الخطبة : 0380 - المعراج - الحبة السوداء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0380 - المعراج - الحبة السوداء.


1992-02-07

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر . وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر . اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير . اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الاقتداء بالنبي الكريم و اتباع سنته :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ لا زلنا في مناسبة الإسراء والمعراج ، وقد كان موضوع الخُطبة السابقة " الإسراء " ، وقد وقفنا قليلاً عند مطلع سورة الإسراء ، واليوم ننتقل إلى بعض المعاني التي نستنبطها من معراج النبي صلى الله عليه وسلم .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ سورة " النجم " فيها إشاراتٌ دقيقةٌ إلى معراج النبي عليه الصلاة والسلام ، وقبل أن نقف عند بعض الآيات التي فيها إشارةٌ إلى معراج النبي صلى الله عليه وسلم ، لابد من وقفةٍ قصيرة .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ إذا حدَّثنا ربُّنا جل وعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فما المغزى من هذا الحديث ؟ هو أن يعلمنا أن النبي عليه الصلاة والسلام في هذه المكانة العليَّة ، وفي هذا المقام الكبير ، وفي تلك المنزلة التي لا تسمو إليها منزلة ، وهناك مغزىً آخر حينما يحدثنا ربنا جل وعلا عن النبي عليه الصلاة والسلام .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربما نستنبط هذا المغزى من آيةٍ كريمة ، ومن حديثٍ شريف، الآية الكريمة هي قوله تعالى :

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود: 112 ]

 والحديث الشريف :

((وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِين ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

 فإذا أعلمنا ربنا ، وذكر لنا في القرآن الكريم شيئاً عن سيِّد المرسلين ، هذا الإعلام وهذا الذكر لا لمجرِّد الإعلام ، ولا لمجرد المعرفة ، لا ، يجب أن نقتدي بهذا النبي العظيم ، يجب أن نقفُو أثره ، يجب أن نتبع سنته ، يجب أن نهتدي بهديه ، يجب أن نترسَّم خطاه .

 

تأكيد الله عز وجل استقامة النبي و صدقه و أمانته :

 الله سبحانه وتعالى في مطلع سورة النجم يقول :

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى ﴾

[ سورة النجم : 1]

 إذا ذكرت بعض آيات القرآن فأنا لا أفسرها من على منبر رسول الله ، إنما أذكر بعض الخواطر الإيمانية . .

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 1-2]

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 2]

 هوى جواب القَسَم ، هذا الكون العظيم ؛ بمجرَّاته ، بكازاراته ، هذا الكون العظيم بما فيه من آياتٍ دالة على قدرة الله ، وعلى عِلم الله ، وعلى رحمة الله ، وعلى لُطف الله ، هذا الكون العظيم الذي هو بحقٍ مظهرٌ لأسماء الله الحُسنى ، خالق الكون يُخبرنا في القرآن الكريم وفي سورة النجم بأنه :

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 2]

 ولماذا اختار الله سبحانه وتعالى كلمة صاحبكم ؟ قال بعض المفسرين : هذه إشارةٌ إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام عاش في مكة ، ونشأ فيها ، وعرف كفار قريش أمانته، وعرفوا عفافه ، وعرفوا نَسَبَهُ ، وعرفوا ماضيه ، إنه نشأ بين أظهركم ، إنكم تعرفونه حق المعرفة، إن له ماضٍ أنصع من الثَلْج ، إنه الأمين ، إنه الصادق ، إنه المَصْدوق ، ألم يقف سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي أن يحدثه عن النبي عليه الصلاة والسلام قال :

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية...))

[أحمد في مسنده عن أم سلمة أم المؤمنين ]

 - بالمناسبة كلمة الجاهلية تعني شيئين ؛ تعني الجهل العقائدي ، وتعني الانحراف السلوكي ، لو تتبعتم معاني كلمة الجاهلية ، فإنها تعني شيئين : جهلاً بحقيقة التوحيد، وانحرافاً عن المنهج السوي - نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونسيء الجوار ، ونأتي الفواحش ، ويأكل منا القوي الضعيف ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته ، وعفافه ، ونسبه ، وصدقه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم . . . " كلامٌ واضحٌ كالشمس ، كلامٌ مختصرٌ مفيد ، كلامٌ جامعٌ مانع ، الجاهلية تعني الجهل والانحراف ، والإيمان يعني التبصُّر ، والالتزام ، والاستقامة ، لذلك في القرآن الكريم آيةٌ تقول :

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

[ سورة الأحزاب : 33 ]

 وحينما وصفت الجاهلية في هذه الآية بأنها " أولى " ، ففي هذه الآية إشارةٌ بليغةٌ إلى أن هناك جاهليةً ثانيةً ربما كانت في آخر الزمان ، يوم يُصْبِح المعروف منكراً والمنكر معروفاً ، يوم يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف ، يوم يخوَّن الأمين ، ويصدَّق الكاذب ، هذه الجاهلية الكُبْرى ، الجاهلية الثانية ، حينما ينغَمِس الإنسان إلى قمَّة رأسه في شهواته المنحرفة ، حينما تفرَّغ القيَم كلها ، حينما يصبح الإنسان رقماً ، حينما تصبح قيمة الإنسان متاعه فقط ؛ مساحة بيته ، موقع بيته ، نوع مركبته ، نوع ثيابه ، هذا هو الشَرَف ، وهذه هي القيمة ، وحينما يصبح الخُلُقُ القويم مَغْرَمَاً ، ويصبح الانحراف مَغْنَمَاً .

 

النبي الكريم رأى الحق حقاً فاتَّبعه و رأى الباطل باطلاً فاجتنبه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ على كل خالق هذا الكون العظيم ، رب العالمين يقول :

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

[ سورة النجم : 1-2]

 ما ضلّ وما غوى ، فيا أيها الإنسان هل حرصت على أن يستقيم عقلك ؟ على أن يستنير عقلك ؟ وعلى أن تصْلُح نفسك ؟ ألم تسمع قوله تعالى :

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه : 123]

 لا يضل عقله ، ولا تشقى نفسه ، لماذا أخبرنا ربنا عز وجل عن سيد المُرْسَلين بأنه :

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

 ما ضلّ عقله ؛ عرف الحقيقة ، ما تعلَّق بأفكارٍ سخيفة ، ولا بمبادئ هدَّامة ، ولا برؤيةٍ منحرفة ، ولا بفكرٍ سقيم ، ولا بشِرْكٍ عميم ، ولا بإنكارٍ للوجود . .

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾

 رأى الحق حقاً فاتَّبعه ، رأى الباطل باطلاً فاجتنبه ، عرف الحقائق ، وعرف سرّ الحياة ، وعرف فلسفة الوجود ، وعرف قيمة الحياة الدنيا ، وعرف دور الإنسان في الحياة ، عرف من أين كان وماذا بعد الموت ، وما جوهر حياته في الدنيا :

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾

  وما غوت نفسُه ، ما انحرفت ، ما أخذت ما ليس لها ، ما تطاولت على خلق الله، ما اسْتَعْلَت عليهم ، ما أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الآخرين ، ولا أن تبني غناها على فقرهم ، ولا أن تبني سعادتها على شقائهم ، ولا أن تبني أمنها على خوفهم .

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾

 كأن الله سبحانه وتعالى يُعَرِّضُ بكفار مكة الذين عاندوا النبي ، وخاصموه ، وكذبوه ، واتهموا دعوته : أنتم الضالون ، أنتم الغاوون .
 فيا أيها الأخ الكريم دائماً وأبداً تذكر قوله تعالى :

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾

[ سورة هود: 112 ]

 تذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام :

((وَإنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِمَا أمَرَ بِهِ المُرْسَلِين ))

[مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

، إذا تمسَّكت بالقرآن الكريم فلن تضل أبداً . .

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء : 9 ]

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

  ما ضلّ عقلُه ، رأى الحق حقاً ، أكرمه الله ببصيرةٍ نافذة ، كان بصره حديداً ، رأى الأشياء على حقائقها ، وهل العِلْمُ إلا أن ترى الشيء على ما هو عليه ، ما هو الجهل ؟ أن ترى الأشياء على خلاف ما هي عليها ، أيْ أنَّ مطابقة التصوّر للواقع هو العلم ، أن ترى الشيء على ما هو عليه ، فإذا رأيته على خلاف ما هو عليه فهذا هو الجهل ، أيُّ افتراقٍ بين التصور وبين الواقع هو الجهل بعينه . فلذلك حينما تؤمن بالله عز وجل ، وحينما تتمسَّك بكتاب الله عز وجل ، ليس في حياتك مفاجأة ، وربما كانت أكبر مفاجأة أن ترى بعد حين ، وبعد مضي السنين أن هذا الذي تعتقده ليس صحيحاً ، ولا أساس له من الصِحَّة ، ولم يبنَ على أُسسٍ متينة ، حينما ترى أن بعض الأفكار التي جاء بها أناسٌ من عند أنفسهم تداعت ، وتهاوت ، وسقطت .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما أراد الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا فقط أن النبي عليه الصلاة والسلام ما ضلّ وما غوى ، بل أراد أن يُرشدنا إلى أنك أيها المؤمن إذا أردت أن يستنير عقلك ، وأن تستقيم سيرتك ، فتمسَّك بالقرآن الكريم ؛ إنه حبل الله المتين ، إنه صراطه المستقيم، إنه المنهج الصحيح ، إنه الدستور القويم .

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

 وهل الإنسان إلا عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب ؟ وهل الإنسان إلا قوةٌ إدراكية وقوةٌ انفعاليَّة ؟ وهل الإنسان إلا جانبٌ عقليّ وجانبٌ نفسيّ ؟

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ﴾

.

 

ارتقاء الإيمان بقول الحق :

 آيةٌ ثانية ، يقول الله عز وجل :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 أيها الأخ الكريم ؛ راقب نفسك ، هل تنطق عن الهوى ؟ لو سُئِلْتَ سؤالاً ، لو أنك أجبت الإجابة الصحيحة ولم تكن في مصلحتك ، وأجبت إجابةً ليست صحيحة ولكنها في مصلحتك ، أنت بهذا تنطِق عن الهوى ، لو تتبعنا أقوال الناس ، لو تتبعنا نصائحهم ، لو تتبعنا ما يدور بينهم من أحاديث ، لا أبالغ إذا قلت : إن معظم كلام الناس يصدر عن الهوى ، وعن مصالحهم ، بل إن عقول بعض الناس مهمتها لا كشف الحقيقة بل تغطية الانحراف ، وحينما تستخدم عقلك لتُغَطِّي به انحرافك ، لتفَلْسِف بها انحرافك ، لتبحث عن عللٍ واهية ، وعن حججٍ ضعيفة من أجل أن تغطِّي انحرافك ، فأنت بهذا احتقرت العقل البشري ، سخَّرته لتغطية الانحراف ولم تجعله هادياً لك إلى طريق الصواب ، سَخِرْتَ من عقلك الذي أودعه الله فيك ، أعملته في تغطية المخالفات والشهوات ، التي أنت مقيمٌ عليها ، ولم تستخدمه كأداةٍ لمعرفة الله عز وجل ، وكمناطٍ للتكليف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 كلما ارتقى إيمانك تقترب من هذه الصفة ؛ لا تنطق عن الهوى ، تقول الحق ولو كان مراً ، تقول الحق ولو على نفسك ، لا تأخذك في الله لومة لائم ، لا تقف إلا مع الحق ، ولا تبالِي بالنتائج ، هذا هو الإنسان الكامل الذي يتَّبع النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 أنت إذا تتبَّعت أوامر الله عز وجل ونواهيه ، وتتبعت سنة النبي عليه الصلاة والسلام تقترب من الإنصاف ، تقترب من أن تقول الحق ، لا تنطق عن الهوى .

على الإنسان أن يرتقي إلى ما يسعده في الدنيا و الآخرة :

 مرةٌ ثانية ، وثالثة ، ورابعة ، ما أراد الله سبحانه وتعالى من هذه الآيات الكريمة التي زكَّى الله بها عقل النبي ، وزكى نفسه ، وزكى بصره ، وزكى لسانه ، وزكى جنانَهُ ، ما أراد الله عز وجل أن يصف النبي ليس غير ، بل أراد أن نقتدي بالنبي ، بل أراد أن نتخلَّق بهذا الخُلُق العظيم ، بل أراد أن نقطف ثمار التديُّن ، بل أراد الله عز وجل أن نكون في المستوى الذي نسعد به في الدنيا والآخرة ، بل أراد أن نرتقي من مستوى البهائم إلى مستوى البشر ، إلى مستوى الإنسان الذي سخَّر الله له ما في السموات والأرض ، أراد الله عز وجل أن نرتقي إلى مستوىً يُسْعِدُنا إلى الأبد .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى ﴾

[ سورة النجم :2- 3]

 إيَّاك أن تقف موقفاً مُنْحازاً ، إيَّاك أن تقف موقفاً تدافع فيه عن الباطل ، إيَّاك أن تقف موقفاً تُحابي به أهل الباطل ، إيَّاك أن تقف موقفاً بدافع من عصبيَّتك ، أو بدافعٍ من حرصك على أسرتك ، تدافع عن الباطل وأنت لا تدري .

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 وحتى في بيعك وشرائك ، كن نصوحاً لا تنطق بالهوى ، لا تصدر عن الهوى ..

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

الأمِّية في النبي قِمَّة الكمال :

 وهنا نقف وقفةً متأنِّيةً ، لماذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أمياً ؟ الأمِّية في النبي قِمَّة الكمال ، وربما كانت الأمية بأحدنا نقصاً ، في النبي قمة الكمال لأن هذا النبي هو المُشَرِّع ، لأن هذا النبي العظيم هو الذي يبلِّغ عن رَبِّه ، فلو اطلع على ثقافات عصره ، وقرأها، واستوعبها ، وتمثَّلها ثم تكلم ، كان يُسأل دائماً : يا رسول الله هذه من ثقافتك أم من الوَحْي ؟ أراد الله سبحانه وتعالى أن يقطعه عن ثقافة عصره ، وأن يجعل كل ما يقولُه وحياً يوحى قال :

﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت : 48]

 الأمِّية في النبي عليه الصلاة والسلام قِمَّة الكمال . .

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 ولا عن ثقافةٍ أرضية ، ولا عن اطّلاع ، ولا عن تعليمٍ تلقَّاه في صغره . .

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

 لذلك أيها الأخوة سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وأرضاه ، كان يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهن رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس - من هذه الثلاثة - ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى ".
 كيف أنك إذا وثقت بطبيب ، وثقت بعلمه ، وثقت بإخلاصه ، وثقت بدينه ، وحذَّرك من أكلةٍ ربما كانت مُهْلِكَةً ، كيف تأخذ هذه النصيحة باهتمامٍ شديد ، وكيف تبالغ في تطبيقها ، هذا مع طبيب ، فكيف مع سيد الأطباء النبي عليه الصلاة والسلام ؟ فإذا قرأت حديثاً شريفاً ، وشعرت أن هذا الحديث من عند الله عز وجل لأنه لا ينطق عن الهوى ، إذا شعرت أن هذا الحديث من تعليمات الصانع الخالق ، إذا شعرت أن هذا الحديث حقٌ مئةً في المئة ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، إذا شعرت بهذا فقد اقتربت من مستوى الإيمان الصحيح . .

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 3-4]

تعليم الله عز وجل النبي عن طريق جبريل :

 فيا أيها الأخ الكريم ؛ الناس أحياناً يفلسفون أغلاطهم ، وإذا فلسفوا أغلاطهم نطقوا عن الهوى ، يمدحون بضاعتهم ، وإذا مدحوا بضاعتهم وهي ليست كذلك ، نطقوا عن الهوى ، وقد وصف النبي عليه الصلاة والسلام التاجر المؤمن فقال : " إن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونوا ، وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا " .
 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم : 1-4]

 وحيٌ من الله عز وجل ، وحيٌ بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، من أين استنبطنا هذا التوكيد ؟ من قوله تعالى :

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ ﴾

  فلئلا يتوهَّم القارئ أنه منامٌ ، أو تَخَيُّلٌ ، أو شعورٌ . .

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

  يوحى ، تؤكِّد أن هذا وحيٌ بكل ما في هذه الكلمة من معنى ، معنى وحيٌ أيْ أنَّه شيءٌ مستقل عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لا يملِك النبي جلبه ولا دفعه . .

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾

 وحي السماء ، خبر السماء ، إرشاد السماء، منهج السماء ، أمر السماء ، نهي السماء ،

﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

  وكل متعلمٍ قد يُزْهَى بمُعَلِّمِهِ ، يقول لك أحدهم : أنا درست في الجامعة الفُلانية ، وكان لنا أستاذ يعَدُّ قُطب زمانه في اختصاصه ، فمن أحد دواعي افتخار المتعلِّم أنه يزهو بأستاذه ، فما قولكم بأن الله سبحانه وتعالى عن طريق سيدنا جبريل هو الذي علَّم النبي ؟ فأية أميةٍ هذه ؟ إذا كان الله خالق الكون هو الذي علَّم النبي ، إذا كان أحدنا يُزْهَى بمعلِّمه ، يفتخر به ، يقول : أنا تلميذ فلان ، فلان ذو اختصاصٍ عريض هو الذي علمني . فما قولك بالنبي عليه الصلاة والسلام الذي قال الله في حقه :

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى ﴾

[ سورة النجم :5-6]

الحكمة من إكرام النبي الكريم و تقريبه :

 ولكن لماذا علمه ؟ لماذا اختصه ؟ لماذا قرَّبه ؟ لماذا أكرمه ؟ قال :

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾

[ سورة النجم : 7]

 هو في واد والناس في واد ، الناس في شهواتهم ، في مصالحهم ، في كَسْبِهِم ، في درهمهم ، في دينارهم ، في ملذَّاتهم ، الناس في النساء ، في التجارة ، في الأموال ، في مكاسب الدنيا ؛ وهو في معرفة الله ، وهو في هداية الخَلْق ، وهو في سمو النَفْس ، وهو في الحُب ، حب الله عز وجل ، وهو في الرحمة ، الرحمة بالخَلق . .

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾

[ سورة النجم : 7]

 فيا أيها الأخ المؤمن ؛ في أيّ أفقٍ أنت ؟ وفي أي مستوىً أنت ؟ ما الذي يقلقك؟ ما الذي تهتم له ؟ ما الذي يحزنك ؟ ما الذي يفرحك ؟ قل لي ما الذي يحزنك أقل لك من أنت ، ما الذي يحزنك ؟ ما الذي يفرحك ؟ ما الذي يطمئنك ؟ ما الذي يسعدك ؟ ما الذي يجعلك تشعر بالثقة ؛ كثرة المال أم رضا الله عز وجل ؟ .

 

الإيمان قيم و أخلاق :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ في أيٍ أُفُقٍ تعيش ؟ .

(( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه ، وجمع له شمله ، وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ))

[ الجامع الصغير عن أنس ]

 من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً.

(( عَجَبا لأمر المؤمن ! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر ، فكان خيراً له ، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر ، فكان خيراً له ))

.

[مسلم عن صهيب الرومي ]

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى* وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾

[ سورة النجم : 3-7]

 أيعنيك أمر الناس ؟ أتتألّم لضلالهم ؟ أتسعى لهدايتهم ؟ أيعنيك أمر الفقراء ؟ أتتألم لفقرهم ؟ .

(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به ))

[ مجمع الزوائد عن أنس بن مالك ]

 هذا هو الإيمان ، الإيمان حُب للخَلْق ، واتصال بالخالِق ، الإيمان اتجاهٌ لله عز وجل وإحسانٌ للخَلْق ، الإيمان قيَم ، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام :

((بني الإسلام على خمس))

[البخاري وابن خزيمة عن عبد الله بن عمر ]

 إنها دعائم وليست بناءً ، البناء شيءٌ آخر فوق الدعائم ، إن الصلاة والصيام والحج والزكاة والشهادة إنها دعائم ، وقد بُني الإسلام عليها ، الإسلام بناء أخلاقي ، الإسلام مشاعر سامية ، الإسلام قيَم ، الإسلام انضباط ، الإسلام التزام ، الإسلام تطبيق ، هذا هو الإسلام .

 

العبادات الشعائرية لا تقطف ثمارها إلا إذا صحت العبادات التعاملية :

 لا شك أيها الأخوة أن في الإسلام عباداتٍ شعائرية هكذا أقول ، عباداتٌ شعائرية هي : الصيام والصلاة والحج والشهادة . وفي الإسلام عباداتٌ تعاملية : الانضباط ، ضبط الحواس ، ضبط المشاعر ، ضبط الجوارح ، ضبط الدَخْل ، ضبط الإنفاق ، ضبط العلاقات ، ضبط الشهوات ، ضبط اللسان ، ضبط العَيْن ، فهذه كلها عباداتٌ تعاملية . والصلاة والصوم والحج عباداتٌ شعائرية ، ولا قيمة للعبادات الشعائرية ما لم تكن العبادات التعاملية ، بل إن العبادات الشعائرية هي مناسبةٌ لقطف ثمار العبادات التعامُلية ، كما لو أن طالباً العام كله لتَلَقِّي العِلم ، ولمراجعة الدروس ، ولكتابة الوظائف ، وللمذاكرة ، وللفهم ، وساعات الامتحان الثلاث ما هي إلا مناسبةٌ لصَبِّ العلوم التي تلَقَّاها في هذه الساعات ، فما لم يتلق العلوم في أثناء العام الدراسيّ ، لا قيمة لهذه الساعات الثلاث .

(( قم فصلِّ إنك لم تصلِّ))

[الترمذي عن رفاعة بن رافع]

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا ))

[ الجامع الصغير عن ابن عباس ]

(( مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّورِ والعمَلَ بِهِ فَليسَ للهِ حاجة فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وشَرَابَهُ))

[البخاري عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ بطولة المسلم لا في عباداته الشعائرية بل في عباداته التعاملية ، بل في استقامته على أمر الله ، بل في التزامه أمر الدين ، بل في ضَبْط جوارحه ، وضبط مشاعره ، وضبط دخله ، وضبط مصروفه ، وضبط بيته ، وضبط زوجته وبناته وأولاده، بطولة المسلم في إقامة شرع الله في بيته وعمله وفي علاقته كلها ، هذا الذي نَحْرَصُ عليه ، وهذا الذي فاتنا ، وتفوق به أجدادنا .

 

ارتباط الإيمان بالاستقامة على أمر الله :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لأنه في الأفق الأعلى دنا فتدلَّى ، لن تستطيع أن تقترب من الله ، لن تستطيع أن تُقْبِل عليه ، لن تستطيع أن تتصل به ، لن تستطيع أن تستظل بظله يوم لا ظل إلا ظله ، لن تستطيع أن تشعر بحفظه لك ، لن تستطيع أن تقطُف ثمار الإيمان إلا باستقامتك على أمره . .

﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ﴾

.

ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنا
ولو ذقـت من طعم المحبَّــــة ذرةً  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولو نسمت من قربنا لك نسـمةٌ  لمت غريباً واشـتـياقاً لقربنـــــــــــا
ولو لاح من أنوارنا لـك لائـــــحٌ  تركت جميع الكائنات لأجـلـنـــــــا
* * *

 هل ذقنا طعم القُرْب ؟ هل ذقنا طعم الحب ؟ هل ذقنا طعم الإقبال على الله ؟ هل ذقنا طعم التوكّل عليه ؟ هل ذقنا طعم التفويض له ؟ هل ذقنا طعم الاستسلام لقضائه وقدره ؟ هل ذقنا طعم الرضا بأحكامه ؟

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾

[ سورة الطور : 48 ]

 ذقتم كل شيء ، هل ذقنا طعم القُرب ؟

 

من آمن بالله و أخلص له يريه الله آياته :

 أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى ﴾

[ سورة النجم : 8-12]

 فهذه الرحمة الذي ألقاها الله على قلبه عُمِّيَت على الناس . .

﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾

[ سورة هود : 28]

 أيْ إذا لم تكن في هذا المستوى ، فلا تنكر فلاناً الذي في هذا المستوى ، إذا كان همُّك الطعام والشراب ، فلا تنكر على أهل القرب قربهم ، لا تُنكر على أهل العِلْم علمهم ، لا تنكر على أهل الصلاح صلاحهم ، إن لم تكن كذلك اجتهد لتكن مثلهم ، لا أن تنكر عليهم .

﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النجم :15-18]

 خُلِقْنَا لهذه الجنة ، خلقنا لهذه الحياة الأبدية ، لهذه الحياة السرمدية ، خُلقنا لجنةٍ عرضها السموات والأرض ، خُلِقنا لدارٍ فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر ، خلقنا لنسعد إلى الأبد ، يا أيها الأخوة الأكارم ؛

﴿عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النجم :15-18]

 المؤمن إذا آمن بالله حق الإيمان ، وأخلص له حق الإخلاص ، لابد مِن أن يريه من آياته ؛ إن في القرآن الكريم ، إن في الحوادث اليومية ، إن في علاقته بربّه ، إن هذه الإراءة لكل مؤمنٍ منها نصيبٌ ؛ بقدر إيمانه ، بقدر إخلاصه ، بقدر استقامته ، بقدر تضحيته ، بقدر بذله .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإسراء والمعراج مسحٌ لجراح الماضي ، تطمينٌ للنبي عليه الصلاة والسلام ، تعويضٌ له عن جفوة الأرض ، حفاوة السماء ، تعويضٌ للنبي عن جفوة الأرض ، الإسراء والمعراج آيةٌ من آيات الله الدالة على أنه خَلَقَ الإنسان ليُكْرِمَهُ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مـن أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

الحبة السوداء :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ منذ حينٍ حدثتكم عن الحبة السوداء ، حبة البركة ، وذكرت وقتها حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي رواه الإمام البخاري في صحيحه ، روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً يقول فيه :

((عليكم بهذه الحبة السوداء ، فإن فيها شفاءً لكل داء إلا السَّام ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]

 والسام هو الموت ، وبحسب معطيات العلم التي كانت وقتها ، أي هناك بحوثٌ كثيرة أجريت على هذه الحبة ، قبل أيامٍ وقع تحت يدي كتابٌ رُبْعه عن الحبة السوداء ، ربع صفحاته ، قرأت مقدمته فإذا فيه الشيء العجيب يقول مؤلف الكتاب من خلال التحاليل العلمية الدقيقة للحبة السوداء : إن في الحبة السوداء الفوسفات ، وفيها الحديد ، وفيها الفسفور، وفيها زيوتٌ بنسبة ثمانيةٍ وعشرين بالمئة ، هذه الزيوت تَحْمِل سِرَّ الحبة السوداء ، ففي هذه الزيوت مضاداتٌ حيوية ، ومضاداتٌ للفيروس ، والميكروبات والجراثيم ، وفيها مواد مضادة للسرطان ، وفيها هرمونات مقوّية ، وفيها مدراتٌ للبول والصفراء ، وفيها أنزيماتٌ هاضمة ، وفيها مضاداتٌ للحموضة ، وفيها مواد مُنَبهةٌ ومهدئة في آنٍ واحدة ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا قبل قليل : لا ينطق عن الهوى ، والله سبحانه وتعالى هو الذي أخبره بذلك عن طريق الوحي :

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

[ سورة النجم : 3]

 قال :

((عليكم بهذه الحبة السوداء ، فإن فيها شفاءً لكل داء إلا السَّام ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]

 أناسٌ كثيرون استعملوا هذه الحبة السوداء ، ووجدوا نتائج طيّبة جداً ، فالكتاب يتحدث عن أمراض تزيد عن خمسين مرضاً ، للحبة السوداء مساهمة في شفاء هذه الأمراض ، ولكن لضيق الوقت أردت أن أذكر مكوّنات هذه الحبَّة ، أما لأمراض جلدية ، ولأمراض معوية ، ولأمراض عصبية ، ولأمراض بالأوعية والقلب والشرايين ، فإن لم تكن دواءً فهي وقايةٌ ، على كل هذه وصية النبي عليه الصلاة والسلام :

((عليكم بهذه الحبة السوداء ، فإن فيها شفاءً لكل داء إلا السَّام ))

[ابن ماجه عن عبد الله بن عمر ]

 وتأكدوا أيها الأخوة أن توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام الصحية كلما تقدم العلم اكتشف شيئاً من عظمتها .
 حدثني أخٌ صديق أنه قرأ مقالةً بلغةٍ أجنبيةٍ ، حول أن الإنسان ينبغي أن يأكل أقل كميةٍ قبل أن ينام ، والكمية الأكبر عند الظهيرة ، والكمية الكُبرى التي تعقبها ساعات عملٍ شاقة في الصباح.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018