الخطبة : 0374 - أحاديث تبدأ بكلمة - إياكم ...… - الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها.... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0374 - أحاديث تبدأ بكلمة - إياكم ...… - الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها....


1991-12-20

الخطبة الأولى:
 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا ، وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا لرُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بِخَبر . اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم ، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر ، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير ، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

سعادة المؤمن تقوم على تنفيذ أمْر الله و الابتعاد عما نهى عنه :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام أوتِيَ جوامع الكلم ، وأوتِيَ جوامع الحِكَم ، ففي أحاديثه الشريفة طائفةٌ تبدأ بِكَلمة إياكم ، أيْ أنّ النبي عليه الصلاة والسلام يحذِّرُ أمَّته من هذه الأفعال ، وقد تعلمون أيّها الأخوة أنَّ في الدِّين أوامر ، وفي الدِّين نواه ، وأنّ هذه الأوامر إمّا أن ترِدَ في كتاب الله مباشرةً ، وإما أن ترِدَ في حديث رسول الله ، والله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

[ سورة الحشر : 7]

 فأمْرُ النبي هو عَيْن أمْر الله ، ونهْيُ النبي عليه الصلاة والسلام هو عَيْنُ نهيِ الله، وقد قال الله تعالى :

﴿ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾

[ سورة التوبة : 62]

 بِضَمير المُفرد ، أيْ أنّ إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلّم بِطاعتهِ ، والانتِهاء عمَّا عنه نهى هو عَيْنُ إرضاء الله عز وجل ، وأنّ إرضاء الله عز وجل باتِّباعِ أمْره، واجْتناب نهيِهِ هو عَيْنُ إرضاء رسول الله ، فنحن أمام نصَّيْن ، نصٍّ من قِبَل الله عز وجل ، هو كلام الله فيه أمْرٌ ونهْيٌ ، والنبي عليه الصلاة والسلام يُبيِّنُ ويُفصِّلُ .
 النبي عليه الصلاة والسلام من بعض أحاديثه الشريفة التي تبدأ بِكَلمة إيَّاكَ أو إِيَّاكُم ، هذه الصِّيغة تُفيد النَّهي والتحذير ، فسعادتك أيها الأخ المؤمن تقوم على تنفيذ أمْر الله ، وهلاكُ الإنسان سببُه اقترافُ ما نهى الله عنه ، وقد يقول قائلٌ : هذه المعصِيَة ، وهذه المخالفة لا توجِبُ الهلاك ، لكنّ الشيء الذي يُلفتُ النَّظر أنَّ كلّ مخالفةٍ تجرّ إلى مخالفةٍ أكبر ، وهكذا حتى ينْتهِيَ صاحِبُها إلى النار ، ألمْ تسْمعوا قَوْل النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأل أصحابه من المفلس ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((قَال : أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ قَالُوا : الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ ، فَقَالَ : إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا ، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 فالمعصِيَة تجُرّ إلى معصِيَةٍ أكبر ، والانحراف يجرّ إلى انْحرافٍ أشدّ .

 

العاقل و الموفق من لا يتفوه بكلمة يضطر أن يعتذر منها :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أيُّ قولٍ ، أو أيُّ فعْلٍ تضْطرّ بعدَ حينٍ أن تعتذر عنه ، فأنت في الأصْل لا تتفوَّه به ، جرَتْ مناقشةٌ تعرفونها جميعًا بين سيّدنا معاوية بن أبي سفيان ، وبين سيّدنا عمرو بن العاص ، قال : يا عمرو أعرفُك من دُهاة العرَب ، ما بلغَ مِن دهائِكَ ؟ قال : والله ما دَخَلْتُ مُدْخلاً إلا أحْسنْتُ الخروج منه ، فقال معاوية رضي الله عنه : يا عمرو ، لسْتَ بِداهِيَة ، أما أنا فوالله ما دخلْتُ مدخلاً أحتاجُ أن أخرجَ منه ، لا تقل أمرًا ثمّ تعتذر ، لا تقف موقفًا ثمّ تعتذر ، لا تفعل شيئًا ثمّ تعتذر ، إن كنتَ موفّقًا ، وإن كنت حصيفًا ، وإن كنت عاقلاً ، إيّاك أن تتفوّه بكلمةٍ تُضْطرّ أن تعتذر منها :

اِحْفظ لسانك أيّها الإنســـــــــــان  لا يلْدغنّــــــــــك إنَّه ثعبــــــــــان
كم في المقابر من قتيل لسانه  كانت تهابُ لقاءه الشجعان
***

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ ))

[الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أحدُ العلماء له نصائحُ ثلاث ، يقول : زِنْ كلامَكَ قبل التَّفوُّه به ، وجانِبْ ما تحتاج منه إلى الاعْتِذار ، واتْرُك إجابة السفيهِ حِلْمًا عنه ، وتوفيرًا لِقَدْرِكَ .
 ميمون بن مهران سَمِعَ من عمر بن عبد العزيز هذه النّصائح الأربع ، قال سيّدنا عمر بن عبد العزيز : " لا تَصْحَب سُلطانًا وإن أمَرْتَهُ بالمعروف ونهيْتَهُ عن المنكر ، ولا تخْلُونَّ بامرأة ولو أقرأتها القرآن ، ولا تَصِلَنَّ مَنْ قطَعَ رَحِمَهُ فإنّه لك أقْطَع ، ولا تتكلَمَنَّ بِكَلامٍ تعتذِرُ منه غدًا " نصائحُ قيِّمة لسيّدنا عمر بن عبد العزيز .
 وقال بعضهم : " دَعْ ما يسْبق إلى القلوب إنكارهُ ، ولو كان عندك اعْتِذارُه " لو أنَّك مثلاً كنتَ مريضًا ، لا سمح الله ، وقد أجازَ لك الشَّرْع أن تفْطِر ، فلو شربْتَ أمام الناس ، هناك أُناسٌ كثيرون يتَّهِمونك بالمعصِيَة مع أنّك معذورٌ في الشّرْع ، لذلك ما يسْبق إلى القلوب إنكارهُ ، ولو كان عندك اعْتِذارُه ، أنت معك العُذْر ، ومعك عُذْرٌ شرعي ، ولكن تجنَّب أن تشرَب وأنت معذورٌ شرعًا أمام الناس ، لئلا يتَّهِمَكَ معظمُ الناس بالمَعصِيَة وأنت بريءٌ منها .
 وقال بعضهم : " خَفْ من مواضع التُّهَم أكْثرَ ممَّا تخافُ من مواضع الألَمَ لأنّ شرفَ المؤمن رأسُ ماله في الحياة " إنّ سُمْعَتَهُ هي أثْمَنُ ما يمْلِك ، إنَّ سُمْعتهُ رأسُ مالهِ في الدّعوة إلى الله عز وجل ، فابْتَعِد عن مواطِن التُّهَم .
 وقد قال الإمام عليّ كرَّم الله وجهه : " من وضَعَ نفسهُ مواضِعَ التُّهَم لا يلوم الناس إذا اتَّهَموه " وسبب وُرود هذا الحديث الشريف أنَّ رجلاً قال : يا رسول الله عظني وأوجز؟ قال :

((إذا كنت في صلاتك فصلّ صلاة مودع ، وإياك وما يعتذر منه ، واجمع اليأس مما في أيدي الناس ))

[ابن عساكر عن أبي أيوب]

 من قول ، أو من فِعْلٍ ، أو من موقفٍ ، أو من إعطاءٍ ، أو من منْعٍ ، أو من صِلَةٍ ، أو من قطيعةٍ ، أو من غضبٍ ، أو من حِلْمٍ ، إياك وما يعتذر منه .

 

النهي عن المبالغة بالتّنعم :

 حديثٌ آخر ، عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لما بعث به إلى اليمن قال له : إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين))

[أحمد عن معاذ بن جبل]

 أيّها الأخ الكريم ؛ إذا عرفْتَ أنّ هذه الدنيا دار الْتِواء لا دار اسْتِواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، من عرفها لم يفرح لِرَخاء ، ولم يحزن لشَقاء ، قد جعلها الله دار بلْوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لِعَطاء الآخرة سببًا ، وجعل عطاء الآخرة من بلْوى الدنيا عِوَضًا ، إذا عرفْت حقيقة الدنيا ، وأنّها ممرّ وليس مقرًّا ، وأنّها دار عملٍ ، وليْسَت دار جزاء ، وأنّها دار تكليف ، وليسَت دار تشريف ، وأنّها مزرعة الآخرة ، وأنّ وُجودك فيها هدفهُ الأوّل معرفة الله ، ومعرفةُ منهجِه ، وتطبيق منهجه ، والعمل تقرّبًا منه ، إذَا عرفْت كلّ هذه الحقائق ، لا تجْعل التَّنَعّم في الدنيا كلّ همّك ، ولا مبْلَغَ علمك ، لأنك إذا جعلْتَ التَّنَعّم المباح الذي شرعه الله عز وجل كلّ همّك ، جعلَك هذا التّنعّمُ تسْتأنِسُ بالدنيا ، وترْكَنُ إليها ، وتحبّ امْتِداد الحياة ، وتكْرهُ لقاء الله ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم على أكل المال الحرام ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم على السكوت عن قَوْل الحق ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم عن أن تقول ما لسْتَ قانعًا به ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم على النفاق ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم على مداراة الناس على حساب دينك ، وربّما حملكَ هذا التَّنَعّم على طلب الدنيا وترْك الآخرة ، فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( لما بعث به إلى اليمن قال له : إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين))

[أحمد عن معاذ بن جبل]

 التَّنَعُّم هنا كما قال بعضهم ؛ المبالغة بالتَّنَعُّم ، وكما قال بعضهم : أن ْتجْعَلَ التَّنَعّم كلّ همّك ، ومَبْلَغَ عِلْمِكَ ، لكنّ المؤمن كما قال الله عز وجل :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل : 97]

 هذا المعنى لا يتناقض مع هذا النهي الذي وردَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .

 

النهي عن الجلوس في الطرقات :

 وفي حديث ثالث ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ، قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 لماذا لا نجلس على الطرقات ؟ لأنّك في الطريق تطَّلِعُ على عورات الناس ، نساءٌ كاسيات عاريات ، مائلات مُميلات ، يخْطرن في هذه الطرقات ، فالجُلوس في مكانٍ مُطلّ على الطريق ، وإطلاق البصر بما يجري ، وفيما يجري ، هذا ممَّا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام ، بل إنّ الذي يجرح عدالة الإنسان التَّنَزّه في الطّرقات لِمَظَنَّة الوُقوع في المعصِيَة والآثام.
 يقول عليه الصلاة والسلام : إياكم والجلوس على الطرقات ، فيها مظنة إطلاق البصر ، فيها مظنة سماع المنكر ، فيها مظنة الغناء ، فيها مظنة تتبّع العورات ، فيها مظنة أن تحشر نفسك فيما لا دخْل لك به ، فيها مظنة التعلّق بالدنيا :

(( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ ، قَالُوا : وَمَا حَقُّهُ ؟ قَالَ : غَضُّ الْبَصَرِ ، وَكَفُّ الْأَذَى ، وَرَدُّ السَّلَامِ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 لو أنَّك مضطرّ أن تكون في طريق ، أو أن تجلسَ في طريق ، أو أن تجلسَ في محلّ مُطلّ على الطريق ، أعْطوا الطريق حقّها ، قالوا : وما حق الطريق ؟ قال : غض البصر، وكف الأذى ، ومن كفّ الأذى أن تدلّ المستدلّ ، أن تُعين الضعيف ، قالوا : وما حق الطريق؟ قال :

(( غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر - إذا كنتَ في مكانٍ عام ، أو في مكانٍ مُطِلّ على طريقٍ عام ، أو اضْطررت أن
تكون في الطريق ، فأعْطِ الطريق حقّه - غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ))

من مكائِدِ الشيطان سوءُ الظنّ بالمسلمين :

 وفي حديث رابع ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

(( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخواناً ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أي أن تبني موقفًا على ظن لا على يقين ، وأيُّ إنسانٍ يبني موقفًا ، أو علاقةً، أو عطاءً ، أو منْعًا ، أو صِلَةً ، أو قطيعةً ، أو مودَّة ، أو عداوةً ، أيّ إنسانٍ يبني هذه المواقف وهذه المسالك على ظنٍّ لا على يقين فقد وقعَ فيما نهى النبي عنه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما هو الظنّ ؟ وما هو سوء الظنّ ؟ سوءُ الظنّ كما عرَّفَهُ العلماء : تُهْمةٌ تقعُ في القلب بلا دليل ، أنْ تتَّهِمَ إنسانًا في قلبك دون أن تنطقَ بِلِسانك ، بلا دليل ، إذا اتَّهَمْتَ بلا دليل فقد وقعْتَ بِسُوء الظنّ ، ومن أساء الظنّ بأخيه فقد أساء الظنّ بربِّه ، أن تتَّهِمَ أخاك بِتُهْمةٍ ما من دون دليل فقد انْطبقَ عليك هذا الحديث الشريف .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ حينما قال النبي صلى الله عليه وسلم قال : إياكم والظن، أو إياكم وسوء الظنّ ، أو إيّاكم واتِّباع الظنّ ، والإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول : سوءُ الظنّ حرام كَسُوء القَوْل ، لماذا قال عليه الصلاة والسلام فإن الظن أكذب الحديث ؟ حديثُ مَنْ ؟ أنت ساكِتٌ ‍‍! قالوا : حديثُ النَّفْس ، قد تُحَدِّثُك نفْسُكَ بأنَّ فلانًا فعَلَ كذا من أجل كذا ، له مصْلحة ، وفلانًا خطبَ هذه المرأة ، هي ديِّنَة ولكنّه خطبها لِمَالها ، وأنّ فلانًا يحْرصُ على فلانٍ لِمَصلحة له عنده ، حديثُ النَّفس ، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث " حديثُ مَنْ ؟ إنَّه حديثُ النّفس ، إيّاك أن تُسيء الظنّ ، وإيّاك أن تتَّبِعَ هذا الظنّ ، أيْ تبني عليه علاقة ، تبني عليه قطيعة ، تبني عليه مودّة ، تبني عليه عطاء ، تبني عليه منْع ، إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث .

 

الابتعاد عن التجسس و الحسد و تتبع عورات الناس :

 ثمّ يقول عليه الصلاة والسلام : " ولا تحسسوا ولا تجسسوا " لا تتَّبِع عورات المسلمين ، لا تهْتِك سِتْرهم ، لا تبْحَث عن شيءٍ أخْفَوْهُ عنك ، كُنْ متخلِّقًا بأخلاق الله ، من أسماء الله الحسنى الستّار والسِّتير ، وحتى الأخبار التي لا تعنيك ، وإن لم تكن سيّئة فلا تبْحث عنها ، فَمِن حُسْن إسلام المرء ترْكُه ما لا يعْنيه .
ولا تنافسوا ، التنافسُ في الآخرة محمود لِقَول الله عز وجل :

﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين : 26]

 والتنافس في الدنيا مذموم لأنّ الدنيا جيفة طلاّبها كلابها ، هي دار من لا دار له ولها يسْعى من لا عقْل له ، ولأنّ مصيرها إلى الفناء ، فكلّ ما فيها من عَطاء ، هو عارِيَةٌ مُسْتردَّة ، ولو أنَّ الدنيا تعْدلُ عند الله جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شرْبة ماء .
 ولا تحاسدوا ، لا تتمنَّى أن تزول نعمة عن أخيك ، مِقياسٌ دقيق أضَعُهُ بين يديك: إنْ أصاب أخاكَ حسنةٌ فتألَّمْتَ فاعْلَم أنَّك في خندق المنافقين ، قال تعالى : " إن تصبك حسنة تسؤهم . . . . . ." وإن أصابَتْ أخاك حسنةٌ فَسُرِرْتَ لها ، فهذه علامة الإيمان ، علامة الإيمان أن تسْعَدَ بِسَعادة إخوانك ، وأن تشْقى بِشَقائهم ، أن تفرَحَ لِفَرَحِهم ، وأن تتألّم لألَمِهِم ، أن تُحِبّ لهم ما تحبّ لِنَفسك ، وأن تكره لهم ما ترك لنفسِكَ .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ولا تباغضوا ، البُغْض ليس عملاً إراديًا ، هذا شيءٌ لا علاقة لي به ، القلب يُبْغِض أو لا يُبْغِض ، قال العلماء : لا تتعاطَوا أسباب البُغْض ، فالغيبة تُؤدِّي إلى البغْض ، النميمة تؤدِّي إلى البغض ، الكلام القاسي يؤدّي إلى البغض ، الغمْز واللَّمْزُ يؤدِّي إلى البغض ، النَّظْرة التي فيها ازْدِراءٌ تؤدِّي إلى البغض ، فأيّ عملٍ يؤدِّي إلى أن تبغض أخاك أو إلى أن يبْغِضَك أخوك ، هذا العمل لا تتعاطاه :

(( ولا تباغضوا ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخواناً ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 هذه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ، ولا تحسسوا ، ولا تنافسوا ، ولا تحاسدوا ، ولا تباغضوا ، ولا تدابروا ، وكونوا عباد اللّه إخواناً ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ سبب التحريم أنَّ خبايا القلوب لا يعلمها إلا علام الغيوب، لا تستطيعُ أن تكشف سرّ أخيك ، لأنّ الله وحدهُ يعلمُ السرّ وأخفى ، والقاعدة أنَّه إذا ساء فعْلُ المرء ساءَتْ ظُنونه ، فالسيّئ يظنّ السوء ، والخَيِّرْ يظنّ الخير ، وقد قال الحكيم الشاعر :

إذا ساءَ فِعْلُ المرء ساءَتْ ظنونُهُ  وصدَّق ما يعْتادُهُ من تَوَهُّــــــــــمِ
وعادى مُحِبِّيــــــــــــــه بِقَوْل عــــدوّه  وأصبح في ليل من الشكّ مظلم
***

 أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يرى أنَّه من أكبر مكائد الشيطان سوءُ الظنّ بالمسلمين ، فالشيطان يتحرّك لِيُضَعْضِعَ لك ثقتَكَ بالناس ، وبالمؤمنين ، ثقتك بِنَزاهتهم ، ثِقَتَكَ بِوَرعِهم ، فَمِنْ أكبر أعمال الشيطان هو أن يهزّ عندك ما ظننْتهُ مسلمًا ، أو ما ظننْتهُ مؤمنًا ، أو ما ظننْتهُ ورِعًا ، أو ما ظننْتهُ تقِيًّا ، لذلك من مكائِدِ الشيطان سوءُ الظنّ بالمسلمين .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بقيَتْ أحاديث أشرحها لكم إن شاء الله تعالى في خطبةٍ قادمة ، إيّاكم وكثرة الحلف بالبيع فإنّه ينفق ثمّ يمْحق ، وإيّاكم والدخول على النّساء ، وإيّاكم والشّح ، وإياكم وسوء ذات البين ، وإيّاكم والهوى ، وإيّاكم ومحقّرات الذنوب ، وإيّاكم والغيبة .
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني ، والحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

رفع السماء بغير عمد نراها من آيات الله الدالة على عظمته :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ من نعَم الله الظاهرة ، هذه النِّعَم التي بين أيدينا ، ولكن هناك نِعَمٌ عُظمى لا نعرفها ، بل نحن في غفلةٍ عنها ، وقد قال الله عز وجل :

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾

[ سورة إبراهيم : 34 ]

 وفي هذه الآية شيءٌ يلفتُ النَّظر ، تَعُدُّوا نعمةَ الله ، أيْ خَيْرات النِّعْمة الواحدة أنتم عاجزون عن إحصائها .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ربّنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 قد يُفْهم من هذه الآية أنّ بين النّجوم والكواكب أعْمِدَةٌ لا نراها ، لأنّ الآية تقول :

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 إذًا ليس هناك أعْمِدَة مرئيّة ، هذا لا ينفي أن تكون هناك أعْمدة غير مرْئِيَّة أيها الأخوة ، الأجسام تتجاذَبُ فيما بينها ، والكُتَل تتجاذبُ فيما بينها ، والكواكب تتجاذبُ فيما بينها، فالشمس تجذبُ الأرض ، ولو أنّ هذه القوّة التي أوْدَعَها الله في الشّمس ؛ قوّة الجذْب انْعَدَمتْ لِسَببٍ من الأسباب فإنّ الأرض سوفَ تلاقي مصيرها المُحْزِن ، بانْدِفاعها الأزليّ في متاهات الفضاء الكوني ، الباردة والمعتِمَة .
 نِعمةٌ الشمس ! شيءٌ مألوف أن نرى الشّمس كلّ يومٍ ، أن تشْرق علينا الشّمس كلّ يوم ، ألا يغيبَ علينا ضوءُ الشّمس ، ولكن لو أنّ هذه الأرض تفلَّتَتْ من جاذبيّة الشمس ، ومَضَتْ في متاهات الفضاء ، إلى ما لا نهايَة حيث الظلام الدامس ، والبرْد الذي قد يصِلُ إلى ثلاثمئةٍ وخمسين درجة تحت الصّفْر ، فما مصيرُ الأرض ؟
 أيها الأخوة الأكارم ؛ بِحِساب قِوَى الجاذبيّة قال بعض العلماء : لو أردْنا اسْتِبدال حِبال الجاذبيّة بِحِبالٍ مرْئيَّة ، واخْترْنا أمْتَنَ المعادِن على الإطلاق إنَّه الفولاذ المضفور ، هذا المعدن السنتمتر مربّع منه يتحمَّل قِوَى شدّ تزيدُ عن مئة كيلو ، لو أردنا أن نضعَ بين الأرض والشمس أعْمِدَةً من الفولاذ كم نحتاج ؟ قيلَ : نحتاجُ إلى مليون مليون عمود، قطر العمود الواحد خمسة أمتار !! فلو وُضِعَت كلّ هذه الأعمدة على الأرض حتى نسْتبدل بها قِوَى التجاذب التي أوجدها الله بين الأرض والشمس هذا شيء لا يُصَدَّق ، لو أردنا أن نسْتبدِلَ قِوَى التجاذب بين الأرض والشمس ، وهذه نِعْمةٌ مألوفةٌ ولكن لا نراها ، أنّ الأرض مربوطة بالشمس ، وتدور حولها ، قال العلماء : كلّ هذه القِوَى من أجل أن تحْرفَ مسار الأرض كلّ ثانيَة ثلاثة ميليمتراتٍ حتى تُشَكِّلَ مسارًا شبيهًا بالدائرة مُغْلقًا حول الشمس ، ولولاها لانتهَتْ الحياة ، لولا أنّ الله عز وجل أوْدَعَ في هذه الشمس قِوًى عظيمة لِجَذْب الأرض ، وبقاء الأرض تدور حول الشمس لانْفلَتَتْ الأرض ، وسارَتْ إلى ما لا نهاية في فضاءٍ تزيدُ بُرودته عن ثلاثمئة وخمسين تحت الصّفر ، وكنّا في ظلامٍ دامس ، فهذه نِعْمةٌ لا تخطر على بال . فهذه القوى التي بين الأرض والشمس لو أردنا أن نستبدِلها بِحِبالٍ فولاذيّة مليون مليون حبل فولاذي مضفور ، قطر كلّ حبلٍ خمسة أمتار ، وبين كلّ حبْلَيْن مسافة حبلٍ واحد أصْبحنا أمام غابةٍ ربّما حجبتْنا هذه الغابة عن أشِعَّة الشمس ، لهذا قال الله عز وجل :

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 لو أنّ هناك أعمدة فولاذيّة معدنيّة لرأيْتَ العَجَب العُجاب ، ولرأيْتَ الحركة على سطْح الأرض مستحيلة ، لرأيْتَ البناء مستحيلاً ، لرأيْتَ أشِعَّة الشمس محجوبةً بهذه الحِبال الكثيرة ، وهذه من النِّعَم الباطنة التي قد لا ينْتَبِهُ إليها الإنسان ، قال تعالى :

﴿ اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ﴾

[سورة الرعد: 2]

 أيها الأخوة الأكارم ؛ دقِّقُوا في هذه الآيات الكوْنِيَّة فكلّما ازْدَدْنا معرفةً بها ازْدَدْنا معرفةً بالله عز وجل .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا ، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، ومتعنا اللهم بأسماعنا ، وأبصارنا ، وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا ، مولانا رب العالمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم لا تؤمنا مكرك ، ولا تهتك عنا سترك ، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين . اللهم استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين . اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الفقر إلا إليك ، ومن الذل إلا لك ، نعوذ بك من عضال الداء ، ومن شماتة الأعداء ، ومن السلب بعد العطاء . اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب . اللهم صن وجوهنا باليسار ، ولا تبذلها بالإقتار ، فنسأل شرّ خلقك ، ونبتلى بحمد من أعطى ، وذم من منع ، وأنت من فوقهم ولي العطاء ، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء . اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018