الخطبة : 0375 - العفو . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0375 - العفو .


1991-12-27

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم ، رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العفو :

 أيها الأخوة الكرام ؛ الله جل في علاه غفور رحيم ، عفو كريم ، عفو غفور ، يعفو عن السيئات ، ويعفو عن كثير ، فإذا تاب العبد توبةً نصوحاً أنسى الله حافظيه ، وجوارحه، وبقاع الأرض كلها خطاياه وذنوبه .
 العفو أبلغ من المغفرة ، لأن الغفران يُشعر بالستر ، بينما العفو يُشعر بالمحو ، والمحو أبلغ من الستر ، وقد أمر الحق جل جلاله نبيه عليه الصلاة والسلام بالعفو والصفح ، فقال تعالى :

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾

[سورة الأعراف : 199]

 وقال أيضاً :

﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾

[سورة الحجر : 85]

 وقد فهم النبي عليه الصلاة والسلام العفو بأن تعطي من حرمك ، وأن تصل من قطعك ، وأن تعفو عمن ظلمك ، وقد أمر الله المؤمنين بما أمر به المرسلين ، فقال جلّ من قائل:

﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة البقرة : 109]

 وقال أيضاً :

﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

[سورة النور : 22]

 لماذا يعفو أناس وينتقم آخرون ؟ . . إذا اتصل الإنسان بالله العفو الكريم يشتق منه بعضاً من هذا الخلق العظيم ، وإذا استقرت الرحمة في قلب الإنسان فإنها تفيض حتى على خصومه بالعفو والغفران ، فيصبح العفو أحبّ إليه من الانتقام ، وإذا عرف الإنسان أن خصمه بشكل أو بآخر أخٌ له في الإنسانية فإذا انتقم منه خسره ، وإذا عفا عنه ربحه ، ولأن يربح الإنسان أخاه أفضل له من أن يربح الدنيا وما فيها ، عندئذ يرى في العفو مغنماً وفي الانتقام مغرماً ، وإذا أيقن الإنسان أن العفو سلماً يرقى به إلى عزِّ الدنيا والآخرة ، وأن الانتقام دركات يهوي بها إلى ذلّ ومقت يلاحقانه حتى الممات آثر العفو على الانتقام ، وإذا علم أبناء المجتمع الواحد أنه بالعفو تتسع دائرة الصداقات والمودّات، فيصبح المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً ، وبالانتقام تفشو العداوات والأحقاد ، حتى تصل بالمجتمع إلى أحط الدركات ، صار العفو ديدنهم .
ومن عادة الكريم أنه إذا قدر غفر ، وإذا رأى زلةً ستر ، فلا سؤدد مع الانتقام، وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العفو ، وأقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب ، وكفى بالمرء إثماً أن يغضب إذا قيل له : اتق الله ، ولا يُعرف الحكيم إلا عند الغضب .
 وقيل لخليفة عُرف بالحلم ، إني آنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي ، وقيل لابن المبارك رحمه الله تعالى : اجمع لنا حسن الخلق في كلمة واحدة ، فقال : ترك الغضب .
 وقال الأحنف بن قيس : إياكم ورأي الأوغاد ، فقيل وما رأي الأوغاد ؟ قال : الذين يرون العفو عاراً وحمقاً .

يستوجب العفو الفتى إذا اعترف  وتاب عما قد جناه واقتـــرف
لقوله قل للذيــــــــــــــن كفــــــروا إن ينتهوا  يُغفر لهم ما قد سلف
***

عفوه صلى الله عليه و سلم عن أهل مكة :

 تعالوا بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أسوتنا الحسنة ، وقدوتنا الصالحة ، ومثلنا الأعلى الذي بعثه الله معلماً للبشرية ، ورحمة للإنسانية ، تعالوا بنا لنرى هذا النبي العظيم، والمعلم الكريم وهو يدخل مكة فاتحاً ، يدخل مكة وقد ائتمرت على قتله ، مكة التي أخرجته ، مكة التي عذبت أصحابه ، مكة التي نكَّلت بأصحابه ، مكة التي قاطعته ، مكة التي كذبته ، مكة التي قاتلته في بدر وأحد والخندق ، مكة التي ألبت عليه العرب جميعاً ، لقد ألقى أهلها السلاح ، ومدوا إليه أعناقهم ، ليحكم فيها بما يرى ، إنهم في قبضته ، أمره نافذ في رقابهم، حياتهم جميعاً معلقة بين شفتيه ، وهذه العشرة آلاف سيف تتوهج يوم فتح مكة فوق رباها، تأتمر بأمره ، وتنتظر إشارة منه ، إنها تستطيع أن تبيد مكة وأهلها في لمح البصر ، لقد دخلها يوم الفتح الأعظم دخول المتأدبين الشاكرين ، معترفاً بعظم الفضل ، ولم يدخلها دخول المتكبرين المتجبرين ثملاً بنشوة النصر .
 لقد سار النبي صلى الله عليه وسلم في موكب النصر ، يوم فتح مكة حانياً رأسه، حتى تعذر على الناس رؤية وجهه ، بل كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره ، مردداً بينه وبين نفسه ابتهالات الشكر المبللة بدموعه . . سأل أعداءه بعد أن استقر به المقام : يا معشر قريش ، يا أهل مكة ، فاشرأبت إليه الأعناق ، وزاغت عند سؤاله الأبصار ، سألهم : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ . . وصاحت الجموع الوجلة ، بكلمة واحدة كأنما كانوا على اتفاق بترديدها ، قالوا : خيراً . . أخٌ كريم وابن أخٍ كريم ، فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . .
 لقد غُمر المذنبون الذين كانوا ينتظرون القصاص ويستحقونه بأنبل عفوٍ ، وأجمل صفح ، حتى قال أبو سفيان الذي ناصب رسول الله العداء أعواماً طويلة : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما أرحمك ! وما أحلمك ! وما أحكمك ! وما أوصلك ! وما أكرمك ! .
 يا سيدي يا رسول الله ، ما أجمل عفوك عند المقدرة ، ما أعظم نفسك التي سمت كل هذا السمو فارتفعت فوق الحقد وفوق الانتقام ، لقد ترفعت عن كل عاطفة دنيا ، وبلغت من النبل فوق ما يبلغ الإنسان . لم تكن تعرف العداوة ، بل لم تكن تريد أن تقوم بين الناس ، لقد مكنك الله من عدوك ، فقدرت وعفوت ، فضربت بذلك للعالم كله ولأجياله جميعاً ، مثلاً أعلى في العفو والصفح ، فلم تجعل من يوم الفتح يوم تشفٍ وانتقام ، بل جعلته يوم برٍّ ورحمة وسلام .
 عفوه صلى الله عليه وسلم عن أهل مكة يذكرنا بعفوه عن أهل الطائف ، الذين كذبوه أشدّ التكذيب ، واستخفوا بدعوته ، واستهزؤوا بها ، بل أغروا به سفهاءهم وصبيانهم ، جاءه جبريل الأمين واستأذنه أن يطبق عليهم الجبلين ، فما زاد عن أن قال : " لا يا أخي . . اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ويعبده " ، لقد عفا عنهم ، واعتذر عنهم ، وتوسم في أبنائهم الخير .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا عن عفوه الجماعي ، فماذا عن عفوه الفردي ؟ . .

عفوه الفردي صلى الله عليه و سلم :

 يتجلى عفوه الفردي بالصفح عن نفر من المشركين بالغوا في عداوتهم ، وفي أذيتهم ، ويوم فتح مكة ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، وضاقت عليهم أنفسهم ، وهاموا على وجوههم ، ومن هؤلاء صفوان بن أمية الذي شدَّ رحاله صوب جدَّة ، ليبحر منها إلى اليمن ، واشتد إشفاق صديقه عمير بن وهب عليه ، وصمم أن يسترده من يد الشيطان بكل وسيلة وإمكان ، ذهب مسرعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر فأمنه ، صلى الله عليك . فقال عليه الصلاة والسلام : هو آمن . فقال : يا رسول الله أعطني آيةً يعرف بها أمانك ، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل بها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه وهو يريد أن يركب البحر . فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تهلكها هذا أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به ، إن رسول الله أفضل الناس ، وأبرُّ الناس ، وأحلم الناس ، عزُّه عزك ، وشرفه شرفك . قال صفوان : إني خاف على نفسي . فقال : هو أحلم من ذلك وأكرم ، فرجع معه حتى دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال صفوان لرسول الله : إن هذا يزعم أنك أمنتني ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق . قال صفوان: فاجعلني في الخيار شهرين . فقال عليه الصلاة والسلام : أنت في الخيار أربعة أشهر، وفيما بعد أسلم صفوان وحسن إسلامه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لقد عفا صلى الله عليه وسلم عن الكبراء وعن الدهماء على حدّ سواء ، فقد روي أن أعرابياً جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه شيئاً ، فأعطاه ثم قال له :

(( أأحسنت إليك ؟ فقال الأعرابي : لا ولا أجملت ، فغضب المسلمون ، وقاموا إليه ، فأشار إليهم صلى الله عليه وسلم أن كفوا ، ثم قام ودخل منزله ، فأرسل إليه وزاده شيئاً ثم قال له : أحسنت إليك ؟ قال نعم ، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، فقال له عليه الصلاة والسلام : إنك قلت ما قلت آنفاً وفي نفس أصحابي من ذلك شيء ، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك ، قال : نعم ، فلما كان الغد جاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه : إن هذا الأعرابي قال ما قال فزدناه ، فزعم أنه رضي ، أكذلك يا أعرابي ؟ قال : نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيراً ، عندها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحب الناقة خلوا بيني وبين ناقتي فإني أرفق وأعلم ، فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها ، فأخذ لها من قمام الأرض فردها هوناً حتى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار))

[بطوله أخرجه البزار وأبو الشيخ من حديث أبي هريرة بسند ضعيف]

 أيها الأخوة ؛ إن النبي عليه الصلاة والسلام لم تأخذه الدهشة لجحود الأعرابي أول الأمر ، وعرف فيه طبيعة صنف من الناس مردوا على الجفوة في التعبير ، والإسراع بالشر، وأمثال هؤلاء لو عوجلوا بالعقوبة لقضت عليهم ولما كانت ظلماً ، ولكن العظماء أصحاب القلوب الكبيرة لا ينتهون بمصائر العامة إلى هذا الختام الأليم ، إنهم يفيضون من رحمتهم وحلمهم على ذوي النزق حتى يلجئوهم إلى الخير إلجاء .
 إن هذا الأعرابي الذي اشترى النبي الكريم رضاه بهذا المال ، لا يبعد أن تراه بعد أيام وقد كُلف بعمل خطير أن يقدم فيه الغالي والرخيص عن طيب خاطر ، وما المال إلا قمام الأرض ، تُستناخ به الرواحل الجامحة لتُقطع عليها المفازات الشاسعة . روى الإمام مسلم :

(( عن عَائِشَةَ قَالَتْ : مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))

[متفق عليه عن عائشة ]

تخلق الصحابة الكرام بخلق النبي في العفو و الصفح :

 وقد أثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه لم ينتقم من أحد لنفسه قط . لقد تخلق الصحب الكرام بأخلاق نبيهم العدنان في العفو والصفح ، فقد روى البخاري :

(( أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهممَا قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْحُرِّ بْنِ قَيْسٍ وَكَانَ مِنَ النَّفَرِ الَّذِينَ يُدْنِيهِمْ عُمَرُ وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْنَ أَخِي هَلْ لَكَ وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ ؟ قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَكَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْحُرُّ لِعُيَيْنَةَ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ : هِيْ يَا بْنَ الْخَطَّابِ فَوَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ وَلَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ الْحُرُّ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) وَإِنَّ هَذَا مِنَ الْجَاهِلِينَ وَاللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ ))

[انفرد به البخاري عن ابن عباس]

 أورد السيوطي في الجامع الصغير حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمناً وإيماناً ))

[ أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب عن أبي هريرة ، ورمز له السيوطي بعلامة الضعف]

ثمار العفو :

 انظروا إلى ثمار العفو التي نوه بها النبي صلى الله عليه وسلم إنها الأمن والإيمان ، الأمن مع الخلق ، والإيمان مع الحق ، فهذا الذي يؤثر الانتقام على العفو يجعل الجو المحيط به ضاغطاً ، وعلاقاته مع الآخرين متوترة ، ويكون انتقامه تربةً خصبة لانتقام مضاد ، فيتوقع المنتقم الشر ، وتوقع الشرِّ شرٌّ من وقوعه ، وهكذا يفقد المنتقم الأمن ، وبفقد الأمن يفقد أثمن ما في الحياة النفسية ، قال تعالى :

﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 81-82]

 أما إذا آثر الرجل العفو على الانتقام فقد جعل الجو المحيط به ودياً ، وجعل علاقاته بالآخرين مريحة ، وجعل من أعدائه الألداء أصدقاء حميمين ، قال تعالى :

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[سورة فصلت : 34]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ هذا عن أول ثمرة من ثمار العفو ، فماذا عن ثمرة الإيمان ؟ إن الإنسان إذا عفا عن أخيه كان أقرب إلى ربه مما لو انتقم منه ؛ لأن الخلق كلهم عباد الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ، وفي الحديث القدسي :

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 إذا كانت إماطة الأذى عن الطريق شعبة من شعب الإيمان فما بالك بالعفو عن إنسان حيث بالعفو عنه يُبدل خوفه أمناً وضيقه فرجاً ويأسه أملاً ؟ إن العفو يدل على الإيمان ويؤكده ، ويزيد فيه ويجدده ، فالإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله . حينما تصح التوبة ، ويتحقق الندم ، وتصدق العزيمة ، على ترك الذنب عندئذ يصبح العفو حياةً للمذنب ، كما كان القصاص حياةً للمجتمع ، ويغدو فرصة ثمينة ، ينالها المذنب ، ليؤكد صحة توبته وعظيم ندمه وصدق عزيمته ، على ترك ما اقترفت يداه من الذنوب ، ويؤكد أيضاً الجانب الخير في الإنسان ، وربما أصبح هذا المذنب الذي عُفي عنه علماً من أعلام الأمة ، ومصلحاً من كبار مصلحيها ، وقائداً فذاً من قادتها ، والتاريخ الإسلامي حافلاً بمثل أولئك المذنبين الذين عُفي عنهم فصاروا من القادة الشجعان ، والعلماء الأعلام ، والأولياء المقربين أمثال عكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن أمية .
 من عكرمة بن أبي جهل ؟ . . عكرمة بن أبي جهل الذي عادى النبي أشدّ العداء ، وآذى أصحابه أفدح الإيذاء ، وهو أحد صناديد قريش المعدودين ، وأبرز فرسانها المرموقين ، وهو ابن أبي جهل جبار مكة الأول ، وزعيم الشرك الأكبر ، لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عنه ، بل وجه أصحابه قائلاً :

(( سيأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمناً مهاجراً فلا تسبوا أباه ، فإن سبَّ الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت ))

[الحاكم عن عبد الله بن زبير ]

 وقد عاهد عكرمة بعد أن عُفي عنه ، عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلاً: أما والله يا رسول الله ، لا أدع نفقة كنت أنفقتها في صد عن سبيل الله إلا أنفقت ضعفها في سبيل الله ، ولا قتالاً كنت أقاتل في صدّ عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله .
 وفي اليرموك ، لما اشتد الكرب على المسلمين ، نزل عكرمة عن جواده وكسر غمد سيفه ، وأوغل في صفوف الأعداء في صفوف الروم ، فبادر إليه خالد بن الوليد وقال له : لا تفعل يا عكرمة ، فإن قتلك سيكون شديداً على المسلمين ، فقال : إليك عني يا خالد ، لقد كان لك مع رسول الله سابقة ، أما أنا وأبي فقد كنا من أشدّ الناس على رسول الله ، فدعني أكفر عما سلف مني ، لقد قاتلت رسول الله في مواطن كثيرة ، وأفرُّ اليوم من الروم ؟ إن هذا لن يكون أبداً .

 

إصلاح ذات البين :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ حديث أنس : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ رأيناه يضحك حتى بدت ثناياه فقال عمر : ما يضحكك يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال :

(( رجلان من أمتي جثيا بين يدي رب العزة فقال أحدهما : يا رب خذ لي مظلمتي من أخي ، فقال الله تعالى : أعط أخاك مظلمته ، قال : يا رب لم يبق من حسناته شيء ؟ فقال الله تعالى للطالب : كيف تصنع ولم يبق من حسناته شيء ؟ قال : يا رب يتحمل عني من أوزاري ، قال : وفاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبكاء ثم قال : إن ذلك ليوم عظيم يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم ، قال : فقال الله للطالب ارفع رأسك فانظر في الجنان ، فرفع رأسه فقال : يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة وقصورا من ذهب مكللة باللؤلؤ ، لأي نبي هذا ؟ أو لأي صديق هذا ؟ أو لأي شهيد هذا ؟ قال : لمن أعطاني الثمن ، قال : يا رب ومن يملك ثمنه ؟ قال : أنت تملكه ، قال : وما هو ؟ قال : عفوك عن أخيك ، قال : يا رب إني قد عفوت عنه ، قال الله تعالى : خذ بيد أخيك فأدخله الجنة ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين ))

[أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله والحاكم في المستدرك]

 إن الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نصلح ذات بيننا ، وقد فهم بعض العلماء هذه الآية على ثلاثة مستويات ، المستوى الأول أن نصلح أنفسنا التي بين جوانحنا ، بتعريفها بربها وحملها على طاعته ، والتقرب إليه كي تسعد بقربه ، والمستوى الثاني أن نصلح كل علاقة بيننا وبين الآخرين الأقارب منهم والأباعد ، عن طريق معرفة الحقوق والواجبات والوقوف عند حدود الشرع ، واعتماد العدل والإحسان ، والمستوى الثالث أن نصلح فيما بين الناس ، بحملهم على العفو والترغيب فيه ، وبيان ثماره اليانعة ونتائجه الطيبة ، ولو كلفنا وقتاً وجهداً ومالاً ، لأننا إن فعلنا فإنما نطبق أمر الله تعالى : (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) فطوبى لمن كان مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر ، وطوبى لمن أصلح بين الناس ووفق بينهم ، وطوبى لمن استعمله الله بالخير ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيم استعملك ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه ، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

العفو عن المساجين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ هذه الخطبة التي ألقيت على مسامعكم قبل قليل هي في الأصل خطبة إذاعية ألقيتها عبر إذاعة دمشق وصوت الشعب من على منبر هذا المسجد ، يوم الجمعة في السابع والعشرين من كانون الأول عام ألف وتسعمئة وتسعة وثمانين ، وقد مضى عليها ثلاث سنوات إلا قليلاً ، وكنت أرجو من خلالها أن تسهم هذه الخطبة بشكل أو بآخر فيما ينتظره الناس من عفو عن المساجين ، وكأني بالناس يدعون ربهم ليلاً ونهاراً ، يدعون ربهم الذي إليه يُرجع الأمر كله أن يفك أسر المأسورين ، وأن يحسن خلاص المسجونين ، أما وقد استجاب الله لدعاء المؤمنين وصدر قانون العفو ، وأخذ طريقه إلى التنفيذ ، فنحن باسمكم جميعاً نشكر صاحب هذا القرار الحكيم ، وندعو للسيد رئيس الجمهورية أن يوفقه لما فيه خير البلاد والعباد ، وأن يهيئ له بطانة خير ، ووزراء صدق ، إنه على ما يشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت ، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا .
 أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر مولانا رب العالمين . اللهمَّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، ومن الخوف إلا منك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء ، مولانا رب العالمين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018