الخطبة : 0249 - الإنفاق - حيوان لا يحتاج إلى الماء؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0249 - الإنفاق - حيوان لا يحتاج إلى الماء؟


1989-03-03

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

تفسير قوله تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾

  أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوع الخطبة السابقة هو قوله تعالى :

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم : 39]

 وموضوع الخطبة اليوم مُكمِّل للخطبة السابقة ، آيةٌ من سورة آل عمران وهي قوله تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه الكلمة كلمة لَنْ ، قال عنها العلماء : إنّها لِتَأبيد النفي، أو نفيُ المستقبل ، هذا الشيء لن يكون ، لن يحصُل من باب المستحيل ، لن تنالوا البِرّ، إذا قال إنسانٌ لإنسان : لن تنالَ كذا ، فهذا الكلام يُحْملُ على الصِّدْق أو الكذب ، قد ينالهُ ، قد يقول إنسان لآخر : لن تكون رجلاً عظيمًا ، ويصبحُ رجلاً عظيمًا ، فإذا قال مخلوقٌ لَنْ ، فربّما كان وربّما لم يكن ، أما إذا قال خالق الكون ، إذا قال من بيَدِه كلّ شيء ، إذا قال مَن فطَر الإنسان : لَنْ ، معنى ذلك أنّه لن يكون ، لن تنالوا البِرّ ، ما هو البرّ ؟ وما معنى تنالوا ؟ وما معنى قوله تعالى : حتى تنفقوا ممّا تحبّون ؟ الله سبحانه وتعالى يقول : لَن ، ولن كما قلتُ قبل قليل لِتأبيد النفي ، إذا أردْت أن تنفي الماضي فاستعمل لمْ ، وإذا أردْت أن تنفيَ الحاضر فاْستعمل لمَّا ، أما إذا أردْت أن تنفي المستقبل على التأبيد فاسْتعمل لن ، وحينما يقول الله جلّ في عُلاه لن تنالوا البرّ ؛ أيْ أنّ البرّ عليكم مستحيل ، لن تصِلوا إليه ، ولن تذوقوا طَعمهُ ، ولن تنالوه ، ولن تأخذوه ، هذا عنَ لَنْ .
 أما تنالوا البرّ ، فقد قال علماء اللّغة النَّيْلُ هو الوُصول ، فقولهُ لن تنالوا أيْ لن تصِلوا ، وقال العلماء أيضًا : والنَّوْلُ هو العطاء ، النَّيْل هو الوُصول ، والنّوْل هو العطاء ، فإذا جمعْت بينهما ، أي لن تصلوا إلى الجنّة ، ولن تدخلوها حتى ، إذا سلكتم هذا الطريق فلن تصلوا إليه ، وإذا وصلتم إليه فلن تدخلوه إلا إذا فعلتم كذا وكذا .
 فالنَّوْل هو العطاء ، والنَّيل هو الوُصول ، لن تصلوا إلى الجنّة ، ولن تدخلوها ، قد تصلُ إلى شيءٍ ولا تنالهُ ، قد تصل إلى هذه الحديقة ولا تدخلها ، لكنّك إذا دخلتها فمعنى ذلك أنّ لها طريقًا ، وقد اجْتزْت عقبتَين الأولى أنّه سلكْت الطريق ، والثانية أنّك دخلت الباب ، فربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 حتى هنا بمعنى إلى أنْ ، أيْ حتى تفعلوا كذا وكذا .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مركز الثِّقل في الآية ؛ ما معنى كلمة البرّ ؟ ربّنا سبحانه وتعالى يجعل النّفْي على التأبيد ، والنفيُ على التأبيد يُحمل على المستحيل ، وإذا قال الله عز وجل ذلك فهذا مؤكَّدٌ قولاً وفعلاً .

 

معاني البر :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ما هو البرّ ؟ قال بعض العلماء هو الصِّدْق ، استنباطًا من قول النبي عليه الصلاة والسلام ، عليكم بالصِّدْق فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة ، أي لن تكون صادقًا في طلب الحق ، ولا مُلِحًّا في طلب الحقّ إلا إذا أنفقْت مِمَّا تحبّ ، لن تُسمّى عند الله صادقًا إلا إذا فعلت ، إلا إذا بذَلْت ، إلا إذا ضحَّيْت ، حجمك عند الله بِحَجْم تَضْحيّاتك ، حجمك عند الله بِحَجم بذْلك ، حجمك عند الله بِحَجم ما تقدّم.
 لن تنالوا البرّ ؛ المعنى الأوّل هو الصِّدق ، أيْ لن تنال عند الله ما تحبّ حتى تعبِّرَ عن صِدْقك في الطَّلَب ، قد يقول الله سبحانه وتعالى لِعَبْدٍ زاهدٍ في الدّنيا : أما زهدك فقد تعجَّلْت فيه الراحة لِقَلبِكَ ، وأما اعتزازك بي فقد اعْتَزَزْت بِعَظيم ، ولكن ماذا فعلت من أجلي ؟ فيقول هذا العبد : يا رب ، وماذا أفعل من أجلك ؟ فيقول الله عز وجل : هل والَيْت فيّ وليًّا ؟ هل عادَيْت فيّ عدوًّا ؟ ماذا قدَّمْت ؟ ماذا ضحَّيْت ؟ ماذا بذَلْت ؟ ماذا أنفقْت ؟ هذا الذي تعنيه كلمة البرّ ، البرّ هو الصِّدْق ، أيْ لن تكون عند الله صادقًا إلا إذا بذَلْت .
 المعنى الثاني أنّ البرّ هو العمل الصالح بِأوْسع معانيه ، لن يكون عملك صالحًا إلا إذا بذلْت من كرائم مالك ، لو بذلتَ شيئًا تكرهه ، لو بذلت ثوبًا لا تحبّه ، لو بذلْت طعامًا لا تقوى نفسك على تناوله ، لن تكون عند الله ذا عملٍ صالح ، العمل الصالح هو أن تفعل شيئًا ثمينًا ، أن تقدّم شيئًا ثمينًا ، فالبرّ هو العمل الصالح ، ويؤكّد هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام : "عليكم بالصّدق فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ - أي العمل الصالح - وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة ".
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ومن معاني البرّ الصَّلاح ، أيْ لن تكون صالحًا لِدُخول الجنّة إلا إذا أنفقْت مِمَّا تحبّ ، لن تكون صالحًا لدخول الجنّة ، ولن تسمّى عند الله صادقًا ، لن يُسمَّى عملك عملاً صالحًا ، لن تسمّى عند الله صالحًا إلا إذا أنفقْت مِمَّا تحبّ .
 ويا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول أحد العلماء : لن تنالوا شرف الدِّين والتقوى حتى تنفقوا وأنتم أصِحَّاء أشِحَّاء ، تأملون العيش ، وتخشون الفقر ، هذا الذي ينفق ماله وهو على فراش الموت ، مقبولٌ منه ، ولكن شتّان بين أن تنفقهُ ، وأنت صحيح شحيح تأملُ الغنى، وتخشى الفقر ، وبين أن تنفقه وقد لوَت الدّنيا ، وفُتِحَت أبواب الآخرة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ لن تنالوا البرّ ؛ أيْ لن تكون عند الله صادقًا إلا إذا أنفقت ممَّا تحبّ ، لن تكون عند الله ذا عملٍ صالح لأنّ العمل الصالح هو الذي يرفعك ، أعمال صالحة كثيرة يفعلها الناس ، مقبولة ، ولكن إذا قدَّموا شيئًا يكرهونه ، إذا قدَّموا طعامًا لا يحبّونه، هذا العمل لا يمكنهُ أن يرقى بهم ، مقبول ، ويُثابون عليه ، ولكنّه لا يرقى بهم إلى الله عز وجل.
 والمعنى الثالث ، لن تكون صالحًا للعرْض على الله عز وجل ، ولن تكون صالحًا لدُخول الجنّة إلا إذا أنفقت ممَّا تحبّ .
 أيها الأخوة الأكارم ، يقول بعض العلماء : معنى قوله تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 أي لن تنالوا بِرّي بِكم إلا بِبِرِّكُم بإخوانكم ، إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي ، لن تنالوا بِرّي بِكم إلا بِبِرِّكُم بإخوانكم .
 والمعنى الذي يُتَوِّج هذه المعاني كلّها ، أنّ البرّ هو الجنّة ، لن تدخلوا الجنّة ، البِرّ بِتَفسير ابن عباس رضي الله عنه هو الجنّة ، ولن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبون ، هذه الجنّة، ألا إنّ سلعة الله غالية ، ألا إنّ سلعة الله الجنّة ، قال تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 وبعضهم يقول : لن تنالوا البرّ بِمَعنى لن تكونوا أبرارًا حتى تنفقوا مما تحبون .

 

محبة الله تعالى و إنفاق المال عن طيب نفس :

 الإمام الحسن رضي الله تعالى عنه يقول :" لن تنالوا ما تحبّون من الله إلا بِتَرْك ما تشتهون ، وبالصَّبر على ما تكرهون " لذلك جاءَتْ الآية الكريمة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 هذا الضّعف يا ربّ لماذا خلقْته بنا ؟ هذا ضَعفٌ بالخَلْق ، ولكن لِمَصلحتنا ، إنّ الإنسان خُلق هلوعًا يحرصُ على صحّته ، يحرص على سلامته أشدّ الحِرْص ، ترْتعِدُ فرائسُه ، لو علِمَ أنّ به مرضًا عُضالاً ، إنّ الإنسان خُلق هلوعًا ، هكذا خلقه الله عز وجل ، خلقهُ ضعيفًا كي يفتقر بِضَعفه ، كي يسعد بافتقاره ، ولم يخلقهُ قويًّا لئلا يستغني بِقُوّته فيشقى باستغنائه.
 قال تعالى :

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا ﴾

[ سورة المعارج : 20]

 حُبِّبَ المال إلى الإنسان ، قال تعالى :

﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 20-21]

 لا ينفق المال ، المال شقيق الروح ، فإذا أنفقه ارتقى به إلى ربّ الأرض والسموات؛ لأنّه شيءٌ ثمين ، والله سبحانه وتعالى هو الذي جعلهُ في أنفس الناس ثمينًا ، من أجل أن ينفقوه فيرْتقوا بهذا الإنفاق .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ عن أنس رضي الله عنه أنّه لمّا نزلَت هذه الآية :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 قال الصحابي الجليل أبو طلحة : " إنّ ربّنا ليسألنا عن أموالنا ، فأُشهدك يا رسول الله أنِّي جعلتُ أرضي الفلانية لله " وفي الموطّأ : وكانت هذه الأرض أحبّ أمواله إليه ، إنّها أرض قبالة مسجد النبي عليه الصلاة والسلام فيها نبْعُ ماءٍ عذبٍ ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يدخلُ أرضهُ لِيَشرب من هذا الماء العذب ، فلمَّا نزلَت هذه الآية قال :

(( يا رسول الله ، إنَّها صدقةٌ لله عز وجل أرجو بِرَّها ، وذُخْرها عند الله تعالى، فضَعْها يا رسول الله حيثُ أراك الله ، فقال عليه الصلاة والسلام : بخٍ بخٍ ذلك مالٌ رابِح ، ذلك مالٌ رابِح ، وقد سمعْتُ ما قلت ، وإنّي لأرى أن تجعلها في الأقربين ، افْعَل يا رسول الله ، فقسّمها أبو طلحة بين أقاربه وبني عمّه ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك]

 شيءٌ ثمين حينما أنفقه ارتقى إلى الله عز وجل ، وجعلها ذُخْرًا له عند الله تعالى، النبي عليه الصلاة والسلام كان يوزِّعُ شاةً ، وزَّع معظمها ، فقالَت له السيّدة عائشة رضي الله عنها :

(( يا رسول الله لم يبق إلا كتفها ؟ قال : بل بقيت كلها إلا كتفها ))

[ الترمذي عن عائشة ]

 سيّدنا زيد بن حارثة رضي الله عنه لمّا نزلَت هذه الآية عمَدَ إلى ما يحبّ من فرسٍ يُقال لها سَبَل ، وقال : " اللهمّ إنَّك تعلمُ أنّه ليس لي مالٌ أحبُّ إليّ من هذه الفرَس ، فجاء بها إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، فقال : يا رسول الله ، هذه في سبيل الله ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لسيّدنا أُسامة ابنه ، اقْبِضْهُ ، فكأنّ زيدًا وجد في ذلك ، وجد من ذلك في نفسه ، فقال له عليه الصلاة والسلام : يا زيدُ إنّ الله قد قبلها منك ".
 وسيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، لمْ أصبْ مالاً قطّ هو أنْفسُ عندي من سهمي الذي هو بِخَيْبر ، فماذا تأمرني به ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : اِحْبس الأصْل ، وسبل الثَّمر " وهذا الحديث أصلٌ في الوقف ، حجْزُ العَين ، وإنفاق المنفعة .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ سيّدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان يشتري أعدالاً من السّكر ، ويتصدّق بها ، فقيل له : هلا تصدَّقتَ بِثَمنها ؟ فقال رضي الله عنه : لأنّ السكّر أحبّ إليّ من ثمنها ! كان ينفق ما يحبّ ، هذه بعض القصص عن أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ، ثبت أن عبد الرحمن بن عوف شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد :

(( دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم كل يوم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه))

[ رواه الترمذي ]

 لأنّهم كانوا يحبّون الله تعالى ، فإذا أنفَقوا أَنفَقوا عن طيبِ نفسٍ ، وعن طيب خاطر، وأنفقوا تقرُّبًا إلى الله عز وجل .

 

البر لا يُنال إلا بإنفاق الإنسان ما يحب مطلقاً :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا تعني حتى تنفقوا مما تحبون ؟ بقيَ حتى تنفقوا مما تحبّون ، قال بعض العلماء : أيْ الذي تحِبُّونه هو المال ، والناس جميعًا يحِبُّون المال ، فحتى تنفقوا من أموالكم ، هذا هو المعنى الأوّل .
 وقال بعضهم : نفائس الأموال وكرائمها ، ولكن مِن للتَّبعيض ، لا تعني أنّ كلّ المال ، ولا تعني أنّ كلّ نفائس المال ، من شيءٍ تحبّه ، لا من شيءٍ لا تحبّه ، مِنْ للتبعيض ، وبعضهم قال : مِن هنا بيانيّة .
 بعضهم قال : لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا ممّا تحبّون مطلقًا ، فقد تحبّ أن تخلد إلى الراحة ، يطرق بابك ، يُطلب منك أن تقوم بِعَمل صالح ، فهل ترُدّه وأنت تؤثر الراحة ؟ تحبّ أن تنام بعد الظّهر ، وجاء رجلٌ يسألك حاجةً تقتضي جُهدًا وقت القيلولة ، فماذا تفعل ؟ إنّك تحبّ أن تنام بعد الظّهر ، إنّك تحبّ القيلولة .
 شيءٌ آخر ، قد تحِبّ أن تبقى عزيز النّفْس ، ولا تحبّ أن تبذل نفسك لإنسان ، يأتيك رجلٌ ضعيف يقول لك : قلْ لفلانٍ أن يساعدني ، قد ترفض ، وقد ترضى ، أنت تحبّ ألا تسأل الناس شيئًا ، ولكنّ هذا عملٌ صالح يقتضي أن تسأل فلانًا من أجل فلانٍ ، فقال بعض العلماء : حتى تنفقوا مما تحِبّون ، هذه مطلقة ، فالذي يحبّ أن تبقى خبرته عنده ، فإذا بذلها فقد أنفق ممّا يحبّ ، والذي يحبّ أن تبقى أسرار حِرفته عنده ، فإذا بذلها لِصانِعِه أنفق ممّا يحبّ ، والذي يحبّ أن يدّخر وقته لراحته فإذا أنفق هذا الوقت فقد أنفق ما يحبّ ، وإذا كنت جالسًا بين أهلك في غرفةٍ دافئة ، وحان وقت مجلس العلم ، وأحبّ إليك أن تبقى مع أهلك ، ولكنّك آثرْت مجلس العلم فذهبْت إليه ، فقد أنفقْت مما تحبّ ، فقد يكون الوقت مُحبَّبًا إليك ، وقد يكون المال مُحبَّبًا إليك ، وقد يكون الجاه مُحبَّبًا إليك ، وقد يكون عدم الطّلب من الناس مُحبَّبًا إليك ، وقد يكون عدم الدّخول على هذا الإنسان مُحبَّبًا إليك تدخل إليه لله عز وجل ، قال تعالى:

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال بعضهم : كان السَّلف الصالح إذا أحبُّوا شيئًا خافوا أن يحجبهم عن الله عز وجل ، عندئذٍ ينفقونه في سبيل الله ، كانوا حريصين على طهارة قلوبهم، وعلى صفاء نفوسهم حِرصًا لا حدود له ، فإذا شيءٌ من الدّنيا أحبُّوه ، وحجبهم عن الله عز وجل ركلوه بأقدامهم ، وتركوه حتى تصْفُوَ لهم هذه الصّلة بالله عز وجل .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال بعض العلماء : كلُّ فعْلٍ يقرّب صاحبهُ إلى الله تعالى فهو بِرّ ، ولا يمكن التقرّب إليه إلا بالتبرّؤ عمّا سواه ، فمن أحبّ شيئًا فقد حُجِب به عن الله عز وجل ، وأشرك شركًا خفيًّا ، لِتَعَلُّق محبّته بغير الله .
 كان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يخافون أن يحبّوا شيئًا ، فإذا أحبُّوا شيئًا دون الله عز وجل كان حجابهم فيما بينهم وبين الله عز وجل .

الله تعالى عليم بكل ما ينفقه الإنسان :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ قال تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 إنّه يُطمئنكم ، يعلم حجْم الذي أنفقتموه ، ويعلم لِمَن أنفقتموه ، ويعلم مِن أجل مَن أنفقتموه ، ويعلم مقدار التّضحية في هذا الإنفاق ، ويعلم مقدار الجُهد الذي بذلتموه لِتَحصيل هذا المال ، وقد أنفقتموه ، ويعلم النيّة من هذا الإنفاق قال تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 شيءٌ أنكرُ النكرات ، أصغر ما في الوُجود ، ولو ذرّة غبار تراها في سماء الغرفة معلّقة في أيّام الشّتاء ، إذا دخلَت أشعة الشمس إلى الغرفة ، هذه ذرّة يقال لها شيء ، وأما مِنْ فلاستغراق كلّ الأشياء ، وما تنفقوا من شيءٍ مهما دنا ، مهما قلّ ، مهما رأيتموه صغيرًا ، تبسُّمك في وَجه أخيك صدقة ، أن تُميط الأذى عن الطريق صدقة ، وأن تفرِغَ دَلوَكَ في دَلْو المستسقي هو لك صدقة ، وما تنفقوا من شيء ، قال تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 وكفى بالله شهيدًا وعليمًا .

الحث على إخفاء الصدقة :

 آياتٌ أخرى تكمّل هذه الآية ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾

[ سورة سبأ: 39 ]

 يخلفُه ، هذه هي الحقيقة ، أنْفِقْ بلالاً ، ولا تخش من ذي العرش إقلالاً ، آيةٌ ثالثة، قال تعالى :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً ﴾

[ سورة البقرة : 245]

 قال تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 اسْتدلّ بعض العلماء على أنّ في هذه الآية حثّ من الله تعالى على إخفاء الصّدقة، لسْتُم بِحاجةٍ إلى أن تصيحوا ، وأن تقولوا ، وأن تتبجَّحوا ، وأن تفعلوا ، فإن الله به عليم ، الله سبحانه وتعالى يراكم ، يعلمُ متقلّبكم ، يعلمُ مَثواكم ، يعلمُ سِرّكم ، يعلمُ جهركم ، يعلم السرّ وأخفى ، قال تعالى :

﴿ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ هذه الآية تكمّل الآية السابقة ، قوله تعالى :

﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى ﴾

[ سورة النجم : 39]

 قال تعالى :

﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة آل عمران : 92]

 إنّ الله به عليم ، وإنّ الله سيُخلفه ، وإنّ الله يُضاعفه للمنفق أضعافًا كثيرة .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

حيوان لا يحتاج إلى الماء من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من عجائب المخلوقات حيوان من الحيوانات التي تعيشُ في الصحارى ، هذا الحيوان له رجلان طويلتان ، يقفزُ بهما كما يقفز حيوان أستراليا - الكنغر - ولِذَنبه خصلة من شعر يستطيع به في أثناء قفزته أن يحوّل اتِّجاهه وهو في الهواء كَذَيْل الطائرة تماماً ، هذا الحيوان فيه ظاهرةٌ عجيبة ، حيوانٌ كأيّ حيوان ، له جهاز هضْمٍ ، وله جهاز دوران، وفيه سوائل كثيرة ، ولكنّ هذا الحيوان لا يتناوَل ولا قطرة ماء في كلّ حياته ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء: 30 ]

 ما مِن كائنٍ حيّ إلا والماء جزءٌ أساسيّ منه ، الإنسان مثلاً سبعون بالمئة من وزنه ماء ، ما من مخلوق ، وما من كائن حيّ ، وما من خليّة ، وما من حيوان بسيط ، ثديّ أو غير ثديّ ، طائر ، إلا والماء جزء أساسي منه ، وهذا الحيوان لا يتناول الماء أبدًا في كلّ حياته ، بعض علماء الحيوانات اسْتأنسوا هذا الحيوان ، وضعوه في مزارع ، وحملوه على شُرب الماء فلم يفلحوا ، لا يتناول الماء في حياته أبدًا ، سؤالٌ كبير ، من أين يأتي الماء إذًا ؟ أجهزتهُ كلّها سوائل ، من أين يأتيه الماء ؟ إلى أن اكتشفوا أنّه يصنعُ الماء في جهازه الهضمي من الأكسجين الذي يستنشقُه ، ومن الهيدروجين ، وهذا يحتاج إلى أجهزة بالغة التعقيد ، فكيف هذا الحيوان الذي يعيشُ في الصّحارى ، ويصنع الماء هو بِجهازه الهضمي ، يأخذ الأكسجين من الهواء ، ويأخذ الهيدروجين ، وهما مكوّنا الماء ؟ من بعض الحبوب الجافّة التي يحرصُ على أكلها ، يأخذ منها الهيدروجين ، ويصنع من هذا الهيدروجين ، وذاك الأكسجين الماء الذي يُعينُه على أن تستمرّ حياته على النَّحو الذي ينبغي .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ في الكَون شيءٌ من العَجَب العُجاب ، أيُّ شيءٍ قد لا يُصدّق ، تجدُه في الكون ، معنى ذلك أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير ، ومعنى ذلك أنّ كلّ حيوان قد يتفوّق على الإنسان بِشَكل أو بآخر ، ولكنّ الإنسان كرَّمه الله بأن حمَّلَهُ أمانة التكليف ، فإذا غفل عن هذه الأمانة فأيُّ حيوان أرقى منه ، إذا غفل عن معرفة الله عز وجل غفل عن طاعته، غفل عن العمل لما يُرضيه ، فأيّ مخلوقٍ ربّما يتفوّق عليه ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾

[ سورة البينة: 7 ]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ تفكَّروا في مخلوقات الله ففي الكون آياتٌ لا حصْر لها ، وفي الأرض آياتٌ للموقنين ؛ في طعامكم ، وفي شرابكم ، وفيما حولكم ، وفي الظواهر التي ترونها في كلّ مكان ، آياتٌ دالّة على عظمة الله .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018