الخطبة : 0248 - الإسراء والمعراج - المعجزة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0248 - الإسراء والمعراج - المعجزة.


1989-02-24

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله ، سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الإسراء و المعراج :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ غداً تمرّ ذِكرى الإسراء والمعراج ، والإسراء والمعراج ، أو معجزة الإسراء والمعراج من أضخم أحداث الدعوة الإسلاميّة ، لقد سبقتْهُ البعثة ، وجاءَت من بعده الهِجرة ، ولكن وقْفة متأنيّة عند هذا الحدث الضّخم من أحداث الدّعوة الإسلاميّة .
 هل الاطّلاع على سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وما فيها من مِحَنٍ ، من مصائب ، وما فيها من إكرامات ، هل الاطّلاع على السيرة مِن باب التَّرف العِلمي ؟ أم من باب المعلومات التي ينبغي أن تعلم ؟
 أيها الأخوة الأكارم ، الله سبحانه وتعالى جعل سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، وما رافقها مِن أحداث ، جعل هذه السيرة نِبراسًا لنا نحن المؤمنين إلى يوم القيامة ، فلا ينبغي أن نقف عند أحداث السيرة وقفة المطَّلِع ، ولكن وقفة المعتبِر .
 الإسراء والمِعراج في كلّ عامٍ نحتفلُ به ، وفي كلّ عام نردِّدُ على أسماعكم تفصيلات وردَت في كتب السيرة حول هذا الحَدَث الضّخم ، ولكن يا تُرَى ما علاقتنا نحن بالإسراء والمعراج ولا سيما وقد أنزلَ الله فيه قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة ؟ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الإسراء : 1]

 أما قوله سبحانه وتعالى : سبحانَ ؛ أيْ أنّ هذه الأحداث التي سوف تستمعُ إليها لا تُقاسُ بِمَقاييس البشر ، فالله سبحانه وتعالى قنَّنَ القوانين ، وبِقُدرته في كلّ لحظةٍ أن يغيّر هذه القوانين ، الله سبحانه وتعالى جعل لكلّ شيءٍ سببًا ، وفي كلّ وقتٍ بِقُدرته أن يعطّل هذه الأسباب ، أو أن يُلغِيَ هذه الأسباب ، فإذا قلت في مَطلع هذه السورة سورة الإسراء ، سبحان الذي أسرى بعبده ، فالإسراء والمعراج ، لا ينبغي أيّها الإنسان أن تخضعهُ لقوانين الأرض ؛ لأنّه خرقٌ لهذه القوانين ، يوم لم تكن وسائل الاتّصال ولا المواصلات معروفةً بهذا الشّكل الحديث ، انتقل النبي عليه الصلاة والسلام من مكّة إلى بيت المقدس ، وعُرِجَ به إلى السّماء في وقت لا يُعقلُ أن يكفي من حركة بسيطة من حركات الإنسان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى خالق المكان ، الله سبحانه وتعالى خالق الزمان ، هو محيط بالمكان والزمان ، وبإمكانه أن يعطّل قوانين المكان ، وقوانين الزمان ، لئلا تظنّ يا أيّها الأخ المسلم أنّ السّبب هو الذي يخلق الأثر ، إنّ السّبب يترافق مع الأثر ، ولكنّ الذي يخلق الأثر هو الله سبحانه وتعالى مُسبّبُ الأسباب .

 

سبب الإسراء و المعراج :

 أحداث الإسراء والمعراج لا تخفى على أيّ مسلم ، ولكن لماذا كانت ؟ ما الذي سبقها ؟ سبق حدثَ الإسراء والمعراج أنّ النبي عليه الصلاة والسلام في العام العاشر للهجرة ، كان هذا العام بالنّسبة إليه عام الحُزْن ، في هذا العام تُوفِّيَت السيّدة خديجة رضي الله عنها ، لقد واسَتْهُ بِمَالها ، واستْهُ بِنَفسها ، كانت سكنًا له ، كانت تعطفُ عليه في أيّام الشدّة ، تُوفّيَت السيّدة خديجة رضي الله عنها ، فَقَدَ عليه الصلاة والسلام المُؤْنس الداخلي ، وفي هذا العام بالذات تُوفّيَ عمُّه أبو طالب ، وقد دافعَ عنهُ أنْبلَ دِفاعٍ في المحيط الخارجي ، فقَدَ المؤنس الداخلي ، وفقَدَ المعين الخارجي ، وفي هذا العام بعد أن كذَّبتْهُ قريش ، وردَّتْ دعوته ، وسخِرَت منه ، توجَّه إلى الطائف لعلّهُ في الطائف يلتمس من أهلها النُّصرة والهداية ، كان ردّ ثقيف ردًّا منكرًا ، لقد سخِروا من دعوته ، وكذّبوه ، واستهزؤوا به ، وأغْرَوا به سفهاءَهم ، حتى ألْجؤوه صلى الله عليه وسلّم إلى حائطٍ أي بستانٍ ، فدعا ربّه وقال : اللهمّ إنِّي أشكو إليك ضَعف قوّتي ، وقلّة حيلتي ، وهواني على الناس ، يا ربّ المستضعفين ، إلى مَن تكلني ؟ إلى عدوٍّ ملَّكتهُ أمري أم إلى قريب يتجهّمني ؟ إن لم يكن بك غضبٌ عليّ فلا أُبالي ، ولك العتبى حتى ترضى ، ولكنّ عافيتَك أوسعُ لي .

 

امتحان المؤمن أشدّ الامتحان قبل أن يصل إلى ما يريد :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ ماذا نستفيد من هذا الحدَث ؟ أنّ الإنسان لا بدّ من أن يُمتحن ، حدَثُ الإسراء والمعراج قد مضى ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات القُرب ، ولكنْ نحن المؤمنون ، ماذا يفيدنا حدَث الإسراء والمعراج ؟ يفيدنا أن نفهم قوله تعالى :

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾

[ سورة الجاثية: 21 ]

 يفيدنا حدَث الإسراء والمعراج أن نفهم قوله تعالى :

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 2 ]

 لا بدّ من الامتحان ، يمتحن الإنسان بالفقْر ، ويمتحن بالمَرَض ، ويمتحن بِتَكالُب الأعداء عليه ، ويمتحنُ بالمعارضة ، ويمتحن بالتَّضْييق عليه ، ماذا يفعل ؟ ماذا يقول ؟ النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءهُ جبريل الأمين وقال له : يا محمّد أمرني ربّي أن أكون طَوع إرادتك ، لو شئْت لأطْبقتُ عليهم الجَبليْن ! قال : لا يا أخي ، اللهمّ اهْد قومي فإنّهم لا يعلمون.
 الإمام الشافعي رحمه الله سُئِل : يا إمام ؛ أنَدْعو الله بالابتلاء أو بالتَّمكين ؟ فقال الإمام الشافعي : لن تُمكَّن قبل أن تُبتلى .
 النبي عليه الصلاة والسلام قدوةٌ حسنةٌ لنا ، تحمَّل من الشّدائد ما لا يحتملهُ بشرٌ على الإطلاق إلا أن يكون نبيًّا ، ماذا قال ؟ وماذا تصرّف ؟ كان في منتهى الكمال .
 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ دروس الإسراء والمعراج تعني أنّ المؤمن لن يصل إلى ما يريد حتى يُمتحن أشدّ الامتحان ؛ لأنّ عطاء الله عظيم ، ولأنّ الجنّة غالية ، ألا إنّ سِلعة الله غالية ، وهذه جنّةٌ غالية ، لن يصل المؤمن إليها حتى يمتحن امتحانًا دقيقًا ، وينجح في هذا الامتحان .
 أيها الأخوة الأكارم ، أيّة مصيبة تصيب المؤمن إنّما هي امتحانٌ له ، وكَشْفٌ لِمَعدنِهِ ، وإجلاءٌ لِحَقيقته ، هناك من يرسب ، وهناك من ينجح ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 155-157]

 ماذا فعلَ عامُ الحزن بالنبي عليه الصلاة والسلام ؟ زادهُ قربًا لله عز وجل ، وزادهُ استسلامًا له ، زادهُ يقينًا بِرَحمته ، ويقينًا بنُصرته .

 

الإسراء و المعراج مسح لجراح الماضي و تكريم للنبي :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ حينما قال الله عز وجل :

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾

[ سورة الإسراء : 1]

 أيْ لقد سمِعَ دعاؤكَ يا محمّد صلى الله عليه وسلّم ، حينما كنت في الطائف ، وبَصُر بِحَالك ، وبِرَحمتك ، وبحِرصِك على هداية الخلْق ، لقد فُقْت بهذا الأنبياء جميعًا ، عندئذٍ جاء الإسراء والمعراج ، لِيَكُون مسْحًا لِجِراح الماضي ، لِيَكون تضميدًا لهذا الجُرْح ، لِيَكون تكريمًا من الله عز وجل ، وتكريم السماء بعد أن جفت الأرض بهذا النبي الكريم ، جاء الإسراء والمعراج لِيُعرّف النبي عليه الصلاة والسلام أنّه سيّد ولد آدم ، وسيّد الأنبياء والمرسلين ، جاء الإسراء والمعراج لِيَكون تَطمينًا للنبي عليه الصلاة والسلام على مستقبل هذه الدّعوة ، جاء الإسراء والمعراج لِيُرِيَ النبي عليه الصلاة والسلام الآيات الكبرى كما جاء في سورة النَّجم ، قال تعالى :

﴿ ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النجم : 8-18]

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الصّبر بِمَكروه القضاء أرفعُ درجات اليقين ، كلّنا يطلبُ من الله عِزَّ وجل الدنيا والآخرة ، ولكنّ الذي يحتملُ أن تأتي الأمور على غير ما يريد ، هو الذي يعرف الله سبحانه وتعالى ، عندئذٍ تأتي المكافأة ، ويأتي الإكرام ، بعد الامتحان الصّعب .

 

فرض الصلاة في الإسراء والمعراج لِتَكون معراج المؤمن إلى ربّه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ جوهر الدّين اتّصال بالخالق ، وإحسانٌ إلى المخلوق ، والنبي عليه الصلاة والسلام عرَج إلى الله عز وجل ، وفي الإسراء والمعراج ، فرضَت الصلاة على أمّته صلى الله عليه وسلّم ، إنّ الصلاة قد فرِضَت في الإسراء والمعراج لِتَكون معراج المؤمن إلى ربّ الأرض والسموات ، لا خير في دينٍ لا صلاة فيه ، الصلاة عماد الدِّين من أقامها فقد أقام الدِّين ، ومن هدمَها فقد هدَم الدِّين ، الناسُ أيّها الأخوة رجلان شقيّ وسعيد ، مقطوعٌ عن الله، متفلّتٌ من منهجه ، مُسيءٌ إلى خلقه ، وموصول بالله ، منضبطٌ بشَرعه ، محْسنٌ إلى خلقه، لن يختلف الناس عن هذين الرّجلين ، شقيّ وسعيد ، متّصل بالخالق ، ومقطوعٌ عنه ، منضبطٌ بالشّرع ، ومتفلِّتٌ منه ، مُحسنٌ إلى الخلق ، أو مسيءٌ إلى الخلق .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى جعَلَ الصلاة ذِكْرًا تذكرُ فيها الله سبحانه وتعالى ، قال الله عز وجل :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

 جعل الصلاة ذِكْرًا لله عز وجل ، فمَن صلى وغفل عن ذكر الله تعالى فماذا فعل ؟ قد يقول قائلٌ : سقط الوُجوب ، وإن لم يحصل المطلوب ، ولكن هل أراد الله تعالى أن تكون هذه الصلاة على النّحو الذي يؤدِّيها بعض المسلمين ؟ هذا الأمْر الإلهي أوّل ما يُحاسبُ الرّجل يوم القيامة عن صلاته فإن صحَّت صحَّ عمله ، وإن فسدَت فسدَ عمله ، أيُرضي الله عز وجل أن تؤدَّى الصلاة أداءً شكليًّا لا معنى لها ؟ أهكذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلّي ؟ أهكذا أمرنا أن نصلّي ؟ أهكذا جاء في القرآن الكريم أنّه إذا صُلِّيَت هذه الصلاة من دون إقبال ، ومن دون وِجهةٍ ، من دون خشوعٍ ، فقد أفلح صاحبها ؟ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 1-2]

 بعض العلماء يقول : ليس الخشوع في الصلاة من فضائل الصلاة ، بل هو من فرائضها ، لذلك حينما قال عليه الصلاة والسلام : " الصّلاة مِعراج المؤمن " هي العلاقة التي ينبغي أن تكون فيما بين المؤمنين ، وبين خالق الأكوان ؛ ربّنا سبحانه وتعالى .
 شيءٌ آخر يا أيها الأخوة ، ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق : 19]

 فالصلاة قُرب ، إذا عصَيْتهُ ، وإذا تفلَّتَّ من شرعه ، إذا أسأت إلى خلقه كيف تقتربُ منه ؟ إنّ الصلاة في جوهرها قُربٌ من الله سبحانه وتعالى ، ولن تستطيع أن تقترب منه إلا إذا استقمْت على أمره ، وأحسنت إلى خلقه ، لذلك حينما أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نقترب فَمِن مضمون هذا الأمر أن نستقيم على أمر الله سبحانه وتعالى .

 

الصلاة ذكر و قرب ووعي و عقل :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

[ سورة النساء : 43]

 هذه الآية منسوخة ، فالصلاة وعيٌ يجبُ أن تعلم ما تقول ، يجبُ أن تكون حاضرًا مع ربّك فيما تتْلو من قرآن ، يجبُ أن تتأمّل في الآيات التي تتلوها في الصلاة ، يجبُ أن تنتقل منها إلى التطبيق ، يجبُ أن تركع ركوعًا متعلِّقًا بها ، يجبُ أن تسجدَ سُجودًا متعلِّقًا بها ، كما قال عليه الصلاة والسلام لكلّ سورة حظّها من الرّكوع ، والسّجود ، الصلاة ذِكرٌ ، والصّلاة قُربٌ، والصلاة خشوعٌ ، كما قال الله عز وجل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 1-2]

 والصلاة وَعي ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾

[ سورة النساء : 43]

 والصلاة عقل ، كما قال عليه الصلاة والسلام : " ليس للمؤمن من صلاته إلا ما عقل منها " ماذا عقلت ؟ وماذا تلَوْت ؟ حينما خاطبْت الله عز وجل ؛ إيّاك نعبدُ ، وإيّاك نستعين هل دَعَوْتهُ ؟ هل اسْتعنْت به على عبادته ؟ وهل اسْتعنْت به على أن يهْدِيَك إلى الصّراط المستقيم ؟ تقول كما قال تعالى :

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6-7]

 تأتي الآيات التي بعد الفاتحة كإجابةٍ لك عن دُعائك اهدنا الصّراط المستقيم .
 أيها الأخوة الكرام ، الصلاة عماد الدِّين من أقامها فقد أقام الدِّين ، ومن هدمَها فقد هدَم الدِّين ، الصلاة قُرب ، الصلاة ذِكْر ، قال تعالى :

﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 45]

الصلاة نهْيٌ عن الفحشاء والمنكر :

 يا أيها الأخوة الأكارم ، إنّ النَّهْي عن الفحشاء والمنكر نَهيٌ ذاتي ، أساسهُ الوازع الداخلي ، وليس نهيًا داخليًّا أساسه الرادع المادِّي ، أكثرُ الأنظمة الوضعيّة تعتمدُ على الرّدع الخارجي ، ويبقى الإنسان هو هو من داخله ، ولكنّ الصلاة كما أرادها الله عز وجل هي نهْيٌ عن الفحشاء والمنكر لا على أساس الرّادع الخارجي ، بل على أساس الوازع الداخلي .
أيها الأخوة الأكارم ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول : " لو يعلم المصلّي من يناجي ما التفَتَ " إنّه يناجي ربّه ، وإذا ناجيْت الله عز وجل فكيف ينبغي أن يكون حالك ؟ قال بعض العارفين :

 

فلو شاهَدَت عيناك من حسننا الذي رأوْهُ لما ولَّيــــــــتَ عنَّا لغيـــــــــــرنا
ولو سمِعَت أذناك حُسن خِـطابنــــــــــا  خَلَعْت عنك ثياب العُجب وجِئتنا
ولو ذُقت من طَعـــم المحبّــــــــــــة ذرَّة  عذرْت الذي أضحى قتيلاً بحُبّنــا
ولو نسمَت لك من قربنــــــــــا نـسمةٌ  لَمُتّ غريبًا واشتياقًـــــــــــا لِــقُربنـا
***

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ مَن ذاق طَعم الصّلاة كما أرادها الله عز وجل يردِّدُ مع النبي عليه الصلاة والسلام : أرِحْنا بها يا بلال ، السيّدة عائشة رضي الله عنها كانت تقول : " كان النبي صلى الله عليه وسلّم يحدِّثُنا ونحدِّثُه ، فإذا حضَرَت الصّلاة فكأنّه لا يعرفنا ولا نعرفهُ " لِهَوْل الموقف إنّه يُناجي ربّه ، إنّه يتعلّم منه ، إنّ أوامرهُ ملء سمعه وبصره .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يكفينا أنّ الإسراء والمعراج كما قال عليه الصلاة والسلام : " الصّلاة معراج المؤمن " وفي الإسراء والمعراج فُرِضَت الصلاة ، ويكفينا أن نعلم كما قلتُ قبل قليل أنّ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام يجبُ أن نقرأها ، ويجبُ أن نستوعبها ، ويجبُ أن نسْتنبط منها الدّروس ، والعِبَر ، يجبُ أن نأخذ كلّ دقيقة من دقائقها ، وكلّ حدَثٍ من أحداثها على أنَّه درسٌ بليغٌ عملي ، إذا كان القرآن حقائق نظريّة فإنّ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام حقائقُ مطبّقة ، لذلك حينما سئلت السيّدة عائشة رضي الله عنها عن خُلق النبي عليه الصلاة والسلام ، قالت :

(( كان خلقه القرآن ))

[ مسلم عن عائشة ]

 بل إنّ بعضهم يقول : النبي عليه الصلاة والسلام قرآنٌ يمشي ، أي أنّ سُلوكه ينطبق مع أوامر الله عز وجل ، ومع نواهيه ، ومع المبادئ التي جاء بها الكتاب بِشَكلٍ دقيق .

 

ضرورة التمهيد للصلاة قبل دخول الوقت :

 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ وقفةٌ ثانية عند الصلاة ، ما الذي يحجبُ الإنسان عن ربّه؟ إنّها المعاصي ، والمعاصي كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بريد الكُفْر ، أيّة مخالفةٍ في كسْبك للمال ، وأيّة مخالفة في إنفاقك للمال ، وأيّة مخالفة في علاقتك بالنّساء ، وأيّة مخالفةٍ في علاقتك بالناس ، وأيُّ خروجٌ عن شرع الله سبحانه وتعالى ، يجعلُ بينك وبين الله حِجابًا ، هذا الحِجاب إما أن يزداد مع الأيّام فيزداد مع ازْدياده صعوبة خرقه ، وإما أن تسارعَ فتخرقَ هذا الحِجاب بالتوبة النَّصوح ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : " لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار " ، فإذا أردت أن تصلّي فيجبُ أن تمهّد للصلاة قبل دخول الوقت ، يجبُ أن تمهّد لها بِتَطبيق أمر الله عز وجل ، يجبُ أن تمهّد لها بالإحسان إلى الخلق ، حتى إذا وقفْت بين يدي الله عز وجل شَعَرْت أنّ الطريق إلى الله سالكة ، شعرْت أنّ باب الله مفتوحٌ أمامك ، شعرت أنّ الله سبحانه وتعالى يقبلك بهذا العمل ، وهذا الورع ، لهذا قالوا : " ركعتان من ورِع خير من ألف ركعةٍ من مخلّط ، ومن لم يكن له ورعٌ يصدّه عن معصيَة الله إذا خلا لمْ يعبأ الله بِشَيءٍ من عمله " .
 يا أيها الأخوة المؤمنون ؛ الصلاة كما قلتُ قبل قليل ، ذِكْرٌ ، وقُرْبٌ ، ومناجاة، ووعْيٌ ، وعقلٌ ، والتفاتٌ ، لن تكون الصلاة كذلك إلا إذا بُنِيَت على معرفة الله ، كيف تتّصلُ بِمَن لا تعرفهُ ؟ كيف تناجي من لا تعرفهُ ؟ كيف تتقرَّبُ مِمَّن تعصي أمرهُ ؟ لابدّ مِن أن تُبنى على معرفة الله ، ولابدّ من أن تُبنى على تطبيق أمره ، ولابدّ من أن تبنى على الإحسان إلى خلقه ، إذا كنت كذلك فالله سبحانه وتعالى خرق أمامك الحُجُب ، ودخلْت عليه ، وسعِدْت بهذا القُرب ، النبي عليه الصلاة والسلام ما من شيءٍ كان أحبّ إليه من الصّلاة ، قال :

((..وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))

[النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]

 وسيّدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يقول : " ثلاثة أنا فيهنّ رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس ، ما صلَّيْتُ صلاةً فشُغِلَت نفسي بغيرها حتى أقْضِيَها ".
 وقد روى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم حديثًا قدسيًّا أُكثرُ من إسماعكم إيّاه من حينٍ لآخر ؛ لأنّه جوهر يضعُ الإنسان فيه يده على جوهر الدِّين ، يقول الله سبحانه وتعالى : " ليس كلُّ مصلٍّ يُصلّي ، إنَّما أتقبَّل الصلاة مِمَّن تواضع لعظمتي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، ولم يصرّ على معصيتي ، وأطعم الجائع ، وكسا العريان ، ورحم المُصاب ، وآوى الغريب ، كلّ ذلك لي ، وعِزّتي وجلالي إنّ نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشّمس ، على أن أجعل الجهالة له حِلمًا ، والظّلمة نورًا ، يدعوني فأُلبّيه، ويسألني فاُعطيه ، ويقسمُ عليّ فأبرّه ، أكلؤُه بقُربي ، وأستحفظهُ ملائكتي ، مثله عندي كمثل الفردوس ، لا يُمسّ ثمرها ، ولا يتغيّر حالها ".
 يا أيّها الأخوة الأكارم ، ما من شيءٍ يُسعد النَّفْس إلا اتّصالها بالله عز وجل ، وما من شيءٍ يُعَرقل هذا الاتّصال إلا المعاصي والمخالفات ، فمَن أراد أن يتّصل بالله اتّصالاً يُسعدهُ، فلْيستقم على أمره ، ولينْضبط بِشَرعِهِ حتى يرى أنّ الله سبحانه وتعالى تجلّى على قلبه .

 

الحكمة من فرض الصلاة :

 موضوع الصّلاة ، قد فرضت الصلاة يوم الإسراء والمعراج ، والنبي صلى الله عليه وسلّم في أعلى درجات القُرب ، لقد شُرعَت لنا الصّلاة من أجل القُرْب ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مستويات القُرْب ، المعلومات النظريّة وحدها لا تكفي ، أن تستمعَ إلى خطبةٍ تتكلّم عن الصلاة لا تكفي ، الذي يُسعِدُك أن تصلّي ، وأن تخرق الحُجب التي بينك وبين الله ، لذلك ليس موضوع الاستقامة على أمر الله ، ومعرفة الله من الأعمال التي تفعلها ، أو لا تفعلها، هذا من الأعمال المصيريّة ، لا شيءَ يعلو عليها ، ولا شيء يقدّم عليها ، كيف تتّصل بالله تعالى وأنت لا تعرفه ؟ يجبُ أن تعرفه ، هذا الكون أمامك ، بابٌ واسعٌ لِمَعرفة الله ، وهذا الكتاب أمامك دليلٌ لك على الله ، ومجالسُ العلم تعرّفك بالله ، فلابدّ من أن تعرفه ، ولابدّ من أن تستقيم على أمره ، ولابدّ من أن تتّصل به ، حتى تنقلب هذه المعاني النظريّة إلى حقائق تعيشها، وإلى اتّصال حقيقي بالله تعالى تسعدُ به ، وتدعو إليه .
 أيها الأخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

المعجزة :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ موضوع دقيق جدًّا متعلّق بالإسراء والمعراج ، الناس عادةً ألفوا لكلّ شيءٍ خاصّة ، أو طبيعة ، ألفوا القوانين التي قنّن الله بها ملكوت السموات والأرض ، للماء خواص ، وللنار خواص ، للانتقال من مكان إلى مكان قوانين تضبط هذا الانتقال ، الجسم له ظروف تتوافق معه ، وظروف تتناقض معه ، كي نفرّق بين ما هو مستحيلٌ عادةً وبين ما هو مستحيلٌ عقلاً ؟ أسوق لكم الحقائق التالية :
 إنّ الله سبحانه وتعالى حينما جعل النار تحرق بِمَشيئته في أيّة لحظة ، بقدرته أن يجعلها لا تُحرق ، أيُّ شيءٍ له طبيعةٌ خاصّة ، أيُّ قانون مادّي ، أيّ علاقة ثابتة بين شيئين هذه من خلق الله عز وجل ، والله يخلق ما يشاء ، فإذا خلقها على شاكلةٍ يمكن أن يخلقها على شاكلةٍ أخرى ، فحينما تأتي في القرآن الكريم بعض خوارق العادات ، كالإسراء والمعراج ، وهو معجزة ، هذا لا ينبغي أن نفهمه في ضوء القوانين التي قنّنها الله سبحانه وتعالى ، إنّ الإسراء والمعراج خرْقٌ لهذه القوانين ، لأنّ الإنسان أحيانًا يتوهّم أنَّ السّبب وحدهُ هو الذي يخلق النتيجة، فإذا اعتقد ذلك اعتقادًا جازمًا وقع في الشِّرْك ، إنّ الذي يخلق النتيجة ليس هو السّبب ، ولكنّه الله سبحانه وتعالى ، ولكنّ السّبب في أيّة لحظة يعطّل أو يُلغى ، فحينما تأتي بعض المعجزات على يد الأنبياء صلوات الله عليهم ، أو حينما تكون بعض المعجزات لِنَبيِّنا عليه الصلاة والسلام، هذا ليس مستحيلٌ عقلاً ، ولكنّه مستحيلٌ عادةً ، وعلماء العقيدة فرّقوا بين ما هو مستحيلٌ عادةً ، وبين ما هو مستحيلٌ عقلاً ، البحر الذي بين مصر و سيناء ، قال تعالى :

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ ﴾

[ سورة الشعراء : 61]

 فرعون من ورائهم ، والبحر من أمامهم ، قال :

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾

[ سورة الشعراء : 62]

 الله سبحانه وتعالى حينما خلق طبيعة الماء سائلة ، كما أنّه خلقها سائلة بقُدرته في كلّ لحظة أن يخلقها جامدة ، فما هي إلا إشارةٌ من سيّدنا موسى بِعَصاه حتى أصبح البحر يبسًا، هذا إذا فكَّرت في آلاء الله ، وعرفت عظمته سبحانه وتعالى ، لا ترى في خوارق العادات شيئًا مستحيلاً عقلاً ، بل ربّما كان مستحيلٌ عادةً كما ألف الناس ، أَلِف الناس أنّ النار تحرق وأنّ الماء سائل ، ولكن ربّنا سبحانه وتعالى هو خالق القوانين ، هو خالق طبائع الأشياء ، هو خالق العلاقات الثابتة ، التي تظنّها أنت ثابتة ، إنّها ليْسَت ثابتة ، ثابتة إذا شاء الله لها أن تكون ثابتة ، فإذا شاء لها أن تكون غير ثابتة تكون غير ثابتة ، هو الذي خلق قوانين المكان ، هو الذي خلق قوانين الزمان ، فإذا قرأْت في كتب السيرة أنّ النبي عليه الصلاة والسلام خرج من بيته إلى بيت المقدس وعاد إليه ، فهذا من خرق الله سبحانه وتعالى لِقَوانين المكان .
 قريش كذّبوه ، فحينما طالبوه أن يصف لهم المسجد الأقصى وصفَهُ وكأنّه يشاهدهُ ، لأنّه كان قد شاهدهُ ، لعلّهم يظنّون أنّ النبي عليه الصلاة والسلام سمِعَ هذا الوصف من غيره فنقلهم إليه ، طالبوه بأن يصف لهم ما رآه في الطريق ، وصف لهم قافلةً ، وسمّى أسماء أصحابها ، ولمّا جاءت القافلة إلى مكّة وسألوا أفرادها ، جاءَت إجابتهم مطابقةً تمامًا لِوَصف النبي عليه الصلاة والسلام ، لذلك حدَث الإسراء والمعراج نُصّ عليه بآيات محكمةٍ صريحة الدلالة ، فمن أنكرهُ فقد كفر ؛ لأنّه أنكر حقيقةً وردت في القرآن الكريم .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَنا فيمن تولَيت ، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك ، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين ، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، ولا تهلكنا بالسنين ، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018