الخطبة : 0372 - الأمر بالمعروف - جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0372 - الأمر بالمعروف - جهاز التكييف والتبريد في جسم الإنسان.


1991-12-06

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر استمرار لرسالات الأنبياء :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ، وكرمه أعظم تكريم ، كلفه بطاعته ، وسخر له ما في السموات والأرض من أجله ، منحه نعمة العقل ، منحه حرية الاختيار ، أودع فيه فطرة تكشف له خطأه من صوابه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ فإذا نسي الإنسان ما كلف به ، وإذا غفل عن مهمته ، وإذا سها عما ينتظره من حساب دقيق ، كانت رحمة الله سبحانه وتعالى بأن أنزل الكتب ، وأرسل الرسل ، ولكن بعد انتقال الرسل ماذا ؟ من يقوم بمهمتهم ؟ الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى أمر مجموع المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر .
 إن الأمر بالمعروف ، وإن النهي عن المنكر هو في الحقيقة استمرار لرسالات الأنبياء ، لذلك دققوا في هذه الآية ، قال تعالى :

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 104]

 ولتكن ؛ اللام لام الأمر ، ولام الأمر إذا أضيفت إلى الفعل المضارع انقلب الفعل المضارع إلى فعل أمر .

﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[سورة آل عمران: 104]

 فأن يأمر بعض المسلمين بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، هذا أمر واجب يقتضي التنفيذ . أما كلمة منكم فمن للتبعيض ، أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا قام به البعض سقط عن الكل ، أما كلمة أمة فتعني أشخاص يؤتمُّ بهم ، أو يؤمُّهم الناس ، أي في موضع متألقٍ ، في نزاهة ، وفي نظافة ، وفي منطق ، وحكمة ، وورع .
 ولتكن منكم أمة . أشخاص يؤتم بهم ، أشخاص يضاف إلى إبلاغهم أنهم قدوة في أفعالهم . ولتكن منكم أمة . هذه الأمة التي يؤتم بها ، أو التي يؤمها الناس ، هذه الأمة ما مضمون دعوتها ؟ يدعون إلى الخير.

 

الخير المطلق يكمن في التعرف على الله عز وجل :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ ما الخير المطلق ؟ الخير المطلق أن تتعرف إلى الله ، وأن تتعرف إلى منهجه ، وأن تسير على منهجه ، عندئذ تنال خيري الدنيا والآخرة .
 يقول الإمام علي كرم الله وجهه : " يا بني ما خير بعده النار بخير ، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور ، وكل بلاء دون النار عافية " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، يدعون إلى الله ، يدعون إلى معرفة الله ، يدعون إلى معرفة منهجه ، يدعون إلى تطبيق أمره ، يدعون إلى السير إليه ، يدعون إلى الاتصال به ، يأمرون بالمعروف ، يدعون إلى الخير . الخير المطلق هو رب العزة ، ويأمرون بالمعروف . أي إذا وجدوا تقصيراً أمروهم بتلافي هذا التقصير . ما هو معروف من الدين ، ما هو معروف بالفطرة ، ما هو معروف بالعقل . العقل والفطرة والشرع يصبَّان في خانة واحدة . العقل والفطرة والشرع ينطلقان من منطلق واحد . فما عرفه العقل ، وما عرفته الفطرة ، وما عرّفه الدين هو المعروف ، وما أنكره العقل ، وما أنكرته الفطرة ، وما أنكره الشرع هو المنكر . يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ في الكون حقيقة واحدة وهي أن الله موجود ، وهو واحد ، وهو كامل . أي سلوك ، أي نشاط بشري ، يقربنا من هذه الحقيقة الخالدة فهو المعروف ، وأي سلوك ، أو نشاط بشري ، يبعدنا عن هذه الحقيقة فهو منكر . الله عز وجل هو القصد ، والهدف ، فإذا ابتعدت عنه فأنت في المنكر ، وإذا اقتربت منه فأنت في المعروف . فالمعروف ما عرفه العقل ، وما عرفته الفطرة ، وما عرّفه الشرع ، وما قربك من الله ، وما قربك من الجنة. والمنكر ما أنكره العقل ، وما أنكرته الفطرة ، وما أنكره الشرع ، وقربك من النار ، أو أبعدك عن الجنة . هذه الأمة يجب أن تكون متفوقة ، في أخلاقها ، في بيانها ، في نزاهتها ، في إخلاصها . ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ، ويأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون .
 ورد في بعض التفاسير أن الفلاح أن تبقى فلا تفنى ، وأن تُعَزَّ فلا تَذِلّ ، وأن تغتني فلا تفتقر ، وأن تعلم فلا تجهل . أي : بقاءٌ بلا فناء ، وعزٌ بلا ذل ، وغنى بلا فقر ، وعلمٌ بلا جهل . هذا هو الفلاح . الفلاح أن تصل إلى الجنة ، أن تصل إلى ما خُلِقت له ، أن تصل إلى حياة أبدية لا نغص ، ولا قلق ، ولا مرض ، ولاهمّ ، ولا حزن ، ولاشيءٌ من هذا القبيل . هذا هو الفلاح . قالوا : وأولئك هم المفلحون . الدّاعون مفلحون ، والذين استجابوا مفلحون . الفلاح يشمل الدّعاة والمدعوين ، والمتكلمين والمستمعين ، والآمرين والمؤتمرين ، والنّاهين والمنتهين . ولتكن منكم أمة يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، وأولئك هم المفلحون . ولكن هذا أيها الأخوة لن يكون إلا إذا عرفت الله حق المعرفة ، فإن لم تعرفه حق المعرفة قد تخشى غيره .

 

مواجهة الأمر بالمعروف للعديد من الصعوبات :

 لكن الأمر بالمعروف يواجه صعوبات ، هناك شهوات ، وهناك أقوياء ، وهناك أصحاب مصالح . فإذا أمرت بالمعروف ، ونهيت عن المنكر ، ربما أفسدت على أصحاب الشهوات شهواتهم ، ربما أفسدت على أصحاب المصالح مصالحهم ، ربما أفسدت على أصحاب القوة مكانتهم . فلذلك لابد أن تواجه صعوباتٍ في الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، ولا بد من أن تَتَسلّح بمعرفة الله ، ولا بد من أن تَبلُغ في التوحيد مستوىً لا ترى غير الله ، ولا ترى فاعلاً إلا الله ، ولا نافعاً إلا الله ، ولا ضاراً إلا الله ، ولا معطي إلا الله ، ولا آخذاً إلا الله .
 لذلك حينما وصف الله سبحانه وتعالى ، الذين يبلغون رسالات الله لهم آلاف الصّفات . لاشك أنهم صادقون ، وأمينون ، ومطبِّقون ، ولكن كل هذه الصفات أغفلها الله عز وجل ، وذكر صفةً واحدةً لو أُلغِيت لأُلغِي الموصوف ، لو ألغيت لألغيت الدعوة كلِّها . قال تعالى :

﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾

[سورة الأحزاب : 39]

 لو أن هؤلاء الذين يبلغون رسالات اللهِ خَشَوا غير الله ، كانت خشيتهم من غيرِ الله ، هذه الخشية تحملهم على أن ينطقوا بالباطل ، وعن أن يسكتوا عن الحق . لذلك الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ، لا يخشون أحداً إلا الله .

 

الفرق بين أمة الاستجابة و أمة التبليغ :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ يقول الله سبحانه وتعالى :

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[سورة آل عمران : 110]

 كنتم خير أمة ، معنى كنتم أي أصبحتم ، بعد أن جاءتكم الرسالة أصبحتم بهذه الرسالة ، خير أمة أُخرجت للناس .
 أيها الأخوة ؛ لكن العلماء فرّقوا تفريقاً دقيقاً بين أمة الدعوة والتبليغ وبين أمة الاستجابة . فَلِمجرد أن تولد في بلاد المسلمين ، من أبٍ مسلمٍ وأمٍ مسلمةٍ ، فأنت من أمة محمد صلى الله عليه وسلم . ولكن هذا الانتساب لا إلى أمة الاستجابة ، بل إلى أمة التبليغ . لذلك لا عبرة أن تكون في عداد أمة التبليغ أبداً ، ولا قيمة لأن تكون في عداد أمة التبليغ أبداً ، وليس لك مِيزة إذا كنت في عداد أمة التبليغ . لن تُعَد فعلاً من أمة هذا النبي العظيم إلا إذا استجبت له . لذلك اسأل نفسك هذا السؤال : من أي الأمتين أنت ؟ من التبليغ أم من أمة الاستجابة؟ قال تعالى :

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[سورة الأنفال: 24]

 فأن يفرح الإنسان فرحاً ساذجاً ، وأن يتوهم توهماً باطلاً ، أنه من أمة محمد ، وهو لم يطبق من سُنّة النبي شيئاً هذا لا ينفعه . فلذلك انتماء المسلمين إلى نبيهم انتماءً شكلياً لا يرفعهم عن مستوى الناس الآخرين . لهذا سيدنا عمر رضي الله عنه حينما قال لِسعد بن أبي وقاص : " يا سعدُ لا يَغُرَنّك أنه قد قيل خال رسول الله ، فالخلق كلهم عند الله سواسية ، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له ".
 الطاعة وحدها هي التي تنقلك من أمة الدعوة إلى أمة الاستجابة ، الطاعة وحدها تنقلك من انتماءٍ لا معنى له إلى انتماءٍ له كل المعاني .

 

علة خيرية هذه الأمة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ لماذا أنتم أيتها الأمة كنتم خير أمة أخرجت للناس ؟ الله سبحانه وتعالى لا يحابي أحداً . أمن طينة خاصة نحن ؟ أمن جِبلَّةٍ خاصة ؟ ألنا ميزاتٌ خاصة؟ لماذا قال الله عز وجل : كنتم خير أمة أخرجت للناس ؟ جاء الجواب : تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . لولا أنكم تأمرون بالمعروف ، ولولا أنكم تنهون عن المنكر ، ولولا أنكم تؤمنون بالله . لما كان لكم هذه الميزة إطلاقاً . كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ، وتنهون عن المنكر ، وتؤمنون بالله . عِلّة هذا كله أنكم تؤمنون بالله . لذلك قال الله تعالى :

﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ﴾

[ سورة البقرة: 143]

 بمعنى أنكم وسطاء بين الحق وبين الخلق ، وهذه مَرتبةٌ علية .

 

البلاء عاقبة من لم يأمر بالمعروف و لم ينه عن المنكر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ آية ثالثة . يقول الله عز وجل :

﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾

[سورة التوبة : 71]

 من صفات المؤمنين الثابتة أنهم يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر . لكن ماذا يحدث لو عطلنا هذه الفريضة السادسة .
 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند بعض العلماء الفريضة السادسة ، ماذا يحصل ؟ ماذا يكون لو عُطِلت هذه الفريضة السادسة ؟ لو جاملنا بعضنا بعضاً ، لو استَحيا بعضنا من بعض ، لو آثرنا السلامة على الأمر بالمعروف . قال تعالى :

﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

[سورة الأنفال : 25]

 عندئذٍ يعمُّ البلاء ، حينما تشيع الفحشاء ، ويفشو المنكر ، أو حينما يصبح المنكر معروفاً ، والمعروف منكراً ، أو حينما تأمرون بالمنكر ، وتنهون عن المعروف . عندئذٍ يعمُّ البلاء ، عندئذ يصبح البلاء عامَّاً ، لأن أناساً فعلوا المنكر ، وأناساً سكتوا عن هذا المنكر . ومن رضي بمعصية كان كمن شهدها ولو غاب عنها ، ومن شهد منكراً فأنكره كان كمن غاب عنه .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ عودة إلى التاريخ ، قال تعالى :

﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾

[سورة المائدة: 78]

 ما كانت أنواع معاصيهم ؟ وما كان نوع عدوانهم ؟ قال :

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[سورة المائدة: 79]

 أكبر معصية اقترفها بنو إسرائيل حتى استحقوا اللعن من الله عز وجل :

﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾

[سورة المائدة: 79]

 والنبي عليه الصلاة والسلام قال :

((إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ : يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهِ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنَ الْغَدِ فَلاَ يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ. ثُمَّ قَالَ : لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ))

[أخرجه أبو داود عن ابن مسعود]

 وعن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

((لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلاَ يُسْتَجَابُ لَكُمْ))

[ الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ]

 وفي حديث ثالث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام:

(( لا يحقرن أحدكم نفسه ، قالوا يا رسول الله كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : إن لله عليه مقالاً ثم لا يقول فيه فيقول الله له يوم القيامة : يا هذا ما منعك أن تقول في كذا كذا ؟ فيقول : خشية الناس ، فيقول الله عز وجل : فإياي كنت أحق أنت تخشى ))

[أخرجه أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري]

 النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم ، وكان من أعظم البلغاء ، بل إن كلامه يُعد أبلغ كلام بعد كتاب الله ، استخدم الصورة أو المشهد وضرب المثل ، فمن أروع أمثلته قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُدَّهِنِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فِي الْبَحْرِ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا وَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا يَصْعَدُونَ فَيَسْتَقُونَ الْمَاءَ فَيَصُبُّونَ عَلَى الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَعْلَاهَا لَا نَدَعُكُمْ تَصْعَدُونَ فَتُؤْذُونَنَا فَقَالَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا فَإِنَّنَا نَنْقُبُهَا مِنْ أَسْفَلِهَا فَنَسْتَقِي قَالَ فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا ))

[الترمذي وأحمد عن النعمان بن بشير]

 قوم ركبوا في سفينة ، وتوزعوا الأمكنة فيما بينهم ، أصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها ، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مرّوا على من فوقهم ، فقالوا : لو أنا خرقنا من نصيبنا خرقاً ولم نؤذ من فوقنا ، قال عليه الصلاة والسلام : " فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً ، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعاً ". أي المجتمع البشري يشبه أناساً يركبون قارباً واحداً ، فسلامتهم جميعاً واحدة ، وأخطارهم واحدة ، ولكن الإنسان إذا رأى المنكر قد شاع وهو أضعف من أن يغيره عليه أن يلزم بيته ، عليه أن يبتعد عن الفتن ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( فَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ فَمَنَعُوهُمْ نَجَوْا جَمِيعًا وَإِنْ تَرَكُوهُمْ غَرِقُوا جَمِيعًا ))

[الترمذي وأحمد عن النعمان بن بشير]

 الأسرة أفراد يركبون قارباً واحداً ، فحينما يتساهل الأب مع أولاده في تربيتهم إن عنصراً واحداً في الأسرة بإمكانه أن يفسد الأسرة كلها .

 

طرق الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إتماماً لهذا الموضوع لابد من التنويه بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة سادسة ، ولكن كيف تتم هذه الفريضة ؟ هناك طرق ثلاث ؛ الطريق الأول هو التغيير باليد ، وهذا من خصائص أولي الأمر ، أو من خصائص رب الأسرة ، أو من ولي عليه . أي إذا كنت أنت من أولي الأمر ، هذه الأسرة من الآمر فيها ؟ الزوج أو الأب ، وهذا الصف ؟ أنت أيها المعلم من أولي الأمر ، أي حينما يناط الأمر إلى إنسان ولو على اثنين فهذا الإنسان من أولي الأمر لأن أمره نافذ ، ومادام أمره نافذاً فعليه أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر عن طريق التغيير باليد ، فإن لم يستطع فبلسانه ، عليه أن يأمر بلسانه ، وأن ينهى بلسانه ، وأن يوضح بلسانه ، وهذه مهمة العلماء والداعين إلى الله عز وجل . ولكن لابد من أن تكون عالماً بالأمر والنهي حتى تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر ، ليس كل إنسان مؤهلاً أن يكون آمراً بالمعروف ، أو ناهياً عن المنكر ، لابد من أن يعلم المنكر والمعروف ، ولابد من أن يملك الحكمة ، لأنه لو أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ، ونتج من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر منكرٌ أشدّ من المنكر الذي نهيت عنه فهذا ليس من الحكمة . فإن لم تستطع أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر بلسانك ، فلا بد من شيء آخر وهو أن تنكره بقلبك . وقد يفهم الناس أن الإنكار بالقلب يكفي أن تقول في قلبك : اللهم إن هذا منكر لا أرضى به ، هذا وهم باطل ، الإنكار بالقلب يقتضي أن تبتعد عن موطن المنكر . كما قال النبي عن بني إسرائيل . . حينما تجالسه ، وحينما تأكل معه ، وحينما تقيم معه علاقة حميمة ، إنكارك في قلبك لما يصنع ليس هو الذي أراده النبي ، من لوازم التغيير باليد أن تكون من أولي الأمر ، أن تكون رب أسرة ، وأن تكون قيماً على أناس ، ومن لوازم التغيير باللسان ، أن تكون عالماً وحكيماً ، ومن لوازم الإنكار بالقلب أن تنسحب من هذا المجتمع الذي فيه المنكر ، ولا تقوى لا على إصلاحه بيدك ، ولا بلسانك . أي أن تجلس مع أناس يفعلون المنكرات وتقول : أنا أنكر بقلبي الحمد لله . كلا ، فجلوسك معهم لا قيمة لإنكار قلبك له ، فلذلك التغيير باليد لأولي الأمر، والنصح والإرشاد لمن يعلم ولمن كان حكيماً ، والإنكار في القلب يجب أن يتبعه البعد عن هذا الموطن الذي يقام فيه المنكرات .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ العلماء قالوا : لا يقبل منك أن تنهى عن المنكر بلسانك وأنت قادر على أن تغيره بيدك ، ولا يقبل منك أن تنكره بقلبك وأنت قادر على أن تنكره بلسانك ، والإنسان حسيب نفسه ، قال تعالى :

﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[سورة القيامة: 14-15]

 والآيات كثيرة جداً :

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

[سورة طه: 132]

﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾

[سورة النساء: 114]

 قل هذه سبيلي ، هذه كلها - أيها الأخوة- مدعاة لأن نصلح في أسرنا ، وفي مجتمعنا ؛ العامل في معمله ، والمزارع في حقله ، كل إنسان مسؤول . وأدق ما قاله النبي في هذا المعنى :

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

جهاز التكييف و التبريد في جسم الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ؛ من الآيات الدالة على الله عز وجل في أجسامنا أن في الإنسان جهاز تكييف وتبريد يُعدّ من أدق وأعقد الأجهزة ، فالإنسان كائن يتميز بحرارة ثابتة (37) فكيف يصنع لو ارتفعت الحرارة أو انخفضت ؟ هو لا يموت إلا بحالتين ، إلا إذا ارتفعت حرارته إلى الخامسة والأربعين مع الرطوبة المطلقة ، أو ارتفعت إلى الستين مع الجفاف المطلق. فما دون هاتين الحالتين الإنسان مزود بجهاز بالغ التعقيد يثبت حرارته في الدرجة السابعة والثلاثين ، كيف ؟ قالوا : في الإنسان من ثلاثة إلى أربعة ملايين غدة عرقية ، موزعة في الجلد توزيعاً حكيماً ، ففي بعض الأمكنة في السنتمتر المربع يوجد 480غدة عرقية ، وهي في باطن اليد ، هذه الغدد العرقية لو وصلت بعضها ببعض لصار طولها خمسة كيلو مترات ، في جسم كل منا ، هذه الغدد العرقية في أيام الحر تفرز من مئتي سنتمتر مكعب يومياً إلى ألف وخمسمئة سنتمتر مكعب في الساعة الواحدة ، إذا أفرز العرق وانتشر على سطح الجلد التي تزيد مساحته في الإنسان عن 1,8 من المتر المربع ، هذا الماء الذي تفرزه خلايا العرق يتبخر ، ومع التبخر يحصل ما يُسمى بالتبادل الحراري ، فحينما يتبخر العرق يمتص حرارة من الجسم تعيده إلى الدرجة الثابتة ، من أعقد أجهزة التكييف في الكون .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ وحينما يبرد الإنسان ، تضيق الأوردة لتخفف جولان الدم في السطح الخارجي ، ليحافظ الدم على حرارته ، إذا شعر الإنسان بالحر اتسعت الشرايين والأوردة حتى ينتشر الدم في أوسع مساحة في الجلد ، أما إذا برد الإنسان فيصفر لونه ، لأن قطر الأوردة والشرايين يضيق ليبقى الدم في الداخل محافظاً على حرارته ، وحينما يرتجف الإنسان هذا الرجفان يولد طاقة حرارية يعوض بها ما فقده في المحيط الخارجي ، وحينما يقف شعر الإنسان ليحجز هواءً ساخناً بحجم أكبر . فهناك آلية معقدة تتم لو هبطت الحرارة عن الحد المعقول ، وهناك آلية معقدة تتم لو ارتفعت الحرارة عن الحد المعقول .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ لو أن ألف سنتمتر مكعب خرج من الإنسان يفقد من الحرارة ما يساوي 1300 سعرة حرارية . فهو جهاز تكييف دقيق جداً ، يواجه الحر ، ويواجه البرد . هذه من آيات الله الدالة على عظمته ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[سورة الذاريات: 21]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرّ ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك . اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارض عنا . اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، استر عوراتنا ، وآمن روعاتنا ، وآمنا في أوطاننا ، واجعل هذا البلد سخياً رخياً ، وسائر بلاد المسلمين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، ودنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين . اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمن سواك . اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنك على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018