الخطبة : 0154 - قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون - التربة وما تحتويه . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0154 - قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون - التربة وما تحتويه .


1987-01-16

الخطبة الأولى :

 الحمد لله رب العالمين ، ثم الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله ، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكلي إلا على الله ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، إقرارا بربوبيته وإرغاما لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم سيد الخلق والبشر ، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر ، اللهمّ صلِّ و سلم وبارك على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه ، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين ، اللهم ارحمنا ، فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فإنك علينا قادر ، والطف بنا فيما جرت به المقادير إنك على كل شيء قدير، اللهم علمنا ما ينفعنا ، و انفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقا و ارزقنا اتباعه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

الذكر :

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ ورد في الحديث القدسي أن سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام قال : يا رب وددت أني علم من تحب من عبادك ، قال فأحبه ، فقال الله عز وجل : إذا رأيت عبدي يكثر ذكري ، فأنا أحبه ، و إذا رأيت عبدي لا يذكرني فأنا أبغضه ، قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً ﴾

[ سورة الأحزاب الآيات : 41-42]

 عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ قَالُوا بَلَى قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ))

[ رواه الترمذي ]

 شارحو هذا الحديث وقفوا عند كلمة :
 " ذكر الله "
 أن تذكره في نفسك ، وأن تذكره لخلقه ، فإذا ذكرته لخلقه فهذا خير لكم من إنفاق اذهب و الفضة .

 

الفلاح .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ في سورة المؤمنون آيات جاءت في مطلعها ، يقول الله سبحانه و تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

 كلمة :

﴿ أَفْلَحَ ﴾

 بمعنى فاز ، و في القرآن الكريم آيتان أخريان بُدأت بقوله تعالى قد افلح ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى الآية : 14 ]

 قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس الآية : 9 ]

 وقال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

 قال المفسرون : قد أفلح بمعنى دخل في الفوز العظيم ، دخل في النجاح المطلق ، دخل في السعادة الأبدية ، دخل في نيل خير ما في الدنيا .

 

الفوز العظيم :

 أيها الإخوة الأكارم ؛ إذا قال لك طفل صغير معي مبلغ عظيم ، فكم هو هذا المبلغ ؟ طفل صغير لا يزيد عمره عن خمس سنين ، قال لك : أنا معي مبلغ عظيم ، وإذا قال من تظنه أغنى أغنياء العالم : أنا معي مبلغ عظيم ، فكلمة عظيم من الطفل الصغير ككلمة عظيم من الغني الكبير ؟ فكيف إذا قال أعظم العظماء ، رافع السماوات بغير عمد ، من بيده ملكوت كل شيء ، من عنده خزائن كل شيء ، من لا حدود لقدرته وغناه ، كيف لو قال الله لك :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 71 ]

 كيف ، الفوز العظيم الذي وصف الله به عباده المؤمنين هو الفوز ، قال تعالى :

﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ﴾

[ آل عمران الآية : 185]

 فهل ترى يا أيها الأخ الكريم أنك إذا أطعت الله و رسوله فقد فزت فوزا عظيما ، لا يقاس به فوز عظماء العالم و لا أغنياء العالم ، قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب الآية : 71 ]

 من تعلم القرآن فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه فقد حقّر ما عظّمه الله تعالى ، القرآن غنى لا فقر بعده ، و لا غنى دونه ، إذا قال الله عز وجل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

 إن لم تكن مؤمنا و ملكت الدنيا بأسرها فأنت من الخاسرين ، قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر]

 الدنيا بأكملها لا تسمى عند الله عطاء و لو ملكها إنسان واحد ، لأن شأن الكريم أنه إذا أعطى لا يأخذ ، و الدنيا كلها نفقدها عند الموت ، نفقد كل شيء في ثانية واحدة ، هذا الذي حصلناه في عمر طويل يؤخذ منا في ثوانٍ ، ما إن يتوقف القلب عن النبض إلا سُلبت منا الدنيا كلها ، زوجتك ، أولادك ، بيتك ، مكانتك ، علمك ، ممتلكاتك ، كلها تؤخذ منك ، فهل تسمى الدنيا عطاء ، سماها الله متاع الغرور ، قال تعالى :

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾

[سورة النساء الآية : 77]

 قال تعالى :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾

[سورة التوبة الآية : 38]

 من وقفت على يديه بعوضة فقتلها ، بماذا يشعر ، هل يشعر أنه ارتكب إثما ، هل يشعر أن أحدا سيحاسبه ، يشعر أنه خالف شيئا ، لهوانها على الناس ، لو قتلت بعوضة لا تشعر بشيء أبدا ، لهوانها عليك ، إنك لو أصبت هرة لشعرت بوخز الضمير ، لكن البعوضة لا شأن لها عند الناس ، فكيف بجناح واحد من أجنحة البعوضة ؟ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[رواه الترمذي]

 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَإِذَا هُوَ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ شَائِلَةٍ بِرِجْلِهَا فَقَالَ :

(( أَتُرَوْنَ هَذِهِ هَيِّنَةً عَلَى صَاحِبِهَا فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ عَلَى صَاحِبِهَا وَلَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَزِنُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا قَطْرَةً أَبَدًا ))

[ ابن ماجه]

الفلاح والفوز فقط للمؤمنين :

 فمهما حصلت من الدنيا لا تسمى فالحًا ، و لا تسمى ناجحا و لا تسمى متفوقا ، و لا تسمى ذكيا و لا مفلحا و لا فائزا ، لكنك إذا كنت مؤمنا قال الله عز وجل :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

 فازوا بسعادة الدنيا والآخرة ، فازوا بجنة عرضها السماوات والأرض ، فازوا بالأبدية ، في جناب الحضرة القدسية ، قال تعالى :

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾

[سورة القمر الآيات : 54-55]

 قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

 سيدنا علي كرم الله وجهه قال : الغنى و الفقر بعد العرض على الله ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

صفات للمؤمنين :

 وكل منا يظن أنه مؤمن ، ولكن الله عز وجل وصـف المؤمنين بمجموعة من الصـفات ، وهذا في علم المنطق أن الصـفة قيد ، كلما زدت صـفة ضـاقت الدائرة ، أي لو قلت :
 طالب في القطر العربي السوري ، هذا ينطبق على مليون .
 فإذا قلت :
 طالب أحرز الشهادة الثانوية ، فهذا ينطبق على خمسين ألف .
 فإذا قلت :
 أحرز هذا المجموع ينطبق على عشرة آلاف .
 إذا قلت :
 نال في هذه المادة أربعين من خمسين ، ينطبق على ثلاثة آلاف .
 كلما أضفت صفة ضاقت الدائرة ، ربنا سبحانه قال :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون الآية : 1 ]

الصفة الأولى : الخشوع في الصلاة .

 من هم ؟ قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 2]

 هل إذا وقفت بين يدي الله عز وجل تستحضر عظمة الله عز وجل ، هل تحس أنك تقف بين يدي خالق السماوات والأرض ؟ هل تنشغل عنه بشيء ، ثلاثة أنا فيهن رجل ، و فيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ، ما صليت صلاة فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 1-2]

 خاشعون يرون أنهم واقفون بين يدي الله عز وجل .

 

الصفة الثانية : عن اللغو معرضون .

 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 3]

 أيُّ عمل ، أو أي قول لا جدوى منه ، أو ليس له علاقة بالدار الآخرة ، أو ليس له علاقة بذكر الله و ما والاه ، أو مخالف لنص الشرع ، أو أي شيء سوى الله عز وجل هو لغو ، في تفسير المفسرين ، اللغو ما سوى الله عز وجل ، إن الله يحب معالي الأمور ، و يكره سفسافها و دنيها ، قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 2-3]

 طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

(( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ))

[رواه الترمذي]

الصفة الثالثة : الإنفاق .

 قال تعالى :

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 2-4]

 يدفعون من أموالهم لتزكو نفوسهم ، ما قيمة الإيمان بلا عمل ، ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني ، و لكن ما وقر في القلب و صدقه العمل .
 أيها الإخوة الأكارم ؛ حينما تدفع من مالك الذي كسبته من حلال ابتغاء مرضاة الله عز وجل ، فإنك بهذا العمل تقبل على الله عز وجل ، وإذا أقبلت عليه تجلى الله على قلبك فطهّره من كل شيء لا يرضيه ، و حلاّه بالكمالات التي ترضيه .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ لا بد من الخشوع في الصلاة ، و لا بد من الإعراض عن كل ما سوى الله عز وجل ، و لا بد من دفع المال ابتغاء مرضاة الله ، قال تعالى :

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾

[سورة آل عمران الآيات : 133-134]

الصفة الرابعة : حفظ الفرج .

 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 5]

 قال بعض العلماء : إن الله سبحانه و تعالى علّق فلاح العبد على حفظ فرجه ، ولا سبيل إلى الفلاح من دون ذلك ، أي هذا الذي يعطي نفسه ما تشتهي ، هذا الذي لا تنضبط شهواته ، يطلق بصره ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( النظرة سهم مسموم من سهام إبليس من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد له حلاوته في قلبه ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ]

 من ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من نار جهنم .
 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 5]

ليس في الإسلام حرمان .

 هذه الشهوة التي أودعها الله فيك ، و التي يمكن أن تسمو به إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، هذه الشهوة يجب أن يضبطها الرجل حتى يعدّ مؤمنا ، و لا يسمى المؤمن مؤمنا ما لم يضبط هذه الشهوة ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 5-6]

 ليس في الإسلام حرمان ، إنما في الإسلام قنوات نظيفة تحقق سعادة الأمة ، نظام الزواج ، نظام الأسرة هو اللبنة الأولى في المجتمع ، هذه الشهوة يمكن أن تصرف في طريق مشروع ، يمكن أن تسلك بها في قناة صحيحة نظيفة ، تثمر أسرة و زوجة مخلصة ، وأولادا ، قال تعالى :

﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 6-7]

 أيّ طريق ، أيّ سلوك ، أيّ تصرف يتجاوز هذا الطريق الصحيح فهو عدوان على أعراض الناس ، عدوان على طريق الحق ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 5]

 سؤال يدعو إلى أن يطرح نفسه : لماذا قدّم الله الخشوع في الصلاة على الحفاظ على الصلوات ؟ لأن الخشوع أساس الصلاة ، صلاة بلا خشوع لا يعتد بها ، الخشوع أساس الصلاة ، و صلاة بلا خشوع لا يعتد بها ، لذلك قدّم الله الخشوع في الصلاة على المحافظة على الصلوات .

 

الصفة الخامسة : الأمانة .

 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 8]

 ما أوسع الأمانة ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب الآية : 72]

 أولادك أمانة ، زوجتك أمانة ، من هم دونك في العمل أمانة ، حرفتك أمانة ، إتقان حرفتك أمانة ، الذين يشترون من عندك أمانة في عنقك ، هل نصحتهم أو غششتهم ؟ هل صدقته أم كذبتهم ؟ هل أخذت منهم ثمنا أم شعرت أنهم محتاجون لهذه الحاجة فرفعت سعرها أضعافا مضاعفة ، هذا الذي يقف على دكانك سيحاسبك ، غبن المسترسل ربا ، قال عليه الصلاة و السلام :

(( غبن المسترسل حرام ))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبو أمامة الباهلي ]

 إذا شعرت أن هذا الشاري يجهل طبيعة هذه المادة و يجهل سعرها فرفع عليه السعر وأوهمته بمعلومات غير صحيحة ، ليس هذا ذكاء في البيع و الشراء ، و ليس هذا نجاحا ، إنما هو معصية و انحراف ، و بُعد عن الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 8]

 عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ :

(( أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[رواه مسلم]

 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآية : 8]

 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا قَالَ :

(( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ))

[رواه أحمد]

الصفة السادسة : المحافظة على الصلوات .

 قال تعالى :

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 9-10]

 إذا قلت بينك وبين نفسك ، فاطرح على نفسك هذا الأسئلة : هل أنت خاشع في صلاتك ؟ هل أنت معرض عما سوى الله عز وجل ؟ هل أنت تدفع من مالك ابتغاء مرضاة الله عز وجل ؟ هل تضبط شهوتك انضباطا صحيحا ؟ هل أنت حافظ لأمانتك ؟ قال عليه الصلاة و السلام يتحدث عن التجار الذين يرضى الله عنهم : الذين إذا حدثوا لم يكذبوا ، و إذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا ائتمنوا لم يخونا ، وإذا باعوا لم يطروا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، و إذا لكن لهم يعسوا .... قال تعالى :

 

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 8-11]

 مطلع هذه السورة وصف دقيق للمؤمنين ، هذا الوصف بمثابة المقياس لكم ، قيسوا به إيمانكم ، فإن جاء إيمانكم وفق هذا القياس فافرحوا و حُق لكم أن تفرحوا ، و إن كان هناك تقصير فاجتهدوا ، و إن كان هناك بعدٌ فابكوا على أنفسكم ، قال تعالى :

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 1-11]

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ انظروا ماذا يفعل الإيمان في نفس الإنسان ، قيل : لما توجه سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى صفين افتقد درعا له ، افتقدها ، فلما انقضت الحرب و رجع إلى الكوفة وجد درعه بيد ذميّ ، وهو يعرفه ، فقال الإمام علي كرم الله وجهه لهذا الذمي : هذه الدرع درعي ، لم أبعها و لم أرهنها ، فقال الذمي : بل هي درعي و في يدي ، فقال الإمام علي كرم الله وجهه : نصير إلى القاضي ليحكم بيننا ، فذهبا و تقدم علي رضي الله عنه و كان القاضي شريح و قال للقاضي : هذه الدرع التي بيد هذا الذمي درعي لم أبع و لم أهب ، فقال شريح : ألك بينة يا أمير المؤمنين ، معك دليل ؟ قال : نعم يشهد بذلك قنبر و الحسن ابنه أن الدرع درعي ، فقال شريح : يا أمير المؤمنين شهادة الابن لا تجوز للأب ، فقال علي كرم الله وجهه : ابني رجل من أهل الجنة ، و لا تجوز شهادته ، سمعت النبي صلى الله عليه و سلم يقول : الحسن و الحسين سيدا شباب أهل الجنة ، فقال الذمي و قد دُهش لهذا القضاء و لهذا العدل ، و لم ير من قبل مثله ، فقال الذمي : أمير المؤمنين قدّمني على قاضيه ، و قاضيه يقضي عليه ، أشهد أن هذا هو الحق ، و اشهد أن لا إله إلا الله و أشهد أن محمدا رسول الله ، صلى الله عليه و سلم ، و أن الدرع درعك يا أمير المؤمنين ، أي قواعد صارمة ، حقوق ثابتة ، البينة على من ادّعى ، و اليمين على من أنكر ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الْحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ لَا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ وَقَاضٍ قَضَى بِالْحَقِّ فَذَلِكَ فِي الْجَنَّةِ ))

[رواه الترمذي]

 يأتي على القاضي العدل ساعة يتمنى أن لو لم يقض بين اثنين في تمرة ، حجر كما يقال عجَّ إلى الله عز وجل بالشكوى ، قال : يا رب تجعلني في أس كنيف ؟ قال : تأدب يا حجر ، اشكرني على أن لم أجعلك في مجلس قاض ظالم .
 هذا هو الدين أيها الإخوة ، عدالة ما بعدها عدالة ، إنصاف ما بعده إنصاف .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا ، و سيتخطى غيرنا إلينا ، فلنتخذ حذرنا ، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، و العاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني .

والحمد لله رب العالمين
***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين ، وأشهد أن لا إله إلا الله وليُّ الصالحين ، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم ، اللهم صل و سلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين .

التربة وما تحتويه .

 أيها الإخوة المؤمنون ؛ شيء لا يُصدق ، أن مترا مكعبا من التربة الزراعية التي نستخدمها للزراعة ، فيه ما يزيد عن ..... المتناهية في الدقة ، و إن غراما واحدا من هذه التربة يحتوي على عدة - غرام واحد من هذه التربة - يحتوي على عدة مليارات من البكتريات ، مخلوقات متناهية في الدقة ، على شكل عُصيات ، و على شكل كريات ، و على شكل لوالب ، بعضها يحتاج إلى الأوكسجين ، و بعضها لا يحتاج ، بعضها عارٍ ، و بعضها له أهداب تمكنه من الحركة ، في الغرام الواحد عدة مليارات من البكتريات ، بعضها لها أهداب تنتقل ، وبعضها تأخذ الأوكسيجين من التربة ، و بعضها على شكل عصيات ، بعضها على شكل كرات ، بعضها على شكل لوالب ، و أن هذه الكائنات المئتا ألف ديدان عنكبي ، و المائة ألف حشرات ، و المئتان إلى ثلاثمئة دودة ، والغرام الواحد عدة مليارات ، قال : هذا المصنع ذو حركة دائمة يقوم بمهمات هي من أكثر المهمات غموضا واستغلاقا حتى اليوم ، هذه الكائنات مما وظيفتها ؟ يعرف العلماء بعض الوظائف ، أما وظيفتها بالضبط لا يزال هذا سرا ، وهذا المصنع ذو الحركة الدائمة يقوم بمهمات من أكثر المهمات أهمية و نفعا للإنسان ، يعني لو أن الجنس البشري كله أُبيد عن آخره تبقى الحياة مستمرة ، أما هذه الكائنات لو أبيدت لانتهت من على سطح الأرض كليا ، أي ربما كان وجود هذه الكائنات أخطر من وجود الإنسان ، فكل شيء نأكله بشكل مباشر أو غير مباشر ، إنما اصله من النبات الأخضر ، يعني إذا أكلت اللحم ، فاللحم نبت من العشب ، هذا الخروف أكل العشب فنما جسمه ، فأكلت أن لحمه ، فغذاؤك بشكل أو بآخر أساسه النبات ، و النبات الأخضر ، قال تعالى :

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾

[سورة يس الآية : 80]

 احتار العلماء في كلمة " الأخضر " هنا ، كيف يكون الشجر أخضر و كيف يُجعل وقودا ؟ لا يكون الشجر وقودا إلا إذا كان يابسا ، فلماذا قال الله عز وجل :

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾

[سورة يس الآية : 80]

 قال بعض العلماء : إن كلمة الأخضر إشارة علمية إلى أن هذا الشجر ما كان له أن يكون شجرا لولا أوراقه الخضراء ، فالأوراق الخضراء أساس وجوده ، بل إن نمو النبات يعتمد على حادثة اسمها التحليل والتمثيل الضوئي ، فلا نبات بلا ضوء ، و لا نبات بلا شمس ، و لا نبات بلا ماء ، الماء و الشمس و غاز الفحم الذي أودعه الله في الجو هو سبب نمو النبات ، وما أوراق الأشجار إلا معامل تصنع مواد النبات الأساسية ، و المواد العضوية .
 يا أيها الإخوة المؤمنون ؛ تساقط الأوراق ، تأتي الرياح و توزِّع الأوراق المتساقطة على أنحاء التربة كله ، تأتي مليارات الكائنات المجهرية فتلتهمها ، تلتهم أوراق الأشجار ، فإذا التهمتها تصبح غذاء صالحا للكائنات الأكبر منها ، هي وحيدة الخلية ، فإذا التهمتها تصبح غذاء صالحا لكائنات أرقى منها هي البكتريات ، على ثلاث مراحل ؛ وهذه العمليات الحيوية تحتاج إلى الهواء ، من أين يأتي الهواءُ داخل التربة ، وظيفة الديدان أن تفتح أنفاقا في التربة ، الديدان و القوارض و الأفاعي و الخُلد و كل الكائنات التي تعيش تحت التربة وظيفتها تهوية التربة ، فلو ألغيت لانعدم الإنبات على سطح الأرض .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ هذه الديدان تلتهم التراب ، و تفرز السمد ، و لا أدري كم من الأطنان تنتجها الديدان في الهكتار الواحد ، كم من الأطنان - أطنان جمع طن - من الأسمدة تنتجها الديدان في الهيكتومتر الواحد المربع .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ كون عظيم ، و خالق عظيم ، وشرع حكيم ، فأين أنتم ؟ فأين تذهبون ؟ ما الذي يصرفنا عن الله سبحانه و تعالى ؟ ما الذي يصرفنا عن تطبيق أمره ، هذه بعض الحقائق ، قال تعالى :

﴿ وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء الآية : 85]

﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾

[سورة البقرة الآية : 255]

 الغرام الواحد عدة مليارت من البكتريا ، ماذا يجري تحت التراب ، لا يعلمه إلا الله ، معامل ، كائنات ، عمليات تحول ، معادلات ، ونحن لا ندري ، ليس لنا إلا نقطف الثمار و نأكلها ، أن نقطف الخضار و نأكلها ، أن نجني المحاصيل و نأكلها ، و على الله الباقي .
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ و إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها ، خلق الله الأرض وما فيها و ما تحتها وما عليها من أجل أن تعرفه ، فإذا عرفناه فقد حقَّقنا الهدف من خلقه ، و إن لم نعرفه فيا حسرة على حياتنا ، قال تعالى :

﴿ يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾

[سورة يس الآية : 30]

 قال تعالى :

﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[سورة المؤمنون الآيات : 99-100]

 و قال تعالى :

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾

[سورة الفجر الآيات : 24-26]

 و قال تعالى :

﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولاً ﴾

[سورة الفرقان الآيات : 27-29]

 هذه الآيات الكونية بابا عريض مفتوح لمعرفة الله سبحانه و تعالى .

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت ، و تولنا فيمن توليت ، و بارك لنا فيما أعطيت ، و قنا و اصرف عنا شر ما قضيت ، فإنك تقضي و لا يُقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، و لا يعز من عاديت ، تباركت ربنا و تعاليت ، اللهم أعطنا و لا تحرمنا ، و أكرمنا و لا تهنا ، و آثرنا و لا تؤثر علينا ، و أرضنا وارض عنا ، و اقسم لنا من خشيتك مت تحول به بيننا و بين معصيتك ، و من طاعتك ما تبلغنا بها جنتك ، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ، و متعنا اللهم بأسماعنا و أبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا على من ظلمنا ، و انصرنا على من عادانا ، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ،ولا مبلغ علمنا ، و لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك و لا يرحمنا ، مولانا رب العالمين ، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين ، وانصر الإسلام وأعز المسلمين ، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى ، إنه على ما تشاء قدير ، وبالإجابة جدير .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018