الله النصر للمسلمين في موقعة بدر التي صادفت السابع عشر من رمضان ، والنبي عليه الصلاة والسلام وقد أشرف على هذه المعركة ، وبعد انتهائها خاطب قتلى قريش فقال : " يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة، يا أمية بن خلف ، يا أبا جهل بن هشام هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ قد كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس ، فقال المسلمون : يا رسول الله أتنادي قوماً جيفوا ؟- أي أصبحوا كالجيفة - فقال عليه الصلاة والسلام : نعم ، وما أنتم بأسمع بما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني ".

 

نموذج من المقاتلين ونموذج من القيادة التي قادت الجيش إلى النصر في بدر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نموذج من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، نموذج من تفانيهم في حب الله ورسوله ، نموذج من تضحياتهم التي فاقت كل تصور ، نموذج من بذلهم لدمائهم رخيصة في سبيل الله ، النبي عليه الصلاة والسلام قبيل المعركة استعرض جنوده ومقاتليه ، وقال لهم : أشيروا عليّ أيها الناس ، فقام سيدنا سعد بن معاذ ، وقال للنبي عليه الصلاة والسلام : والله يا رسول الله لكأنك تريدنا ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : أجل ، فقال : يا رسول الله فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ، ومواثيقنا على السمع والطاعة لك ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فنحن معك ، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر فخضته لخضناه معك ، ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً ، إنا لصبر في الحق ، صدق في اللقاء ، فصل حبال من شئت، واقطع حبال من شئت ، وأعطنا ما شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، فو الذي بعثك بالحق للذي تأخذه من أموالنا أحب مما تبقيه لنا ".
 هذا نموذج من المقاتلين في عهد رسول الله ، تضحية ما بعدها تضحية ، إخلاص ما بعده إخلاص ، وفاء ما بعده وفاء ، بذل ما بعده بذل ، صدق ما بعده صدق ، والنبي عليه الصلاة والسلام وهو يقود أصحابه الكرام في هذه المعركة ساوى نفسه بهم ، فقد كانت الرواحل لا تزيد عن مئة راحلة ، وكان أصحاب النبي رضوان الله عليهم يزيدون عن ثلاثمئة صحابي ، فأمر أن يتناوب كل ثلاثة على راحلة ، وقال عليه الصلاة والسلام : " وأنا وعلي وأبو لبابة على راحلة ؟ فركب النبي عليه الصلاة والسلام ، ولما جاء دوره في المشي قالا له : يا رسول الله ابق راكباً ، وكبر عليهم أن يمشي النبي وهما يركبان ، فقال عليه الصلاة والسلام قولته الشهيرة : " ما أنتما بأقدر مني على السير ، وما أنا بأغنى منكما عن الأجر" ومشى النبي عليه الصلاة والسلام ، وركب صاحباه الناقة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذا نموذج من المقاتلين ، ونموذج من القيادة التي قادت هذا الجيش إلى النصر المبين .

القواعد و السنن من موقعة بدر الكبرى :

1 ـ النّصر من عند الله وحده :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ العرب والمسلمون اليوم يواجهون أعداء لهم ألداء ، كالصهاينة وغيرهم ، طامعين في ثرواتهم ، وأرضهم ، متطلعين إلى إطفاء نور الله الذي منّ الله به علينا ، ونحن في أمس الحاجة أن نستنبط من موقعة بدر الكبرى القواعد والسنن ، بل نحن في أمس الحاجة أن نستنبط من القرآن الكريم ، من الآيات التي نزلت في شأن القتال ، وفي شأن صدّ العدوان أن نستنبط القواعد الثابتة لعل الله سبحانه وتعالى يكرمنا بالنصر المبين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما هي الأسباب التي جعلت من أصحاب النبي عليهم رضوان الله أن ينتصروا على أعدائهم في وقت قصير انتصارات مؤزرة ، ربنا سبحانه وتعالى له سنن ، له قواعد ثابتة لا تتبدل ، ولا تتغير ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 160 ]

 هذه الآية تبين بشكل قطعي أن النصر من عند الله وحده ، العامل الذي يحقق النصر هو مشيئة الله سبحانه وتعالى " إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده " هذه هي الحقيقة الأولى .

2 ـ معرفة الله و حمل النفس على طاعته :

 متى نستحق النصر ؟ تأتي الآية الثانية لتوضح لكم ذلك ، يقول الله عز وجل :

﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾

[ سورة محمد : 7]

 كيف ننصر الله عز وجل ؟ وهل الله سبحانه وتعالى محتاج إلى نصر عبيده ؟ الجواب أيها الأخوة ، إنك إذا طبقت أمر الله عز وجل ، فقد نصرت دين الله ، إنك إذا طبقت أمره ، واجتنبت نهيه ، وآمنت بوعده ، وخشيت من وعيده ، وفعلت ما يرضى ، فقد نصرت دينه، وإذا نصرت دينه فالله سبحانه وتعالى يمن عليك بالنصر " إن تنصروا الله ينصركم " لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما عاد من بعض الغزوات قال : ‏

((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر))

[ البيهقي في الزهد من حديث جابر ]

 جهاد النفس والهوى ، لابد لهذه النفس من أن تعرف الله عز وجل ، لابد من أن تحملها على طاعته ، لابد من أن تطهرها من الأدران ، لابد من أن تزكيها بالفضائل ، لابد من أن تؤثر حب الآخرة على حب الدنيا ‏، رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، جهاد النفس والهوى .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ في قوانين البيع والشراء ، في علم النفس المشتري لا يدفع ثمن الحاجة إلا إذا شعر في أعماقه أنها أغلى من المال الذي يدفعه ، فالمؤمن لا يبذل نفسه رخيصة في سبيل الله إلا إذا عرف ما عند الله ، إلا إذا عرف ما عند الله سبحانه وتعالى من جنات النعيم ، من سعادة في الدنيا والآخرة .

3 ـ الابتعاد عن المعاصي :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول :

﴿ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ﴾

[ سورة الحج : 40]

 لابد من أن ننصر دين الله ، سيدنا عمر بن الخطاب وجه رسالة ونصيحة لسيدنا سعد بن أبي وقاص وكان قائداً في القادسية ، قال له فيما قال : " واحذر المعاصي ، فإنها أخطر عليك من عدوك ، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله ، فإذا استويتم معه في المعصية كان له الفضل عليكم بالقوة " .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛

﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾

[ سورة آل عمران : 160 ]

﴿ إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾

[ سورة محمد : 7]

﴿ ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ﴾

[ سورة الحج : 40]

4 ـ العاقبة للمتقين :

 شيء آخر ، القرآن الكريم يبين أن العاقبة للمتقين ، فيقول :

﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ﴾

[ سورة الصافات : 171 ـ 173]

 أي إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان الله عليك فمن معك ؟

ترسيخ الإيمان في القلوب قبل البدء بأي معركة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موقعة بدر تعلمنا أنه لابد من معرفة الله عز وجل ، ولابد من التحقق بما عنده ، قبل أن نخوض مع أعدائنا معركة حاسمة ، النبي عليه الصلاة والسلام بقي في مكة ثلاث عشرة سنة وهو يرسخ الإيمان في قلوب أصحابه ، حتى إذا نضج الإيمان في قلوبهم سمح لهم أن يواجهوا أعداءهم .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾

[ سورة محمد : 4 ]

 أي الله سبحانه وتعالى قادر على أن يسكت كل صوت ضد الحق ، قادر على أن يمنع كل عدوان بالأساس ، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد أن يبتلي المؤمنين ، لذلك في موقعة الخندق حينما واجه المؤمنون أعداداً كبيرة من جنود الكفر والطغيان ، حينما واجهوا هؤلاء قال الله عز وجل :

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً ﴾

[ سورة الأحزاب : 11 ـ 12]

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب : 23 ]

إعداد العدة لمواجهة أعداء الأمة فرض إسلامي :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 إعداد العدة لمواجهة أعداء الأمة فرض إسلامي ، وهذا الإعداد يرهب أعداء الأمة فلا يستطيعون أن يطغوا عليها ، ولا أن يعتدوا على أراضيها ، وهذه الآية أصل في إعداد العدة التامة لمواجهة كل عدوان على الأمة ، يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿وأعدوا لهم ما استطعتم ﴾

 أي يجب أن تستنفذوا كل الاستطاعة ،

﴿من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾

 وهذا الجمع

﴿ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾

نموذج من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام في بدر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ نموذج من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فالخنساء كما تعلمون مات أخوها صخر في الجاهلية ، فأنشأت ديواناً كبيراً في رثائه، ولما أسلمت استشهد أربعة من أبنائها دفعة واحدة في القادسية فما زادت عن أن قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو الله أن يجمعني بهم في مستقر رحمته .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ماذا يفعل الإيمان بالنفس ؟ مات أخوها ففزعت ، وبكت ، وأبكت ، فلما مات أولادها الأربعة وهي مؤمنة قالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ نموذج آخر من نماذج معركة بدر : خبيب بن عدي وقع أسيراً بيد الكفار ، فساوموه على إيمانه ، ولوحوا له بالنجاة ، إذا هو كفر بمحمد صَلَّى اللَّه عَلَى محمد ، وكان إيمان خبيب كالشمس قوةً وبعداً ، وناراً ونوراً ، وما محاولتهم في رده عن إيمانه إلا كمن يحاول أن يقتنص الشمس برمية نبل ، فلما يئسوا مما يرجون ، قادوا خبيباً البطل إلى مصيره المحتوم ، وخرجوا به إلى مكانٍ يسمى التنعيم ، حيث يكون هناك مصرعه ، وما إن بلغوه حتى استأذنهم خبيب في أن يصلي ركعتين فأذنوا له ، فصلى في خشوع وسلام وإخباتٍ ، وتدفقت في روحه الطيبة حلاوة الإيمان ، فود لو ظل يصلي ويصلي ، ولكنه التفت إلى قاتليه وقال : والله لولا أن تحسبوا أن بي جزعاً من الموت لازددت صلاةً ، ثم قال بيتاً من الشعر :

ولست أبالي حين أقتل مسلماً  على أي جنب كان في الله مصرعي ؟
***

 ثم أعدوا العدة لقتله ، فشدوه من أطرافه إلى جزع نخلة ، واستعدوا لرميه بالسهام ، والنبال ، وهنا اقترب منه أبو سفيان ، وقال له : يا خبيب أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت سليم معافى في أهلك ؟ وهنا صاح خبيب بهم - رَضِيَ اللَّهُ عَن خبيب - : والله ما أحب أني في أهلي ، وفي ولدي ، وعندي عافية الدنيا ونعيمها ، ويصاب رسول الله بشوكة ، عندها قال أبو سفيان قبل أن يسلم ، وهو يضرب كفاً بكف : والله ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ، وكان سعيد بن عامر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تأخذه الغشية ، أي الإغماء بين الحين والحين ، فلما سأله عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ عن هذه الغشية ، قال : لقد شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة ، وقد بضعت قريش لحمه ، وحملوه على جذعة ، فلما ذكرت هذا المشهد الذي رأيته ، وأنا يومئذٍ من المشركين ، ثم تذكرت تركي نصرة خبيب يومها ارتجفت خوفاً من عذاب الله ويغشاني الذي يغشاني .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ مثل آخر من أمثلة أصحاب النبي - عليهم رضوان الله -عمير بن حمام الأنصاري رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ سمع رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول حينما دنا المشركون يوم بدر : قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض ، فقال : يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض ؟ قال : نعم ، فقال : بخ بخ ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام : وما يحملك على قول بخ بخ ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، إلا رجاء أن أكون من أهلها ، فأخرج تمرات من قرنه - أي من جعبته - فجعل يأكل منهن ، ثم قال : لئن أنا حييت حتى أكل تمراتي هذه ، إنها إذاً لحياة طويلة ، فرمى ما كان معه من التمر ، ثم قاتلهم حتى قتل .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ مثل ثالث من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام فيما له علاقة في معركة بدر التي نحن في صدد الحديث عنها ، بمناسبة قدوم ذكراها التي وقعت في السابع عشر في رمضان ، سيدنا خالد بن الوليد رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ يواجه قائداً من قواد الفرس اسمه جرجة ، وقبل أن يدعو خالداً إلى المبارزة في إحدى فترات الراحة بين القتال ، وجه القائد جرجة إلى سيدنا خالد السؤال التالي قال : يا خالد اصدقني ولا تكذب ، هل أنزل الله على نبيكم سيفاً من السماء فأعطاك إياه فلا تسله على أحد إلا هزمته ؟ قال خالد : لا ، قال الرجل : فلم سميت سيف الله ؟ قال خالد : إن الله بعث فينا رسوله فمنا من صدقه ، ومنا من كذب ، وكنت فيمن كذب ، حتى أخذ الله قلوبنا إلى الإسلام ، وهدانا برسوله ، فبايعناه ، فدعا لي الرسول وقال لي : أنت سيف من سيوف الله ، فهكذا سميت سيف الله ، قال القائد جرجة وإلام تدعون ؟ قال خالد : إلى توحيد الله وإلى الإسلام ، قال : هل لمن يدخل في الإسلام اليوم مثل ما لكم من المثابة والأجر ؟ قال خالد : نعم وأفضل ، قال الرجل : وقد سبقتمونا ؟ قال خالد : لقد عشنا مع رسول الله ، ورأينا من آياته ، و رأى ما رأينا ، وسمع ما سمعنا ، أما أنتم يا من ترونه ولا تسمعونه ، ثم آمنتم بالغيب ، فإن أجركم أجزل وأكبر ، إن صدقتم الله في سرائركم ونواياكم ، وهنا صاح القائد جرجة ، وقد دفع جواده إلى ناحية خالد ، ووقف بجواره وقال : يا خالد علمني الإسلام ؟ وأسلم وصلى ركعتين لم يصل غيرهما ، فقد استأنف الجيشان القتال ، وقاتل جرجة في صفوف المسلمين مستميتاً في طلب الشهادة حتى نالها وظفر بها .

 

باب التوبة مفتوح على مصراعيه :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ بينك وبين الله أن تعقد في نيتك التوبة النصوح ، بينك وبين أن تسعد في الدنيا والآخرة أن تدعو الله عز وجل من كل قلبك ، أن تصدقه صدق المخلصين ، إذا رجع العبد إلى الله نادى منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر : 53]

 ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم جئتني تائباً غفرتها لك ولا أبالي .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما دام باب التوبة مفتوح على مصراعيه ، ما دام ربنا سبحانه وتعالى ينتظر من عباده أن يتوب عليهم .

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 27]

 ماذا ينتظر المؤمن إذا كان متلبساً بالذنوب ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا سبحانه وتعالى لا يقبل منا ، لا بد مع الإيمان من استقامة على أمره ، والدليل :

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81 ـ82]

﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ﴾

 من كان متلبساً بظلم ؛ ظلم أحداً ، أو أكل مال أحد، أو اعتدى على أحد ، فباب التوبة مفتوح ، ورمضان باب المغفرة والإحسان ، كما سمعتم الذي كان يحارب المسلمين ويطفئ نور الله عز وجل ، فلما عرف أن كلهم عند الله سواسية ، وأن الله سبحانه وتعالى يحب كل من تاب ، تاب إليه من بعد ، وصلى ركعتين ، ولم يصل غيرهما ، ومات في سيبل الله .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا ينبغي للمؤمن أن يسوف ، ورد في الأثر أن المسوفين قد هلكوا ، وقد قيل في الأثر إن هذا الذي يؤخر التوبة إلى غد ، وبعد غد ، وحتى يتزوج ، وحتى ، وحتى ، هذا كله من وساوس الشيطان ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 27]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ النبي عليه الصلاة والسلام قدم الجهاد الأكبر على الجهاد الأصغر ، والجهاد الأكبر جهاد النفس والهوى ، لابد من أن نطهر نفوسنا ، لابد من أن نزكيها، لابد من أن نعرفها بربها ، لابد من أن نحملها على طاعته ، لا بد من أن نحملها على البذل ، لابد من أن نرجع إليه ، حتى نستحق أن ينصرنا على أعدائنا ، لابد من أن نتوب إليه ، حتى يقبلنا ، لابد من أن ننيب إليه حتى يحبنا ، لأن الله سبحانه وتعالى لا يحب المعتدين .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الإيمان شرط أساسي في النصر :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الإيمان شرط أساسي في النصر ، إنه شرط لازم كاف ، فالنبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر رفع يديه إلى السماء وألح في الدعاء ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام خشي ألا يكون الإعداد كافياً لهذا خاف ألا يكون النصر ، لذلك يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾

[ سورة الأنفال : 60]

 وقال رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :‏

((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي))

[‏مسلم عن عقبة بن عامر الجهني رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ ]

 أي أن تصيب هذه الطلقة الهدف هذا هو أعظم ما في السلاح سواء أكان سيفاً، أو رمحاً ، أو قنبلةً ، أو أي سلاح آخر ، ألا إن القوة أي قوة السلاح في دقة الرمي ، وهذا الحديث يعد حديثاً لا تبلى جدته على مرور الأيام ، مهما تنوعت أنواع الأسلحة ، ومهما ارتقت، تبقى دقة الإصابة أبرز ما في السلاح ، لذلك قال : ‏ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي ، ألا إن القوة الرمي‏ . ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( من تعلم الرمي ثم تركه فقد عصاني))

[ ابن ماجة عن عقبة بن عامر]

 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله تعالى يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة ؛ صانعه يحتسب في صنعته الخير ، والرامي به ، ومنبله ))

[أحمد عن عقبة بن عامر ]

 أي هذا الذي يرمي به ، وهذا الذي يناوله هذا النبل ، وهذا الذي صنع النبل ، هؤلاء جميعاً يشتركون في ثواب صنع ، وفي عظيم أجره .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عودة إلى رمضان : النبي عليه الصلاة والسلام كان جواداً وكان أجود ما يكون في رمضان ، وكان يتلو في رمضان القرآن ، بل يكثر من تلاوته وتدبره ، وها نحن قد شارفنا ، أو اقتربنا من العشر الأخير ، والنبي عليه الصلاة والسلام يجتهد في العشر الأخير ما لا يجتهد في بقية أيام رمضان ، فكان يوقظ أهله ، وكان يشد مئزره ، وكان يكثر كما قلت من تلاوة القرآن ومن التهجد والقرب .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018