الخطبة : 0371 - النّشاط الاجتماعيّ ، طبيعة الإنسان - فيتامين د. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0371 - النّشاط الاجتماعيّ ، طبيعة الإنسان - فيتامين د.


1991-11-29

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده ، ونستعين به ونسترشده ، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر . وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذن بخبر . اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين . اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرِنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

النشاط الاجتماعي من نشاطات الإنسان الأساسية :

 أيها الأخوة المؤمنون ؛ من نشاطات الإنسان الأساسية أن يلتقي مع أخيه الإنسان لأن الإنسان - كما يقول علماء الاجتماع - كائنٌ اجتماعي ، فجزءٌ كبيرٌ من وقت الإنسان يمضيه في لقاءاته مع بني جنسه ، إذاً أن تلتقي مع أقربائك ، مع أصدقائك ، مع جيرانك ، مع زملائك ، مع من تحب ، مع من ترجو ، مع من تخاف ، أن تلتقي مع الإنسان ، نشاطٌ أساسيٌ في حياة الإنسان . هذا النشاط الأساسي إما أن يرقى بك إلى أعلى عليِّين ، وإما أن يهوي بك إلى أسفل سافلين ، هذا الوقت الذي تمضيه مع أخيك ، مع قريبك ، مع جارك . هذه السّهرة ، هذه النّدوة ، هذه النّزهة ، هذا اللّقاء ، هذا الاجتماع . النّشاط الاجتماعيّ لقاء الإنسان بأخيه الإنسان ، هذه الممارسة - إن صحّ التعبير لهذا النشاط - إما أن ترقى بك إلى أعلى عليّين ، وإما أن تهوي بك إلى أسفل سافلين . لماذا ؟ لأن نوع هذا اللقاء من نوع ما يجري فيه ، مستوى هذا اللقاء من مستوى ما يجري فيه ، وما يجري فيه من نوع ما يُقالُ فيه ، فالذي يقال في هذا اللقاء ، وفي هذا المجلس ، وفي هذه الندوة ، وفي هذه السهرة ، وفي تلك الوليمة ، وفي هذه النزهة . ما يقال إما أن يرقى بالنفوس ، وإما أن يَسفُلَ بها .

 

تلاوة كتاب الله و السمو به أثناء الاجتماعات و اللقاءات :

 لذلك نرى النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة حضّنا على أن نَسمُوَ في هذه اللقاءات . قال عليه الصلاة والسلام :

((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم . . ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا الحديث الأول . النبي عليه الصلاة والسلام كما تعلمون- أيها الأخوة - سيّدُ الفُصحاء . لم يَقُل : ما اجتمع بنو فلان ، أو بنو علان . قال : ما اجتمع قومٌ ، ونكّرَ كلمة القوم ، وحينما تُنَكّر الكلمة تفيد الشُّمول . أيّ قومٍ ذكوراً أو إناثاً ، صغاراً أو كباراً . بأيّة علاقة، علاقة جِوار ، علاقة زمالة ، علاقة قرابة ، علاقة سِن ، علاقة حِرفة ، علاقة مِهنة.
 ما اجتمع قومٌ . أيّ قومٍ في أي عمرٍ ، من أي جنسٍ ، لأيّ سببٍ . كلمة قوم التي جاءت نَكِرَةً . تُفيد أيّ قومٍ ، وأي اجتماع . ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى ، وبيوت الله المساجد . إنّ بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوّارها هم عمّارُها ، فطوبى لعبدٍ تطهّر في بيته ، ثم زارني ، وحُقّ على المزور أن يُكرِم الزائر . وقد قال شرّاح الحديث : هذا تقييدٌ غالبيّ . أي لو اجتمعت مع أصهارك ، لو اجتمعت مع زملائك ، لو اجتمعت في مكان عملك ، لو اجتمعت في نزهة . حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام : " ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله " هذا ليس تقييداً مطلقاً ، ولكنه تقييدٌ غالبيّ .
 أي الأغلب أن يكون هذا الاجتماع في بيتٍ من بيوت الله ، ولو حصل في بيتٍ من بيوت أصحاب الدعوات ، لو حصل في بيتٍ تُتلى فيه سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ، ويُمدح فيه النبي . لو حصل في نزهة أي اجتماعٍ ، ولكن يغلب على هذا الاجتماع الذي يُرجى نفعه أن يكون في بيت من بيوت الله . ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله . ما أفضل شيءٍ يفعلونه ؟ أي كلامٍ يتحدثون به ؟ أي قولٍ يقولونه ؟ أي نشاطٍ يمارسونه ؟ أي قصةٍ يتلونها ؟ أي خبرٍ يذيعونه ؟ يتلون كتاب الله تعالى . الكتاب المقرّر ، الكتاب الذي فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ، الكتاب الذي فيه منهجهم ، الكتاب الذي يهدي للّتي هي أقوَم ، الكتاب الذي لا يأمر إلا بالخير ، الكتاب الذي من اتّبعه فلن يَضِلّ ولا يشقى ، الكتاب الذي من تَبِعَه فلا يخاف ظلماً ولا هضما ، الكتاب الذي من تبعه لا خوفٌ عليهم ولاهم يحزنون ، الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه . يتلون كتاب الله ، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام أشار إلى أن كتاب الله يجب أن يُتلى ، يجب أن يتلى تلاوةً صحيحةً ، وقد ذكر الله عز وجل في آيةٍ أخرى حيث وصف المؤمنين بأنهم يتلونه حق تلاوته ، وقد وجه المفسّرون هذه الآية إلى أن حقّ التلاوة يعني أن تنطقه صحيحاً ، وأن تفهمه صحيحاً ، وأن تطبقه تماماً . حق التلاوة يشمل سلامة اللفظ ، وفهم المعنى ، وتطبيق الأمر والنهي . فهؤلاء القوم . ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله .

 

تدبر آيات القرآن الكريم :

 الآن ويتدارسونه ، لأن تدبّر القرآن شيءٌ عظيم ، أن تفهم ماذا أراد الله بهذه الآية، أن تفهم ما مُؤدّاها ؟ إلى أين تمضي بك هذه الآية ؟ ما القصد الإلهي منها ؟ ما الحكم الشرعيّ الذي يُستنبط منها ؟ لماذا ذكرها الله عز وجل ؟ تلك القصة ما الموعظة التي تُؤخذ منها؟ ما الموقف الذي يجب أن تقفه بعد أن فهمتها ؟ هذه المدارسة ، ولعلّ النبي عليه الصلاة والسلام كان فصيحاً ، وبليغاً ، وحكيماً ، حينما أورد فعل يتدارسونه ، والتدارس صيغة مشاركة ، أي ليس المجلس مجلس استماعٍ لمتكلمٍ واحد ، لابد من أن يدور الحديث بين الحاضرين ، لابد من أن يسأل هذا ، ويجيب هذا ، لابد من أن يستفهم زيد ، ويجيب عُبيد ، لابد من أن نقف عند آية ، عند كلمة ، عند حكمٍ شرعي . هذه المُدارسة تعني المشاركة ، والمجلس الذي فيه مشاركة، وفيه مدارسة ، وفيه سؤالٌ ، وفيه جوابٌ ، وفيه استفهامٌ ، وفيه تعليقٌ ، وفيه تذييلٌ . هذا يعجّ كما يقولون بالحيوية ، والنشاط . فلذلك وردت كلمة يتدارسونه على صيغة المشاركة ، صيغة المفاعلة .

السكينة شعور خاص بأصفياء الله المؤمنين :

((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم إلا ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذه الصيغة تفيد القصر ، أي لمجرّد أن يجتمع هؤلاء على كتاب الله تعالى ، وعلى تلاوته حق التلاوة ، وعلى مدارسته حق المدارسة بنيّةٍ صافية ، وبإخلاصٍ شديد ، وبطلب من الله جزيل ـ إلاّ ـ علاقةٌ حتميّة ، علاقة قصرٍ . ما اجتمع قوم إلا نزلت عليهم السّكينة ، والسكينة أيها الأخوة لا يعرفها إلا من ذاقها ، يقول بعض الناس بلغتهم الدارجة : هذا هو التّجلي ، أحياناً تجلس في مجلس قد يكون متواضعاً ، في بيتٍ متواضع ، في مسجدٍ متواضع ، لكن تشعر براحةٍ لا توصف ، تشعر بسعادةٍ لا توصف ، تشعر بسرور ، تقول : والله سُرِرنا ، هذه السكينة . قال بعضهم : إن الله يعطي الصّحّة ، والذّكاء ، والمال ، والجمال للكثيرين من عباده ، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين . السكينة هذا الشعور الذي لا يوصف . تراه فقيراً وهو من أسعد الناس ، تراه يشكو عدة أمراضٍ في جسمه وهو من أسعد الناس ، ترى له زوجةً من الدرجة الثانية وهو من أسعد الناس بها ، ترى له أولاداً ليسوا متفوقين وهو سعيدٌ بهم ، ترى له منزلاً صغيراً وهو سعيدٌ بهذا المنزل . يوجد سرّ . ما هو السر ؟ هو أن الله عز وجل تجلّى عليهم بالسكينة ، تجلى عليهم برحمته . فلذلك إذا تجلى الله عليك كل شيءٍ صار تافهاً أمام هذا التجلي . أي يا رب ماذا فقد من وجدك ؟ وماذا وجد من فقدك ؟ - إلا نزلت عليهم السكينة - والله الذي لا إله إلا هو حدثني أخٌ قبل يومين ، أن له جلسة قرآنٍ أسبوعية منذ أذان الفجر وحتى شروق الشمس ، قال لي : والله أشعر بسعادةٍ لا توصف .

((...يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم ...))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 فيا أيها المسلمون ، يا أيها المؤمنون . أليست لكم سهرات ؟ أليست لكم ندوات؟ أليست لكم زيارات ؟ أليست لكم لقاءات ؟ أليس لكم اجتماعات ؟ في هذه الجلسات أنت وأصحابك ، أنت وأقرباؤك ، أنت وإخوتك ، أنت وأخواتك ، أنت وجيرانك ، أنت وزملائك ، أنت ومن تحب ، أنت ومن ترجو ، أنت ومن تخاف . هذه اللقاءات استثمرها لا تجعلها تمضي أدراج الرياح ، لا تجعلها تمضي في سفاسف الأمور ، لأن الله يحب معاليَ الأمور ، ويكره سفسافها ، ودنيّها . لا تجعلها تمضي فيما هو فان ، اجعلها تمضي فيما هو باق .

 

من يسير في طريق مرضاة الله عز وجل يحقق التوازن :

 أيها الأخوة الأكارم . يقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة . . ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 قال لي أحدهم ، وقد حجّ البيت الحرام ، قال لي كلمةً أعجبتني ، قال : ليس في الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني . قد تضيع منك الدنيا ، وتفوز برضوان الله . قد تضيع منك الدنيا ، و تفوز بالإقبال على الله . قد تضيع منك الدنيا ، وتفوز بالقرب من الله . إذا فزت بهذا ما فاتك شيء . لهذا يوصف سيدنا الصّديق رضي الله عنه بأنه ما نَدِم على شيءٍ فاته من الدنيا قط . بينما معظم الناس يندبون على خطبة ، أو على شراكةٍ فاتتهم المساهمة فيها. ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط . ولعل هذا لسان حال بعض العارفين الذين تمثلوا قول أحد الشعراء :

فليتك تحلو و الحياة مريـــــرةٌ  وليتك ترضى والأنام غضــاب
وليت الذي بيني وبينك عامــــرٌ  وبيني وبين العالمين خـــراب
وليت شرابي من ودادك سائــغٌ  و شربي من ماء الفرات سراب
أقول لعذّالي مدى الدهر اقصروا  فكل الذي يهوى سواه يعــاب
***

 إلا نزلت عليهم السكينة . . ولعل السكينة حالة توازن . الإنسان أحياناً يقلق كلما دنا من أجله يقلق ، فإذا سار في طريق مرضاة الله عز وجل يحقق التوازن ، تتوازن نفسه ، يشعر أن الزمن لمصلحته ، يشعر أن خطه البيانيّ في صعودٍ مستمر ، يشعر أنه كلما ازدادت سنّه ازداد قرباً من ربه ، وازداد عقله ، وازدادت مكانته ، وازداد خيره ، وازداد إقباله .

 

بطولة الإنسان أن يكون في خريف عمره متألقاً لمّاح الذكاء :

 هذا القلق المدمّر الذي يدمر النفوس التائهة ، والطائشة ، والمنحرفة ، والعاصية . هذا القلق المؤمن بريءٌ منه ، مادام قد حفظ نفسه في الصِّغر فالله سبحانه وتعالى يحفظها له في الكبر . قيل لرجلٍ بلغ السادسة والتسعين وهو يتمتع بأقوى وبأعلى درجة من درجات الصحة ، سمعٌ مرهف ، وبصرٌ حاد ، وذكاءٌ لماع ، وقامةٌ منتصبة ، ورشاقة . قيل له : يا سيدي ما هذه الصحة التي أكرمك الله بها ؟ قال : يا بني حَفِظناها في الصِّغر ، فحفظها الله علينا في الكبر . من عاش تقيّاً عاش قوياً ، ومن تعلّم القرآن متّعه الله بعقله حتى يموت .
 ولهذا الحديث الشريف تفسير علميّ دقيق لأن العضو الذي لا يعمل يضمر ، والدماغ من أنبل أعضاء الإنسان ، من أنبل أجهزته ، فما دام هذا الدماغ مشتغلاً بتلاوة القرآن، مشتغلاً بحفظ القرآن ، مشتغلاً بمدارسة القرآن ، مشتغلاً بأداء الصلوات ، فإن هذا الدماغ ينمو ولا يضمر . لذلك أرذل العمر الذي وصف في القرآن الكريم المؤمن معافى من هذه المرحلة التي سماها القرآن الكريم .

﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ﴾

[سورة الحج : 5]

 وقد نجد أناساً بلغوا التسعين ، وكان بعض علماء مصر قد بلغ الثلاثين بعد المئة، وهو في أعلى درجات اليقظة .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ ليست البطولة أن تكون في شبابك قوياً ، ولكن البطولة أن تكون في خريف عمرك متألقاً ، أن تكون في خريف عمرك لمّاح الذكاء ، يَقِظ الضمير ، دقيق الفهم ، حصيف الحركة ، سديد الفكر .

من اشتغل بذكر الله نزلت عليه السكينة و غشيته الرحمة و حفته الملائكة :

 أيها الأخوة الأكارم ؛ إلا نزلت عليهم السكينة . هم في سكون ، في طمأنينة ، القلق لا يسحقهم ، والهمّ لا يفتتهم ، والخوف لا يمزقهم . إنهم قد اطمأنوا إلى الله عز وجل . لأن الله سبحانه وتعالى يتجلى عليهم بالسكينة . من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة . والآية الكريمة :

﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

[ سورة الطور: 48 ]

 والمؤمن في رضوان الله . لكن :

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[سورة طه: 124]

((....إلا نزلت عليهم السكينة ، و غشيتهم الرحمة ، وحفتهم الملائكة ))

[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بالإلهام مادمت قد أمضيت وقتاً من وقتك الثمين في بيت من بيوت الله تتلو كتاب الله ، وتتدارسه مع إخوانك ، أو تستمع إلى تفسيره . فلابد من أن الملائكة تحفّك بالرعاية. هم في مساجدهم ، والله في حوائجهم .
 معنى تحفهم الملائكة تُلهِمُهم رُشدهم ، تلهمهم ما ينبغي أن يفعلوه لصالحهم . والإنسان كما تعلمون بين وسوسة شيطان ، وبين إلهام ملك ، فإما أن يستجيب لوسوسة شيطان سيكون حتفه في هذه الوسوسة ، وإما أن يستجيب لإلهام ملك .
 أيها الأخوة الأكارم ؛ ـ وذكرهم الله فيمن عنده ـ

((لا يذكرني أحد في نفسه إلا ذكرته في ملأ من ملائكتي ولا يذكرني في ملأ إلا ذكرته في الرفيق الأعلى))

[الطبراني عن معاذ بن جبل]

 إذا اشتغلت بالله اشتغل الناس بالثناء عليك ، واشتغل الناس بحبك ، واشتغل الناس بخدمتك ، إذا خفت من الله خاف الناس منك ، إذا هبت الله هابك الناس ، إن اشتغلت بالله اشتغل الناس بك ، إذا أخلصت لله أخلص الناس لك ، إذا أُلقِي في قلبك حب الله ألقى الله حبك في قلوب الخلق . كلها معادلات رياضية دقيقة جداً . حديث آخر في الموضوع نفسه . هذا الحديث أشمل . يقول عليه الصلاة والسلام :

(( وما اجتمع قومٌ على ذكرٍ . .))

[ ابن أبي شيبة عن سهيل بن الحنظلية]

 أي ذكر . لو ذكرت قصة مفادها أن الله بالمرصاد ، لو تلوت قصة أن الله عز وجل عدلٌ لا يغيب عنه شيءٌ في الأرض ولا في السماء ، لو ذكرت قصةً مفادها أن المستقيم يكرمه الله ، وأن المنحرف يخذله الله ، وأن الذي ينفق ماله تنمو أمواله ، وأن الذي يرابي يمحق الله أمواله .
 إذا ذكرت قصة ، إذا أمرت بالمعروف ، إذا نهيت عن المنكر ، إذا ذكرت حكماً شرعياً ، إذا تلوت قصةً عن أصحاب رسول الله ، واستنبطت منها حكماً ، إذا تدارست مع أخيك عملاً صالحاً ، خدمةً للمجتمع . ما اجتمع قوم - لم يذكر أين اجتمعوا ، في أي مكان ، في مقر جمعيةٍ ، في بيتٍ من بيوتٍ - :

(( ما اجتمع قوم على ذكر - أي ذكر - فتفرقوا عنه إلا قيل لهم : قوموا مغفوراً لكم ))

مقارنة بين مجلس يرقى بك ومجلس يلقيك في الحضيض :

 لذلك أيها الأخوة ؛ بعض الأخوة الأكارم إذا اجتمعوا في مجلس يتحدثون عن الله عز وجل ، وعن القرآن ، وعن النبي عليه الصلاة والسلام ، ثم ينتقلون إلى الحديث عن الدنيا . فبعد أن كانوا مجتمعين ، بعد أن كانت قلوبهم منعقدة على الله عز وجل ، بعد أن كانوا في صفاء ، لما دخل موضوع الدنيا تفرقت القلوب ، وانزعجت النفوس ، وتلمّضت الأفواه ، وتحسرت القلوب . فإذا انفضوا على هذه الحالة ، فكأنهم ما ذكروا الله . لذلك ينبغي أن نبدأ ، وأن ننتهي بذكر الله ، أن تقوم من هذا المجلس على ذكر الله ، وذكر نبيه ، وذكر صحابة رسول الله ، وذكر ما ينفعنا . ما اجتمع قوم على ذكرٍ فتفرقوا عنه إلا قيل لهم : قوموا مغفوراً لكم ، وما اجتمع قوم عن غير ذكر الله في الدنيا ، في حطام الدنيا ، في المال ، في شهوات الدنيا ، في قصص الناس التافهة ، في مغامرات الناس ، في سفاسف الأمور . و :

(( ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 وصلاة على النبي إلا قاموا عن أنتن من جيفة ، ما من شيءٍ أنتن رائحة من الجيفة ، لو أن الإنسان صادف جيفة لولى منها هارباً ، لأن رائحة الجيف لا تقابل ، لا تحتمل. مجلسٌ فيه غيبة ، فيه نميمة ، فيه فحش ، فيه افتراء ، فيه ذكر عورات المسلمين ، فيه ذكر النقائص ، فيه الطعن بفلان ، وبعلان . مجلس فيه التشويق للدنيا ، الحديث عن النساء . هذا المجلس يقوم الناس عنه عن أنتن من جيفة:

((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ))

 هذه الرواية ذكرت فيها كلمة حمار ـ وقال شرّاح الحديث إن هؤلاء الذين اجتمعوا ، واغتابوا ، وافتروا ، وطعنوا ، وتحدثوا عن النساء ، وتحدثوا عن الشهوات ، وعن المسرّات الرخيصة ، وعن زيد وعن عبيد ، وطعنوا بهذا ، وسبّوا هذا ، وسخروا من هذا ، وقلدوا هذا ، وحاكوا هذا . إن هذا المجلس يقوم الناس عنه عن أنتن من جيفة حمار ، وذكر النبي عليه الصلاة والسلام كلمة حمار إشعاراً بأن هؤلاء الذين تحدثوا في هذه الموضوعات ضعاف العقول، متبلّدون الحسّ ، بعيدون عن صالحهم . وهناك إضافة للترمذي لهذا الحديث .

((كَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 لماذا الحسرة ؟ لأنك بمجلسٍ قد ترقى إلى أعلى علّييّن . ربما جلست مجلساً فانعقدت توبة ، ربما جلست مجلساً فأحببت الله ، ربما جلست مجلساً فاتخذت قراراً حكيماً ، ربما جلست مجلساً فعقدت العزم على إنفاق المال ، ربما جلست مجلساً فعقدت العزم على أن تحجّ البيت ، ربما جلست مجلساً فعقدت العزم على أن تضحي ببعض مالك ، في سبيل أخيك المحتاج ، ربما فاضت عيناك بالدموع ، ربما توقد قلبك حباً لله . مجلسٌ يرقى بك ، ومجلسٌ يلقيك في الحضيض .

 

استغلال الوقت و الابتعاد عن القيل و القال :

 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ قبل أن توافق على حضور جلسةٍ ، أو سهرةٍ ، أو لقاءٍ، أو نزهةٍ ، أو مشاركةٍ ، أو وليمةٍ . فكّر هل هذا المجلس يُرضي الله عز وجل ؟ هل فيه ذكرٌ لله؟ هل بإمكانك أن تتحدث فيه عن الله عز وجل ؟ هل بإمكانك أن تنفع الناس فيه ؟ هل هناك من يستمع إليك ؟ أو هل فيه من تستمع إليه ؟ لا فرق إما أن تستمع ، وإما أن تُسمِع . أما أن تمضي هذا الوقت الثمين في القيل ، والقال ، وإضاعة المال ، وخذ ، وهات ، فهذا ليس من شأن المؤمن . إذاً :

((مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا فَتَفَرَّقُوا عَنْ غَيْرِ ذِكْرٍ إِلَّا تَفَرَّقُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ حِمَارٍ وَكَانَ ذَلِكَ الْمَجْلِسُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 أيها الأخوة الكرام ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتبع نفسه هواها ، وتمنى على الله الأماني ..

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله ، صاحب الخلق العظيم ، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

فيتامين د :

 أيها الأخوة الكرام ؛ دققوا في خطورة الاستفادة من أشعة الشمس فوق البنفسجية. حيث يتكون فيتامين ـ د ـ تحت الجلد ، يستقلب في الكبد والكليتين ليصبح فعالاً فيعين على امتصاص الكلس ، والفسفور من الأمعاء ، ويرسبها في العظام ، ولهذا الفيتامين أيضاً دورٌ خطير في إفراز الأنسولين من البنكرياس ، ولهذا الفيتامين دورٌ خطير في نمو خلايا النخاع الشوكي العظمي ، ولهذا الفيتامين دور خطير في نموّ الخلايا خلايا البشرة ، الطبقة العليا من الجلد ، هذا معروف عند الأطباء ، ولا نضيف جديداً ، ولكن الجديد أيها الأخوة أن أفضل وقتٍ للاستفادة من أشعة الشمس برأي الأطباء وقت البزوغ ، ووقت الغروب . من هنا كانت صلاة الفجر لها شأنٌ خطير في صحة الإنسان ، لأن الشعوب التي لا تتعرّض لأشعة الشمس ، وتنام نوماً مديداً تُصاب بلين العظام ، وكساح العظام . وأمر الله عز وجل ، ولو كان أمراً تعبديّاً ، ولو أنه عبادة ، إلا أنه لا يمكن أن نُغفِل فيه النواحي الصحيّة ، وقد يستنبط هذا المعنى من قوله تعالى :

﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ﴾

[سورة الكهف : 17]

 فمن كان يقظاً قبل الشروق وقبل الغروب استفاد من أشعة الشمس فوق البنفسجية، وقد يقول العلماء : ليس المهم أن تتعرض للأشعة مباشرةً بل إن الأشعة المنتثرة في هذين الوقتين تفيد الجلد في تكوين فيتامين د ، الذي يُسهم في نموّ العظام ، وفي عمل البنكرياس ، وفي نمو مخّ العظام ، وخلايا البشرة .
أيها الأخوة الأكارم ؛ ما من أمرٍ في الدين إلا وله فوائد عظيمة ، أسوق لكم على سبيل المثال أن الذي يصلّي ، ويُحني رأسه في الركوع ، والسجود في كل صلاةٍ خمس مراتٍ في اليوم . العلماء أجروا تجربة على أن الرأس إذا انخفض احتقن الدم فيه ، فازداد ضغط الشرايين ، وإذا رُفع الرأس فجأةً هبط الضغط فجأة ، من ازدياد الضغط ، ومن هبوطه ينشأ في الأوعية الدموية ما يسمّى بمرونة الأوعية ، هذه المرونة لو أن ضغط الإنسان ارتفع إلى ثلاث وعشرين درجة زئبقية ، هذه الأوعية المرنة تحتمل هذا الضغط المرتفع ، بينما إنسان لا يصلّي لو ارتفع ضغطه حتى ثماني عشرة درجة ربما تمزقت شرايين الدماغ ، وأصيب بسكتةٍ دماغية . فهذه الصلاة من ركوعٍ ، وسجودٍ ، حتى إن بعض أمراض الشقيقة سببها ضعف تروية المخ بالدماء ، وإن السجود وحده هو الذي يزيد من تروية المخ بالدماء .
 فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ الأوامر التي أُمِرنا بها من عند خالقنا ، من عند صانع الإنسان ، من عند العليم ، من عند الخبير . فأن يكون الإنسان يقظاً قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها ، وأن يتعرض لهذه الأشعة المفيدة - الأشعة فوق البنفسجية – هذا عملٌ فيه مرضاةٌ لله عز وجل ، وفيه فائدة للجسم . بل إن أحدث اكتشافٍ في الطب أن الأورام السرطانية سببها ضعف جهاز المناعة ، وجهاز المناعة سببه الشدة النفسية ، والتوحيد وحده يُعفي الإنسان من تلقي هذه الشدائد . بإمكانك أن تصيح ، وتقول : الإيمان صحة ، إنك إذا رأيت أن الله وحده المتصرّف ، وأنه حكيمٌ ، وأنه عليمٌ ، وأنه رحيمٌ ، وأنه قديرٌ ، حتى المصائب لها حِكَم بالغة . إذا أيقنت هذا ، ورأيت يداً واحدة ارتاحت نفسك ، فإذا ارتاحت نفسك خفّت عليها الشدة النفسية ، قوِيَ جهاز المناعة . إن أكثر نموّ الخلايا العشوائيّ أي ما يسمّى بالسرطان سببه ضعف المناعة ، وضعف المناعة سببها الشدة النفسية التي تضغط على النفس ، ولا شيء يشفي الإنسان من الشدة النفسية إلا توحيده . لذلك ما تعلّمت العبيد أفضل من التوحيد . فلا تدعو مع الله إلهاً آخر فتكون من المعذّبين .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولنا فيمن توليت ، وبارك لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، ولا يعز من عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت ، نستغفرك ونتوب إليك ، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018