الخطبة : 0167 - حكمة الصيام - الحليب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0167 - حكمة الصيام - الحليب .


1987-04-24

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله .
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر .
 وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم ، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر .
 اللهمَّ صلِ وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين .
 اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيءٍ قدير .
 اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

شهر رمضان شهر المغفرة والتوبة .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي :

(( عبدي لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ))

[تخريج أحاديث الإحياء ]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ رمضان على الأبواب ، وهذا الشهر الكريم هو شهر التَوْبَة والغفران ، والنبي عليه الصلاة والسلام ارتقى على المنبر درجة فقال :

(( آمين " . ثم ارتقى الثانية فقال : " آمين " . ثم ارتقى الثالثة فقال : " آمين ))

 فقال أصحابه : علامَ أمَّنت يا رسول الله ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

(( أتاني جبريل فقال : رغم أنف امرئٍ ذكرت عنده فلم يصل عليك ، فقلت : آمين ـ اللهم صلي وسلم وبارك على سيدنا محمد ـ ثم قال : رغم أنف امرئٍ أدرك أبويه فلم يغفر له ، فقلت : آمين ، ثم قال : رغم أنف امرئٍ أدرك رمضان فلم يغفر له . فقلت : آمين ))

[ مجمع الزوائد ]

(( عبدي لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي ))

[تخريج أحاديث الإحياء ]

 وهذا الشهر الكريم شهر المغفرة والتوبة ، فرغم أنف امرئٍ أي خاب وخسر مَن أدرك رمضان فلم يغفر له ، إن لم يغفر له فمتى ؟
 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إن الله فرض صيام رمضان ، وسننت لكم قيامه ، فمن صامه ، وقامه احتساباً ، خرج مِن الذنوب كيوم ولدته أمه ))

[ الجامع لأحكام القرآن]

 وقال عليه الصلاة والسلام :

(( مَن أفطر يوماً مِن رمضان مِن غير رخصةٍ ولا مرضٍ لم يقضِ عنه صوم الدهر كله وإن صامه ))

[الدر المنثور في التفسير المأثور]

 والإمام الذهبي ، صاحب كتاب [ الكبائر ]يقول : وعند المؤمنين مقررٌ أنه مَن ترك صوم رمضان بلا مرضٍ أنه شرٌ مِن الزاني ومدمن الخمر ، بل يشكُّ في إسلامه ، ويظن به الزندقة والانحلال .
 والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( ربَّ صائمٍ حظُّه مِن صيامه الجوع ، وربَّ قائم ـ أي من يصلي التراويح ـ حظه من قيامه السهر ، ومَن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه ))

[الدر المنثور في التفسير المأثور]

حقيقة الصوم :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا الشهر الكريم على الأبواب ، ما هي إلا أيامٌ معدودة ويأتي شهر رمضان المُبارك ، لا ينبغي للمؤمن أن يكون كالناقة لا تدري لمَ عُقِلَت ، ولا تدري لمَ أُطلقت ، لابدَّ مِن أن يعرف حقيقة هذا الصوم ، لابدَّ مِن أن يصوم لأنه عبادة ، وينبغي أن يعرف حقيقة الصوم حتى يُحْسِن أداء هذه العبادة ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

 فالعبادات ؛ الصيام عبادة ، والعبادات أيها الإخوة لها غاياتٌ كبرى وحِكَمٌ عظمى ، فإن لم نبلغها فلا أقل مِن أن نعرفها حتى نسير نحوها ، لا ينبغي أن يكون الصيام عادةً مِن عوائدكم ، لا ينبغي أن نصوم ولا ندري لمَ نصوم ، وأن نفطر بعد شهر الصيام ولا ندري لمَ نفطر ، لا ينبغي أن يكون الصيام عادةً مِن عوائدنا ، بل للصيام كعبادةٍ مِن العبادات غايةٌ كبرى وحكمةٌ عظمى ، فإن لم نبلغها فلا أقل مِن أن نعرفها حتى نسير باتجاهها .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ العبادات إذا خَلَت مِن هذه الغايات انقلبت إلى طقوسِ ووثنيّاتٍ لا معنى لها . العبادات إذا خلت من هذه الغايات الكبرى والحكم العظمى انقلبت إلى طقوسِ ووثنياتٍ لا معنى لها ، ولا ترفع شأن صاحبها عند الله عزَّ وجل .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ إن الله سبحانه وتعالى خالق السماوات والأرض ، رافع السماوات بغير عمد ، مَن بيده ملكوت كل شيء ، إن الخالق العظيم ، والربَّ الرحيم ، والمسيِّر الحكيم ، غنيٌ عن تجويعنا وعن تعذيبنا ، غنيٌ عن عبادةٍ تبدأ بترك الطعام وتنتهي بتناوله ، هذا الصيام إذا كان بهذا الشكل ؛ ترك الطعام والشراب فقط ، الله سبحانه وتعالى غنيٌ عن هذه العبادة .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ إذا ترك الطعام والشراب ليس بشيء إذا ما قيس بأهداف الصيام الكُبرى ، إن الصيام مِن فرائضه ، بل إن فرضه الأوحد ترك الطعام والشراب ، ولكن إذا عرفت حكمة الصيام يجب أن تعرف أن ترك الطعام والشراب ما هو إلا كحركات الصلاة ، كيف أن الصلاة لا تتمّ إلا بقيامٍ وركوعٍ وسجود ، وأن الصلاة في جوهرها صلةٌ بالله عزَّ وجل ، وتطهيرٌ للقلب ، وسموٌ بالنفس ، كذلك الصيام ؛ المظهر المادي ترك الطعام والشراب ، ولكن للصيام غايةً كبرى وحكمةً عظمى.
 أيها الإخوة الأكارم ؛ قد يتوهَّم المرء حكمة الصيام في شيء ، كالإحساس بالجوع ، كي نُحِسَّ بجوع الفقير ، أو من أجل صحَّتنا ، أو مِن أجل اقتصادنا ، أو من أجل إظهار عبوديتنا لله عزَّ وجل ، أو مِن أجل تعويدنا قوة الإرادة ، أو من أجل تعويدنا النظام ، أو من أجل إراحة الأجهزة الداخلية مِن عناء الهضم ، والدوران ، وإفراز الفضلات ، كل هذا صحيح ولكن الأصحَّ مِنه أن نبقى عند قوله تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

التقوى هي حقيقة الصيام .

 فالتقوى ، كما وردت في القرآن الكريم هي حكمة الصيام ، فإذا تجاهلنا التقوى ، وبحثنا عن حكمٍ أخرى ، فقد خرجنا عن سواء السبيل .
 التقوى أيها الإخوة المؤمنون لغةً مِن الوقاية ، ومن [ وقى ]والوقاية لا تكون إلا من الخطر ، الدنيا كلها محفوفةٌ بالمخاطر ، هي خضرةٌ نضرة ، سُمَّها في دَسَمها ، فيها منزلقات ، فيها متاهات ، نساؤها حبائل الشيطان ، مالها يغري ، ويردي ، ويشقي ، الأهل والولد فتنة ، ركونٌ واستغناء ، شهواتها مستعرة في أبهى حللها ، فتنها يقظة في أبهى مظاهرها ، زخارفها وزينتها في أوج إتقانها ، فالدنيا كلها مخاطر ، أيّة غفلةٍ عن الله عزَّ وجل تزل القدم ويهوي الإنسان .
 فكيف يتقي الإنسان الانجذاب إلى هذه المغريات ؟ كيف ينجو الإنسان مِن خطر الانغماس في تلك الشهوات ؟ كيف يترفَّع الإنسان عن المُزاحمة في جمع الثروات ؟ كيف يصمد أمام إغراء النساء الفاجرات ؟ كيف يجعل كسبه حلالاً على ندرته في هذه الأيام ؟ كيف يجعل إنفاقه حلالاً على كثرة الضغوط والمشاحنات ؟ .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول بعضهم ـ وهو مخطئٌ في قوله ـ : ليس ينجينا مِن هذه الشهوات وتلك الفتن إلا أن نأوي في صومعةٍ في جبلٍ شاهق .
 ونقول له يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ الإسلام دينٌ متوازن ، لا يقر الانزواء على الناس ، ولا التقوقع على الذات ، ولا الهروب في الملمات ، ولا يقر المواقف السلبية ، ولا التواكل البغيض ، ولا العَجز الكسول ، هذه المغريات ، وتلك الفتن لا تتقى بالهروب منها ، ولا بالقفز عليها ، بل تتقى بمواجهتها بنورٍ ساطعٍ يكشف حقيقتها ونتائجها ، لابد من نورٍ ساطعٍ كشَّاف ، يظهر حقيقة هذه المغريات ، ونتائج الانغماس في الشهوات ، ونهاية جمع المال والثروات ، وكيف تكون حياة مَن أغواه الشيطان بحبائله ، وكيف يكون الكسب الحلال والإنفاق الصحيح ، وما جدوى المبالغة في الزخرفة والتزيين .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مثلٌ حيّ مِن واقع الحياة : قد تنجذب السمكة إلى قطعةٍ كبيرةٍ مِن الخُبز ، ولا تدري أن داخل هذه القطعة من الخبر شُصَّاً ينهي حياتها ، لو عرفت السمكة أن هذه القطعة من الخبر الكبيرة الشهيَّة اللذيذة في داخلها شِصٌّ ينهي حياة السمكة لما أكلتها ، لو عرف الإنسان أن المال مِن دون تقوى مِن الله عزَّ وجل قد يرديه في جهنم ، وأن هذه الأشياء التي يسعى إليها سُمّها في دسمها ، لو عرف الحقيقة لما هلك وأهلك .
 إذاً العقبة الكبرى أن تملك رؤيةً صحيحة ، العقبة الكبرى أن تملك نوراً وضاءً كشافاً في قلبك ، يريك الحق حقاً ، والباطل باطلاً ، هذه الحقيقة هي حقيقة التقوى ، والصيام مِن أجل التقوى ؛ من أجل أن تملك رؤيةً صحيحة ، من أجل أن تملك نوراً كشافاً ، من أجل أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً ، من أجل أن ترى الأشياء على حقيقتها ، من أجل ألا تُخْدَع ، من أجل ألا تنزلق ، من أجل ألا تنغمس في الملذّات ويكون فيها الهلاك .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ فالتقوى نورٌ يقذفه الله في القلب مِن خلال العبادة ، والصيام عبادة ، مِن خلال الصلاة ، والصلاة عبادة ، من خلال أداء الزكاة ، وأداء الزكاة عبادة ، من خلال الحج ، والحج عبادة . التقوى نورٌ يقذفه الله في القلب ، التقوى رؤيةٌ صحيحةٌ لحقائق الأشياء ، التقوى أن ترى الخير خيراً وتتبعه ، وأن ترى الباطل باطلاً فتجتنبه ، التقوى أن تبتعد عن المعاصي لا بدافع الخوف مِن الله فحسب ، بل بدافع رؤية حقيقتها الدنيَّة ، التقوى أن تسمو بنفسك حتى تصل إلى مستوى الشريعة ، فتُقْبل على الخير حباً به ، وتبتعد عن الشر ترفُّعاً عنه ، واشمئزازاً منه ، التقوى أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، التقوى أن تعبد الله لا خوفاً من ناره ، ولا طمعاً في جنته ولكن لأنك رأيته أهلاً للعبادة ، التقوى أن تُحقق إرادة الله مِن خلق الإنسان ، التقوى أن يصبح هواك تبعاً لما جاء به النبي العدنان ، التقوى أن تكون أشد حباً لله ، مِن أجل التقوى شُرِعَ الصيام والقيام ..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة البقرة الآية : 183 ]

 هل هناك آيةٌ أوضح مِن هذه الآية ؟ التقوى أن ترى بنور الله .

 

أدلة التقوى .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه الأفكار ، فأين هي الأدلَّة ، سأسمعكم بعض الآيات القرآنية التي تتحدّث عن التقوى ، قال تعالى :

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور الآية : 35 ]

 فإذا كنت معه استنرت بنوره ، ورأيت الخير خيراً والشر شراً ، وبدافعٍ مِن فطرتك القائم على حب السلامة ، وحب الخير ، وحب الفوز والنجاة والفلاح والتفوّق ، تأخذ ما هو خير ، وتدع ما هو شر ، والناس مِن انقطاعهم عن الله عزَّ وجل وقعوا في العَمى ، والعمى معناه أن تُقبل على الشيء ولا تعلم ما إذا كان نافعاً أو ضاراً ، كما أن السمكة العمياء تُقبل على قطعة الخبز ولا تدري أن فيها نهايتها .
 قال تعالى :

 

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

 

[ سورة البقرة الآية : 257 ]

 قال تعالى :

 

﴿ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ ﴾

 

[ سورة الرعد الآية : 16 ]

 قال تعالى :

 

﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾

 

[ سورة النور الآية : 40 ]

 قال تعالى :

 

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ ﴾

 

[ سورة الأنعام الآية : 122 ]

 دققوا في هذه الآية :

 

﴿ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾

 

[ سورة الأنعام الآية : 122 ]

 قال تعالى :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

 

[ سورة الحديد الآية : 28 ]

 لا تكسب مالاً حراماً لأن في قلبك نوراً ، لا تعتدي على الآخرين لأن في قلبك نوراً يريك نتائج الاعتداء ، لا تأخذ ما ليس لك لأن في قلبك نوراً ، لا تغتب مسلماً لأن في قلبك نوراً يريك نتائج الغيبة .
 أيها الإخوة المؤمنون :

 

﴿ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

 

[ سورة الحديد الآية : 28 ]

الصيام فرصةٌ سنويَّة :

 يا أيها الإخوة الأكارم ؛ الصيام فرصةٌ سنويَّة ، دورةٌ سنوية لإخراج الإنسان مِن الظلمات إلى النور ، مِن ظلمات المعاصي إلى أنوار الطاعات ، مِن ظلمات الشهوات إلى أنوار القُرُبات ، مِن السير المضني وراء المال والثروات إلى نعيم التقلُّب في رحمة الله سبحانه وتعالى ، من الأثرة إلى المؤاثرة ، من المصلحة إلى المبدأ ، من الشهوة إلى العقل ، من دَنَس المادة إلى طُهر الروح ، من شقاء الحياة إلى نعيمها .
 الصيام فرصةً سنويةٌ تنقل المؤمن من مرتبة العبَّاد الطائعين إلى مرتبة العلماء المستنيرين ، الصيام فرصةٌ سنوية لنقل العبد من حالة مقاومة التدنّي إلى حالة متابعة الترقّي ، فرصةٌ كبيرةٌ كبيرة ، لا تدع أيها الأخ المؤمن هذه الفرصة تمرُّ هكذا ، فرصةٌ تنقلك من الشقاء إلى النعيم، من الضياع إلى الوجدان ، من التَشتت إلى التجمُّع ، من الغفلة إلى الصحوة ، من دنس المادة إلى طهر الروح ، من التمزُّق ؛ من تمزق الشرك إلى طمأنينة التوحيد ، من المعصية إلى الطاعة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مرَّ إبراهيم بن الأدهم رضي الله عنه في سوق البصرة ، فقالوا له : يا أبا إسحاق إن الله تعالى يقول :

﴿ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة غافر الآية : 60 ]

 ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا !! فقال إبراهيم : لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء . فأنا أردت من هذه القصة أننا على أبواب هذا الشهر الكريم ، وشهر رمضان شهر العبادة ، شهر الصلاة ، والصلاة دعاء ، شهر التبتُّل ، شهر التهجُّد ، شهر الإنفاق ، فمن أجل ألا تدعو وألا يستجاب لك ، قال إبراهيم بن الأدهم :
 عرفتم الله فلم تؤدوا حقه ، قرأتم القرآن فلم تعملوا به ، ادعيتم حب رسول الله فلم تعملوا بسنَّته ، قلتم إن الشيطان عدوٌ لكم ، فوافقتموه ، قلتم إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها ، قلتم إنكم تخافون من النار فلم تهربوا منها ، قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له ، اشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم ، أكلتم نعمة الله فلم تشكروه عليها ، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا بموتهم ، فكيف يستجاب لكم ؟ .
 الأمر خطير ، الأمر لا يحتمل أن تأخذ هذه الخطبة هكذا ، وتقول : واللهِ خطبةٌ ممتعة . الأمر خطير ، عرفتم الله فلم تؤدّوا حقه ، إذا عرفت الله فعليك أن تؤدي حقه ، ماذا صنعت في حقه ؟ قرأت القرآن فلم تعمل به ، لا أعتقد أن مسلماً في رمضان لا يقرأ القرآن ، أين التطبيق ؟ هذا القرآن يَلْعَن من يقرأه ولا يطبّقه .
 ربَّ تالٍ للقرآن والقرآن يلعنه .
 ما آمن بالقرآن مَن استحلَّ محارمه .
 أين التطبيق ؟ أين تطبيق آية غض البصر ، أين تطبيق آية البُعد عن الربا ؟ أين تطبيق آية :

 

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾

 

[ سورة لأحزاب الآية : 33 ]

 أين تطبيق هذه الآيات ؟ ادعيتم حُبّ رسول الله فلم تعملوا بسنته ، قلتم إن الشيطان عدوٌ لكم فوافقتموه ، قلتم : إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها ، قلتم إنكم تخافون من النار فلم تهربوا منها ، قلتم إن الموت حق فلم تستعدوا له ، اشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم ، أكلتم نعمة الله فلم تشكروه عليها ، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا بموتهم ، فكيف يستجيب الله لكم ؟ .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مِن أحكام الصيام ، تعريف الصيام : الصيام إمساكٌ عن الطعام والشراب ، وسائر المفطرات ، بنيةٍ مِن طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس . والصيام فيه فرضان ؛ شرطٌ وركنٌ ، فالشرط هو النية ، نية الصوم ، والركن هو الإمساك عن المُفْطرات .
 يقول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئٍ ما نوى ))

[صحيح البخاري ]

(( لا عمل لمن لا نية له ))

[الدر المنثور في التفسير المأثور]

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ ﴾

[ سورة البينة الآية : 5 ]

 إذاً لابدَّ مِن أن تعزِم على الصيام مِن الليل ، يصحُّ أن تنوي الصيام في اليوم التالي في أي جزءٍ مِن أجزاء الليل ، ولا يشترط التلفُّظ بالنية ، قال بعض العلماء :
 مَن تسحَّر بالليل قاصداً صيام الغد فهو ناوٍ ، ومن عزم على الكف عن المفطرات فهو ناوٍ .
 وصيام التطوع يجوز أن تنوي في النهار ، لأن النبي عليه الصلاة والسلام دخل على السيدة عائشة فقال لها :

(( هل عندكم شيء ؟ قلن : لا . قال : فإني صائم ))

[ رواه مسلم ]

 فصيام التطوع يجوز أن تنويه في النهار ، وفي أيّة ساعةٍ مِن ساعات النهار ، لكن العلماء يستحسنون أن تكون هذه النية قبل الزوال ، أما صيام الفرض يجب أن تعزم على النية مِن الليل ، مِن الغروب وحتى الفجر .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن مَلَكَ الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها ، وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، واشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم .

الحليب :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ الحليب الذي يستهلكه كل واحد منا ، بشكلٍ أو بآخر ؛ حليبٌ ، أو لبنٌ ، أو جبنٌ ، أو سمنٌ ، وما شاكل ذلك ، يحوي على سبعٍ وثمانين إلى واحدٍ وتسعين بالمئة منه ماءً ، يقول ربنا عزَّ وجل:

﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة الأنبياء الآية : 30 ]

 ويحوي الحليب على الدسم ، والسُكريات ، والبروتينات ، والمعادن ، والفيتامينات ، وغازات منحلَّة ، أي هو غذاءٌ كامل فيه غازاتٌ منحلة ، كغاز الفحم ، والأوكسجين ، والنشادر ، والفيتامينات : [أ ، ب ، ث ، د ] ومِن المعادن ، الكالسيوم ، والفوسفور ، والبروتينات، الكاثرين ، والألبومين ، وما شاكل ذلك ، والسكريات ؛ سكر العنب ، والدسم ، والماء .
 لكن الآية التي تذهل ، كيف أن هذا اللبن ، يخرج من بطونها ، هذا اللبن الخالص الذي يخرج من بين فرثٍ ودم ، أحدث البحوث العلمية : أن في البقرة غدةً ثديية ، هذه الغدة الثديية مقسمةٌ إلى فصوص ، وهذه الفصوص ، مقسمةٌ إلى فصيفصات ، وهذه الفصيصفات ، مقسمةٌ إلى أجواف صغيرة هي الأسناخ ، محاطةٌ بغشاءٍ من الخلايا ، حول هذه الخلايا شَعْرِيَّاتٍ دموية ، تأخذ الخلايا مِن الدم ما تحتاج ، وتفرز الحليب في جوف هذا التجويف ، ينتهي هذا الجوف بقناةٍ ، إلى حوض الغدة ، ثمَّ إلى حوضِ ثديِ البقرة ، ثمَّ إلى حُلمتها ، خليةٌ ، حتى هذه الساعة لا تعرف طبيعة عملها ، خليةٌ تأخذُ من الخارج ، من الدم ما تحتاج ، وتفرز الحليب في باطنها .
 قال العلماء : إن ثلاثمئة حَجْمٍ ، إلى أربعمئة حجمٍ من الدم ، يسير حول هذه الأسناخ ، من أجل تحصيل حجمٍ واحدٍ من الحليب ، أي كل حجم من الحليب ، أي كلُّ لترٍ من الحليب ، مصنَّعٌ من ثلاثمئة ، أو أربعمئة لترٍ من الدم ، يجول حول هذه الشَعْرِيَّات ، فالبقرة معملٌ بكِّل ما في هذه الكلمة مِن معنى ، من بين فرثٍ ، ودمٍ ، لبناً خالصاً .
 خليةٌ ، الشيء الذي يُذهل ، أنه حتى الآن ، لا يعرف كيف تعمل هذه الخلية ، تأخذ من الجهة الوحشية ، من شعريات الدم ، المواد ، الفيتامينات ، والمعادن ، والبروتينات ، والسكريات ، والدسم ، والماء ، تخلطها ، تفرز من الداخل الحليب ، تنتج البقرةٌ الواحدة من ثلاثين إلى أربعين كيلو من الحليب ، وكل كيلو هو محصلة دوران ثلاثمئة لتر دم في هذه الشعريات ، ثلاثمئة حجم ، إلى أربعمئة حجم ، لتصنيع لتر حليب واحد ، وتحلب البقرة في اليوم ما يزيد عن أربعين كيلو ، أو أقل من هذا بقليل من الحليب ، فلما ربنا عزَّ وجل يقول :

﴿ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 66]

هذه آيةٌ عظمى ، على عظمة الله سبحانه وتعالى .

 بحث العلماء مَن يعطي الأوامر ؟ مَن ينظِّم ؟ من ينسِّق ؟ مَن يعطي هذه الخلية أمراً بأخذ البوتاس ، والفوسفور ، والكالسيوم ، والفيتامينات ، والمعادن ، وأشباه المعادن ، والغازات ، والسُكَّريات ، والمواد الدسمة مِن الدم ؟ كيف تخلط ؟ كيف تمزج ؟ كيف تصبح حليباً ناصع البياض ؟ خالصاً مِن كلِّ شائبة ؟ لا أثر للدم فيه ؟ لا أثر للفرث فيه ؟ هذه يد الله تعمل في الخفاء ، البقرة معملٌ ، يدلُّ على عظمة الله سبحانه وتعالى .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لو أن الإنسان فكَّر في خلق السماوات والأرض ، لو أن الإنسان فكر في الحيوانات التي حوله ، لو أنه فكر في النباتات التي يأكلُّ منها ، لو أنه فكر في خَلْقِهِ ، لأخذه العجب العُجاب ، لخرَّ لله ساجداً ، لأطاعه حقَّ الطاعة ، لعبده حقَّ العبادة ، هذا الإله العظيم الذي يصنع لكَّ الحليب ، من هذا الحشيش الذي تأكله البقرة ، هل تستطيع أن تحوّل هذا الحشيش إلى حليب ؟ إنك لن تستطيع ذلك ، كيف يُعَدُّ الحليب غذاءً أساسياً في حياتك ؟ تصنع منه اللبن ، والحليب ، والجبن ، والقشطة ، وما إلى ذلك ، إن هذا كله عطاءُ الله عزَّ وجل .

﴿ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 5]

﴿ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ﴾

[ سورة يس الآية : 72]

 خلقت لنا ، وذللت لنا ، أفلا نشكره ؟ أفلا نعبده ؟ أفلا نطيعه ؟ أفلا نحبه ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( أَحِبُّوا اللَّهَ لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ اللَّهِ وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي ))

[ سنن الدارمي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]

 قيل : من هم آل البيت ؟ قال عليه الصلاة والسلام :

(( آل محمد كل تقي ))

[كشف الخفاء]

الدعاء :

 اللهمَّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، وتولَّنا فيمن توليت، وبارِك اللهمَّ لنا فيما أعطيت ، وقنا واصرف عنا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي ولا يُقضى عليك .
 اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارض عنا . واقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنَّتك ، ومن اليقين ما تهوِّن به علينا مصائب الدنيا ، ومتِّعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على مَن ظلمنا ، وانصرنا على مَن عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ، ولا مبْلغ علمنا ، ولا تسلِّط علينا مَن لا يخافك ولا يرحمنا .
 الله اغفر ذنوبنا ، واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردّنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر ، مولانا رب العالمين .
 اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018