الخطبة : 0160 - الهدف من خلق الإنسان - شيب الشعر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0160 - الهدف من خلق الإنسان - شيب الشعر .


1987-02-27

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثمّ الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ، ولا اعتصامي ، ولا توكّلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارًا برُبوبيَّته ، وإرغامًا لمن جحد به وكفر ، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر ، وما سمعت أذنٌ بِخَبر .
 اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين ، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا ، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه ، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الهدف من خلق الإنسان :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 آيةٌ من الآيات التي توضّح علّة الخلق ، قد يسأل سائلٌ :
 لماذا خلقَنَا الله عز وجل ؟
 لماذا جاء بنا إلى الدّنيا ؟
 وما علّة الخلْق ؟
 وما سبب الخلق ؟
 وما حكمة الخلق ؟
 سؤال كبير إذا عرفْت لماذا خلقْت ، إذا عرفْت الهدف سعيْتَ نحوه ، وتركْتَ ما سواه ، فإذا كان الإنسان ضائعًا حائرًا ، ضالاًّ ، متخبِّطًا ، مُمَزَّقًا ، ضلّ سعيُه ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف الآية : 104]

 ما من حقيقة أولى بأن تعرفها من هذه الحقيقة ، ما من حقيقة في الأرض ، أو ما من حقيقة في الوجود ، أولى من أن تعرفها قبل غيرها من هذه الحقيقة .
 لماذا أنت على ظهر الأرض ؟
 لماذا أنت موجود ؟
 لماذا خلقتْ ؟
 ما علّة خلقك ؟
 وما سبب وُجودك ؟
 وما الهدف من خلقك ؟
 ما الغاية التي ينبغي أن تسعى إليها ؟
 الله سبحانه وتعالى أجاب ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 الجنّ والإنس هما اللّذان قبِلا التبليغ ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 72]

 ركّب الملك من عقلٍ بلا شهوة ، وركّب الحيوان بشهوة دون عقل ، وركّب الإنسان من كليهما ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 72]

 قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 ربّما قال قائلٌ منكم : لماذا قدّم لفظ الجنّ على لفظ الإنس ؟ أجاب عن هذا السّؤال بعض العلماء فقال : لأنّ الجنّ خلقَتْ قبل الإنس ، في آياتٍ أخرى قال تعالى :

﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾

[ سورة الجنّ الآية : 33]

 قدِّمَ الجنّ هناك لأنّه الأقدرُ على النفاذ في أقطار السماوات والأرض ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾

[ سورة الإسراء الآية : 88]

 قدِّمَ الإنس هنا لأنّ الإنس أقدر على الجنّ من صياغة الكلام ، أما الآية الكريمة :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 اللام هنا للتعليل ، ولامُ العلّة ، خلقَ الله سبحانه وتعالى الإنس والجنّ لعلّة العبادة ، يعبدون ، فما تعريف العبادة ؟ مِنْ أدقّ التعريفات للعبادة أنّها طاعةٌ طوعيّة ، لو أنّها طاعة قسريّة لما كانتْ عبادة ، ولو شاء ربّك لهدى الناس جميعًا ، طاعةٌ طوعيّة ، مبنيّة على معرفةٍ يقينيّة ، منتهيّة بِسَعادةٍ أبديّة ، قد يسأل سائلٌ ؛ لماذا ربّنا سبحانه وتعالى لمْ يقل : وما خلقت الإنس والجنّ إلا ليعرفون ؟ أو لماذا لم يقل : وما خلقت الإنس والجنّ إلا ليسعدون ؟ لماذا ليعبدون ؟ بعض العلماء حلّل هذه الآية فقال : العلم ليس هدفًا بذاته ، قيمة العلم ليسَتْ بذاته ، وإنّما لغيره ، قال : p

وعالمٌ بعِلمه لمْ يعملَنْ  معذّب من قبل عبّاد الوثَن

 تعلّموا ما شئتم فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما عملتم ، العلم ليس قيمةً بذاته إنّما قيمتهُ بِتَطبيقه ، مردوده في تطبيقه ، وليس في حفظه ، فلو أنّ الإنسان قرأ فيما لو قال تعالى : وما خلقت الإنس والجنّ إلا ليعرفون ! فعرف ولم يطبّق ، لم يسْعَد ، لابدّ من أن يطبّق ، لذلك :
العبادة طاعةٌ طوعيّة مبنيّة على معرفةٍ يقينيّة ، منتهيّة إلى سعادة أبديّة .
 ذكرَ الله سبحانه وتعالى المرحلة الوسطى ؛ لأنّ الأولى ليْسَت هدفًا بذاتها ، فلو اقتفَينا بها لما سعِدْنا ، وأما الثانيَة فهي مفضيَةٌ حتمًا ، وبالضرورة إلى السعادة ، فذِكْر السعادة لا يعرّفنا بِسَببها ، لو أنّ الهدف هو إسعاد الإنسان من دون أن يوضّح الله له طريق السعادة لما سعِدَ ، إن كنتَ غنِيًّا فاسْعَد ، كيف أكون غنيًّا ؟ فربّنا سبحانه وتعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 فالعبادة طاعةٌ لله ، وانقياد تامّ في كلّ ما أمر ، وانتهاءٌ عن كلّ ما نهى في المنشط والمكْرَه ، والغِنَى ، والفقْر ، وفي الشدّة والرّخاء ، وفي إقبال الدنيا وإدبارها ، وفي الصحّة والمرض ، في الشباب والكهولة ، وفي الشيخوخة هذه هي العبادة ؛ انقيادٌ تامّ ، طاعةٌ طوعيّة مبنيّة على معرفةٍ يقينيّة ، منتهيّة إلى سعادة أبديّة .
 فالعلم أيّها الإخوة الأكارم ؛ ليس هدفًا بذاته ، العلم وسيلة إلى هدفٍ كبير ، وهي أن تطبّقه ، وأن ينقلبَ إلى سُلوك ومواقف ، إلى أعمال ، قال تعالى :

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف الآية : 19]

 قال تعالى :

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾

[ سورة الإسراء الآيات : 78-79]

 مقامك المحمود يأتي من العمل الصالح ، مقامك المحمود يأتي من التهجّد ، ولابدّ من العلم ، طلب العلم فريضة ، طلب الفقه حتْمٌ واجب على كلّ مسلم ولكنْ إيّاك أن تتوهَّم أنّك إذا تعلّمت ولم تعمل بما علمْت فقد نجحْتَ وفُزْتَ ! لابدّ من التطبيق ، العلم ما لم ترافقهُ الخشية فهو حجّة على ابن آدم .
أيها الإخوة الأكارم ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 فالعبادة طاعةٌ طوعيّة مبنيّة على معرفةٍ يقينيّة ، تفكّروا في خلق السماوات والأرض ، وتعلّموا العلم ، واجلسوا في مجالس العلم ، لابدّ من معرفة الله تعالى ، إنّ هذا العلم دين فانظروا عمّن تأخذوا دينكم ، ابن عمر دينك دينك إنّه لحمكَ ودمُك ، خُذْ عن الذين استقاموا ، ولا تأخذ عن الذين مالوا ، قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 فالعبادة إذا صحَّتْ أفْضَت إلى السعادة في الدنيا والآخرة ، قال تعالى :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[ سورة الرحمن الآية : 46]

 قال تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 97]

 وعدًا على الله حقًا ، حياةً طيّبة ، في كلّ مكان وزمان ، وفي كلّ بيئة ، وفي كلّ عصْرٍ ، ومِصْر ، قال تعالى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة النحل الآية : 97]

 إذًا كما قال تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات الآية : 56]

 ثلاث حلقات ؛ الأولى أن تعرفهُ ، والثانية أن تنقادَ لأوامره ، والثالثة أن تسْعَدَ بقُربِهِ .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ هذه الآية من كبريات الآيات التي تتحدّث عن علّة الخلْق ، وما أحْوجَنا إلى أن نتعرّف الهدف الذي من أجله خُلقنا ، ما هو الضلال ؟ أن لا تعرف لماذا خلقْت ! ولماذا أنت على سطح الأرض ؟ وأين كنت ؟ وإلى أين المصير ؟ وما الموت ؟ وماذا بعد الموت ؟ وماذا الأبد ؟ وماذا يعني الأبَد ؟
 أيها الإخوة الأكارم ؛ معرفة الله فرضُ عينٍ على كلّ مسلم ، وليْسَت فرض كفاية لأنّك إن لم تعرفهُ لا تعبدهُ ، وإن لم تعبدهُ شقيتَ في الدّنيا والآخرة .

 

أحاديث شريفة تتحدث عن الاقتصاد :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ النبي عليه الصلاة والسلام يقول في بعض الأحاديث المتعلّقة بالاقتصاد ، قال عليه الصلاة والسلام :

(( من اقتصد أغناه الله ، ومن بذر أفقره الله ، ومن تواضع رفعه الله ، ومن تجبر قصمه الله ))

[أخرجه البزار في مسنده في باب الاقتصاد ]

 قواعدُ أربع : من اقتصَدَ أغناه الله ، ومن بذّر أفقرهُ الله تعالى ، ومن تواضع رفعهُ الله تعالى ، ومن تجبَّر قصمه الله .
 ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط والطبراني في المعجم الصغير ]

 النبي عليه الصلاة والسلام في أمْرٍ نبويّ ، وما ينطق عن الهوى يقول :

(( اخْشَوشِنوا فإنّ النِّعَمَ لا تدوم ))

 اخْشَوشِنوا .

(( وتمعددُوا فإنّ النِّعَمَ لا تدوم ))

(( ما خاب من استخار ، ولا ندم من استشار ، ولا عال من اقتصد ))

 الاستخارة لله سبحانه وتعالى ، والاستشارة لأولي الرأي من المؤمنين ويقول عليه الصلاة والسلام :

(( الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة ، والتودد إلى الناس نصف العقل ، وحسن السؤال نصف العلم ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ]

 أي إذا اقتصَدْت في نفقاتك ربّما انخفض المصروف إلى النّصف ، لكنّ مستوى المعيشة ينخفض عشرةً بالمئة فقط ، أما النفقات فتحبط إلى النّصف فالاقتصاد نصف المعيشة ، والتودّد إلى الناس نصف العقل ، وحُسن السّؤال نصف العلم ، وإيّاكم والتّرف في المال ، والنّفقة ، وعليكم بالاقتصاد فما افتقرَ قومٌ قطّ اقتصَدوا .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذا توجيه من النبي عليه الصلاة والسلام ، وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى .
 سيّدنا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين ، قال عنه أحدهم : كان الترحّم على الخليفة الزاهد عمر بن عبد العزيز تقليدًا بين الناس ، ومن عجيب ما حُكِيَ أنّ رجلاً جاء إلى هشام بن عبد الملك في خلافته ، فقال له : يا أمير المؤمنين إنّ عبد الملك ، أقطعَ جدّي أرضًا ، أي أعطاهُ أرضًا ، فأقرّها الوليد وسليمان ، حتى إذا استُخلف عمر رحمه الله تعالى نزعها منّي ، فقال له هشام : أعِدْ مقالتَكَ ! لم ينتبه ، فأعادها عليه ، قال : يا أمير المؤمنين إنّ عبد الملك ، أقطعَ جدّي أرضًا ، فأقرّها الوليد وسليمان ، حتى إذا استُخلف عمر رحمه الله تعالى نزعها منّي .
 فقال هشام : والله إنّ فيك لعجبًا ، إنّك تذكرُ من أقطَع جدّك الأرض ، ومن أقرّها ، فلا تترحّم عليه ، وتذكر من نزعها منك ، وتترحّم عليك ! وإنّا قد أمضينا صُنع عمر رحمه الله تعالى .
 أي هذا الذين أعطاك الأرض تقول إنّ عبد الملك أقطعَ جدّي أرضًا فلمّا جاء سليمان والوليد أقرّها ، فلمّا استُخلف عمر رحمه الله تعالى نزعها منّي ، الذي أعطاك الأرض لا تذكرهُ بالرحمة ، والذي نزعها منك تذكره بالرّحمة ؟!
 يُروى أنّ هذا الخليفة الذي عدّه المؤرّخون خامس الخلفاء الراشدين ، قالتْ زوجته فاطمة بنت عبد الملك : إنّ عمر رحمه الله تعالى كان قد فرَّغ للمسلمين نفسه ، وفرَّغ لأمورهم ذهنه ، فكان إذا أمسى المساء ، ولم يفْرَغ من حوائج يومه وصلَ يومه بِلَيلته ، إلى أن أمسى المساء ، وقد فرغ من حوائج يومه ، فدعا بِسِراجٍ كان قد اشتراه من ماله ، فأشعلهُ فصلّى ركعتين ثمّ جلسَ واضعًا رأسه على يديه ، تسيلُ دموعه على خدّيْه ، ويشهق الشّهقة يكاد ينصدع قلبه لها ، وتخرجُ له نفسه ، حتى برق الصّبح ، فأصبحَ صائمًا فدَنَوْتُ ، تقول زوجته : فقلتُ : يا أمير المؤمنين ، أليس كان منك ما كان ؟ أنت وقتك كلّه لخدمة الخلق فلم البكاء ؟ ممّ أنت خائف ؟ فقال : أجل ، فعليك بِشَأنك ، وخلِّيني وشأني ، قالتْ : إنّي أرجو أن أتّعظ ، فقال : إذًا أخبرك ، فقال عمر بن عبد العزيز : إنّس نظرتُ فوجدتني قد وُلِّيتُ أمر هذه الأمر ، أسودها وأحمرها ، ثمّ ذكرتُ الفقير الجائع ، والغريب الضائع ، والأسير المقهور ، وذا المال القليل ، والعيال الكثير ، وأشباه ذلك في أقاصي البلاد وأطراف الأرض ، فعلمْتُ أنّ الله سائلي عنهم جميعًا ، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، حجيجي فيهم ، فخِفْت أن لا يقبلَ الله منّي معذرةً فيهم ، وأن لا تقوم لي مع رسول الله صلى الله عليه وسلّم حجة ، فرحِمْتُ نفسي ، والله يا فاطمة ؛ رحمةً دمعَتْ لها عيني ، ووجع لها قلبي ، فأنا كلّما ازددْتُ لها ذكرًا ازددْتُ لهذه الساعة خوفًا فاتَّعِظي إن شئْت أو ذري .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ يجبُ أن يعلم كلّ إنسان ؛ إن كان عنده أولاد ، يجبُ أن يعلم الأب أنّ الله سبحانه وتعالى سيُحاسبُه عنهم جميعًا ، ويجبُ أن تعلم الزوجة أنّ الله سيُحاسبها عن زوجها ، ويجبُ أن يعلم كلّ إنسانٍ أمّنه الله على إنسان آخر أنّ الله سبحانه وتعالى سيُحاسبهُ عليه ، فمن حاسبَ نفسهُ حسابًا عسيرًا كان حسابه يسيرًا يوم القيامة .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطّى غيرنا إلينا فلْنَتَّخِذ حذرنا ، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين ، وأشهد أنّ سيّدنا محمَّدًا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين .

شيب الشعر :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ من المعلومات التي تعرفونها عن خلق الإنسان أنّ في رأس كلّ إنسان من مئة ألف إلى مئتي وخمسين ألفًا من الأشعار ، وأنّ الشعرة الواحدة يزيدُ عمرها عن ثلاث سنوات ، وأنّ الإنسان يحتاج إلى أن يجدّد شعرهُ بأكمله إلى مئتي يوم ، وفي الإنسان مصانع للشّعر بعدد ما في جسمه من الشّعر ، كلّ شعرةٍ لها مصنَع ، تنتج هذه الشّعرة وتنمو إلى أن تبلغ أشدّها ، ثمّ تهرم فتموت ، ينقصُ أو يزيد عمر الشعرة عن ثلاثة سنوات .
 ولكلّ شعرةٍ من هذه الشّعرة ، المئتين والخمسين ألفًا وريدٌ ، وشريانٌ للتغذية ، وعضلةٌ للتحريك ، تعملُ هذه العضلة أثناء البرد ، ولكلّ شعرةٍ من هذه الأشعار عصَبٌ يحرّك الشّعرة أي العضلة كي تنتصبَ الشّعرة ، ولكلّ شعرة غدّة دهنيّة ، وغدّة صبغيّة ، ولا يعلمُ الباحثون حتى هذه الأيّام لماذا يبيضّ الشّعر ؟! لكنّ بعضهم يقول : إنّ ابْيِضاض الشّعر منشؤُه عصبي ، أحدَثُ بحوث الشَّيْب ، أنّ ابيِضاض الشّعر منشؤُه عصَبي ، فالكريات البيض تتسلّل إلى الشّعرة فتأكل صبْغها الأسْود ، والشّيء القاطع أنّ الشّيب كما يقول العلماء : آفة جلديّة ذات منشأ عصبيّ انفعالي ، والقرآن الكريم ذكر هذه الحقيقة قبل ألفٍ وخمس مئة عام ، قال تعالى :

﴿ فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً ﴾

[ سورة المزمّل الآية : 17 ]

 فالشّيب منشؤُه خوفٌ انفعالي ، وقال عليه الصّلاة والسلام :

(( شيّبتني هود وأخواتها ))

[ أخرجه الدارقطني ]

 هل تظنّون أنّ الذي شيّبهُ قبيلة هود ؟ لا ، شيّبتْهُ سورة هود ، لآيةٍ واحدةٍ فيها ، وهي قوله تعالى :

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة هود الآية : 112]

 ومع تقدّم العمر يُصابُ كلّ إنسانٍ بالإرهاق العصبي ، وبِدَرجاتٍ متفاوتةٍ من الشّيب ، قال تعالى :

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾

[ سورة الروم الآية : 54]

 فالشّيب يلازم التقدّم في السنّ ، والإمام القرطبي يفسّر النذير بأنّه الشَّيْب وهو لفتُ نظرٍ لطيف من الله عز وجل ، أنْ يا عبدي اقتربَ اللّقاء فماذا أعْددْت له ؟! عبدي ضعُف بصرك ، وشاب شعرك ، وانحنى ظهرك فاسْتحِ منّي فأنا أستحي منك ، يا عبدي لقد قرُب اللّقاء فماذا أعددْت له .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ سؤال دقيق يؤكّد حكمة الله سبحانه وتعالى ، لماذا يطول شعر الرأس ، ولا يطول شعر الحاجبين والجفنَين ؟! لماذا تنبُت الأشعار داخل الأنف ولا تنبت داخل الفم ؟! لماذا تنبُت الأشعار في ظاهر الكف ولا تنبت في باطنها ؟! كيف نعصي الإله ، أو كيف يجحده الجاحد وفي كلّ شيءٍ له آيةٌ تدلّ على أنّه واحد .
 شعركَ آيةٌ ؛ فكِّرْ في هذه الآية ، توصّل منها إلى الله سبحانه وتعالى ، ترى أنّ لهذا الإنسان خالقًا عظيمًا ، وصانعًا حكيمًا أتْقن صنعته ، والذي أتقن كلّ شيءٍ خلقه ، قال تعالى :

﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾

[ سورة الطور الآية : 35]

الدعاء :

 اللهمّ اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيْت ، وتولَّنا فيمن تولّيْت ، وبارك اللّهم لنا فيما أعْطيت ، وقنا واصْرف عنَّا شرّ ما قضَيْت فإنَّك تقضي ولا يُقضى عليك ، إنَّه لا يذلّ من واليْت ، ولا يعزّ من عادَيْت ، تباركْت ربّنا وتعاليْت ، ولك الحمد على ما قضيْت نستغفرك اللهمّ ونتوب إليك ، اللهمّ هب لنا عملاً صالحًا يقرّبنا إليك ، اللهمّ أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنّا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا ، وأرضنا وارضَ عنَّا ، وأصْلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا ، وأصْلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصْلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا ، واجْعل الحياة زادًا لنا من كلّ خير ، واجعل الموت راحةً لنا من كلّ شرّ ، مولانا ربّ العالمين ، اللهمّ اكفنا بحلالك عن حرامك ، وبطاعتك عن معصيتك ، وبفضلك عمَّن سواك ، اللهمّ لا تؤمنَّا مكرك ، ولا تهتِك عنَّا سترَك ، ولا تنسنا ذكرك ، يا رب العالمين ، اللهمّ إنَّا نعوذ بك من عُضال الداء ومن شماتة العداء ، ومن السَّلْب بعد العطاء ، يا أكرم الأكرمين ، نعوذ بك من الخوف إلا منك ، ومن الذلّ إلا لك ، ومن الفقر إلا إليك ، اللهمّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحقّ والدِّين وانصر الإسلام وأعزّ المسلمين ، وخُذ بيَدِ وُلاتهم إلى ما تحبّ وترضى إنَّه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018