الخطبة : 0381 - الدعاء - عطاء بن رباحٍ. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0381 - الدعاء - عطاء بن رباحٍ.


1992-02-14

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الدعاء هو الاتصال المباشر بين العبد وربه :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ ﴾

[ سورة البقرة: 189 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾

[ سورة البقرة : 215]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾

[ سورة البقرة : 217]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة البقرة : 219]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

[ سورة البقرة : 219]

﴿فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾

[ سورة البقرة : 220]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾

[ سورة البقرة : 222]

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾

[ سورة المائدة : 4 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾

[ سورة الأعراف : 187 ]

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[ سورة الأنفال : 1]

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾

[ سورة الإسراء : 85 ]

 ليس بين الله والعباد وسيط
في هذه الآيات كلها كلمةٌ متكررة ، هي كلمة ( قل) أيْ أنك أيها النبي إذا سُئِلت عن كذا وكذا ، فقل كذا وكذا ، إلا آية واحدة . .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 هذه الآية ليس فيها ( قل) استنبط المفسرون من غياب كلمة ( قل) في هذه الآية أن الدعاء بين العبد وربه ليس فيه وسيط ، هو الاتصال المباشر بين العبد وبين خالق الكَوْن ، إذا أردت أن تتصل اتصالاً مباشراً بخالق الكون فادعُ الله عزَّ وجل ، إذا أردت أن يحدِّثك ربك فاقرأ القرآن ، وإذا أردت أن تحدث الله فادعوه .
 ذكرت هذه الآيات ، وأتبعتها بالآية الوحيدة التي غابت منها كلمة (قل) ، إشارةً من الله عزَّ وجل إلى أنه ليس بين الله وبين العباد وسيط . فأيُّ عبدٍ كان مضطراً ؛ وقع في ضائقة ، وقع في أزمة ، وقع في مُشْكلة ، لاح له شبح مصيبة ، خاف شيئاً ، خاف شخصاً ، خاف جهةً ، أصابه مرضٌ ، أيَّة مصيبةٍ مهما دقَّت ، أو مهما جلَّت ، مهما هانت أو مهما عَظُمَت ، مهما اقتربت أو مهما بعدت ، معنويةً كانت أو ماديَّة ، أية مصيبةٍ إذا ألمَّت بالإنسان، ليعلم الإنسان عِلْمَ اليقين أن الله سبحانه وتعالى ما ساقها له إلا ليسمع تَضَرُّعَهُ ، إلا ليسمع دعاءه ، إلا ليدفعه إليه ، إلا ليوقفه على بابه وهو الكريم ، إلا ليستجيب له وهو الرحيم ، إلا لينقذه وهو المُجيب .

 

تهيئة النفس للعبادة قبل وقت العبادة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بعض العلماء قالوا في تفسير قوله تعالى :

﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾

[ سورة لقمان : 20 ]

 النِعَمُ الباطنة هي المصائب ، لماذا ؟ لأنها تسوق الناس إلى باب الله ، تحملُهم على التوبة ، تجعلهم ينظرون إلى السماء ، تجعلهم ييئسون من أهل الأرض ، تجعلهم يتطلعون إلى أمر الله وإلى نهيه - نحن في شعبان- والشيء الذي يُلْفِتُ النظر هو أن كل العبادات ، كأن حكمة الله عزَّ وجل المستنبطة من سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام أن تهيَّأ النَفْسُ لهذه العبادة قبل وقت العبادة ، أيْ إذا أردت أن تقطع طريقاً من نقطة كذا إلى نقطة كذا بأعلى سرعة، لابدَّ من أن تنطلق قبل نقطة البدء بسرعةٍ ابتدائية ، قبل أن تصل إلى نقطة البَدْء لابدَّ من أن تكون متحركاً ، حتى تصل إلى نقطة البدء وأنت بالسرعة النظامية الكاملة .
 فرمضان على الأبواب ، لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يُكْثِرُ من الدعاء في شعبان ؟ ويكثر من الصيام فيه قبل النصف في الأعمّ الأغلب ؟ ولماذا كان يكثر الدعاء في شعبان ؟ إن رمضان شهر القُرب ، إن رمضان شهر التقوى ، إن رمضان شهر البذل ، شهر القُرآن ، لا يُعْقَلُ أن تبدأ رمضان بدايةً قليلة ، فإذا أردت أن ترفع هذه السرعة في رمضان ، وصلت إلى نصف رمضان ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا أن نهيئ أنفسنا لرمضان قبل رمضان ، وما السنة القبلية في الصلاة إلا تهيئة للفريضة ، وما السُنَّة البعدية في الصلاة إلا ترميم لما فاتك في الفريضة ، وما الإحرام من الميقات إلا تهيئة النفس لمواجهة الكعبة المُشَرَّفة ، وما كل شيءٍ تفعله قبل العبادة إلا تهيئةٌ ، وإعدادٌ ، ورفع مستوى النفس إلى مستوى العبادة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ذكرت لكم أن آية الدعاء ليس فيها كلمة (قل) بمعنى أن الاتصال بينك وبين الله مباشِرٌ ، بإمكان أيّ عبدٍ أن يرفع يديه إلى السماء وأن يدعو الله عزَّ وجل ، وبقدر إخلاصه ، وبقدر صِدْقِهِ ، وبقدر معرفته ، وبقدر استجابته تكون الاستجابة .

 

على العبد أن يسأل عن ربه عز وجل :

 الآية التي بين أيدينا اليوم هي قوله تعالى :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 فهل سألت أحداً عن الله ؟ كيف يستجيب ؟ كيف يستمع ؟ كيف يُعامل عباده ؟ لماذا خلقنا ؟ ماذا يُحِب ؟ ماذا يَكْرَه ؟ مَنْ يحب ؟ مَنْ لا يحب ؟ هل هذا الموضوع جملةً وتفصيلاً يعنيك أم أنت غارقٌ في وادٍ آخر؟ هل يعنيك أمر دينك ؟ هل يعنيك أمر ربك ؟ هل يعنيك أمر آخرتك ؟ هل أنت غارقٌ في حطام الدنيا حتى إذا جاء الموت قال :

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 نشعر ونستنبط من هذه الآية أن العبد يجب أن يسأل عن ربه . .

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء : 43]

﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾

[ سورة الفرقان : 59]

 هل سألت عن الله يوماً ؟ قد تسأل عن أسعار بعض الحاجيات ، قد تسأل عن أسعار البيوت ، قد تسأل عن الأماكن التي سوف تمضي بها عُطلة نهاية الأسبوع ، أو عطلة السَنَة ، قد تسأل عن أشياء كثيرة في الدنيا ، فهل سألت مرةً عن ربك ؟ كيف يعاملنا ؟ ماذا أعدَّ لنا ؟ ماذا بعد الموت ؟ ماذا قبل الموت ؟ ما الذي يرضيه ؟ ما الذي لا يرضيه ؟ ما سُنَنُهُ ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 كأن في هذه الآية دفعٌ للناس ، اسألوا ، ابحثوا ، تأمَّلوا ، تدبروا ، دققوا ، انظروا..

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 ما من ثلاثةٍ إلا هو رابعهم . .

﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾

[ سورة ق: 16]

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[ سورة الحديد : 4 ]

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

[ سورة الأنفال : 24 ]

علامة إيمانك أن ترى أن الله قريب و هو معك أينما كنت :

﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾

  أقرب منك إلى نفسك ، إذا جاءك خاطرٌ وأنت صامت ، إن الله عزَّ وجل يطَّلع عليه قبل أن تطلع عليه أنت ، إنك مكشوفٌ أمام الله عزَّ وجل . . فهل رأيته قريباً ؟ علامة إيمانك أن ترى أن الله قريب ، وعلامة البُعْد عن الله عزَّ وجل أن تراه عنك بعيداً، أن تراه في السماء . .

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[ سورة الحديد : 4 ]

﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾

[ سورة الزخرف : 84]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف : 54 ]

﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر : 102]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود : 123 ]

الله أقرب إليك من نفسك

 

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

 

[ سورة البقرة : 186 ]

 يستنبط من كلمة ( إذا دعان) أي إذا دعاني حقيقةً ، إذا دعاني مُخْلصاً ، إذا دعاني وقد قطع آماله من خلقي . .

(( ما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته ، فتكيده أهل السموات والأرض ، إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً . وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوقٍ دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه ، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ كنز العمال عن كعب بن مالك ]

﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

  إذا دعوت الله وأنت معتمدٌ على ذكائك ، ما نفعك ذكاؤك ، إذا دعوت الله وأنت متكئٌ على مالِك ، ما نفعك مالك ، إذا دعوت الله وأنت متكئٌ على زيدٍ أو عبيد ، هم أصحابك ، ولهم شأنٌ كبير ، ولن يتخلوا عنك ، دعاؤك لا يجدي ، دعاؤك مشوبٌ بالشِرْك . .

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

.

 

الدعاء مخ العبادة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الدعاء كما قال عليه الصلاة والسلام ، وكما ورد في كتاب مصابيح السُنَّة :

((الدعاء مخ العبادة ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 دعاء العبد يؤكد حياة قلب المؤمن وحياة إيمانه
لماذا ؟ لماذا تصلي ؟ كي تتصل ، لماذا تصوم رمضان ؟ كي تتصل ، لماذا تحُجُّ البيت ؟ كي تتصل ، الصيام من أجل الصلة ، والحج من أجل الصلة ، والصلاة من أجل الصلة ، والزكاة من أجل الصلة ، وكل العبادات جملةً وتفصيلاً من أجل أن يكون الطريق بينك وبين الله سالكاً ، سالك لا بصعوبة بل سالك بيُسر ، المعاصي تجعل الطريق سالكاً بصعوبة ، وكلما كثُرت المعاصي كثرت الحُجُب ، فإذا كانت الصلاة والصيام والحج والزكاة من أجل أن تتصل ، فإذا كنت مضطراً ، ومحتاجاً ، وفي ضيقٍ شديد ، وفي محنةٍ قاسية أنت في هذه الحالة تتصل أشدّ أنواع الاتصال ، تتصل في أعلى مستويات الاتصال ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

((الدعاء مخ العبادة ))

[الترمذي عن أنس بن مالك ]

 في آيةٍ أخرى دقيقةٍ جداً يقول الله عزَّ وجل :

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة الفرقان : 77]

 أيْ أنتم إن لم تدعوا ربكم من أنتم ؟ لا شأن لكم عند الله ، أمواتٌ غير أحياء ، ما الذي يؤكِّد حياتكم - حياة إيمانكم - ؟ ما الذي يؤكد أن نبضاً في عروقكم ؟ هو الدعاء ، إذا قلت : يا رب . قال لك الله : لبيك يا عبدي ، إذا قلت : يا رب وأنت راكع ، قال الله عزَّ وجل : لبيك يا عبدي . وإذا قلت : يا رب وأنت ساجد . قال الله عزَّ وجل : لبيك يا عبدي . وإذا قلت : يا رب وأنت عاصٍ ، هنا حالة استثنائية ، تأليفاً لقلبك ، وفرحةً بقدومك ، وأوبتك ، وعودتك ، قال الله : لبيك ثم لبيك ثم لبيك . لأن عبادي كما قال الله عزَّ وجل :

((إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من الذنوب والمعايب ))

[البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

من دعا الله فهو مؤمن بوجوده :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة الفرقان : 77]

 أنت إذا دعوت ، معنى ذلك أنك مؤمنٌ بوجود الله ، وأنك إذا دعوت الله ، معنى ذلك أنك مؤمنٌ بأنه معك أينما كنت ، وأنك إذا دعوت الله عزَّ وجل ، معنى ذلك أنك مؤمنٌ بأنه يسمعك ، وإذا دعوت الله عزَّ وجل ، معنى ذلك أنك مؤمنٌ بأنه يُحبك وسيستجيب لك ، إذاً :

﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾

[ سورة الفرقان : 77]

 لولا أنَّكم تدعون لا يعبأ بكم ربي . .

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

[ سورة النحل : 21 ]

﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة هود : 36]

 أي إذا خَلَت حياة العبد من الدعاء كأنَّه انتهى ، إذا تعامل مع الأشياء تعاملاً مادياً ونسي الله عزَّ وجل ، ونسي الله الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي بيده كل شيء ، وهو على كل شيءٍ قدير ، وهو يسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمَّاء في الليلة الظلماء، إذا تغافلت أو نسيت خالق الكون ، وأن كل الناس بيده ، وأن كل حركاتهم وسكناتهم ، وأن رضاهم وغضبهم ، وعطاءهم ومنعهم وصلتهم ، أن كل هذا بيد الله . إذاً إذا دعوت الله فهذه علامة إيمانك ، فإذا غفلت عن الدعاء كُلِّياً فهذه علامة جهلك وبُعْدِك عن الله عزَّ وجل ، لذلك:

((لِيَسأَلْ أحدكُمْ رَبَّه حاجتهُ كلَّها حتَّى يسألَ شِسْعَ نَعلِهِ إذا انقطَع ))

[الترمذي والبزار في مسنده وابن حبان عن أنس بن مالك ]

(( إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح عجينه ))

[ورد في الأثر]

(( إن الله يحب الملحين في الدعاء ))

[أخرجه الحكيم الترمذي وابن عدي في نوادر الأصول عن أنس بن مالك]

(( من لا يدعوني أغضب عليه ))

[الجامع الصغير عن أبي هريرة ]

الافتقار إلى الله و عدم الاعتماد على النفس :

 لكن . .

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 الذي يعتدي على أخيه الإنسان كائناً من كان ، الذي يعتدي على الناس ، على أموال الناس ، على أعراضهم ، على ما عندهم ، الذي يُسَبِّب المتاعب للناس ، هذا الذي يعتدي إن الله لا يحبه ، ومعنى لا يحبه أيْ لا يستجيب دعاءه . .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 أحياناً تدعو وأنت مُتَّكلٌ على ذاتك . ومن اتَّكل على نفسه أوكله الله إليها ، أحياناً تدعو وأنت متكلٌ على زيدٍ أو عُبَيْد ، وعندئذٍ يبدو لك زيدٌ أو عُبَيْد عبيداً فقراء لله عزَّ وجل ، لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً ، ولا أن ينفعوك ، و . .

(( وَاعْلَمْ أنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ على أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ ، وَإِنِ اجْتَمَعُوا على أنْ يَضُرُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُوكَ إِلا بِشَيءٍ قد كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ))

[ سنن الترمذي عن ابن عباس ]

((لكل شيءٌ حقيقة وما بلغ عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ))

[الطبراني عن أبي الدرداء ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

  أيْ إذا دعوت الله ، فلا تتكل على مخلوق ، ولا تضع في ذهنك أن فلاناً لا ينساني ، فلان يعطيني ، فلان لي عنده شأنٌ كبير ، عندئذٍ يجعل الله متاعبك من جهة فلان تأديباً لك . لكن ماذا فعل الله بأصحاب النبي وهم أصحابه ، هم الذين جاهدوا معه ، هم الذين بذلوا الغالي والرخيص والنَفْس والنَفيس ؟ قال :

﴿كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 اتكؤوا على كثرتهم ، اعتمدوا على كثرتهم ، اجتمع في الجزيرة العربية كلِّها عشرة آلاف مقاتل ، فتحوا مكة ، ودانت لهم الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها ، أُعجبوا بكثرتهم وبقوتهم . .

﴿كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾

[ سورة التوبة : 25]

 أما . .

﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

[ سورة آل عمران: 123 ]

 أي مفتقرون إلى الله ، نهاية علمك أيها الأخ الكريم أن تفتقر إلى الله ، نهاية عِلمك أن تشعر بضعفك . .

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج : 19-22]

 أنت في الأصل ضعيف ، أنت في الأصل فقير ، أنت في الأصل جاهل لا تَعْلَم، هذه هي طبيعة الإنسان ، هذا ضعفٌ خَلْقِيّ وضِعْت فيه لصالح إيمانك . لو أن الله عزَّ وجل جعلك قوياً لاستغنيت بقوتك ، فشقيت باستغنائك ، جعلك ضعيفاً ، لتفتقر في ضعفك ، فتسعد في افتقارك .

 

ارتباط الإخلاص بالدعاء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾

  ولكن الله عزَّ وجل يرشدنا ، انظر . .

﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 الدعاء سلاح المؤمن
يرشدنا إلى طريقةٍ ، إذا دعوت الله عزَّ وجل استجاب لك ، فكان الدعاء أكبر سلاحٍ في يدك ، مهما كان عدوك قوياً أنت مع خالق عدوك ، كل شيءٍ بيد الله عزَّ وجل ، لكن البطولة لا أن تدعو ، المسلمون في شتّى أقطارهم يدعون ربهم ليلاً ونهاراً ، بأدعيةٍ منمقةٍ ، بليغةٍ ، مسجوعةٍ ، بصوتٍ جَهْوَرِيٍّ ، فتشعر أن الله لا يستجيب ، الدعاء على قدمٍ وساق ، والمُشكلات تتابع ، أليس هناك سؤالٌ خطير : ألا يسمعنا ربنا ؟ لِمَ لا يستجيب لنا فنحن ندعوه كل يوم ؟! الحقيقة أيها الأخوة الجواب في هذه الآية :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 هل دخلك حلال ؟ هل تقصَّيت الدخل الحلال ؟ هل وضعت الدخل الحرام تحت قدمك وقلت : إن هذا لا يرضي الله عزَّ وجل ؟ مرحباً بالفقر مع طاعة الله ، وبعداً للغنى مع معصية الله ، هل أنت في هذا المستوى ؟ والله إذا كنت في هذا المستوى لانتْ لك الجبال .

(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة ))

[الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

 هل دققت في دخلك أولاً ، وأنت في مصلحةٍ من مصالح الحياة هل تنصح المسلمين ؟ هل تعطيهم البضاعة الجيدة بالسعر المعقول أم تستغل حاجتهم لهذه البضاعة ؟ أم تستغل جهلهم فترفع سعرها أضعافاً مُضاعفة ؟

(( غبن المسترسل ربا ))

[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]

(( غبن المسترسل حرام ))

[ الجامع الصغير عن جابر وعلي]

 والمسترسل هو الغشيم- باللغة الدارجة - فأنت إذا كنت مع الله مخلصاً ، كنت مع العباد مستقيماً ؛ أخذت ما لك وتركت ما ليس لك ، نصحت عباد الله ، لم تغشَّهم ، لم تدلِّس عليهم ، لم تكذبهم ، من حدث الناس فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته ، لذلك :

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 هل أنت تصلي الصلوات الخمس كما أرادها الله عزَّ وجل ؟ هل تصوم رمضان كما أراده الله عزَّ وجل أم تنهي كل البرامج حتى قُبَيْل السحور فتأكل وتنام ثم تدعو قائلاً : يا رب ؟ ما قيمة الدعاء ؟ وما قيمة رفع الصوت بالدعاء ؟ وما قيمة تَنْميق الدعاء وسجع الدعاء ؟

 

من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

  من أجل أن يكون الدعاء سلاحاً بيدك، من أمض الأسلحة ، من أجل أن يكون الدعاء أكبر قوةٍ تملكها ، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكَّل على الله ، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك . .

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 هل بيتك إسلاميٌ ؟ العادات في البيت ، أنماط المعيشة ، كيف تمضي هذه السهرة فيما يرضي الله أم فيما يغضبه ؟ لقاءاتك ، سهراتك ، ندواتك ، رحلاتك ، علاقاتك الاجتماعية ، كَسْبُك للمال ، إنفاقك للمال ، هل هو مما يرضي الله عزَّ وجل ؟

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

  إذاً يجب أن تعرف أمر الله عزَّ وجل ، وكيف تعرف أمر الله إن لم يكن لك مَنْهَلٌ علمي؟ إن لم يكن لك مَوْرِد ؟ لماذا تتقصَّى كل التفصيلات في شؤون حياتك الدنيا ؟ تأخذ أرقام الهواتف ، والأسعار ، وأنواع الفنادق ، لماذا تتقصَّى كل الجُزْئيات في كل حياتك اليومية ولا تتقصَّى أمر الله في آخرتك ؟ لابدَّ لك من مجلس عِلْم ، لابدَّ لك من طلب عِلْم ، لابدَّ لك من أن تعرف أمر الله ، لابدَّ لك من أن تعرف الله من خلال الكون ، ولابد لك من أن تعرف أمر الله من خلال كتابه وسنة نبيه ، أتضنُّ على آخرتك المديد بساعةٍ في الأسبوع ؟ أتضن على آخرتك الأبدية بساعةٍ في البيت تمضيها في قراءة القرآن ؟ أتضن على حياةٍ لا تنتهي بساعاتٍ تصلي بها ، تقرأ القرآن ، تذكر بها ، تستمع بها إلى العلم الشريف ، إلى تفسير كتاب الله ، إلى أحكام الفِقه ، إلى أحكام السُنَّة المُطَهَّرة .

 

إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هنا العقدة . .

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

 من أجل أن ندعو فيستجيب الله لنا ، من أجل أن تكون مستجاب الدعوة ، من أجل أن يكون الدعاء مُخ العبادة ، من أجل أن يكون الدعاء أكبر قوةٍ بيدك ، من أجل أن تكون مستجاب الدعوة . .

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

  استجب ليَسْتجب ، تنسى فينسى . .

﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 هذه آيات كلها متوازنة ، إذا غيَّرت يغيِّر ، وإذا لم تغير لا يغير ، أيْ إذا كنت في بحبوحة ، إذا كنت في عِز ، إذا كنت في شأن ، إذا كنت في راحةٍ نفسية ، إن كنت على طاعة الله ، إن لم تغيّر لا يغيّر ، إن غيَّرت يغيِّر ، إن كنت في بؤسٍ ، في ضائقةٍ ، في مشكلةٍ إن لم تغير لا يغير ، من أدق الآيات . .

﴿لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 غير نفسك حتى يستجيب الله لك
لا تغير لا يغير ، إن كنت في ضائقة إن لم تغير لا يغير . .

﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾

[ سورة التوبة : 67 ]

 تابوا فتاب الله عليهم . .

﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾

[ سورة النساء : 142 ]

 قال : يا رب كم عصيتك ولم تعاقبني ؟ قال : عبدي كم عاقبتك ولم تدرِ . ادعُ صباح مساء ، ارفع صوتك بالدعاء ، نمِّق الدعاء ، اسجع في الدعاء ، لا يُستجاب لك ما لم تستجب له . .

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 طبعاً لن تستجيب له إلا إذا آمنت به ، تستجيب لمن ؟ لمن تراه موجوداً ، لمن تراه فَعَّالاً ، لمن تراه واحداً لا شريك له ، لمن تراه كاملاً ، إذا آمنت بوجود الله ، ووحدانيته ، وأنه هو كل شيء ، إذا آمنت بكماله استجبت له ، فإذا استجبت له استجاب لك ، هذا كل الموضوع ، الدعاء مبنيٌ على هذه الآية :

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 186 ]

 الحياة كلها أخطار أيها الأخوة ، كلها متاعب ، كلها مُنْزَلَقات ، أيْ أن الجسم معرَّض لمليون مرض ، وكل مرضٍ يجعل حياة الإنسان جحيماً ، أهلك معرَّضون للأخطار ، بيتك ، تجارتك ، أموالك ، الأخطار من كل جانب ، وما هذه الأخطار إلا لحكمةٍ أرادها الله عزَّ وجل ، مِنْ أجل أن تنطلق بالدعاء ، من أجل أن تعتمد عليه ، من أجل أن تحبه ، ومن أجل أن يعطيك فتحبه مرةً ثانية .

 

أحكام العبادة والذكر وتلاوة القرآن في شعبان أحكامٌ تأديبية لتهيئة النفس لرمضان :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ أُثِرَ عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه كان يدعو الله في شعبان ، وما الدعاء في شعبان ، وما الصيام في شعبان ، وما تلاوة القرآن في شعبان إلا تهيّئةٌ لرمضان ، لأن العبادة في رمضان من أجل أن تبدأ رمضان من اليوم الأول بسرعةٍ عالية ، يجب أن تسبق هذه السرعة العالية سرعةٌ ابتدائية ، يجب أن تبدأ في رمضان من اليوم الأول بسرعةٍ عالية ، هذه السرعة العالية لن تُخْلَقَ فجأةً بل لابدَّ لها من سرعةٍ ابتدائية ، إنه شعبان ، فنحن يجب أن نستعد في شعبان ، يجب أن ننهي علاقاتنا قبل رمضان ؛ هناك مشكلة ، هناك خصومة ، هناك حساب دقيق ، هناك شراكة ، هذه القضايا التي تُشغل النفس ، وتشتتها ، وتضيعها هذه يجب أن تتم قبل رمضان .
 في رمضان هيّئ برنامجاً لك دقيقاً في صون جوارحك ، صون قلبك عما سوى الله ، هيئ نفسك كي تصلي التراويح كل يوم ، هيئ نفسك أن تصلي صلاة الفجر في المسجد كل يوم ، هيئ نفسك أن تضبط لسانك إلى أقصى درجات الضبط ، تضبط لسانك وجوارحك ، هيئ نفسك أن تكون في بيتك إشعاع نور لأولادك ولزوجتك ، فمن أجل أن تكون في رمضان هكذا ، لابدَّ من أن تبدأ من شعبان .
 هذا يقاسٌ عليه : أنت مكلَّف أن تأمر ابنك بالصيام قبل أن يُكلَّف بالصيام ، أيعقل أن تكلفه أن يصوم أول رمضان في الثامنة عشرة ؟ مستحيل ، لا يرضى ولا يستطيع ، لابدَّ من أن تأمره بالصيام من سن العاشرة ، بل من السابعة ، حتى يأتي سن البلوغ وقد ألِف الصيام . هذه سمَّاها العلماء أحكام تأديبية لا أحكام تكليفية ، يجب أن تؤدب ابنك بآداب الصيام وأنت في شبعان ، أحكام العبادة والدعاء والذكر وتلاوة القرآن في شعبان ، أحكامٌ تأديبية مهمتها تهيئة النفس لرمضان .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

رتبة العلم أعلى الرتب :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ قصةٌ قصيرة تعرِّفكم بقيمة العلم . كان عطاء بن رباحٍ عبداً أسود لامرأةٍ من مّكَّة ، وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه ، فجلسوا إليه وهو يصلي ، فلما صلى انفتل إليهم ، فمازالوا يسألونه عن مناسك الحج ، وقد حوَّل جنبه إليهم ، ثم قال سليمان لابنيه : قوما . فقاما ، فقال : يا بني لا تنيا في طلب العلم ، فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود .
 ما من مرتبة أعلى من مرتبة العلم
سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين جلس أمام عطاء بن رباح يسأله عن مناسك الحج ، سأله فأجابه ، وما قصِّر بالإجابة ، لكن شعر أنه أمير المؤمنين ، وأنه خليفة المسلمين، وهذا عبدٌ أسود يقف بين يديه ويسأله فقال : يا بني لا تنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ سيدنا يوسف حينما دخل بيت العزيز كان عبداً ، وحينما أصبح عزيز مصر ، رأته جاريةٌ يوم كان عبداً ويوم صار عزيز مصر ، فقالت : " سبحان من جعل الملوك عبيداً بمعصيته وجعل العبيد ملوكاً بطاعته " . أيْ أنت بطاعة الله عزَّ وجل يرفعك الله إلى أعلى عليين . ألم يقل الله عزَّ وجل :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

[ سورة الشرح : 1-4]

 ما من رتبةٍ أعلى من رتبة العلم ، كل الحظوظ التي يتفاضل الناس بها عادةً ؛ كحظ المال ، وحظ الجاه ، وحظ الوسامة ، وحظ الذكاء ، وحظ الصحة ، هذه حظوظ ، القرآن ما اعترف بها ، ولا جعلها مُرَجِّحاً بين خلقه ، إلا قيمةً واحدة وهي قيمة العلم ، فقال تعالى :

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[ سورة الزمر : 9 ]

 وما فريضة الجمعة إلا من أجل طَلَبِ العلم ، من أجل أن يبقى المسلم على صلةٍ بالعِلم ، من أجل أن يستمع كل جمعةٍ إلى آيةٍ كريمة ، إلى تفسير آية ، إلى تفسير حديثٍ شريف ، إلى حكمٍ فقهي ، إلى قصةٍ مؤثِّرة .
 يروى أن رجلاً اشترى بيتاً وذهب إلى سيدنا عليّ ليكتب له عقد الشراء ، قال له : اشتريت بيتاً ، وأريد أن تكتب لي عقد الشراء بيديك . فنظر عليٌ رضي الله عنه إليه ، فوجد برؤيته ، وفراسته ، والنور الذي قذفه الله في قلبه ، وجد أن الدنيا قد تربَّعت على سويْداء قلبه ، وحجبته عن ذكر الله ، فأمسك بالقلم وكتب على الرقعة : بسم الله ، فقد اشترى ميتٌ من ميتٍ داراً في بلد المذنبين ، وسكة الغافلين ، لها أربعة حدود ، الحد الأول ينتهي إلى الموت ، والحد الثاني ينتهي إلى القبر ، والحد الثالث ينتهي إلى الحساب ، والحد الرابع ينتهي إما إلى الجنة وإما إلى النار . هذا عقد الشراء . اشترى ميتٌ من ميتٍ داراً في بلد المذنبين - والسكة أيْ الشارع - وسكة الغافلين ، هذه الدار لها أربعة حدود ، حدٌ ينتهي عند الموت ، وحدٌ ينتهي عند القبر ، وحدٌ ينتهي عند الحساب ، وحدٌ ينتهي إما إلى جنةٍ وإما إلى نار . ويدعو ويقول : " يا دنيا غري غيري - سيدنا علي - أإليَّ تعرضت أم إلي تشوَّفت ؟ هيهات هيهات لقد طلقتك بالثلاث ، طلاقاً لا رجعة فيه ، فعمركِ قصير ، وخطرك حقير ، آه مِن قلة الزاد ، وبُعْد السفر ، ووحشة الطريق .

 

أرجح الناس عقلاً أشدّهم لله حباً :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ألا تستمعون كل يوم إلى رجل في قِمَّةِ مَجْدِهِ ، وفي قمة تألُّقه ، وفي قمة غناه ، دخل إلى المكان الفلاني فإذا هو ميت ، انتهى كل شيء ، توقف قلبه فانتهى كل شيء ، كل هذه الأملاك ليست له وسيحاسب عليها ، إلى أين ؟ إلى أبد الآبدين ، إلى حياةٍ لا تنقضي ولا تنتهي . .

﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾

[ سورة الزخرف : 77]

﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا ﴾

[ سورة طه : 74]

 أرجحكم عقلا أشدكم لله حباأرجحكم عقلا أشدكم لله حبا
فيا أيها الأخوة المؤمنون ؛ أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً .

(( إن أكيسكم أشدكم للموت ذكراً ، وإن أحزمكم أشدكم استعداداً له ، ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور ، والإنابة إلى دار الخلود ، والتزود لسكن القبور ، والتأهب ليوم النشور ))

[ابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر المدايني]

 سليمان بن عبد الملك نفسه حجَّ فالتقى بأبي حازم أحد كبار العلماء فقال :
 يا أبا حازم لمَ نكره الموت ؟ قال : " لأنكم خرَّبتم آخرتكم وعمَّرتم دنياكم ، فأنتم تكرهون أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب . قال : يا أبا حازم كيف القدوم على الله ؟ قال : أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله ، وأما المسيء فكالعبد الآبق يُرَدُّ إلى مولاده . قال : ما لنا عند الله يا أبا حازم ؟ قال : اعرض نفسك على كتاب الله تعلم ما لَك عند الله - هو المقياس -
 قال : أين رحمة الله ؟ قال : إن رحمة الله قريبٌ من المحسنين . قال : ما مصيرنا ؟
 قال : إنا الأبرار لفي نعيم وإنا الفجار لفي جحيم . قال : من أعقل الناس ؟ قال : من تعلَّم الحِكْمَة وعلَّمها الناس ، قال : من أحمق الناس ؟ قال من باع آخرته - يا ليت بدنياه - بدنيا غيره . قال : ما أزكى الصَدَقة ؟ قال : جُهْدَ المُقِلّ . قال : أشر علي . قال : اتقِ الله أن يراك حيث نهاك ، وأن يفتقدك حيث أمرك ".

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018