الخطبة : 0159 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إذا أراد الله بعبد خيرا - آفة العلم. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0159 - أحاديث نبوية تبدأ بـ إذا أراد الله بعبد خيرا - آفة العلم.


1987-02-20

الخطبة الأولى :

 الحمد لله ثم الحمد لله ، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقراراً بربوبيته ، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر ، أو سمعت أذنٌ بخبر ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ، ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير ، إنك على كل شيء قدير ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

أحاديث نبوية تبدأ بـ إذا أراد الله بعبد خيرا .....

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ طائفة كثيرة من الأحاديث الشريفة التي تبدأ بقوله عليه الصلاة والسلام إذا أراد الله بعبدٍ خيراً ، قبل أن نقرأ الأحاديث ، وقبل أن نقف عندها واحداً واحداً ، وقبل أن نتعرف مضمونها ، إن كان العبد صادقاً ، إن كان العبد مخلصاً ، إن كان العبد محباً ، إن كان العبد مؤمناً حقاً ، فلا بد من أن تنطبق عليه أحد هذه الأحاديث الشريفة ، فالله سبحانه وتعالى هكذا قال عن النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم الآيات : 3 ـ 4 ]

1- فقه في الدين

 يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ))

[ البزار عن ابن مسعود‏ رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 ومعنى فقهه ؛ أي علمه أسرار التشريع ، إذا عرف أحكام الشرع لا يسمى فقيهاً .
 إذا عرفت أركان الصلاة وشروطها وسننها ومكروهاتها إذا عرفتها فقط لست فقيهاً ، ولكنك إذا عرفت لكل فرضٍ حكمته ، ولكل سنةٍ غايتها ، فأنت فقيه .
 إذا عرفت حكمة الصلاة ، والهدف الذي من أجله شرعت الصلاة .
 إذا عرفت حكمة الصوم ، والهدف الذي من أجله شرع الصوم .
 إذا عرفت حكمة الزكاة .
  إذا عرفت حكمة غض البصر .
 إذا عرفت مضار الربا .
 إذا عرفت مضار الكذب .
 إذا عرفت لكل أمر ولكل نهي حكمته وغايته ومحاذير تركه فأنت فقيه .

((إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا فَقَّهَهُ فِي الدِّينِ ))

2- زهده في الدنيا وبصره بعيوبه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا زهده في الدنيا ، ورغبه في الآخرة ، وبصره بعيوب نفسه ))

[ رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس دون قوله ورغبه في الآخرة وزاد فقهه في الدين وإسناده ضعيف ]

 هذا الذي يغفل عن عيوبه ، ويبحث عن عيوب الناس ليس مؤمناً .

(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))

[ أخرجه الديلمي في مسن الفردوس عن أنس تصحيح السيوطي: حسن‏ ]

 هذا الذي يرى الشوكة في عين الآخرين ولا يرى الجزع في عينه ليس مؤمناً .

(( إذا أراد الله بعبد خيراً زهده في الدنيا وبصره بعيوبه ))

[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس عن محمد بن كعب القرظي]

 لذلك ترى المؤمن الصادق مشتغل بعيوبه ، كي يطهرها ، وترى المنافق مشتغلاً بعيوب غيره ، يبحث عنها ، ويذكرها ، وينقلها للآخرين ، ويكبرها ويسخر منها .
 علامة المؤمن الصادق ، الاشتغال بعيوب نفسه .
 علامة المنافق الاشتغال بعيوب الآخرين .
 علامة المؤمن الصادق أنه زاهد في الدنيا .
 علامة المنافق أنه راغب فيها .
 علامة المؤمن الصادق أنه فقيه في الدين .

(( ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه ))

[ قال الحافظ بن حجر ليس بثابت ولكن معناه صحيح]

 وعلامة المنافق أنه لا يعرف لمَ أمر هذا الأمر ، ولمَ نهي عن هذا النهي ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام :

(( كالناقة ربطها أهلها ، فلا تدر لمَ عُقلت ، ولا لمَ أطلقت ))

 لا يدري لمَ صام ، ولا لمَ أفطر ، لا يدري لمَ يصلي ، إن كان يصلي صلاة جوفاء ، لا يدري لمَ يصلي .

((‏ إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ، وزهده في الدنيا ، وبصره عيوبه ))

[ رواه البيقهي عن أنس عن محمد بن كعب القرظي مرسلا تصحيح السيوطي: ضعيف‏ ]

3- جعل له واعظاً من نفسه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه : يأمره وينهاه ))

[أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن أم سلمة]

 علامة المؤمن الصادق أن فيه ضميراً حياً ، يأمره بالخير وينهاه عن الشر ، كثيراً ما تسمع صديق لك يقول : قلت في نفسي لا تفعل هذا الأمر ، قلت في نفسي ساعد هذا الضعيف ، إن كان في نفسك ما يأمرك بالخير وينهاك عن الشر فأنت مؤمنٌ حقاً ورب الكعبة ، وإن كنت لا ترتاح إلا إذا أوقعت بالناس الأذى ، وإذا دعيت إلى معروف أحجمت ، وتململت واعتذرت ، وانسحبت ، فهذه علامة النفاق ورب الكعبة .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل له واعظا من نفسه : يأمره وينهاه ))

 لو أنه فعل هذا الأمر ولا أحد يحاسبه عليه ، لا ترتاح نفسه ، لا يغمض له جفن ، لا يقر له قرار ، هذه علامة المؤمن ، لا يرتاح إلا إذا فعل الخير ، يقلق إذا كان سبب في إيقاع الأذى على أي إنسان ما .

 

4- طهره قبل موته

(( إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته‏ ))

[ رواه الطبراني عن أبي أمامة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ‏تصحيح السيوطي: ضعيف‏ ] 

(( إذا أراد الله بعبد خيرا طهره قبل موته‏ ))

 هذه علامة طيبة ، وعلامة محبة الله لهذا العبد .

 

5- صير حوائج الناس إليه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا صير حوائج الناس إليه ))

[ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 طبعاً قد يصير الله حوائج الناس إليك فلا تلبيها ، لقد امتحنك ورسبت في الامتحان ، وإذا صير الله حوائج الناس إليك ولبيتها فتلك نعمة كبرى أنعمها الله عليك ، أي جعل حوائج الناس عندك ، طرقوا بابك ليلاً ونهاراً ، وضعوك في مواقف لا بد من أن تساعدهم ، واستجبت لهم حكموك في قضايا ، سألوك عن مسائل ، استعانوا بجاهك إن كنت ذا جاه استعانوا بمالك إن كنت ذا مال ، استعانوا بخبرتك إن كنت ذا خبرة ، استعانوا بإمكاناتك إن كانت لك إمكانات .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا صير حوائج الناس إليه ))

 فإذا صير الله حوائج الناس إلى لئيم كشفه للناس ، وامتحنه وابتلاه فلم ينجح ، فإذا صير الله حوائج الناس إلى رحيم ، إلى كريم كانت نعمة صابغة عليه أنعمها الله .

 

6- عاتبه في منامه

 أيها الإخوة المؤمنون :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه ))

[ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن أنس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 يعني إذا هممت بسيئة ، واضطجعت في فراشك ، ورأيت مناماً مزعجاً ، رأيت أنك نقلت من بلدك إلى بلد ناء ، رأيت أن أحد أولادك قد توفي ، رأيت أن ضائقة ألمت بك ، أن مرضاً عضالاً أصابك ، إذا رأيت هذا في المنام ، فهذه معاتبة الرحمن لك ، يعني إياك أن تسير في هذا الطريق ، فإذا سرت في هذه الطريق ، فسوف يصيبك ما رأيت ، وإذا تبت وارتجعت وابتعت هذا الذي رأيت لن يصيبك ، إنما كان تحذيراً ، وإنذاراً ، ووعيداً .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا عاتبه في منامه ))

 هذه علامة الإيمان ، إن يعاتبك الله في المنام ، وإن يصير حوائج الناس إليك ، وإن يطهرك قبل موتك ، وإن يجعل لك واعظاً من نفسك ، يأمرك وينهاك ، وأن يفقهك في الدين ، ويزهدك في الدنيا ، ويبصرك في عيوب نفسك .

 

7- عجل له العقوبة في الدنيا

((‏ إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا‏ ))

[أخرجه الترمذي]

 لمجرد أن تفعل خطيئة يأتي العقاب ، والعقاب منوع ، قلق ، هم ، حزن ، فقر ، مرض ، وضع صعب ، حيرة ، ضيق نفسي ، هوان نفسي إذا عجل الله للإنسان العقوبة في الدنيا فهذه بشارة طيبة ، على أن الله يحبه .

(( إذا أحب الله عبدا ابتلاه ، فإن صبر اجتباه ، فإن رضي اصطفاه ))

[ ذكره صاحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب ولم يخرجه ولده في مسنده ]

(( إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا‏ ))

(( ‏إذا أراد بعبد شرا أمسك عليه بذنبه ، حتى يوافيه يوم القيامة‏ ))

[ رواه الحاكم عن ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 يعني تركه يفعل ما يشاء ، جعله هملاً ، لا حساب عليه ، يظن المراقب أن هذا لا يحاسب ، ولكن حسابه عسير يوم القيامة .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ، وألهمه رشده ))

[ رواه البزار عن ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ، تصحيح السيوطي : حسن‏ ]

 يعني في كل موقف ، إما أن تقف موقفاً صحيحاً ، وإما أن تقف موقفاً غير صحيح ، إما أن تسلك سلوك قويماً ، وإما أن تسلك سلوك طائشاً ، إما أن تكون حكيماً ، أو غير حكيم ، إما أن تكون صائباً ، أو غير صائب إما أن تفعل شيئاً يرضى الناس عنك ، وإما أن تفعل شيئاً يغضب الناس ، هذه المواقف السليمة ، هذه المواقف الحكيمة ، هذه المسارات الصحيحة ، هذه الرؤية الصحيحة ، من أين تأتي بها ؟ إذا كنت مؤمناً حقاً ، ألهمك الله رشدك ، تصرفاتك صحيحة ، في علاقاتك بزوجتك ، في علاقاتك بأولادك ، في علاقاتك بجيرانك ، في علاقتك بمن حولك ، العلاقات تغدو صحيحة إذا كنت مؤمناً ، لأن الله هو الملهم ، أنت حينما أطعته ، واستسلمت لأمره ألهمك رشدك ، وسدد خطاك ، وأنطقك بالحق ، وجعل لك واعظا من نفسك .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين ، وألهمه رشده ))

8- فتح له قفل قلبه

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه‏ ))

[ رواه ابن حبان عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 هناك قلوب مقفلة ، مهما حدثتها عن الله ، مهما حدثتها عن الدار الآخرة ، مهما ذكرت لها من آيات الله العظيمة ، مهما ذكرت لها من عقابات اللئيمة ، مهما ذكرت لها ما في عنانه من متع ومن سعادة قلبه مقفل كالصخر لا يشرب الماء ، ينساب الماء حوله ولا يشربه ، والمؤمن كالأرض العطشى ، إذا أصابه ماء قبله ، لذلك : ‏

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا فتح له قفل قلبه ، وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه ، وجعل قلبه سليما ، ولسانه صادقا ، وخليقته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة ، وعينه بصيرة‏ ))

[ رواه ابن حبان عن أبي ذر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 الأذن تسمع ، يسمع الآية فيعقلها ، يسمع الحديث الشريف فيعجب به ، ويطبقه ، يسمع قول العلماء مما يوافق كتاب الله ، وسنة رسوله فيأخذه مأخذ الجد ، يسمع عن آيات الله فتنهمر دموعه ، يقرأ القرآن فيقشعر جلده ، هذا إذا كان مؤمناً حقاً ، جعل أذنه سميعة ، وعينه بصيرة يرى ما لا يراه الآخرون ، يرى الشمس فيرى من خلالها الله عز وجل يرى القمر ، فيرى من خلاله عظمة الله عز وجل ، يرى ابنه فيرى صنع الله الذي أتقن كل شيء ، يرى النبات فيرى نعمة الله المتمثلة فيه ، يرى الحيوان ، فيرى ما به من علم وحكمة ، يرى الجبال ، الأنهار ، يرى ما لا يراه الناس ، يرى إنساناً ألمت به ملمة ، ويعرف أن له دخلاً حراماً فيقول هذه النتيجة بتلك المقدمة ، هذه رؤية يراها المؤمن وحده ، يرى إنساناً مكرماً في الدنيا ، فيقول هذا كان مستقيماً ، وهذه ثمن استقامته ، لذلك جعل عينه بصيرة ، وأذنه سميعة ، وجعل قلبه سليما ، وجعل لسانه صادقا ، وخليقته مستقيمة ، فتح قفل قلبه ، جعل فيه اليقين ، بحقائق الكون ، اليقين بما في القرآن الكريم ، اليقين بحديث رسول الله ، اليقين بوعد الله ووعيده ، قلبه مفعم باليقين ، وجعل فيه اليقين والصدق ، وجعل قلبه واعيا لما سلك فيه ، وجعل قلبه سليما ، ولسانه صادقا ، وخليقته مستقيمة ، وجعل أذنه سميعة ، وعينه بصيرة‏ .

 

9- جعل غناه في نفسه

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه ))

[ رواه الحكيم والديلمي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 غني ، لا يعرف طعم الغنى إلا المؤمن ، ليس الغنى عن كثرة العرض ، المال يعني ، ولكن الغنى غنى النفس .
 إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله .
 وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقي الله .
 وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه ، وتقاه في قلبه ، وإذا أراد الله بعبد شرا جعل فقره بين عينيه ))

[ رواه الحكيم والديلمي عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ]

 أنت من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها .

 

10- جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ

((‏ إذا أراد الله بعبد خيرا جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ ))

[ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تصحيح السيوطي : ضعيف‏ ]

 يعني أعمالك الطيبة يلهمك الله عز وجل أن تفعلها مع أناس يستحقونها ، وتراهم يحفظون لك هذه الأعمال ، ويشكرونها لك ، ويثنون على عملك الطيب ، وإذا كان في القلب نفاق وجهه الله إلى أهل غير الحفاظ ، تفعل معهم الأعمال الطيبة فيكافئونك عليها بأعمال سيئة .
 اللهم إن أعوذ بك من جار سوء ، إن رأى شراً أذاعه ، وإن رأى خيرا كتمه .
 اللهم إن أعوذ بك من زوجة سوء ، إن غبت عنها خانتك ، وإن حضرت معها لثمتك .
 اللهم إن أعوذ من إمام سوء ، هكذا قال عليه الصلاة والسلام ، إن أحسنت لم يقبل ، وإن أسأت لم يغفر .

(( إذا أراد الله بعبد خيرا جعل صنائعه ومعروفه في أهل الحفاظ وإذا أراد الله بعبد شرا جعل صنائعه ومعروفه في غير أهل الحفاظ ))

[ رواه الديلمي في مسند الفردوس عن جابر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ تصحيح السيوطي : ضعيف‏ ]

11- يفتح له عملاً صالحاً قبل موته

 ويا أيها الإخوة المؤمنون :

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا عسله ، قيل : وما عسله ؟ قال : يفتح له عملا صالحا قبل موته ، ثم يقبضه عليه ))

[ رواه أحمد في مسنده والطبراني عن أبي عنبة ، تصحيح السيوطي : حسن‏ ]

 يقبضه وهو في طاعة ، وهو في دعوة ، وهو في منسك ، وهو في الحج ، وهو في العمرة ، وهو يصلي ، وهو يقرأ القرآن ، يقبضه بأحسن أعماله .

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ))

[ رواه أحمد والحاكم عن عمرو بن الحمق تصحيح السيوطي : صحيح‏ ]

 معنى استعمله كقوله تعالى :

 

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

 

[ سورة طه الآية : 41 ]

 يعني أنت وعملك وإمكاناتك وطاقاتك ومالك موظف لخدمة عباد الله ، وأجرك على الله .

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ﴾

 

[ سورة التوبة الآية : 111 ]

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله ، قيل : وما استعماله ؟ قال : يفتح له عملا صالحا بين يدي موته ، حتى يرضى عنه من حوله ))

[ رواه أحمد والحاكم عن عمرو بن الحمق تصحيح السيوطي : صحيح‏ ]

 يعني مصدر رخاء للناس ، مصدر أمن وطمأنينة ، مصدر علمٍ مصدر سعادة ، يسعد من حوله بدعوته ، يسعد من حوله بمعروفه ، يسعد من حوله بنصائحه ، يسعد من حوله بأخلاقه الطيبة ، بمروءته ، بسماحته بكرمه ، ببشاشته ، مصدر سعادة للآخرين .

(( ‏إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله قيل : وما استعماله ؟ قال : يفتح له عملا صالحا بين يدي موته ، حتى يرضى عنه من حوله ))

 فهذه الأحاديث التي كلها تبدأ بقوله عليه الصلاة والسلام :

(( إذا أراد الله بعبد خيرا .......... ))

 لا بد من أن تنطبق على المؤمن ، ولا بد من أن ينطبق بعضها على المؤمن ، ولا بد من أن ينطبق أحدها على المؤمن ، فإن لم ينطبق على المؤمن ولا واحدة من هذه الأحاديث ، فهذه علامة النفاق .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا ، وسيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

آفات النفس البشرية :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ما أعظم أن يكون الإنسان حليماً ، وأن يكون عالماً ، وأن يكون عابد ، وأن يكون شجاعاً ، وأن يكون جواداً ، وأن يكون سموحاً ، وأن يكون حسبياً ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام نبهنا إلى أن كل خصلة من هذه الخصال الحميدة ، التي يرمقها الناس بملء عيونهم ، هذه الخصال الحميدة ، قد تصيبها آفات تذهب رونقها ، وتهلكها ، وتمحقها ، فقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( آفة العلم النسيان ))

[ رواه الطبراني عن علي كرم الله وجهه ]

 إذا حضرت مجلس علم ، إذا حضرت خطبة ، وقيل في الخطبة أحاديث رائعة ، وآيات محكمات ، واستنبط الخطيب من هذه الآيات أحكاماً دقيقة ، ومعان عميقة ، وأعجبت بها ، فلما خرجت من المسجد لم يبق في ذهنك شيء ، فلما سئلت عن الخطبة ، أو عن الدرس قلت والله خطبة عظيمة ، ما وجه عظمتها والله لا أذكر ، فهذه آفة كبيرة تصيب المتعلمين النسيان ، لذلك :

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

 

[ سورة الأحزاب الآية : 41 ]

 تدارسوا العلم ، احفظوا العلم ، ليسأل بعضكم بعضا ، ما الأحاديث التي رويت في الخطبة ، أين مصدرها ، كيف سأحفظها ، كيف أنتفع بها كيف أعلمها الناس .

(( آفة العلم النسيان ، وآفة العبادة الفترة ))

 يعني تعبد الله عز وجل في بتكاسل ، تقوم إلى الصلاة كسولاً تذهب إلى الحج مستطلعاً ، سائحاً ، وتعود محملاً بالبضائع ، تصوم ونفسك تشتهي ساعة الإفطار ، وتحضر من الطعام ما لذا وطاب ، إذا فعلت هذه العبادات بفتور فهذه آفة كبرى .

(( آفة العبادة الفترة ، وآفة الشجاعة البغي ))

 إذا وهبك الله شجاعة ، وإقداماً ، وقوة ، وزادك بسطاً في العلم والجسم ، إياك أن تبغي على أحد ، إياك أن تطغى ، إياك أن تتجاوز حدك فإذا بغيت فالبغي آفة الشجاعة ، ولا قيمة للشجاعة عند الله ، لأن البغي أتلفها ، والبغي أذهب رونقها ، والبغي حطمها ، وفرغها من مضمونها .

(( وآفة الجود السرف‏ ))

 إذا وهبك الله خلق الجود ، الكرم ، فإياك أن تكون مسرفاً .

 

﴿ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ﴾

 

[ سورة الإسراء الآية : 27 ]

(( وآفة السماحة المن ))

 إذا كنت سموحاً ، وأعطيت من مالك ، ومن حين إلى آخر تقول للذي أعطيته المال لي فضل عليك لا تنسى هذا الفضل ، لقد فعلت معك كذا وكذا ، هذا الكلام أذهب هذه ...... الراقية ، أذهب قيمة السماحة .

(( وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ))

 إن وهبك الله شكلاً حسناً ، ووجهاً قسيماً ، وملامح محببة ، وخطوط مألوفة ، إن كنت كذلك فإياك أن تختال على عباد الله ، لا تمشي في الأرض مرحا ، لا تتيه بهذا الجمال على عباد الله ، فمن فعل ذلك ربما فقده .
 دعيت امرأة أن تطيع الله ورسوله في لباسها ، لم تستجب ، قالت عندي جمال لا بد من أن يظهر ، لم تمضِ إلا أيام حتى احترقت ، وتشوه كل هذا الجمال .

(( آفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ))

 إن كنت من أسرة عريقة ، مشهود لها بالفضل والحسب ، إياك أن تفتخر ، لا تقل أنا ابن فلان .

لا تقل أصلي وفصلي أبداً   إنما أصل الفتى ما قد حصل

(( وآفة الحلم السفه ))

 يعني حليم حليم إلى درجة أن الناس يستهينوا بك ، ولا يقيمون لك وزناً ، هذه آفة ، لست بالخب ولا الخب يخدعني ، هكذا قال عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ‏ ، يقول الإمام الشافعي : لا تكبر علي بتكبر مرتين ، لا أسمح له بذلك ، التكبر على المتكبر صدقة .
 صحابي جليل ركب فرسه بين يدي المعركة واختال بها ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله ليكره هذه المشية إلا في هذا الموضع ، آفة الحلم السفه ، يعني لا تحاسب أحد إطلاقاً ، سيدنا عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ مر في الطريق ، فرأى رجل قاعداً لم يأب له ، استعلاه بالدرة قال ويحك ، ألا تهاب فرسان الله ، آفة الحلم السفه ، خاف الناس شدته ، فقيل له يا أمير المؤمنين ، إن الناس هابوك ، فبكى ، وقال والله يا أبا ذر ، في قلبي من الرحمة ما لو علموها لأخذوا عباءتي هذه ، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا ما ترى ، ما رأيت أزهد من عمر ، هكذا قالت السيدة عائشة ، كان إذا سار أسرع ، وإذا أطعم أشبع ، وإذا قال أسمع ، وإذا ضرب أوجع ، آفة الحلم السفه ، وآفة العلم النسيان ، وآفة العبادة الفترة ، وآفة الشجاعة البغي ، وآفة الجود السرف‏ ، وآفة السماحة المن ، وآفة الجمال الخيلاء ، وآفة الحسب الفخر ، وآفة الظرف الصلف ، إن كنت ظريفاً متكلماً ، متحذلقاً ، تحفظ أشياء كثيرة ، إياك أن تكون صلفاً متعجرفاً متغطرساً ، النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أثنى على الظرف والحلم والعلم والعبادة والشجاعة والجود والسماحة والجمال والحسب ، ولكن لكل خصلة من هذه الخصال آفة تمقحها ، وتذهبها ، وتعدم فضلها .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت وتولَنا فيمن تولَيت وبارك اللهم لنا فيمن أعطيت ، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت ، ولك الحمد على ما قضيت نستغفرك ونتوب إليك اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، وأكرمنا ولا تهنا ، وآثرنا ولا تؤثر علينا وأرضنا وارض عنا ، اللهم أغننا بالعلم ، وزينا بالحلم ، وأكرمنا بالتقوى وجملنا بالعافية ، وطهر قلوبنا من النفاق مولانا رب العالمين ، اللهم اسقينا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ، اللهم أغفر ذنوبنا واستر عيوبنا ، واقبل توبتنا ، وفك أسرنا ، وأحسن خلاصنا ، وبلغنا مما يرضيك آمالنا ، واختم بالصالحات أعمالنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018