الخطبة : 0255 - رمضان2 - شهر الإنفاق - جزاء الإنفاق. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0255 - رمضان2 - شهر الإنفاق - جزاء الإنفاق.


1989-04-14

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير.

الإنفاق شرط أساسي من شروط الإيمان :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من الطبيعي جداً أن تكون الخطبة الأولى عن فضل شهر رمضان ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان أجود ما يكون ، وكان جواداً ، وكان أجود ما يكون في رمضان ، وكان في رمضان يكثر من تلاوة القرآن ، إذاً من الطبيعي جداً أن تكون الخطبة الأولى في رمضان عن فضل شهر الصوم . وأن تكون الخطبة الثانية عن فضل الإنفاق . وأن تكون الخطبة الثالثة عن موقعة بدرٍ الكبرى . وأن تكون الخطبة الرابعة عن القرآن الكريم . هذا منهج شهر رمضان في الخطبة ، ها نحن أولاء في الخطبة الثانية ، والحديث عن الإنفاق .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ للمال في الإسلام فلسفة ، المال في الإسلام مستخلفون أنتم فيه لقول الله عز وجل :

﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾

[ سورة الحديد : 7]

 فهذا المال الذي وضعه الله بين يديك ، وضعه أمانة عندك ، وأنت مستخلف عن الله عز وجل في إنفاقه ، فمن ظن أن هذا المال له ليستمتع به فقد ضلّ سواء السبيل ، لو وسعنا الدائرة ، المال حظ من حظوظ الدنيا ، وهناك حظوظ أخرى ، ولأن كلمة الإنفاق لا تعني المال وحده ، ربنا سبحانه وتعالى يقول في مطلع سورة البقرة :

﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 1-3]

 فجعل الله سبحانه وتعالى الإنفاق بمعناه الواسع ، بمعناه المطلق شرطاً أساسياً من شروط المتقين :

﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

 الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ولا يسعدون إلا بالقرب منه ، ولا يستطيعون القرب منه إلا بإنفاق شيء تقرباً إليه ، لذلك الله سبحانه وتعالى تفضل على الإنسان وأعطاه شيئاً من حظوظ الدنيا ، فالذي أعطاه العلم يجب أن ينفق منه ، والذي أعطاه القوة يجب أن يوظفها لإحقاق الحق ، ولإزهاق الباطل ، ولنصرة الضعيف والذي أعطاه المال عليه أن ينفقه في سبيل الله ، فهذه الحظوظ الثلاثة الأساسية القوة والمال والعلم ، مما تعنيه الآية الكريمة

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

  فالإنفاق أيها الأخوة شرط أساسي من شروط الإيمان :

﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

 كأن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليسعدهم ، وكيف يسعدون وهو مصدر الحق والجمال ؟ يسعدون بالقرب منه ، وكيف يقتربون منه ؟ ببذل ما في أيديهم ، إذاً ربنا سبحانه وتعالى في الأصل وضع شيئاً بين أيديهم كي يتقربوا به إليه ، ما أشد خسارة الإنسان حينما يكتشف بعد فوات الأوان أن هذا المال ، أو أن هذا الجاه ، أو أن هذا العلم ، هو وسيلة وحيدة لسعادة الدنيا والآخرة ولكنه أتلفه في معصية الله ، أو أنفقه كبراً وزهواً .

 

فلسفة المال في الإسلام :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ فلسفة المال في الإسلام ، أو فلسفة الحظوظ في الإسلام أنها وضعت بين يديك لتكون وسيلة وحيدة إلى التقرب إلى الله عز وجل ، كيف تتقرب إلى الله عز وجل إن لم يكن لك علم تنفقه ، أو مال تنفقه ، أو قوة تضعها لخدمة الضعيف ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذه الآية الكريمة توضح حقيقة المال :

﴿ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾

[ سورة الحديد : 7]

 أيها الأخ الكريم ؛ يدك على المال ، أو يدك على العلم ، أو يدك على القوة ، يد الأمانة ، أنت أمين على هذا المال ، استخلفك الله عليه ، المال ماله ، وجعله تحت يديك ، وجعله في متناولك ، لينظر كيف تعملون ؟ كيف تنفقه ؟ كيف تكسبه ؟ هذه النقطة الأولى .
 إذا كنت ذا مال فقد وضع هذا المال بين يديك كي تتقرب به إلى الله ، حبذا المال - كما قال أحد الأصحاب الكرام - أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي ، حبذا المال أصون به عرضي ، هذا هو الهدف الأول ، وأتقرب به إلى ربي ، هذا هو الهدف الثاني ، فمن ظنّ أن هذا المال إنما هو ماله فهو كقارون .

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

[ سورة القصص : 78]

 إنما حصله بالذكاء ، بالخبرات ، بالعمل الدؤوب ، بالسنوات الطويلة

﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾

 هذه فلسفة قارون لذلك :

﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾

[سورة القصص:81]

إنفاق المال يقي من الهلاك :

 يا أيها الأخوة الأكارم ؛ فكرة ثانية في هذه الخطبة : أن إنفاق المال يقي من الهلاك، ولو سألتموني الدليل ، الدليل قوله تعالى :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 قال بعض المفسرين : إن لم تنفقوا في سبيل الله فقد ألقيتم بأنفسكم إلى التهلكة ، هذا بعض معاني هذه الآية ، إن لم تنفقوا في سبيل الله فقد ألقيتم بأنفسكم إلى التهلكة ، والإنفاق - كما قلت بل قليل - لا يعني إنفاق المال وحده ، لا بد من أن تقدم شيئاً إلى الله عز وجل ، لا بد من أن تقدم شيئاً مما أوتيته كي تتقرب به ، كي تشعر أن الله راضٍ عنك ، كي تحس أن الطريق إلى الله سالكة ، هذا هو الإنفاق .
 وبعضهم فسر هذه الآية تفسيراً آخر :

﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾

[ سورة البقرة: 195]

 أي إذا أنفقتم كل مالكم ، ولم تبقوا شيئاً لعيالكم فقد يختل توازنكم ، وتقعون في التهلكة ، على كل القرآن ذو وجوه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه .

 

الإنفاق في سبيل الله من صفات المؤمنين الأساسية :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ كما قلت قبل قليل الإنفاق في سبيل الله من صفات المؤمنين الأساسية ، قال تعالى :

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ﴾

[ سورة آل عمران: 133-134]

 الصفة الأولى للمتقين أنهم ينفقون ، هناك أعمال كثيرة ، إذا فعلتها تكون قد أديت ما عليك ، أو طبقت أوامر الله عز وجل ، ولكن في رأس هذه الأعمال الإنفاق في سبيل الله ، لأن الإنفاق يؤكد صدق إيمانك ، يؤكد حبك لله عز وجل ، لأنك بين حاجتين ، حاجتك إلى هذا المال ، وحاجتك إلى أن يرضى الله عنك ، فقد آثرت حاجة أن يرضى الله عنك على حاجتك إلى المال ، فأنت بهذا قد حققت إيمانك تحقيقاً صحيحاً .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ إذا جاء ملك الموت ، أو قرب أجل الإنسان علام يندم ؟ يندم على الشيء الأساسي الذي كان في الدنيا ، يندم على ما خلق من أجله .
 استمعوا أيها الأخوة إلى قوله تعالى ، وهو يبين أن هؤلاء الذين بخلوا وأحجموا عن الإنفاق ، حينما جاءهم ملك الموت ماذا قالوا ؟ ربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10-11]

 إذاً علام يندم الإنسان ؟ يندم على الشيء الأساسي في الدنيا ، يندم على ما خلق له ، يندم على العمل الذي فرضه الله على الإنسان :

﴿ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾

[ سورة المنافقون : 10]

 ولكن سنة الله في خلقه أنه :

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة المنافقون : 11]

حجة من يمتنع عن الإنفاق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هؤلاء الذين لا ينفقون أموالهم في سبيل الله ، هؤلاء الذين يبخلون ، هؤلاء الذين يحجمون عن العمل الصالح ، هؤلاء الذين يظنون بعلمهم ، أو بجاههم ، أو بمالهم ، من أي فكرة ينطلقون ؟ ينطلقون كما بيّن الله سبحانه وتعالى ذلك في القرآن الكريم :

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾

[ سورة يس: 47]

 ما شأني وشأن الناس ؟ لهم رب يرزقهم ، هذا الذي ينطلق من هذه الأفكار تطابقت أفكاره مع أفكار الكفار ، هذا الذي ينطلق من هذه الأفكار ما شأني وشأن الناس ؟ مالي والناس؟ لهم رب يرزقهم ، أنا عليّ من نفسي ، عليّ أن أجمع المال لنفسي ، مثل هذه الأفكار قد توصل صاحبها إلى النار ، لكن الكفار ينفقون أموالهم بلا شك ، ولكن الله عز وجل وصف إنفاق أموالهم بأنهم كما قال :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 36]

 الكافر يمتنع عن الإنفاق بحجة أن للعباد رباً يكفيهم ، وأن هذا المال له ، وإنما أوتيه على علم من عنده ، فإذا أنفق المال فليصد نفسه عن سبيل الله ليغرقها في الملذات ، أو ليصد غيره ، إما ليصد نفسه ، أو ليصد غيره عن سبيل الله ، أي هذا المال ينفق لإبعاد الناس عن الله ، أو ينفق لإبعاد نفسه عن الله عز وجل ، فكل متعة رخيصة فعلها الإنسان بماله فقد أبعد بماله نفسه عن ربه سبحانه وتعالى .

 

الإحجام عن الإنفاق مرض خطير من الأمراض النفسيّة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ آيات الإنفاق في القرآن الكريم كثيرة جداً ، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل الإحجام عن الإنفاق - بمعناه الواسع - مرضاً خطيراً من الأمراض النفسية، فيقول الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 ومن يوق شح نفسه ؛ شح النفس مرض خطير ، مرض مهلك ، كل الأمراض الخطيرة تنتهي مع الموت ، مهما كان المرض خطيراً ، أو عضالاً ، أو مستفحلاً ، أو مؤلماً ، أو وبيلاً ، إنه ينتهي بالموت ، ولكن مرض الشح يبدأ بعد الموت

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

 فهذا الذي أعانه الله على نفسه ، وحملها على الإنفاق ، ووقاه الله مرض الشح ، والبخل ، ودائماً وأبداً أذكركم بأن الإنفاق لا يعني المال وحده ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحسن الخلق ))

[ البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة ]

 لا بد من البذل ، لا بد من العطاء ، لا بد من أن تقدم شيئاً غالياً عليك إلى الله عز وجل ، كي ترقى إليه .

 

الله عز وجل يعلم بإنفاق الإنسان ووعده أن يخلف عليه :

 شيء آخر يثلج الصدور ؛ أنت إذا أنفقت في سبيل الله نفقة كبيرة أو صغيرة ، يسيرةً أو جليلةً ، إنما يجب أن تعلم علم اليقين أن الله جلا في علاه يعلمها ، والآيات التي تؤكد ذلك كثيرة جداً ، يقول الله عز وجل :

﴿ تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ ﴾

[سورة آل عمران:92]

 كلمة شيء في اللغة تسمى أنكر النكرات ، مهما دق الشيء يسمى شيئاً ، لو أنها ذرة من طحين ، تسمى شيئاً ، ومن لاستغراق أفراد هذه الأشياء فرداً فرداً ، فالله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:92]

 اطمئن ، هذا الذي تنفقه ليلاً أو نهاراً ، سراً أو علانية ، في الحضر أو في السفر ، أمام مرأى من الناس ، بينك وبين الله ، كل أنواع الإنفاق ، إنفاق المال ، والجاه ، والعلم ، والوقت ، هذه كلها

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

  وقد قال علماء الأصول : مطلق القرآن على إطلاقه ، المطلق على إطلاقه

﴿ تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

 وما قولكم أيها الأخوة الأكارم أن كل شيء تنفقه يخلفه الله عليك أضعافاً مضاعفة ، في ثماني آيات في القرآن الكريم ، والقرآن الكريم قطعي الثبوت عن الله عز وجل ، قطعي الدلالة في هذه الآيات ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾

[ سورة سبأ: 39]

 الآية الأولى :

﴿ تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[سورة آل عمران:92]

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ﴾

[ سورة سبأ: 39]

 وعد الله عز وجل لا يخلف الله وعده .

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 272]

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ﴾

 الكلمة الطيبة هذه أوسع ، الكلمة الطيبة ، الابتسامة ، أن تلقى أخاك بوجه طلق ، أن تحوط إنساناً بالرعاية والعطف هذا إنفاق ، أنفقت من عاطفتك نحو هذا الإنسان ، أنفقت من وقتك ، أنفقت من جاهك ، أنفقت من علمك

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾

.

 

الإخلاص في الإنفاق :

 الله عز وجل يعلم بكل ما تنفق ، ووعدك أن يخلف عليك كلما تنفق ، ولكنه طالبك بالإخلاص ، أن تنفق في سبيله لا ليقول الناس عن فلان : محسن كبير ، لا ليقول الناس : كذا وكذا ، فقد يأتي يوم القيامة الرجل فيقول : يا ربي أنفقت في سبيلك، فعلت في سبيلك ، تعلمت القرآن في سبيلك ، علّمت العلم في سبيلك ، فيقول الله عز وجل : كذبت فعلت كذا وكذا ليقال كذا وكذا وقد قيل ، فخذوه إلى النار ، الله سبحانه وتعالى يطالبنا بالإخلاص ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة البقرة : 265 ]

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

[ سورة الليل : 19-21]

 ابتغاء مرضاة الله ، لا ينتظر ثواباً ، لا ينتظر شكراً ، ولا تنويهاً ، ولا مدحاً ، ولا ثناءً ، ولا إشادةً ، ينتظر أن يرضى الله عنه

﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾

 الفقرة الثانية في هذه الآية :

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة البقرة : 265 ]

 ليثبت مكانته عند الله ، قد يقول أحدهم : ثبت مركزي عند فلان ، مركزي عند فلان قوي ، وقد فعلت فعلاً أكّد هذا الثبات ، هذا الإنسان الذي يسعى ليثبت مركزه عند إنسان ضعيف ، فكيف بالإنسان لو سعى ليثبت مركزه عند الله سبحانه وتعالى ؟ عند رافع السماء بلا عمد ؟ عند ملك الملوك ؟ عند من بيده كل شيء ؟ عند من إليه يرجع الأمر كله ؟ عند من إليه المصير ؟ عند من نؤوب إليه ؟ إذاً الله سبحانه وتعالى يعلم كل شيء تنفقه ، ويخلف عليك كل شيء تنفقه ، ولكنه لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم :

﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة البقرة : 265 ]

 إلى آخر الآية .

 

من ينفق في سبيل الله لا خوف عليه في الدنيا ولا يحزن على فراقها :

 الآية الثانية :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

[ سورة البقرة: 261 ]

 أي في الطريق الموصل إلى الله ، إذا أنفقت المال في سبيل الله كان هذا المال طريقاً لك إلى الله ، فإذا أنفق في سبيل زيد أو عبيد كان هذا الإنفاق طريقاً إلى زيد أو عبيد ، القضية واضحة كالشمس ، إذا أنفقت ليقول عنك الناس كذا وكذا سلكت بهذا الإنفاق طريقاً إلى قلوبهم ، وقد قالوا عنك كذا وكذا ، إذا أنفقت للسمعة والثناء سلكت سبيلاً إلى السمعة والثناء ، ولكنك إذا أنفقت المال في سبيل الله ، فقد عبّدت الطريق إلى الله ، جعلت الطريق إلى الله سالكة

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾

 ما الدليل على أنهم ينفقون أموالهم في سبيل الله؟ هل هناك دليل مادي ؟

﴿ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى ﴾

[ سورة البقرة: 262 ]

 لو أنك أنفقت المال من أجل السمعة لا بد من أن تذكر هذا الإنفاق ، لا بد من أن تتبجح به ، لا بد من أن تمن على من أنفقت عليه ، ولكنك إذا أنفقته في سبيل الله علامة إخلاصك في الإنفاق أنك تسكت ، وكأنك لم تفعل شيئاً .

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 262 ]

 ما هذه البشارة ، لا خوف عليهم في الدنيا ، ولا هم يحزنون على فراقها ، وهل من بشارة من خالق السموات والأرض أعظم من هذه البشارة

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ﴾

  لا يخافون شيئاً ، وما أكثر الأشياء التي تخيف الإنسان في الدنيا ،

﴿ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

 عند ترك الدنيا ، والثمن الإنفاق .

 

الإنفاق يمحو السيئة :

 أحياناً يأتي الإنفاق مبادرةً من العبد لإرضاء الله عز وجل ، ولكن للإنفاق هدفاً آخر، أحياناً تزل قدم المؤمن ، يقع في معصية ، يقع في مخالفة ، يقع في غفلة ، يتكلم بكلمة ولا يلقي لها بالاً ، تفعل فعلاً مؤلماً مع الآخرين ، كيف يصحح هذا الغلط ؟ كيف يرمم هذا الشرخ ؟ كيف يجلي هذا النقص ؟ جاءت الصدقات ، وجاء الإنفاق ، وجاء الإحسان ، ليكون محواً للسيئة ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾

[ سورة الرعد: 22]

 كلما جاءت سيئة درؤوها بالحسنة ، أو كلما فعلوا شيئاً عن غير قصد ، أو في ساعة غفلة ، أو زل لسانهم ، أو زلت قدمهم ، يبادرون إلى عمل صالح يرمم هذا النقص .

﴿ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ﴾

[ سورة هود : 114 ]

 هذه قاعدة ، و‏أتبع السيئة الحسنة تمحها ، وخالق الناس بخلق حسن‏ .

 

الإنفاق هدية إلى الله عز وجل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لكن هذا الذي تنفقه فهو هدية إلى الله عز وجل ، إذاً يجب أن يكون مما تحب لا مما تكره ، إن كان طعاماً ، أو إن كان نقداً ، أو إن كان علماً ، يجب أن يكون هذا الإنفاق مما تحب ، لقول الله عز وجل :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾

[ سورة آل عمران: 92]

 وفي آية ثانية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ﴾

[ سورة البقرة : 267 ]

 الإنفاق هدية إلى الله عز وجل ، وعلى عظم المهدى إليه تكون الهدية ، فلا ينبغي أن تنفق شيئاً لا تحبه ، أن تنفق شيئاً تكرهه ، أن تنفق شيئاً كي تتخلص منه ، هذا الإنفاق يدل على النفاق ، أن تنفق الحاجة التي زهدت بها ، التي لا تعنيك ، التي كانت عبئاً عليك في البيت ، خذوها عنا ، أنفقوها ، هذا إنفاق أهل النفاق .

 

وجوب أن يكون الإنفاق على قدر المنفق :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لكن الإنفاق يجب أن يكون على قدر المنفق لقول الله عز وجل :

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾

[ سورة الطلاق: 7 ]

 النبي عليه الصلاة والسلام دعاه أحد أصحابه الفقراء إلى خل وخبز فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال :‏

(( نعم الإدام الخل‏ ))

[مسلم عن جابر في صحيحه وأحمد في مسنده والأربعة والترمذي عن عائشة]

 هذا الإنفاق اسمه جهد المقل .

(( سبق درهم ألف درهم ))

[ النسائي، أحمد عن أبي هريرة ]

 درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء ، لكن الذي أتاه الله يجب أن ينفق نفقة تتناسب مع حجمه ، وألا يكون حجم الذي أنفقه بالقياس إلى حجم ما عنده شيئاً يسيراً .

﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ ﴾

[ سورة الطلاق: 7 ]

 أي القضية قضية إخلاص ، وقضية نسبة وتناسب .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ ولكن أجر الإنفاق يتضاعف أضعافاً كثيرة إذا أنفق في الضراء لذلك وصف الله المتقين بأنهم ينفقون في السراء والضراء .

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ سورة الحشر : 9 ]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

جزاء الإنفاق :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في موضوع الإنفاق ، ما جزاء الإنفاق ؟ بل ما جزاء الإنفاق في الدنيا والآخرة ؟ استمعوا أيها الأخوة إلى آيتين من القرآن الكريم ، يقول الله عز وجل:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾

[ سورة البقرة: 261 ]

 إذاً لا بد من أن يأتيك هذا الذي أنفقته أضعافاً مضاعفة بلا حدود ، لكن الذي ينفق المال بنية أن يضاعف الله هذا المال ، هذه النية شابت هذا الإنفاق ، أنت أنفق ابتغاء مرضاة الله ، ولا تفكر في التعويض ، ولكن الله سبحانه وتعالى لا بد من أن يضاعف لك أعمالك أضعافاً كثيراً ، ولكن الأعظم من ذلك هذه فائدة مادية .
 فإذا مات الإنسان ترك هذا المال كله ، فجزاء الإنفاق في الدنيا ينقطع بالموت ، ولكن جزاء الإنفاق في الآخرة يتصل إلى ما بعد الموت ، أكبر ثمرة من ثمرات الإنفاق هي قوله تعالى :

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 هل من عطاء أعظم من أن تكون لك نفس طاهرة زكية ؟ لقول الله عز وجل :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء : 88-89]

 لا ينفع شيء في الدنيا ، مال ولا بنون ، مهما كثر المال ، ومهما كثر الأولاد ، ومهما تفوقوا في الدنيا :

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[ سورة الشعراء : 88-89]

 كيف يكون هذا القلب سليماً ؟

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 التطهير من الدنس ، من الأدران ، من الأمراض ، من العجب ، من البخل ، من حبّ الذات ، من حبّ الأثرة ، هذا هو التطهير ، ولكن التزكية يصبح هذا الإنسان عفواً ، يصبح حليماً ، يصبح رحيماً ، يصبح منصفاً ، يصبح متواضعاً ، فإنفاق المال من شأنه أن يدفع الإنسان إلى الله عز وجل ، وإذا اندفع الإنسان إلى الله عز وجل طهرت نفسه وزكت ، تخلية وتحلية ، تطهير وتزكية .

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 أي الأضعاف الكثيرة التي تضاعف للمؤمن في الدنيا هذه تنتهي مع الموت ، ولكن الطهارة النفسية ، والزكاة النفسية هذه تمتد معه إلى الأبد .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ دعوة إلى الإنفاق ، يقول الله عز وجل :

﴿ هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

[ سورة محمد : 38 ]

 معنى دقيق جداً

﴿ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ ﴾

 بأنه يحرمها سعادة الاتصال بالله عز وجل ، الاتصال بالله ثمنه الإنفاق ، فمن بخل بماله فقد بخل عن نفسه بهذه السعادة .

﴿ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد : 38 ]

إنفاق المال ثمن القرب من الله عز وجل :

 آخر فقرة في الخطبة : هل تعلم أنك إذا أنفقت المال تضع المال بيد من ؟ إذا وضعته في يد الفقير ، أو بيد المسكين ، أو بيد ذي الحاجة ، في الظاهر تضعه في يد هذا الفقير ، ولكن الله سبحانه وتعالى يخبرك أنك إذا أنفقت المال فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي يقبله منك .

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ ﴾

[ سورة التوبة : 104]

 هو يأخذها ، يأخذها منكم ، يا داود مرضت فلم تعدني ، قال : يا ربي كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال : مرض عبدي فلان فلم تعده أما علمت لو أنك عدته لوجدتني عنده ، استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه ، قال : يا ربي كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال : أما علمت أنك إذا أطعمته لوجدت ذلك عندي ، أو لوجدتني عنده ، وهكذا .

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة التوبة : 104]

 ألا تكفينا هذه الآية ؟؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ملخص الملخص أن الله سبحانه وتعالى خلقك ليسعدك بالقرب منه ، وثمن القرب منه هو الإنفاق ، وقد وضع بين يديك مالاً ، أو علماً ، أو جاهاً ، أو قوةً ، أو فراغاً ، أو وقتاً ، أو خبرةً ، كل شيء تمتلكه ؛ مادي كان أو معنوي فهو مما يصلح أن تنفق منه ، أنفق من وقتك ، أنفق من جاهك ، أنفق من علمك ، أنفق من خبرتك ، أنفق من عطفك، أنفق من وقتك ، أنفق من مالك ، فصفة المؤمن الثابتة الإنفاق مما آتاك الله

﴿ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾

 يأخذها منكم ليتوب عليكم ، ليطهركم من كل دنس .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه المعاني حول آيات الإنفاق لا ينبغي أن تكون في حيز الفكر فقط ، لا ينبغي أن تقولوا : والله المعاني دقيقة ، والآيات دقيقة ، والموضوع منظم ، لا ، هذا شيء لا يقدم ولا يؤخر ، ينبغي أن تترجم هذه المعاني إلى أعمال ، إذا انقلبت إلى أعمال سعدتم بهذه الخطبة ، لا تسعدون بها والله بمجرد فهمها ، ولكن تسعدون بها بمجرد تطبيقها ، ومجرد أن تنتقل من الفكرة إلى التطبيق .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018