الخطبة : 0155 - شرح كلمة النذير - إحصائية مرض السرطان . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0155 - شرح كلمة النذير - إحصائية مرض السرطان .


1987-01-23

الخطبة الأولى :

 الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدي لو لا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي و لا توكلي إلا على الله، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا بربوبيته و إرغاما لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه و سلم سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهمّ صلِّ و سلم و بارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه و من تبعه إلى يوم الدين، اللهم ارحمنا، فإنك بنا راحم، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر، والطف بنا فيما حرت به المقادير إنك على كل شيء قدير.

مشهد من مشاهد يوم القيامة :

 أيها الأخوة المؤمنون، في سورة فاطر، بل في أواخر سورة فاطر مشهد من مشاهد يوم القيامة، ساقه الله لنا قبل أن يقع رحمةً بنا، كأن تطلع رجلا مدمنا على التدخين على شريط فيه صور لعملية جراحية فيها استئصال لمرض خبيث في الرئة بسبب التدخين، إطلاع هذا المدخن على هذا الشريط الملوَّن المرعِب طريقة من طرق الردع، فالله سبحانه و تعالى يسوق لنا في كتابه الكريم مشهدًا من مشاهد يوم القيامة، يسوقه لنا من باب تحقق الوقوع، قبل أن يقع، و نحن في الدنيا و نحن أحياء، ولأبواب التوبة مفتوحة، و الأمل كبير، و العودة إلى الله عز وجل سهلة يسيرة، إذا رجع العبد إلى الله عز وجل منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلانا فقد اصطلح مع الله:

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ))

[ الترمذي عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

التوبة يجب أن تكون في الوقت المناسب :

 ما دامت التوبة في الوقت المناسب، ما دامت التوبة قبل فوات الأوان، لله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، و العقيم الوالد و الظمآن الوارد، و إذا قال العبد: يا رب وهو راكع، قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، و إذا قال العبد: يا رب وهو ساجد، قال الله عز وجل: لبيك يا عبدي، و إذا قال العبد: يا رب وهو عاصٍ، قال الله عز وجل: لبيك لبيك لبيك، باب التوبة مفتوح، قال تعالى:

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ* وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾

[ سورة الزمر : 53-54 ]

كيف تلفح النار وجوه أهلها ؟

 ما هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة الذي ساقه الله لنا؟ قال الله عز وجل في أواخر سورة فاطر:

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾

[سورة فاطر: 36]

 مبدأ ثابت، قال تعالى:

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 فيجيبهم الحق جل وعلى: "

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 المشهد هو أن أهل النار وهو في النار، و النار تلفح وجوههم، والنار تنضج جلودهم، قال تعالى:

﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا ﴾

[سورة الإسراء: 97]

 وقال تعالى:

﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾

[سورة النساء: 56]

 قال تعالى:

﴿ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا ﴾

[سورة فاطر: 37]

 ينادي بعضهم، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا ﴾

[سورة فاطر: 37]

 منها، أخرجنا من النار:

﴿ نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

الحكمة من عدم إعادة العاصي إلى الدنيا ليتوب :

 قد يسأل سائل: الله سبحانه و تعالى رحيم بعباده، و ما دام هؤلاء قد عاهدوه أنه إذا عادوا إلى الدنيا يعملون صالحا، فلماذا لا يعيدهم الله إلى الدنيا فيتوبوا و يعملوا صالحا و ينتهي الأمر؟ القرآن أيها الأخوة يفسِّر بعضه بعضًا، ربنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 28]

 قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 فيجيبهم الحق جل و علا:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 أي أو لم نعمركم عمرا مديدا كافيا للذكرى، قال تعالى:

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 37]

من معاني النذير:

 أودُّ في هذه الخطبة أن أشرح من هذه الآيات، بل من هذا المشهد كلمةً واحدة، وهي كلمة "النذير" ربنا سبحانه و تعالى يقول:

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 وها نحن في الأرض، أين النذير؟ حينما يدخل أهل النار النارَ يخاطبهم الحقُّ جلو علا:

﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

1 ـ النذير هو القرآن الكريم :

 فما النذير الذي جاءنا؟ أين هو النذير؟ العلماء، علماء التفسير حينما فسّروا كلمة" النذير " فسروه في مذاهب شتى فبعضهم قال: النذير هو القرآن الكريم، كتاب واضح، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، كتاب لا ريب فيه، من تمسك به لن يضل، قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

 النذير هو القرآن الكريم، أو الكتب السماوية للناس، حيث أن لكل أمة كتابا من الله عز وجل فيه منهج له يسيرون عليه، نحن المسلمين و الناس كافة مدعوون إلى الإيمان بكتاب الله سبحانه و تعالى، القرآن فيه توضيحات، فيه تصريحات، فيه تبيان، فيه تصوير لمشاهد يوم القيامة، فيه أوامر، فيه نواهٍ، فيه زجر، فيه عبر، فيه أخبار، فيه قصص، القرآن الكريم هو النذير، فكلما اطّلعت على كتاب الله في بيتك، قل: هذا هو النذير، لو أنني لم أطبقه و كنت يوم القيامة أصرخ مع من يصرخ، فيقال لي:

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 هذا هو النذير، اقرؤوا القرآن.

2 ـ النذير هو الرسول :

 وقال بعضهم: النذير هو الرسول، أو كل من ينوب منابه في تبليغ الناس الحق، هذا هو النذير، الأنبياء و الرسل و العلماء، هؤلاء ينذرون الناس مغبّة أعمالهم ـ مغبة انحرافهم، نتائج ضلالهم، نتائج معاصيهم، نتائج زيغهم، فالنذير هو القرآن الكريم، والنذر هو الرسول عليه الصلاة و السلام، و من ينوب منابه في تبليغ الناس الحق.

3 ـ النذير هو الشيب :

 وقال بعضهم: النذير هو الشيب، الشيب هو النذير، عبدي كبرت سنُّك، و شاب شعرك، و ضعف بصرك و انحنى ظهرك، فاستحِ مني فأنا أستحي منك.

***
إلى متى أنت باللذات مشغولُ  وأنت عن كل ما قدَّمت مسؤولُ
***
إلى أنت بالمعاصي تسـير  مرخى لك العنــــانُ
عندي لك الصلح وهو بري  وعندك السيف والسنـانُ
ترضى بأن تنقضي الليالي   وما انقضت حربُك العوانُ
فاستحِ من شيبةٍ تــراها   فيالنار مسجونةً تُـهانُ
***

 المعنى الثالث؛ هو الشيب، لحكمة بالغة جعل الله الشيب منبِّها لطيفا للإنسان، يال عبدي قد اقترب اللقاء، أيام الشباب ذهبت، وأيام النضج ذهبت، وها أنت قد مِلت إلى الشيب، والشيبُ يعني دنوّ الأجل، اقتراب اللقاء، فماذا أعددت للقاء، ما العمل الصالح الذي ادّخرته لهذه الساعة، هل أنت مقيم على المعاصي و الشيب في رأسك، أحب ثلاثا، و حبي لثلاث أشد، أحب الطائعين و حبي للشاب الطائع أشد، و أحب الكرماء، و حبي للفقير الكريم أشد، و أحب المتواضعين ؛ وحبي للغني المتواضع أشد، و أبغض ثلاثا، و بغض لثلاث أشد أبغض العصاة و بغضي للشيخ العاصي اشد، و ابغض المتكبرين،و بغضي للفقير المتكبر أشد، أبغض البخلاء، و بغضي للغني البخيل أشد، الشيب هو النذير، اقترب وقت الرحيل، لم يبق من الدنيا بقدر الذي مضى منها، الذي بقي أقل مما مضى.

4 ـ النذير هو المرض :

 وبعضهم قال: المرض هو النذير، كانت الأجهزة تعمل بانتظام، في صبيحة أحدج الأيام أفاق الإنسان على ألمٍ في هذه الناحية، أو تعطل في هذا الجهاز، أو ضعف كفاءة في هذا الجهاز، هذا المرض مشعرٌ لطيف أن الرحيل قد دنا:

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

 المعنى الرابع لكلمة " النذير" هو المرض.

5 ـ النذير سن الأربعين :

 و المعنى الخامس أن بعض العلماء قال: من بلغ سن الأربعين فقد جاءه النذير، لأنه قد اكتمل عقله، من بلغ الأربعين و لم يغلب خيرُه شرَّه فليتجهَّز إلى النار، بلغ الأربعين، تزوج، استقر في عمل ما الذي بقي عليه؟ اكتمل عقلُه، أصبح ناضجا، عرف حقيقة الأشياء، زالت عنه سنُّ الطيش ثورة الشباب، ماذا بقي عليه، لذلك قال الله تعالى:

﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ﴾

[سورة الأحقاف: 15]

 أربعون عاما أكمل سن للرجل، بعد الأربعين يميل الميزان، يضعف البصر، يحتاج إلى نظارات، بعد الأربعين يشعر أن نشاطه قد زوى، فالأربعون هذه سنٌّ تُعدّ عند بعض المفسرين هي النذير.

 

6 ـ النذير موت الأقارب :

 أيها الأخوة المؤمنون، بعضهم قال: النذير موت الأقارب، هذا الذي معك الشريك يموت قبلك، و قد يموت الأخ الأكبر قبل الأخ الأصغر، و قد يموت الأخ الأصغر قبل الأخ الأكبر، و قد تموت الزوجة، و قد يموت الزوج، و قد يموت الأب، وقد يموت العم، وقد يموت الجار و قد يموت من هو أعلى منك، و قد يموت من هو أدنى منك، وقد يموت أقرب الناس إليك، كنت معه البارحة ساهرا، اليوم تحت أطباق الثرى، ترك الفراش الوثير، و ترك الطعام الفاخر، وترك الفخم، هو الآن تحت التراب، ماذا نفعل لو أن سبحانه و تعالى خلقنا دفعة واحدة؟ كيف نتَّعظ؟ لكننا حينما نودي بعضنا.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوما على آلة حدباء محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جـنازة  فاعلم بأنك بعدها محمــولُ
***

 فقي دمشق كل يوم ما يزيد عن أربعين إلى خمسين وفاة، و النعوات كل يوم تُلصق على الجدران، ومنظر الجنائز يوم يشاهدها جميع الناس، هذا هو النذير أيضا، سيدنا سعد رضي الله عنه قال: ثلاثة أنا فيهن رجل، من هذه الثلاثة: ما سرتُ في جنازة فشُغلت نفسي بغير ما تقول حتى أخرج منها، إذًا تقول الجنازة: هذا مصير الإنسان، زر المقابر، أشخاص أغنياء و فقراء و أقوياء و ضعفاء، أصحاء و مرضى، مشهورون و مغمورون، كلهم تحت أطباق الثرى، فالنذير هو الموت، موت الأقارب، أشد أنواع الموت موعظة أن يموت لك قريبٌ حميم، على اتِّصال مباشر معه، ليلا نهارا، حينما تدفنه بيدك و تعود إلى البيت، أنتم السابقون ونحن اللاحقون، هكذا قال النبي عليه الصلاة و السلام حينما كان يقف في البقيع، أنتم السابقون ونحن اللاحقون.

7 ـ النذير سن الستين :

 يا أيها الأخوة المؤمنون، بقي تفسيرٌ واحد وهو سن الستين، وسن الستين أيضا نذير، أحد معاني كلمة " النذير " بلوغ سن الستين، قال عليه الصلاة و السلام:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَى عَبْدٍ أَحْيَاهُ حَتَّى بَلَغَ سِتِّينَ أَوْ سَبْعِينَ سَنَةً لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ لَقَدْ أَعْذَرَ اللَّهُ إِلَيْهِ ))

[أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 أي بلغ أقصى أنواع العذر، وسن الستين سن الإنابة و الخشوع و ترقب المنية و لقاء الله سبحانه و تعالى، ولقد أبلغ في الإعذار من تقدّم في الإنذار، كما قال عليه الصلاة و السلام، أبلغ في الإعذار من تقدم في الإنذار، و إنه لينادي مناد من قبل الله تعالى: يا أبناء الستين أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر.." كمال العقل، كمال الحكمة في هذا السن، فإذا رأيت إنسانا في سن الستين يجلس في مقهى ويلعب النرد و لا يصلي أين عقله؟
 أيها الأخوة المؤمنون، كلمة " وجاءكم النذير" سن الأربعين أو سن الستين، أو الشيب أو المرض أو القرآن أو الرسول أو ما ناب عن الرسول في تبليغ الحق أو موت الأقارب والأهل، هذه المعاني كلها مستفادة من قوله تعالى:

﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾

[سورة فاطر: 37]

فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره :

 أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة و السلام في بعض خطبه يقول: ألا إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البَرُّ و الفاجر - البر يأكل والكافر يأكل، البر يتزوج و الكافر يتزوج - عرض حاضر، يأكل منها البَرُّ و الفاجر، ألا و إن الآخرة أجل صادق، يقضي فيها ملِك عادل، ألا و إن الخير كله بحذافيره في الجنة، ألا و إن الشر كله بحذافيره في النار، يعني الإنسان إذا لاحت له الجنة يقول: لم أرَ شرا قط، الخير كله بحذافيره في الجنة، و إذا لاحت النار يقول: لم أر خيرا قط، لأن الشر كله بحذافيره في النار، ألا فاعملوا وأنتم من الله على حذر، على حذر ألاّ يكون هذا العمل فيه إخلاص، واعلموا أنكم معرضون على أعمالكم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و من يعمل مثقال ذرة شرا يره، الخير كله بحذافيره في الجنة، و الشر كله بحذافيره في النار، و الدنيا عرض يأكل منها البر و الفاجر، و الآخرة وعد صادق يقضي فيها ملك عادل، اعلما أنكم سوف تُعرضون على أعمالكم عملا عملا، فما الجواب الذي أعددتموه؟
 أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، و سيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، و العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :

 

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم.

أسباب مرض السرطان :

 أيها الأخوة المؤمنون، في أحدث مقال عن مرض السرطان نشرته محجلة قيِّمة و ذكرت فيه حقائق مذهلة، هذه الحقائق لا تعنينا إلا من باب واحد، كيف تكون المعصية أحيانا سببا رئيسيا لهذا المرض، فمثلا قال العلماء: إن لهذا المرض مائة و عشرين نوعا، من أنواعه الشهيرة سرطان الرئة، عدد الإصابات في بعض البلدان الأجنبية في بلد واحد و في عام واحد، في عام 1985، وفي بلد أجنبي واحد عدد الإصابات مائة و أربعة و أربعون ألف إصابة، مات منها مئة و ستة وعشرون ألف إصابة، و السبب الأول التدخين، ثم تلوث الجو، هذه حقائق أضعها أمام أعينكم.

سرطان الثدي :

 وهناك نوع آخر من هذا المرض وهو سرطان الثدي، وعدد الإصابات في هذا البلد الأجنبي الآنف الذكر وفي العام نفسه مائة و تسعة عشر ألف إصابة، السبب الأول عدم الإرضاع، أي تخاف المرأة على جمالها فتعرض عن إرضاع وليدها، و ترضعه حليبا محضرا غير حليبها، هذا هو السبب الأول، وهناك سبب آخر هو تناول حبوب منع الحمل، و بعض الهرمونات، يعني هناك أخطار من تناول بعض الأدوية من دون استشارة طبيب.

سرطان الرحم :

 و هناك سرطان الرحم، وعدد ت الإصابات ثمانية وستون ألف إصابة، سببها كما جاء في المقال تعدُّد رفقاء الجنس، أي الزنا، وعد الختان، و هناك في سرطان المثانة أربعون ألف إصابة في هذا البلد الأجنبي بالذات و في عام واحد، أسبابها الدخان، فما علاقة الدخان بسرطان المثانة؟ الله أعلم، وهناك سرطان الفم و عدد الإصابات تسعة و عشرون ألف إصابة، في هذا البلد الأجنبي بالذات، و سببها الأول التدخين، و تناول المشروبات الروحية، الكحولية، وفي هذا البلد خمسة و عشرون ألف إصابة في سرطان المعدة، و سببها الأول هو التدخين.

الله سبحانه حرّم علينا كل ما يؤذينا :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون، هؤلاء الذين كتبوا هذه المقالات لا يحرمون و لا يحللون، إنما هي مقالات علمية بحتة، إنما هي إحصاءت دقيقة، إنما هي أسباب يرونها رأي العين، فلا ينبغي للإنسان أن يذهب في عاداته اليومية مذاهب خطرة، لأن الله سبحانه و تعالى حرّم علينا كل ما يؤذي، فينبغي أن نعلم علم اليقين أن الله سبحانه و تعالى أحلَّ لنا الطيبات و حرم علينا الخبائث، فهذه التي تؤذينا و تقلقنا و تسبب لنا هذه المهالك ينبغي أن نبتعد عنها، أما الذي يركب رأسه و يسلك طريقا غير صحيحة في تعامله مع أعضاء جسده، فهذا أحمق باع عقله للشيطان.

الذين كفروا يرون آيات الله :

 أيها الأخوة المؤمنون، يقول الله عز وجل:

﴿ سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ﴾

[ سورة فصلت: 53 ]

 وهذه "هم" ضمير الغائب، أي هؤلاء الذين كفروا بالدين يرون آيات الله في المخابر، يرونها في التلسكوبات، في الميكروسكوبات، يرونها واضحة جلية، تعدد رفقاء الجنس سبب أولي لسرطان الرحمن، فما قولكم، الله سبحانه و تعالى جعل بين طاعاته و بين النتائج علاقة علمية، و جعل بين معصيته و بين نتائجها علاقة علمية، غير الإثم و غير العقاب وغير ما ينتظر الإنسان من حساب يوم القيامة، إن هناك عقوبات عاجلة، و حسبكم المرض الذي أقلق العالم الغربي، مرض الإيدز، هذا المرض الذي بلغت أعداد الإصابات فيه رقما مذهلا، خمسة عشر مليون إصابة، في بلد أجنبي واحد، في العام الماضي، بلغت الإصابة، أسبابها الشذوذ و الجنسي، والزنا و تناول المشروبات الكحولية، هذا المرض اسمه انحلال المناعة، يبين لنا أحقية الدين، و كيف أن كل معصية وراءها عقاب أليم، يصيب الإنسان في الدنيا قبل الآخرة.

أرجحكم عقلا أشدكم لله حبًّاً :

 فيا أيها الأخوة المؤمنون، النبي عليه الصلاة و السلام يقول: أرجحكم عقلا أشدكم لله حبًّا......"

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

 هذا الذي لا يعقل و لا يفكر هذا لن يكون ديِّنا لأنه عطَّل فكره وعقله، تبارك الذي قسم العقل بين عباده أشتاتا، إن الرجلين ليستوي عملها وصومهما وصلاتهما و يختلفان في العقل، كالذرة جنب أُحد، وما رزق الله سبحانه و تعالى عباده شيئا أثمن من العقل و اليقين.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، و تولنا فيمن توليت، و بارك لنا فيما أعطيت، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، و لا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، و أكرمنا و لا تهنا، و آثرنا و لا تؤثر علينا، و أرضنا وارض عنا، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، و انصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنه على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018