الخطبة : 0367 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إن الرجل ..… - الخلايا. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0367 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إن الرجل ..… - الخلايا.


1991-11-01

الخطبة الأولى:

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله ، ولا اعتصامي و لا توكلي إلا على الله ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارا بربوبيته ، وإرغاما لمن جحد به و كفر ، و أشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهمّ صلِّ وسلم و بارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته و من والاه و من تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا ، فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما حرت به المقادير إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علما ، و أرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلا و ارزقنا اجتنابه ، اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أكثر المعاصي تتأتى من اللسان :

 أيها الأخوة المؤمنون ، يقول عليه الصلاة و السلام عَن بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ))

[الترمذي عَن بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ]

 أيها الأخوة الأكارم ، اللسان باب واسع جدا من أبواب المعصية ، بل إن أكثر المعاصي تتأتى من اللسان :

(( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنْ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ وَتَحُجُّ الْبَيْتَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ قَالَ ثُمَّ تَلَا تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ثُمَّ قَالَ أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ قُلْتُ بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا فَقُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ فَقَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

[الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ]

 الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : ينبغي للمرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به " قبل أن تتكلم ، قبل أن تستهزئ ، قبل أن تسخر ، قبل أن تنتقد ، قبل أن تروي هذه القصة ، قبل أن تذكر هذه المقالة التي قرأتها ، قبل أن تنقل هذه الإشاعة ، قبل أن تطعن في هذه المرأة ، قبل أن يتبلغ الناس أن هذه البضاعة سوف تُفقد ، قبل أن تقول كلمة ، قبل أن تحرك ثوبك بيدك ، إذا ذُكر اسم فلان ، قبل أن تفعل كل هذا ، يقول الإمام الشافعي : ينبغي للمرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به ، و أن يتدبر عاقبته " رُب كلمة تقولها تُطلق امرأة من زوجها و يُشرد الأولاد ، رب كلمة تقولها تُفصم شركة مباركة من كلمة نقلتها إلى شريك عن شريكه الأول من دون أن تدري أن هذه الكلمة أوقعت فيها فسادا كبيرا:

الكلمة الطيبة تسعد بها وتسعد الآخرين :

 يقول عليه الصلاة و السلام:

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ))

[الترمذي عَن بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ]

 قد تلقي على إنسان نصيحة ، و قد تفسر له آية ، قد تشرح حديثا ، قد تذكره بلقاء الله عز وجل ، قد تنهاه عن معصية ، قد تأمره بمعروف ، و قد تصرفه عن منكر ، إذا اهتجى هذا الرجل بكلمة طيبة صادقة مخلصة سعدت نفسه و سعد من حوله ، و سعد أناس كثيرون بهدايته ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

[ سورة المائدة : 32 ]

 و قال تعالى :

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴾

[ سورة إبراهيم : 24]

﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ ﴾

[ سورة إبراهيم : 26]

الكلمة الخبيثة تضر بصاحبها و بالآخرين :

 السيدة عائشة تأكيداً لها الحديث الشريف قالت مرة عن أختها ، بل عن ضرتها ، وغيرة النساء لا تُنكر ، قالت : إنها قصيرة يا رسول الله ، فقال عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[أبوداود عَنْ عَائِشَةَ]

 مع أن مياه البحر طاهرة ، بعض المياه البحر تصب في البحر ، بعض المياه المالحة التي تفرزها المدن الكبرى الساحلية تسير في البحر خمسا و ثمانين كيلومتر ، و لونها أسود ، ومع ذلك فالبحر لا ينجس ، و إن كلمة " قصيرة " تجرح بها شعور أخيك المؤمن ، تحط من قدره ، تصغِّره بين الناس ، تسخر منه ، تغتابه ، توقع العداوة بينه و بين أخيه ، بين المرء و زوجه ، بين الأم و ابنها ، بين الأب وابنه ، بين الأخ و أخيه ، بين الجار و جاره ، يقول عليه الصلاة و السلام :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ))

[الترمذي عَن بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ]

 شخص كلمته بكلمة حق صادقة مخلصة فوقعت على جرحه ، وقعت على موطن الحساسية فيه ، صحا من غفلته ، و استيقظ من نومه ، تاب إلى الله توبة نصوحا ، أصبح مثلا في بيته ، حمل زوجته على معرفة ربها ، حمل أولاده ، حمل جيرانه ، كل هذا الخير هو وأهله وأولاده و أصهاره وإخوانه وأخواته وجيرانه وزملاؤه ومن فوقه ، ومن تحته ، كل هذا الهدى ، إنما تم بكلمة صادقة مخلصة قلتَها ، فلذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا ﴾

[ سورة المائدة : 32 ]

 لا تزهد بكلمة الحق ، ما من صدقة أعظم عند الله من كلمة الحق ، ولكن قد يسأل سائل : ما بال الكلام لا يجدي في هذه الأيام؟ لأن الكلام من دون تطبيق كلام ، وإذا أردت أن تسخر من شيء تقول : هذا كلام بكلام ، كلام ، أما إذا كان الكلام أساسه الإخلاص ، و أساسه التطبيق و أساسه النية الطيبة عندئذ يفعل في الناس فعل السحر ، و ماذا فعل الأنبياء إلا أنهم قالوا ، و لكنهم قالوا كلمة تُزلزل لها الجبال ، و الله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني و القمر في يساري على أن أترك هذا الدين ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .."

قبل أن تنطق بكلمة فكر بها :

 أيها الأخوة الأكارم ، هذا الحديث الشريف من أخطر الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة و السلام : إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يظن أنها تبلغ ما بلغت ، فيكتب الله بها رضوانه إلى يوم القيامة ، و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة . . ." لهذا يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ينبغي للمرء أن يتفكر فيما يريد أن يتكلم به ، و أن يتدبر عاقبته " ، فإن ظهر له على وجه اليقين أنه خير محقق لا يترتب عليه مفسدة ، و لا يجرُّ إلى منهي عنه أتى به ، وإلا سكت .
 أيها الأخ الكريم ، قبل أن تنطق بكلمة عُدّ إلى الألف ، عُدّ إلى العشرة آلاف ، بل عد إلى المليون ، هل تجرح شعور أحد ، هل تفسد علاقة رجلين؟ هل تفتت المجتمع الإسلامي؟ هل تورث العداوة و البغضاء ، هل تحمل على المنكر؟ هذا اللسان جعله الله بين فكّين و بين شفتين ، وملّكك الله إياه ، وما من أمر و نهي إلا أساسه الاختيار ، أنت مخيّر فيما كُلّفت به ، و الله سبحانه و تعالى يقول :

﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾

[ سورة البقرة : 83 ]

 يؤكد هذا قول الله سبحانه و تعالى :

﴿ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾

[سورة ق : 18]

الإنسان محاسب على كل كلمة :

 أي أنت محاسب على كل كلمة ، على كل حرف ، على كل حركة ، على كل سكنة ، حتى لو حاكيت إنسانا بمشيتك ، فقد اغتبته ، حتى لو قلّدته بشارتك فقد اغتبته ، حتى لو ظننت به سواء في قلبك ، و لم تنبس بها شفتاك ، إذا لم تتكلم واغتبته بقلبك ، و بإمكانك أن تتحقق من ذلك و لم تتحقق ، اخترت أهون الأمرين فقد اغتبته .
 أيها الأخوة المؤمنون ، هذا الحديث الشريف من الأحاديث التي تقطع الظهر:

((إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 يؤكد ذلك قول الله عز وجل

﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ﴾

[سورة النور : 15]

 تظن أنها كلمة قلتها و انتهى الأمر ، أفسدت علاقة طيبة بين شخصين ، سبَّبت خلافا زوجيا انتهى إلى الطلاق ، وانتهى الطلاق بالمرأة إلى الفساد ، وانتهى الطلاق بالرجل إلى الفساد :

(( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لَا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 وإن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى لها بأسا ليضحك بها القوم و إنه ليقع بها أبعد من السماء . . ." من اجل أن تضحكهم ، من أجل أن تجعل الجو في هذا المجلس محببا ، من أجل أن تنتزع إعجابهم ، من أجل أن تكون ظريفا في هذا المجلس تحدثت عن زيد و عن عبيد وعن فلان و عن علان بما يضحك ، وبما يبعث على السرور .

وظيفة اللسان :

 أيها الأخوة الأكارم ، الإمام الغزالي رحمه الله تعالى يقول : إن اللسان إنما خلق لتكثر به ذكر الله ، يقول الله عز وجل :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة الأحزاب : 41 ]

 و تلاوة القرآن ، وترشد الخلق إلى طريق الحق ، أو أن تظهر ما في ضميرك من حاجات دينك و دنياك ، لتسأل ، هذا اللسان ليعمل صالحا أو ليسال سؤال المستفهِم ، لا سؤال الممتحن ، لا سؤال الذي يحرج الناس ، فإذا استعملته لغير ما خلق له - نتابع قول الإملم الغزالي - فإذا استعملته لغير ما خلق له كفرت نعمة الله فيك ، و يقول الإمام الغزالي : واللسان أغلب أعضاءك عليك ، أي أكثر عضو من أعضاءك يغلبك هو اللسان ، فضبط اللسان طاعة لله كبرى ومجاهدة للنفس و الهوى .

أكثر المعاصي عدداً ووقوعاً تأتي من اللسان :

 أيها الأخوة الأكارم ، يقول بعض العلماء : إن أكثر المعاصي عددا وإن أيسرها فعلا ووقوعا إنما هي آثام اللسان ، أكثر المعاصي عددا و أيسرها وقوعا آثام اللسان ، و لقد عد الإمام الغزالي في إحياءه من آفات اللسان ما يزيد عن عشرين آفة ، و إن آفات اللسان تمزق المجتمع المسلم ، تجعله مزقا مزقا ، تجعل الأحقاد ، تجعل الضغائن ، تجعل التقاطع ، لو أردت بحثا اجتماعيا عن الآثار الاجتماعية الخطيرة التي تترتب على آفات اللسان التي نهى الله عنها إنك لتعجب و ليأخذك العجب العجاب .
 حتى إن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول : إن اعتياد الحكايات المضحكة خارمٌ للمروءة ، رادٌّ للشهادة " يعني الذي هويته بين الناس أن يغتاب و أن ينقل الكلام السوء من شخص إلى شخص ، وأن يضحك القوم بحديث مغتابا زيدا أو عبيدا ، مقلدا محاكيا هو عند الناس ظريف روحه خفيفة ، روحه خفيفة ، ظله خفيف ، يضحك الناس ، هذا الذي اعتاد الحكايات المضحكة خارم للمروءة مردودة شهادته ، و كلكم يعلم أن من حدث الناس فلم يكذبهم ، ووعدهم فلم يخلفهم ، و عاملهم فلم يظلمهم ، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته ، إذا ظلمت الناس سقطت عدالتك ، و إذا كذبتهم سقطت عدالتك ، وإذا أخلفتهم سقطت عدالتك . و هناك أشياء عددها العلماء لا تسقط العدالة بل تجرحها ، و جرح العدالة أن لا تُقبل الشهادة ، وأن لا يقبل منه الحديث الشريف ، نقلا و رواية ، و كلكم يعلم أن من أكل في الطريق ، أو من مشى حافيا أو من بال في الطريق أو من تنزه في الطريق ، أو من صحب الأراذل ، أو من طفف الميزان بتمرة ، أو مكن أكل لقمة من حرام ، أو من كان حديثه عن النساء ، أومن علا صياحه في بيته ، أو من قاد برذونا أخاف به الناس ، أو من أطلق لفرسه العنان ، أو من صحب الأراذل ، إن هذه الأشياء تجرح العدالة ، هناك ما يجرحها ، وهناك ما يسقطها .

إذا انتفت آفات اللسان تماسك المجتمع :

 أيها الأخوة الأكارم ، أعيد عليكم الأحاديث الثلاثة لمتعلقة باللسان :

(( إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ فَيَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ ))

[الترمذي عَن بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيَّ]

 أيها الأخوة الأكارم ، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ، و لا تنسوا أن تسعة أعشار المعاصي هي من آثان اللسان ، ومن صان لسانه فقد استوجب رحمة الله عز وجل ، المجتمع المؤمن متماسك ، و سر تماسكه أن آفات اللسان منتفية منه .

كلمة رزق كلمة واسعة شاملة :

 أيها الأخوة الأكارم ، الحديث الشريف الآخر الذي يبدأ بقول النبي عليه الصلاة و السلام :

(( إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه . . . . .))

[جزء من حديث أخرجه ابن ماجه وأحمد عن ثوبان]

 و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر ، فالرزق كملا ورد في القرآن الكريم كلمة لها معان واسعة ، فلا كما يتبادر إلى الذهن أن الرزق هو المال فقط ، أو هو الطعام و الشراب ، اتصالك بالله رزق ، و إقبال الله عليك متجليا على قلبك رزق ، و أن يبث الله في قلبك السكينة رزق ، و أن يرفع شأنك بين الناس رزق ، وأن يلقي حبك في قلوب الناس رزق ، و أن يجعل لك هيبة رزق ، وأن تنام على فراشك ناعم البال مطمئن الضمير هذا رزق ، نعمة الأمن و نعمة الفراغ و نعمة الصحة ، و كلمة رزق كلمة واسعة شاملة ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾

[سورة البقرة : 3]

 أجمع العلماء على أن العلم رزق ، و على أن الجاه رزق ، وعلى أن الصحة رزق و على أن الذكاء رزق ، و على أن طلاقة اللسان رزق ، و على أن الطعام و الشراب رزق ، و على أن الزوجة رزق ، و على أن الأولاد الأبرار رزق ، في ضوء هذا المعنى الواسع و المعنى الشامل لكلمة الرزق إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر .. . ." إذا أصاب الذنب و قع الحجاب ، و هذا الحجاب يزداد ، يرق أو يكثف بحسب حجم الذنب ، كلما كان الذنب كبيرا كلما ثخن الحجاب، كثف الحجاب ، و كلما كان الذنب صغيرا رقّ الحجاب ، على كلٍّ هناك حجاب ، و لا أظنكم تستغربون أن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : الذنب شؤم على غير صاحبه . . . ." على صاحبه محقق مائة بالمائة ، الذنب حجاب ، اللهم لا تقطعنا بقواطع الذنوب ، الذنب حجاب.
 قلت لكم مرة : إن شابا له شيخ أعلمه هذا الشيخ أن لكل سيئة عقابا ، وقع في ذنب من دون قصد ، زلّت قدمه ، بحسب قول شيخه له بدأ ينتظر العقاب ، بدأ ينتظر المصيبة ، مضى يوم و يومان و أسبوع و أسبوعان ، و هو يترقب المصيبة ، مرة صلى و ناجى ربه ، قال : يا ربي لقد عصيتك فلم تعاقبني ، قال فوقع في قلبه : أن يا عبدي قد عاقبتك و لم تدرِ ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ، فالمناجاة رزق ، و أن تكون الطريق إلى الله سالكة رزق ، و أن تصلي و تبكي رزق ، و أن تقرأ القرآن فينشرح صدرك و ينطلق لسانك و تنهمر دموعك و يقشعر جلدك رزق ، إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر . . ." حتى إن بعض العلماء العاملين كان يقول: إني لأعرف عقوبة الذنب من سوء خلق دابتي " و قال بعضهم الآخر : إني لأعرف عقوبة ذنبي من تغير الزمان .

الذنوب نجاسات باطنة :

 لأن الله تعالى يقول :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 مادام حصل التغيير من الأحسن إلى الأسوأ فلا بد من أن قد حصل تغيير في النفس من النوايا الطيب إلى النوايا السيئة ، من المؤاثرة إلى الأثرة ، من الطاعة إلى المعصية، قال تعالى :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد : 11 ]

 أيها الأخوة الأكارم ، قال بعضهم : إن الذنوب نجاسات باطنة " كيف أن أحدنا لا يحتمل أن يكون ثوبه وسخا قذرا ، لا يحتمل أن يكون على ثوبه نجاسة ، ولو أنها غير مرئية، لا يحتمل رائحة كريهة ، لا يحتمل قمامة في بيته ، لا يحتمل قشة على ثوبه ، لا يحتمل بقعة ذات لون على ثيابه ، قال العلماء : إن الذنوب نجاسات باطنة" تصل آثارها إلى الظاهر.

الذنوب تحرم الرجل البركة :

 أيها الأخوة الأكارم ، لكن بعض العلماء وجّه هذا الحديث ، أن ا لرجل المقصود به المؤمن ، فإذا أذنب ذنبا حرمه الله بعض الرزق ليلفت نظره إلى ذنبه ، و ليدفعه إلى بابه ، و ليحمله على التوبة ، لذلك قال بعضهم : أن يحرم الرجل الرزق أن يُحرم بركته ، و أن يحرم سعته ، وأن يحرم الشكر عليه ، قد يأتيك مالٌ وفير ، و لكن لا بركة فيه ، ينفق على ما لا يرضيك ، و قد يأتيك مال وفير وأنت لا تشكر الله عليه ، هذا حرمان ، أن تكون غير شاكر ، أن يأتي الرزق الوفير بلا بركة ، هذا حرمان .
 أيها الأخوة الأكارم ، يبدو أن كل شيء شغل المؤمن عن ربه ، كل شيء حتى من المباحات ، إذا شغلت المؤمن عن ربه يحرمه الله إياها ، لماذا؟ لأن الله يغار ، يغار أن يرى عبده ملتفتا إلى غيره ، ما هذا الشيء الذي شغله عن ربه؟ هذا المال يُؤخذ منه ، هذه المكانة يُسلبها ، فإذا أردت أن تزداد النعم عليك فلا تنشغل عن غير سواه ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ*وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون : 1-3 ]

اللغو :

 قيل : اللغو هو كل سوى الله ، كل شيء شغلك عن الله فهو لغو ، أما كل شيء سوى الله فهو من الضرورات ، لك عمل ، لك مهنة ، و لك حرفة تتبع تحصيلك العلمي ، هذا مقبول ، أما إذا شغلك هذا الشيء عن ذكر الله أصبح لغوا ، و ربما حُرمته إذا كنت من أهل القرب ، لأن الله عز وجل يغار عليك ، يحب أن يسمع صوت عبده اللهفان .
 أيها الأخوة الأكارم ، يقول عليه الصلاة و السلام : إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر . . ." و كلمة الرزق أشار بعض المفسرين شراح الحديث إلى أنه ثواب الآخرة أو نعم الدنيا ، بالذنب يصيبه ، وغفلت عن متابعة شرح الحديث الذي أوردته قبل قليل ، يقول النبي عليه الصلاة و السلام : الذنب شؤم على غير صاحبه . . . . ." على غير صاحبه ، على صاحبه محقق ، أما على غير صاحبه ، إن رضي به فقد شاركه في الإثم ، وإن ذكره فقد اغتابه ، و إن عيّره فقد ابتلي به ، فأنت إذا رأيت أخاك وقع في ذنب ، إن قلت له : دبّر حاله ، طلع شاطر مثلا ، هذه الكلمة فحواها أنك رضيت بهذا الذنب ، و باركت له به ، و أثنيت به عليه ، إذًا شاركته في الإثم ، و إن عيرته ، فلان كيف يفعل كذا ، لا بد أن تستره ، و لا ينبغي أن تفضحه بهذا الذنب ، و لا ينبغي أن ترضاه له ، فاختر حالة لا علاقة لها بالرضا عن الذنب و لا بالتعيير و لا بالتشهير .

من رضي عمل غيره فهو مثله :

 أيها الأخوة الأكارم ، الشيء الذي ينبغي أن نتابعه في هذا الحديث هو أن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : إن الرجل إذا رضي هدي الرجل و عمله فهو مثله . . . ." أيضا حديث خطير ، أي تعرف صديقا لا يصلي ، ماله حرام ، غارق في الدنيا إلى قمة رأسه، لكنه ذكي جدا ، لبق جدا ، ظريف جدا ، تحبه و ترضى عنه رغم عدم صلاته ، و على رغم من بُعده عن الله عز وجل ، فإن الرجل النبي عليه الصلاة و السلام يقول : إن الرجل إذا رضي هدي الرجل و عمله فهو مثله . . . ." لهذا يقول عليه الصلاة و السلام : اللهم لا تجعل لي خيرا على يد كافر أو منافق . . . ." لأن هذا الكافر أو المنافق إذا أسدى إليك معروفا تعلَّقت به ، و أثنيت عليه ، و مدحته بين الناس و قلت عن فضله وإحسانه وهو بعيد عن الدين ، أوقعت الناس في اضطراب ، لأن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : النبي عليه الصلاة و السلام يقول : إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق . . . ." ليغضب ، لأنك إذا مدحت فاسقا ، شارب خمر ، تارك صلاة ، آكل ربا ، إذا مدحته بين الناس أوقعتهم في اضطراب وفي خلل ، كيف يكون مفلحا وهو يعصي الله ، كيف يكون حميد السيرة و هو عاص لله ؟؟

عودة الرجل إلى الله توقف العلاج الإلهي :

 أيها الأخوة الأكارم ، نتابع الحديث : يقول عليه الصلاة و السلام : إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر . . . ."
 بعض العلماء قال : ردّ القضاء له معنيان ؛ إما أن يُلغى ؛ لو أن طبيبا فحص مريضا فرأى كليته متوقفة ، فاتخذ قرارا باستئصالها ، و قبل أن تجري العملية بساعات أعيد التصوير فإذا بها تعمل ، فهل يُعقل أن يستأصلها؟ كان حكم الطبي استئصال الكلية ، فلما عملت أُلغي قراره ، أراد الله أن يسوق لهذا الإنسان هذا القدر لبُعده عنه ، فإذا أقبل على الله رُدّ القضاء ، لا يرد القضاء إلا الدعاء ، أي هناك من القضاء ما يسوقه الله لهذا الإنسان ليعود إلى بابه ، ليستقيم على أمره ، ليتوب إليه ، فإذا تاب من نفسه بتوبة نصوح و دعوة صادقة رُدّ القضاء ، و بعضهم قال : ردّ القضاء له معنى آخر ، أي إذا كنت مؤمنا بحكمة الله و برحمته ، مؤمنا بأن الآخرة هي كل شيء ، و أن الدنيا عرض زائل وقعُ القضاء عليك خفيف جدا ، أي رد القضاء أنه يقع و كأنه لم يقع ، أي لا يبالي ، كما قال عليه الصلاة و السلام في بعض خطبه : إن هذه الدنيا دار التواء ، لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء و لم يحزن لشقاء ، قد جعلها دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، و جعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا ، فيأخذ ليعطي و يبتلي ليجزي " مما يدعم المعنى الأول أن النبي عليه الصلاة و السلام يقول : باكروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطاها . . . . ." أي الله يُسترضى بالصدقة ، فإذا وقعت في ذنب وخشيت أن ينزل العقاب سريعا بادر إلى صدقة مخلصة تبتغي بها مرضاة الله عز وجل ، فلعل الله يرد بها القضاء ، النبي عليه الصلاة و السلام يقول : باكروا بالصدقة ، فإن البلاء لا يتخطاها . . . . ." وهذا من فضل الله عز وجل أنه يُسترضى بالصدقات ، و في الحديث : الصدقة تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير ، يقول عليه الصلاة و السلام : إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ، و لا يرد القضاء إلا الدعاء ، و لا يزيد العمر إلا البر . . . . . . ." هنا السؤال : أيزداد العمر؟ أيكون عمرك عند الله ستين فإذا فعلت الأعمال الطيبة يصبح سبعين ، معنى الحديث هو : أن هذا العمر لا يزيد و لا ينقص ، و لكن يزيد غنى و ينقص فقرا ، كمن فتح دكانه خمس ساعات ، إذا باع في هذه الساعات الخمس بمائة ألف ليرة ، و باع آخر بالساعات الخمس ألف ليرة ، فكأن مدة فتح المحل زادت ، لم تزد زمنا و لكن زادت مردودا ، فإن أعمال البر تزيد عمرك غنى ، والإمام الشافعي مات قبل الخمسين ، والإمام النووي الذي ألف رياض الصالحين وهو من أبرك كتب الحديث مات دون الخمسين ، وهناك من يعيش مائة وخمسين عاما وحياته تافهة .

العمر الحقيقي هو العمر الإيماني لا الزمني :

 لذلك ربنا عز وجل قال :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الحجر : 72]

 أقسم بعمر النبي الثمين ، وقد عاش ثلاثا وستين عاما ، فعمرك لا يُقاس بأمده الزمني ، إن أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني ، ولكن عمره الإيمان إنه عمر التقوى ، عمر الإحسان ، العمر الغني بالأعمال الصالحة ، بمعرفة الله ، بطاعة الله ، بالدعوة إلى الله ، بفعل الخيرات ، بترك الآثار الخيرية ، هذا هو العمر ، فلذلك العمر يغتني بالأعمال الصالحة ، الغنى و الفقر بعد العرض على الله " العلم الصالح يزيد في عمرك ، و العمل السيئ يُنقص به من عمرك ، هناك معنى آخر فللحديث ، لا يزيد في العمر إلا البر . . . ." قال بعض شراح الحديث : إن الأعمال الطيبة تزيد الحياة سعادة ، وتزيدها رونقا ، تزيدها بهاء ، أي إذا كنت محسنا و لك أعمالا طيبة ، خرجت من ذاتك ، من قوقعتك إلى خدمة الناس ، فإن أول الناس سعادة هو أنت ، كلمة قالها بعض الحكماء : إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " عش للآخرين و لا تعش لذاتك ، لا تتمحور حول ذاتك ، لا تتمحور حول نفسك ، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين ، فالأعمال الطيبة تزيد العمر برا ، أي سعادة ، تصبح في قلوب الناس، يلقي الله حبك في قلوبهم ، ما أخلص عبد لله إلا جعل قلوب المؤمنين تنساق إليه بالمودة و الرحمة ، فمما يزيد العمر بركة و سعادة أن تعيش بين محبين ، بين أناس يحبونك ، بين أناس يقدرونك ، الأعمال الصالحة تنتزع محبة الناس ، " يا داود ذكِّر عبادي بإحساني عليهم، فإن النفوس جبلت على من حب من أحسن إليها ، و بغض من أساء إليها .

 

رضى الله عن الزوجين المتحابين :

 أيها الأخوة الأكارم ، حديث أخير يبدأ بقول النبي عليه الصلاة و السلام : إن الرجل " إن الرجل إذا نظر إلى امرأته و نظرت إليه نظر الله تعالى إليهما بالرحمة . . . . ." إذا الإنسان غضّ بصره عن محارم الله ، غض بصره عن امرأة لا تحل له ، لم يمتع نظره بها أبدا ، وإنما نظر إلى امرأته نظرة الشاكر ، يا ربي لقد قدّرت لي هذه الزوجة ، لقد وهبتها لي ، هي من نعمتك العظمى علي ، إذا رأى الزوج أن زوجته نعمة الله عليه ، و إذا رأت الزوجة زوجها نعمة الله عليها سُتر بها و سُترت به ، تحصن بها وتحصنت به ، رضي بها و رضيت به ، و انجبا ذرية صالحة ، إن الرجل إذا نظر إلى امرأته - نظرة الشاكر ، الممتن ممن الله عز وجل أن جعله متزوجا ، الآن جعل له زوجة تطيعه إذا أمرها ، و تحفظه إذا غاب عنها ، وتسره إذا نظر إليها ، إذا نظر الرجل إلى امرأته و نظرت إليه امرأته نظر الله تعالى إليهما . . . . . ." أي الله عز وجل يرضى عن زوجين متحابين ، يرضى عن رجل يحصن فرجه إلا عن زوجته ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾

[سورة المؤمنون : 4-6]

 ليس في هذا الزمن ما ملكت أيمانهم ، قال تعالى :

﴿ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[سورة المؤمنون : 6-7]

الإضرار في الوصية يوجب النار :

 أية نظرة أية ابتسامة ، أي كلام لطيف مع امرأة لا تحل لك إن هذا يسخط الله ، وفِّر هذا اللسان الطيب و هذه المشاعر الرقيقة و هذه النظرة الحامية ، وهذا العطف لزوجتك، لحليلتك حتى يرضى الله عنك .
 أيها الأخوة الأكارم النبي عليه الصلاة و السلام لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ، أعددت لكم في هذه الخطبة أحاديث كثيرة ، لكن حديث أتلوه عليكم تلاوة ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي أراد أن يمنع الإناث من ميراثه ، فأقر بدين شكلي ، ليحرم الورثة من هذا الإرث ، أو فضل الذكور على الإناث ، أو أعطى ها الولد و حرم هذ الولد بأساليب كثيرة ، اختر أي أسلوب شئت ، ما دمت أرادت أن تضر الورثة بهذه الوصية وجبت لهذا الإنسان النار ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ وَالْمَرْأَةُ بِطَاعَةِ اللَّهِ سِتِّينَ سَنَةً ثُمَّ يَحْضُرُهُمَا الْمَوْتُ فَيُضَارَّانِ فِي الْوَصِيَّةِ فَتَجِبُ لَهُمَا النَّارُ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنْ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

حرم الورثة من الإضرار في الوصية :

 أية قال بعض العلماء : من الإضرار بالوصية أن توصي بأكثر من الثلث ، و تحرم الورثة ، ومن الإضرار بالوصية أن تقر بدين لا أصل له ، خلبي ، لذلك يقول الله عز وجل : من بعد وصية يوصى بها أو دين . . . . . .مضار " أي لا يضر بهذه الوصية الورثة، و لا بهذا الدين الورثة ، وإن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الصائم بالنهار . . . . ."إذا كنت ذا خلق حسن فكأنك قائم بالليل صائم بالنهار .
 أيها الأخوة الأكارم ، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه و عمل لما بعد الموت ، و العاجز من أتبع نفسه هواها و تمنى على الله الأماني ، و الحمد لله رب العالمين .

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين ، و أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين ، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل و سلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين .

الخلية هي الوحدة الأساسية التي يتشكل منها الكائن الحي :

 أيها الأخوة لكرام ، قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21 ]

 الجسم البشري أيها الأخوة ، يتكون من خلايا ، و الخلية هي الوحدة الأساسية التي يتشكل منها الكائن الحي ، يوجد في جسم الإنسان مائة ترليون ألف بليون ، في البليون ألف مليون ، أي مائة ألف ألف مليون خلية في جسم الإنسان البالغ ، و الخلية وجود حي لا تدركه حواسنا ، لا تراها ، من الكريات التي توضع تحت المجهر الكريات الحمراء ، تحتاج إلى عدسة مجهرية تكبِّر الشيء مائة وأربعين ضعفا حتى تُرى بالعين ، إذا كبرنا الكرية الحمراء مائة و أربعين مرة نراها بالعين ، ووزنها واحد من مليار من الغرام ، و الجسم البشري يستهلك في كل ثانية مائة و خمسة و عشرين مليون خلية في كل ثانية ، و الخلايا تجدد شبابها كل أسبوع ، و أصل كل هذه الخلايا المائة تريلون هي خلية نطفة الأمشاج ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾

[سورة الإنسان : 2]

الخلية و الجينات والمورثات من عظمة الله :

 هذه الخلية فيها نواة ، قالوا عنها مركز الإدارة و الإشراف و القيادة ، و على هذه النواة ثلاث وعشرون زوجة من الكروموزومات ، وهذه مادة الحياة و بها أسرار الوجود ، على هذه المورثات أو العرى الملونة أو الجينات ، معلومات تزيد عن خمسة آلاف مليون معلومة ، و إن المعلومات التي هي على المورثات لو أردنا أن نكتبها باللغة لاحتاجت إلى موسوعة تزيد عن مليون صفحة ، و في كل صفحة خمسة آلاف معلومة ، أي خمسة آلاف مليون معلومة متوضعة على هذه المورثات ، ونحن لا ندري .
 بحث المورثات و بحث الجينات ، و بحث الخلية شيء لا يصدق ، ويصعب عرضه على المنبر ، لكن من أجل أن نعرف عظمة الله عز وجل قال تعالى :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21 ]

 حينما يغتسل الإنسان و ينزل من جلده بعض ما يسميه الوسخ ، إنها خلايا ميتة ، إن الخلايا التي في الإنسان مائة ترليون ألف بليون ، و البليون ألف مليون ، و كل خلية لها نواة و لها نوية , لها هيلولى و لها غشاء ، وجود حي قائم بنفسه ، في نشاطات و قد يدرسون في الجامعات سنوات طويلة الخلية وحدها :

أتحسب أنك جرم صغير  و فيك انطوى العالَم الأكبرُ
***

 أهذا الخالق العظيم الذي خلقك و لم تكن شيئا مذكورا ، ألا ينبغي أن تعرف إليه ، ألا ينبغي أن تطيعه .

تعصي الإله وأنت تظهر حبه  ذاك لعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقا لأطعتـه  إن المحب لمن يحب مطيعُ
***

 عرضت هذه الحقائق سريعا لشعوري أنني أطلت عليكم ، والحمد لله رب العالمين.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، و أكرمنا و لا تهنا ، و آثرنا و لا تؤثر علينا ، و أرضنا وارض عنا ، و اقسم لنا من خشيتك من تحول به بيننا و بين معصيتك ، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، و انصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018